اعتدنا أن نجتمع فى بيت جدنا "منصور السويفى" الذى يقع فى إحدى القرى النائية والغارقة فى غبار مصانع الطوب الطِفلى فى أقصى جنوب الجيزة... حيث يملك جدنا أحد أهم مصانع الطوب هناك ويقطن بيتاً, أشبه بالقصر ,يجمعنا عيد الأضحى هناك كل عام حيث نلتف حول الجد الحبيب وبرغم تقدم الجد وبلوغه السبعين من عمره هذا العام إلا انه مازال كتلة متدفقة من النشاط العارم لا يفوقه فى هذا سوى خادمه شيراز,.........شيراز بقامته المتوسطة وبنيانه المتين كشجرة بلوط راسخة ووجهه المحمر وعيونه الزرقاء البارزة وأصابعه القصيرة المكتنزة المنهمكة دائماً فى عملٍ ما ,...... يعمل فى دأب وسرعة كالربوت , لا تكاد تشعر بخطواته وهو يرتب هذا هذا وينقل ذاك ويعد الطعام لتلك ...... ثم يشرف على المائدة ويقف كالتمثال الصامت حتى ننتهى ليشرع بعدها فى عملية غسيل الآطباق ثم يعود فى دقائق عدة ليوزع علينا أكواب الشاى المعطر بالنعناع تارة ، و بالياسمين تارة أخرى ، وماهى إلا فينة حتى يتخذ موضعه السابق فى الركن المهمل ، واقفاً كالطود الراسخ , تشرئب أًذناه فقط لأقل همسة من الجد لكلمة "شيراز"
صادف العيد هذا العام بداية السنة الجديدة ، حضر جميع أفراد العائلة من الخالات العزيزات وأبنائهن وأزواجهن ؛ فجدى لم ينجب سوى ثلاث بنات ، وقد رحلت الجدة العزيزة منذ أكثر عشر سنوات .
يقف شيراز منذ الصباح الباكر ، يشرف على عمليات ذبح الخراف ، ثم توزيعها على الفقراء وفى الوقت ذاته يعد لنا طعام الإفطار الشهى المكون من الثريد واللحم المسلوق . علقت خالتى الرقيقة سمية بقولها:-
إن شيراز يقوم بعمل كتيبة ........بينما شيراز نفسه يقف متابعداً ، صامداً صامتاً ، تتعاقب عليه السنون ، فلا تزيده إلا صمتاً فوق صمت.
وبنهاية اليوم يرحل الجميع ما عدا أنا وابن خالتى خالد الطبيب الحديث التخرج وقد حل المساء البارد سريعاً على القرية الغافيه تحت سماء رمادية منذرة بالمطر ، وثمة لسعة برد قارصة ، تجتاح الأبدان ليلاً.............. إلا أن هذا لم يمنعنا من أن ننتقل برفقة الجد إلى الإستراحة المطلة على النهر ، وقد تدلت الاشجارالمرتعشة فى دلال ، تعانق صفحة الماء ، بينما يجلس جدنا فى استرخاء على إحدى أرائك الخيرزان .......... وبجانبه يقبع شيراز ، يشعل له النارجيلة ، التى يدخنها جدى فى نشوة تعبق الجو برائحة التفاح ، وتشغلنا عن شيراز المنتبه دوماً لجذوة النار ، يطعمها إذا خبت ........ ثم ينتقل سريعا إلى شعلة التنور الصغير الذى صنعه بمهارة ؛ ليصنع عليه الشاى الأسود الثقيل المُطعم برائحة الدخان .
فى هذه الليلة البعيدة الباردة ، كان لدى فضول دائم بشأن شيراز وغرابة اسمه ، فوجهت كلامى إليه :-
من أطلق عليك هذا الاسم الغريب ........نظر إلي بوجه جامد لا تعبير يعتريه وعاد مرة أخرى لتنوره الصغير يجلب له الرياح جلباً كى يتوهج وينتشى حتى نسمع صوت غليان الشاى فى تؤدة محببة.
ولم يقطع سؤالى سوى صوت جدى الضاحك وهو يقول من بين أنفاس النارجيلة المتلاحقة وعيونه المغمضة نصف إغماضة :-
إن له قصة غريبة شائكة فقد وجدته فى نحو الخامسة من عمره يغالب الموت على عتبة الدار و كنت يومها شابا فى الخامسة و العشرين ....... ثم يكمل وسط إنصاتنا ً له :-
يقال أن أحد مهندسى الإنشاء الفرنسيين إبان بناء مصانع الطوب منذ خمسين عاما أغوى إحدى الفلاحات, فأنجبته ثم تركته كالكلب الضال يجوب الشوارع لا يلفظ سوى اسم شيراز .
نضحك فى حبور ، ونداعب شيراز فى شقاوة ، فلا بنبس ببنت شفة ، وكأن الآمر لا يعنيه ، وهو يحرك الإناء ألأسود فى حرص
غمغم خالد بجدية وقال : نظرية صحيحة
ما هى؟ يسأله الجد فيجيب خالد:
- إن ملامحه وتكوينه العظمى يدل على أصله .... فيلتفت جدى نحو شيراز فى اهتمام وقد ترك مبسم النارجيلة من فمه وكأنه يراه لأول مرة :
- هذه مجرد دعابة يا خالد راجت حوله , فيقاطعه خالد وقد بهره اكتشافه:
-انظر إليه يا جدى بعيونه الزرقاء ولحيته الشقراء إنه يحمل ملامح جنوب فرنسا , فتشخص أزواج ثلاثة من العيون نحو شيراز وجدى يضحك فى سخرية فيقول:
لابد أن أمك كانت فتاة لعوب
فنقهقه جميعاً فى وجه شيراز وتفوتنا تلك الإرتعاشة الصادمة عند زاوية فمه والتماعة الدموع فى عينيه وانسكاب الشاى على جذوة النار تطفئها فى أسى لتقذف بها إلى غياهب العدم وتخلف الدخان الرمادى الكئيب.
فى الصباح يصحو الجد وقد سبقناه ونلتف حول المائدة انتظارً لطعام الإفطار لكن شيراز لا يظهر وقد صدح جدى مرتين بصوته المجلجل يا شيراز............. فأجابه الصمت المنذر بالكارثة
هرعت لغرفته يتبعنى جدى وخالد فى خطوات وجلة وأدرت الباب فى ارتجاف، وقد بلغ توترى مداه وأنا أخطو نحو الجسد المسجى على الأرض وثمة حبل ملتف حول رقبته وقد انقطع دون بلوغ غايته ...وجدت جسده يرتجف وثمة دموع تنهمر من عينيه الزقاروين وتغرق لحيته الشقراء بينما ارتعشت شفتاه فى بطء
هرع خالد يفحصه وقد ألم بالجسد شلل تام بينما نادى جدنا عليه فى حنو فأدار شيراز وجهه نحو الحائط وانسابت عيناه فى نشيج
مكث فى رعاية جدى شهرا , كان يطعمه بيده ويمسح له فمه بمنديله ويشرف مع الممرض على إستحمامه..لكن شيراز لم يرن بعينيه أبدا لجدى ولم يسامحه , فقد كان يحملق دائما فى الفضاء ....ولم يكد يكتمل الشهر........ وكنا نجلس على شرفة القصر وشيراز فى كرسيه المتحرك وفجأة تحركت عيناه ونظر لجدى نظرة عتاب أخيرة ، فانسابت عبراتنا أنا وجدى وقد شخصت العينان الدءوبتان الى ما لا نهاية بينما راحت أصابع جدى تغمض العينين فى ذهول ليأخذه فى لوعة بين أحضانه وينتحب .
خارج القرية وفى مقابر العائلة دفنه جدى وقد كتب على قبره شيراز منصور السويفى وحينما عدنا للقصر البارد القابع تحت وطأة الضمير تصفر فيه رياح أوائل فبراير العاتية... أيقنت أن روحه مازالت بالمنزل تهيم من مكان لمكان كدأبه الأثير .
صادف العيد هذا العام بداية السنة الجديدة ، حضر جميع أفراد العائلة من الخالات العزيزات وأبنائهن وأزواجهن ؛ فجدى لم ينجب سوى ثلاث بنات ، وقد رحلت الجدة العزيزة منذ أكثر عشر سنوات .
يقف شيراز منذ الصباح الباكر ، يشرف على عمليات ذبح الخراف ، ثم توزيعها على الفقراء وفى الوقت ذاته يعد لنا طعام الإفطار الشهى المكون من الثريد واللحم المسلوق . علقت خالتى الرقيقة سمية بقولها:-
إن شيراز يقوم بعمل كتيبة ........بينما شيراز نفسه يقف متابعداً ، صامداً صامتاً ، تتعاقب عليه السنون ، فلا تزيده إلا صمتاً فوق صمت.
وبنهاية اليوم يرحل الجميع ما عدا أنا وابن خالتى خالد الطبيب الحديث التخرج وقد حل المساء البارد سريعاً على القرية الغافيه تحت سماء رمادية منذرة بالمطر ، وثمة لسعة برد قارصة ، تجتاح الأبدان ليلاً.............. إلا أن هذا لم يمنعنا من أن ننتقل برفقة الجد إلى الإستراحة المطلة على النهر ، وقد تدلت الاشجارالمرتعشة فى دلال ، تعانق صفحة الماء ، بينما يجلس جدنا فى استرخاء على إحدى أرائك الخيرزان .......... وبجانبه يقبع شيراز ، يشعل له النارجيلة ، التى يدخنها جدى فى نشوة تعبق الجو برائحة التفاح ، وتشغلنا عن شيراز المنتبه دوماً لجذوة النار ، يطعمها إذا خبت ........ ثم ينتقل سريعا إلى شعلة التنور الصغير الذى صنعه بمهارة ؛ ليصنع عليه الشاى الأسود الثقيل المُطعم برائحة الدخان .
فى هذه الليلة البعيدة الباردة ، كان لدى فضول دائم بشأن شيراز وغرابة اسمه ، فوجهت كلامى إليه :-
من أطلق عليك هذا الاسم الغريب ........نظر إلي بوجه جامد لا تعبير يعتريه وعاد مرة أخرى لتنوره الصغير يجلب له الرياح جلباً كى يتوهج وينتشى حتى نسمع صوت غليان الشاى فى تؤدة محببة.
ولم يقطع سؤالى سوى صوت جدى الضاحك وهو يقول من بين أنفاس النارجيلة المتلاحقة وعيونه المغمضة نصف إغماضة :-
إن له قصة غريبة شائكة فقد وجدته فى نحو الخامسة من عمره يغالب الموت على عتبة الدار و كنت يومها شابا فى الخامسة و العشرين ....... ثم يكمل وسط إنصاتنا ً له :-
يقال أن أحد مهندسى الإنشاء الفرنسيين إبان بناء مصانع الطوب منذ خمسين عاما أغوى إحدى الفلاحات, فأنجبته ثم تركته كالكلب الضال يجوب الشوارع لا يلفظ سوى اسم شيراز .
نضحك فى حبور ، ونداعب شيراز فى شقاوة ، فلا بنبس ببنت شفة ، وكأن الآمر لا يعنيه ، وهو يحرك الإناء ألأسود فى حرص
غمغم خالد بجدية وقال : نظرية صحيحة
ما هى؟ يسأله الجد فيجيب خالد:
- إن ملامحه وتكوينه العظمى يدل على أصله .... فيلتفت جدى نحو شيراز فى اهتمام وقد ترك مبسم النارجيلة من فمه وكأنه يراه لأول مرة :
- هذه مجرد دعابة يا خالد راجت حوله , فيقاطعه خالد وقد بهره اكتشافه:
-انظر إليه يا جدى بعيونه الزرقاء ولحيته الشقراء إنه يحمل ملامح جنوب فرنسا , فتشخص أزواج ثلاثة من العيون نحو شيراز وجدى يضحك فى سخرية فيقول:
لابد أن أمك كانت فتاة لعوب
فنقهقه جميعاً فى وجه شيراز وتفوتنا تلك الإرتعاشة الصادمة عند زاوية فمه والتماعة الدموع فى عينيه وانسكاب الشاى على جذوة النار تطفئها فى أسى لتقذف بها إلى غياهب العدم وتخلف الدخان الرمادى الكئيب.
فى الصباح يصحو الجد وقد سبقناه ونلتف حول المائدة انتظارً لطعام الإفطار لكن شيراز لا يظهر وقد صدح جدى مرتين بصوته المجلجل يا شيراز............. فأجابه الصمت المنذر بالكارثة
هرعت لغرفته يتبعنى جدى وخالد فى خطوات وجلة وأدرت الباب فى ارتجاف، وقد بلغ توترى مداه وأنا أخطو نحو الجسد المسجى على الأرض وثمة حبل ملتف حول رقبته وقد انقطع دون بلوغ غايته ...وجدت جسده يرتجف وثمة دموع تنهمر من عينيه الزقاروين وتغرق لحيته الشقراء بينما ارتعشت شفتاه فى بطء
هرع خالد يفحصه وقد ألم بالجسد شلل تام بينما نادى جدنا عليه فى حنو فأدار شيراز وجهه نحو الحائط وانسابت عيناه فى نشيج
مكث فى رعاية جدى شهرا , كان يطعمه بيده ويمسح له فمه بمنديله ويشرف مع الممرض على إستحمامه..لكن شيراز لم يرن بعينيه أبدا لجدى ولم يسامحه , فقد كان يحملق دائما فى الفضاء ....ولم يكد يكتمل الشهر........ وكنا نجلس على شرفة القصر وشيراز فى كرسيه المتحرك وفجأة تحركت عيناه ونظر لجدى نظرة عتاب أخيرة ، فانسابت عبراتنا أنا وجدى وقد شخصت العينان الدءوبتان الى ما لا نهاية بينما راحت أصابع جدى تغمض العينين فى ذهول ليأخذه فى لوعة بين أحضانه وينتحب .
خارج القرية وفى مقابر العائلة دفنه جدى وقد كتب على قبره شيراز منصور السويفى وحينما عدنا للقصر البارد القابع تحت وطأة الضمير تصفر فيه رياح أوائل فبراير العاتية... أيقنت أن روحه مازالت بالمنزل تهيم من مكان لمكان كدأبه الأثير .
تعليق