شيراز

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • روان عبد الكريم
    أديب وكاتب
    • 21-03-2010
    • 185

    شيراز

    اعتدنا أن نجتمع فى بيت جدنا "منصور السويفى" الذى يقع فى إحدى القرى النائية والغارقة فى غبار مصانع الطوب الطِفلى فى أقصى جنوب الجيزة... حيث يملك جدنا أحد أهم مصانع الطوب هناك ويقطن بيتاً, أشبه بالقصر ,يجمعنا عيد الأضحى هناك كل عام حيث نلتف حول الجد الحبيب وبرغم تقدم الجد وبلوغه السبعين من عمره هذا العام إلا انه مازال كتلة متدفقة من النشاط العارم لا يفوقه فى هذا سوى خادمه شيراز,.........شيراز بقامته المتوسطة وبنيانه المتين كشجرة بلوط راسخة ووجهه المحمر وعيونه الزرقاء البارزة وأصابعه القصيرة المكتنزة المنهمكة دائماً فى عملٍ ما ,...... يعمل فى دأب وسرعة كالربوت , لا تكاد تشعر بخطواته وهو يرتب هذا هذا وينقل ذاك ويعد الطعام لتلك ...... ثم يشرف على المائدة ويقف كالتمثال الصامت حتى ننتهى ليشرع بعدها فى عملية غسيل الآطباق ثم يعود فى دقائق عدة ليوزع علينا أكواب الشاى المعطر بالنعناع تارة ، و بالياسمين تارة أخرى ، وماهى إلا فينة حتى يتخذ موضعه السابق فى الركن المهمل ، واقفاً كالطود الراسخ , تشرئب أًذناه فقط لأقل همسة من الجد لكلمة "شيراز"


    صادف العيد هذا العام بداية السنة الجديدة ، حضر جميع أفراد العائلة من الخالات العزيزات وأبنائهن وأزواجهن ؛ فجدى لم ينجب سوى ثلاث بنات ، وقد رحلت الجدة العزيزة منذ أكثر عشر سنوات .
    يقف شيراز منذ الصباح الباكر ، يشرف على عمليات ذبح الخراف ، ثم توزيعها على الفقراء وفى الوقت ذاته يعد لنا طعام الإفطار الشهى المكون من الثريد واللحم المسلوق . علقت خالتى الرقيقة سمية بقولها:-


    إن شيراز يقوم بعمل كتيبة ........بينما شيراز نفسه يقف متابعداً ، صامداً صامتاً ، تتعاقب عليه السنون ، فلا تزيده إلا صمتاً فوق صمت.

    وبنهاية اليوم يرحل الجميع ما عدا أنا وابن خالتى خالد الطبيب الحديث التخرج وقد حل المساء البارد سريعاً على القرية الغافيه تحت سماء رمادية منذرة بالمطر ، وثمة لسعة برد قارصة ، تجتاح الأبدان ليلاً.............. إلا أن هذا لم يمنعنا من أن ننتقل برفقة الجد إلى الإستراحة المطلة على النهر ، وقد تدلت الاشجارالمرتعشة فى دلال ، تعانق صفحة الماء ، بينما يجلس جدنا فى استرخاء على إحدى أرائك الخيرزان .......... وبجانبه يقبع شيراز ، يشعل له النارجيلة ، التى يدخنها جدى فى نشوة تعبق الجو برائحة التفاح ، وتشغلنا عن شيراز المنتبه دوماً لجذوة النار ، يطعمها إذا خبت ........ ثم ينتقل سريعا إلى شعلة التنور الصغير الذى صنعه بمهارة ؛ ليصنع عليه الشاى الأسود الثقيل المُطعم برائحة الدخان .

    فى هذه الليلة البعيدة الباردة ، كان لدى فضول دائم بشأن شيراز وغرابة اسمه ، فوجهت كلامى إليه :-

    من أطلق عليك هذا الاسم الغريب ........نظر إلي بوجه جامد لا تعبير يعتريه وعاد مرة أخرى لتنوره الصغير يجلب له الرياح جلباً كى يتوهج وينتشى حتى نسمع صوت غليان الشاى فى تؤدة محببة.

    ولم يقطع سؤالى سوى صوت جدى الضاحك وهو يقول من بين أنفاس النارجيلة المتلاحقة وعيونه المغمضة نصف إغماضة :-

    إن له قصة غريبة شائكة فقد وجدته فى نحو الخامسة من عمره يغالب الموت على عتبة الدار و كنت يومها شابا فى الخامسة و العشرين ....... ثم يكمل وسط إنصاتنا ً له :-

    يقال أن أحد مهندسى الإنشاء الفرنسيين إبان بناء مصانع الطوب منذ خمسين عاما أغوى إحدى الفلاحات, فأنجبته ثم تركته كالكلب الضال يجوب الشوارع لا يلفظ سوى اسم شيراز .


    نضحك فى حبور ، ونداعب شيراز فى شقاوة ، فلا بنبس ببنت شفة ، وكأن الآمر لا يعنيه ، وهو يحرك الإناء ألأسود فى حرص

    غمغم خالد بجدية وقال : نظرية صحيحة

    ما هى؟ يسأله الجد فيجيب خالد:

    - إن ملامحه وتكوينه العظمى يدل على أصله .... فيلتفت جدى نحو شيراز فى اهتمام وقد ترك مبسم النارجيلة من فمه وكأنه يراه لأول مرة :

    - هذه مجرد دعابة يا خالد راجت حوله , فيقاطعه خالد وقد بهره اكتشافه:

    -انظر إليه يا جدى بعيونه الزرقاء ولحيته الشقراء إنه يحمل ملامح جنوب فرنسا , فتشخص أزواج ثلاثة من العيون نحو شيراز وجدى يضحك فى سخرية فيقول:

    لابد أن أمك كانت فتاة لعوب

    فنقهقه جميعاً فى وجه شيراز وتفوتنا تلك الإرتعاشة الصادمة عند زاوية فمه والتماعة الدموع فى عينيه وانسكاب الشاى على جذوة النار تطفئها فى أسى لتقذف بها إلى غياهب العدم وتخلف الدخان الرمادى الكئيب.


    فى الصباح يصحو الجد وقد سبقناه ونلتف حول المائدة انتظارً لطعام الإفطار لكن شيراز لا يظهر وقد صدح جدى مرتين بصوته المجلجل يا شيراز............. فأجابه الصمت المنذر بالكارثة

    هرعت لغرفته يتبعنى جدى وخالد فى خطوات وجلة وأدرت الباب فى ارتجاف، وقد بلغ توترى مداه وأنا أخطو نحو الجسد المسجى على الأرض وثمة حبل ملتف حول رقبته وقد انقطع دون بلوغ غايته ...وجدت جسده يرتجف وثمة دموع تنهمر من عينيه الزقاروين وتغرق لحيته الشقراء بينما ارتعشت شفتاه فى بطء

    هرع خالد يفحصه وقد ألم بالجسد شلل تام بينما نادى جدنا عليه فى حنو فأدار شيراز وجهه نحو الحائط وانسابت عيناه فى نشيج

    مكث فى رعاية جدى شهرا , كان يطعمه بيده ويمسح له فمه بمنديله ويشرف مع الممرض على إستحمامه..لكن شيراز لم يرن بعينيه أبدا لجدى ولم يسامحه , فقد كان يحملق دائما فى الفضاء ....ولم يكد يكتمل الشهر........ وكنا نجلس على شرفة القصر وشيراز فى كرسيه المتحرك وفجأة تحركت عيناه ونظر لجدى نظرة عتاب أخيرة ، فانسابت عبراتنا أنا وجدى وقد شخصت العينان الدءوبتان الى ما لا نهاية بينما راحت أصابع جدى تغمض العينين فى ذهول ليأخذه فى لوعة بين أحضانه وينتحب .

    خارج القرية وفى مقابر العائلة دفنه جدى وقد كتب على قبره شيراز منصور السويفى وحينما عدنا للقصر البارد القابع تحت وطأة الضمير تصفر فيه رياح أوائل فبراير العاتية... أيقنت أن روحه مازالت بالمنزل تهيم من مكان لمكان كدأبه الأثير .
  • ربيع عقب الباب
    مستشار أدبي
    طائر النورس
    • 29-07-2008
    • 25792

    #2
    مأساة شيراز
    تمنيت لو كان الحديث بضمير الغائب لا المتكلم

    قرأت
    و لى عودة للتعليق


    تقديرى و احترامى
    sigpic

    تعليق

    • محمد محضار
      أديب وكاتب
      • 19-01-2010
      • 1270

      #3
      نص جميل ..يتميز بأسلوبه السلس والإنسيابي..حضور الذات الساردة جعل التفاصيل تكون أكثر دقة..مأساة شيراز صنعها الجد بجحزده ونسيانه كل تلك السنوات التي قضاها الرجل في خدمته...لقد مارس قسوة غير مقبولة نحو شيراز..وحاول إصلاح ذات البين لكن بعد ماذا ؟؟؟؟؟؟؟؟؟
      sigpicلك المجد أيها الفرح المشرق في ذاتي، لك السؤدد أيها الوهج المومض في جوانحي...

      تعليق

      • ربيع عقب الباب
        مستشار أدبي
        طائر النورس
        • 29-07-2008
        • 25792

        #4
        أستاذة روان
        مساؤك طيب و جميل

        ذكرنى عملك الجميل هذا ، بعمل لصاحب رواية الأم الأكثر شهرة ، مكسيم جوركى ( قطعا للملل ) على ما أتذكر .. كانت هكذا عفوية ، رجال قرروا قطع مللهم من الحياة ، بتدبير حول سيدة ، فانتهى الأمر كما حدث عندك !
        رأيت فى هذا العمل كاتبة ذكية ، و موهوبة ، قادرة على صياغة و صناعة الدهشة ، باقتدار ، و بأقل التدابير ، وربما تصل حد العفوية !!
        كان حفل قتل شيراز طيبا ، و ليس فيه ما يكدر ، تمت بأريحيتنا نحن كمصريين ، نحول كل شىء إلى نكتة ، حتى نحن ، نحن أنفسنا نتحول إلى فكهة و مزحة على ألسنتنا نحن ، و ليس غيرنا !
        فقط ما أود قوله ، هو أن عليك حين تكتبين أو بعد ممارسة فعل الكتابة ، الجلوس إلى عملك ، و التخلص من الزيادات العفوية أثناء الكتابة ، ووضع عملك فى أحسن صورة له !!
        أستاذة روان استمتعت كثيرا بقصتك ، و إن تألمت كثيرا ، و لكن ألمى كان دليلا على نجاحك ، ووصول درس القصة إلى الملتقى !

        تقبلى خالص تقديرى و احترامى
        sigpic

        تعليق

        • روان عبد الكريم
          أديب وكاتب
          • 21-03-2010
          • 185

          #5
          المشاركة الأصلية بواسطة ربيع عقب الباب مشاهدة المشاركة
          أستاذة روان
          مساؤك طيب و جميل

          ذكرنى عملك الجميل هذا ، بعمل لصاحب رواية الأم الأكثر شهرة ، مكسيم جوركى ( قطعا للملل ) على ما أتذكر .. كانت هكذا عفوية ، رجال قرروا قطع مللهم من الحياة ، بتدبير حول سيدة ، فانتهى الأمر كما حدث عندك !
          رأيت فى هذا العمل كاتبة ذكية ، و موهوبة ، قادرة على صياغة و صناعة الدهشة ، باقتدار ، و بأقل التدابير ، وربما تصل حد العفوية !!
          كان حفل قتل شيراز طيبا ، و ليس فيه ما يكدر ، تمت بأريحيتنا نحن كمصريين ، نحول كل شىء إلى نكتة ، حتى نحن ، نحن أنفسنا نتحول إلى فكهة و مزحة على ألسنتنا نحن ، و ليس غيرنا !
          فقط ما أود قوله ، هو أن عليك حين تكتبين أو بعد ممارسة فعل الكتابة ، الجلوس إلى عملك ، و التخلص من الزيادات العفوية أثناء الكتابة ، ووضع عملك فى أحسن صورة له !!
          أستاذة روان استمتعت كثيرا بقصتك ، و إن تألمت كثيرا ، و لكن ألمى كان دليلا على نجاحك ، ووصول درس القصة إلى الملتقى !

          تقبلى خالص تقديرى و احترامى
          الأستاذ العزيز ربيع
          خالص مودتى لقرائتك النص

          فى الحقيقة أنا أحب الادب الروسى كثيراً وقد قضيت سنوات المراهقة ألتهم كل ما يقع تحت يدى لأدباء روسيا العظام , وأن لم يحالفنى الحظ لقراءة الكثير لجوركى , وقد أنقطعت بى القراءة والكتابة أعواماً طويلة تربو على عشرة أعوام ولم أعد إلا من عامين , أستقطع القليل من الوقت للقراءة ثم الكتابة حتى أبقى على قيد الحياة الأدمية
          ومازال أمامى الكثير والكثير لأتعلمه , ومما يزيد سعادتى هنا هو النقد البناء

          شكراً للك ولكل من أسعدنى بمروره

          تعليق

          • عادل الوتي
            أديب وكاتب
            • 23-04-2010
            • 58

            #6
            قصة مؤلمة حقا

            جميلة في انسيابيتها ولغتها

            استاذة/ روان

            سعدت بالقراءة هنا

            تقبلي مروري

            تعليق

            • روان عبد الكريم
              أديب وكاتب
              • 21-03-2010
              • 185

              #7
              المشاركة الأصلية بواسطة محمد محضار مشاهدة المشاركة
              نص جميل ..يتميز بأسلوبه السلس والإنسيابي..حضور الذات الساردة جعل التفاصيل تكون أكثر دقة..مأساة شيراز صنعها الجد بجحزده ونسيانه كل تلك السنوات التي قضاها الرجل في خدمته...لقد مارس قسوة غير مقبولة نحو شيراز..وحاول إصلاح ذات البين لكن بعد ماذا ؟؟؟؟؟؟؟؟؟
              هى المشكلةتكمن فى اعتبار شيراز اله لاتحس ولا تشعر
              سعدت بمروك

              تعليق

              • روان عبد الكريم
                أديب وكاتب
                • 21-03-2010
                • 185

                #8
                المشاركة الأصلية بواسطة عادل الوتي مشاهدة المشاركة
                قصة مؤلمة حقا

                جميلة في انسيابيتها ولغتها

                استاذة/ روان

                سعدت بالقراءة هنا

                تقبلي مروري
                شكرا للك استاذى العزيز

                تعليق

                • روان علي شريف
                  أديب وكاتب
                  • 24-02-2011
                  • 130

                  #9
                  قصة ذات سرد انسيابي جميل زادها لذة شخصية السارد
                  التي تعطي أكثر مصداقية للقصة.
                  يا روان شخصية الجد هي كشخصية الحكام العرب
                  فهم لن يعترفون بفضل من يخدمهم الا بعد فوات الاوان.
                  شيراز يمكن أن يكون الشعب وجدك والعائلة هي السلطة.
                  تحياتي لك وشكرا على المتعة.
                  ليس كل الرجال خونة ولا الخيانة حتما امرأة

                  http://cherifrouan.blogspot.com/

                  تعليق

                  • روان عبد الكريم
                    أديب وكاتب
                    • 21-03-2010
                    • 185

                    #10
                    المشاركة الأصلية بواسطة روان علي شريف مشاهدة المشاركة
                    قصة ذات سرد انسيابي جميل زادها لذة شخصية السارد
                    التي تعطي أكثر مصداقية للقصة.
                    يا روان شخصية الجد هي كشخصية الحكام العرب
                    فهم لن يعترفون بفضل من يخدمهم الا بعد فوات الاوان.
                    شيراز يمكن أن يكون الشعب وجدك والعائلة هي السلطة.
                    تحياتي لك وشكرا على المتعة.
                    العزيزة روان الشريف تؤام الاسم
                    معك احق
                    اؤكد فى كل قصصى على قيمة الحرية
                    شكرا لمرورك

                    تعليق

                    • عائده محمد نادر
                      عضو الملتقى
                      • 18-10-2008
                      • 12843

                      #11
                      الزميلة القديرة
                      روان عبد الكريم
                      افتقدتك
                      افتقدت كتاباتك المشوبة بالخوف والرعب والدهشة
                      لم تبتعدي كثيرا هنا سوى أنك كنت تحتاجين دفقة أخرى كي يخرج العمل أكثر متانة
                      وهذا ليس معناه أنك كنت غير مقنعة لكنك وجدتك أهدأ
                      لم أنهسى أغنيات الليل والموت التي قرأتها لك لأنك كاتبة واعدة ولك بصمة ستكون بعون الله ومؤ بجهودك
                      وهل كان شيرازي ابن جدك سيدتي
                      لأني أحسست بهذا من خلال القراءة
                      ودي ومحبتي لك
                      ولا تنسي أن تكتبي وتقرأي لكل الزميلات والزملاء وتشاركينهم رؤيتك لأن لك بصمة ورأي
                      الشمس شمسي والعراق عراقي ..ماغير الدخلاء من أخلاقي .. الشمس شمسي والعراق عراق

                      تعليق

                      • روان عبد الكريم
                        أديب وكاتب
                        • 21-03-2010
                        • 185

                        #12
                        العزيزة الاستاذة القدير والكاتبة الاقرب لقلبى عائدة
                        كتبت شيراز منذ نحو ثلاث سنوات

                        الحقيقى فى القصة هو المكان واختلاط النسب الواضح فى السكان فقط.على مشارف الصعيد

                        اما شيراز الحقيقى فيعيش فى منطقة اخرى فى وبالتحديد فى قلب الدلتا الخضراء ..سمعت عنه ولم اره وهو طاغاقطاعى حقيقى مالك لعدة اراضى .. لا يشبه شيرازنا المسكين فى شئ .."جد "لاحدى صديقاتى وقد اذاقها الامرين رغم انه يقارب التسعين من عمره وعلى قدر كبير من الثقافة والتعليم ونباهة العقل والتسلط المتناهى ..لذا كانت المفارقة اردت صنع شيراز مسكين علها تجد بعض التلسية فى الامر.

                        اما جدى انا رحمه الله فلم يترك لى سوى رقة القلب والحال وشئ من الصبر وكم تمنيت ان ارث منه بعضا من كرمه وجوده

                        شكرا لمرورك العذب ..تبهجنى كلماتك ..بين السطور اشعر بوجهك الطيب الاثير

                        روان

                        تعليق

                        • جلال داود
                          نائب ملتقى فنون النثر
                          • 06-02-2011
                          • 3893

                          #13
                          االأستاذة روان
                          تحياتي

                          جوهر القصة ممتع جدا وبه زخم يصلح أن تُكتب في رواية كاملة بأحداث بطلها شيراز.
                          وكما قال أستاذنا ربيع بأن لغة الغائب في مثل هذه القصص أجدى وأصلح.
                          عموما السرد ممتع

                          دمتم

                          تعليق

                          • سمية البوغافرية
                            أديب وكاتب
                            • 26-12-2007
                            • 652

                            #14

                            الأخت روان
                            تحية طيبة
                            لك عزيزتي أسلوب هادئ وآسر
                            أهنئك عليه
                            بعض الأخطاء تناثرت في قصتك الجميلة والمؤثرة
                            دمت بهذا البهاء
                            وسأرشح قصتك للذهبية لأنها بالفعل تستحق
                            تحياتي كما أرجو أن تتفاعلي مع نصوص إخوتك هنا
                            ولك الشكر مسبقا على إجابة الدعوة
                            ****
                            قصتك ذكرتني بأجواء قصة لي بعنوان: تبان جدي

                            تعليق

                            • وسام دبليز
                              همس الياسمين
                              • 03-07-2010
                              • 687

                              #15
                              المشاركة الأصلية بواسطة روان عبد الكريم مشاهدة المشاركة
                              اعتدنا أن نجتمع فى بيت جدنا "منصور السويفى" الذى يقع فى إحدى القرى النائية والغارقة فى غبار مصانع الطوب الطِفلى فى أقصى جنوب الجيزة... حيث يملك جدنا أحد أهم مصانع الطوب هناك ويقطن بيتاً, أشبه بالقصر ,يجمعنا عيد الأضحى هناك كل عام حيث نلتف حول الجد الحبيب وبرغم تقدم الجد وبلوغه السبعين من عمره هذا العام إلا انه مازال كتلة متدفقة من النشاط العارم لا يفوقه فى هذا سوى خادمه شيراز,.........شيراز بقامته المتوسطة وبنيانه المتين كشجرة بلوط راسخة ووجهه المحمر وعيونه الزرقاء البارزة وأصابعه القصيرة المكتنزة المنهمكة دائماً فى عملٍ ما ,...... يعمل فى دأب وسرعة كالربوت , لا تكاد تشعر بخطواته وهو يرتب هذا هذا وينقل ذاك ويعد الطعام لتلك ...... ثم يشرف على المائدة ويقف كالتمثال الصامت حتى ننتهى ليشرع بعدها فى عملية غسيل الآطباق ثم يعود فى دقائق عدة ليوزع علينا أكواب الشاى المعطر بالنعناع تارة ، و بالياسمين تارة أخرى ، وماهى إلا فينة حتى يتخذ موضعه السابق فى الركن المهمل ، واقفاً كالطود الراسخ , تشرئب أًذناه فقط لأقل همسة من الجد لكلمة "شيراز"


                              صادف العيد هذا العام بداية السنة الجديدة ، حضر جميع أفراد العائلة من الخالات العزيزات وأبنائهن وأزواجهن ؛ فجدى لم ينجب سوى ثلاث بنات ، وقد رحلت الجدة العزيزة منذ أكثر عشر سنوات .
                              يقف شيراز منذ الصباح الباكر ، يشرف على عمليات ذبح الخراف ، ثم توزيعها على الفقراء وفى الوقت ذاته يعد لنا طعام الإفطار الشهى المكون من الثريد واللحم المسلوق . علقت خالتى الرقيقة سمية بقولها:-


                              إن شيراز يقوم بعمل كتيبة ........بينما شيراز نفسه يقف متابعداً ، صامداً صامتاً ، تتعاقب عليه السنون ، فلا تزيده إلا صمتاً فوق صمت.

                              وبنهاية اليوم يرحل الجميع ما عدا أنا وابن خالتى خالد الطبيب الحديث التخرج وقد حل المساء البارد سريعاً على القرية الغافيه تحت سماء رمادية منذرة بالمطر ، وثمة لسعة برد قارصة ، تجتاح الأبدان ليلاً.............. إلا أن هذا لم يمنعنا من أن ننتقل برفقة الجد إلى الإستراحة المطلة على النهر ، وقد تدلت الاشجارالمرتعشة فى دلال ، تعانق صفحة الماء ، بينما يجلس جدنا فى استرخاء على إحدى أرائك الخيرزان .......... وبجانبه يقبع شيراز ، يشعل له النارجيلة ، التى يدخنها جدى فى نشوة تعبق الجو برائحة التفاح ، وتشغلنا عن شيراز المنتبه دوماً لجذوة النار ، يطعمها إذا خبت ........ ثم ينتقل سريعا إلى شعلة التنور الصغير الذى صنعه بمهارة ؛ ليصنع عليه الشاى الأسود الثقيل المُطعم برائحة الدخان .

                              فى هذه الليلة البعيدة الباردة ، كان لدى فضول دائم بشأن شيراز وغرابة اسمه ، فوجهت كلامى إليه :-

                              من أطلق عليك هذا الاسم الغريب ........نظر إلي بوجه جامد لا تعبير يعتريه وعاد مرة أخرى لتنوره الصغير يجلب له الرياح جلباً كى يتوهج وينتشى حتى نسمع صوت غليان الشاى فى تؤدة محببة.

                              ولم يقطع سؤالى سوى صوت جدى الضاحك وهو يقول من بين أنفاس النارجيلة المتلاحقة وعيونه المغمضة نصف إغماضة :-

                              إن له قصة غريبة شائكة فقد وجدته فى نحو الخامسة من عمره يغالب الموت على عتبة الدار و كنت يومها شابا فى الخامسة و العشرين ....... ثم يكمل وسط إنصاتنا ً له :-

                              يقال أن أحد مهندسى الإنشاء الفرنسيين إبان بناء مصانع الطوب منذ خمسين عاما أغوى إحدى الفلاحات, فأنجبته ثم تركته كالكلب الضال يجوب الشوارع لا يلفظ سوى اسم شيراز .


                              نضحك فى حبور ، ونداعب شيراز فى شقاوة ، فلا بنبس ببنت شفة ، وكأن الآمر لا يعنيه ، وهو يحرك الإناء ألأسود فى حرص

                              غمغم خالد بجدية وقال : نظرية صحيحة

                              ما هى؟ يسأله الجد فيجيب خالد:

                              - إن ملامحه وتكوينه العظمى يدل على أصله .... فيلتفت جدى نحو شيراز فى اهتمام وقد ترك مبسم النارجيلة من فمه وكأنه يراه لأول مرة :

                              - هذه مجرد دعابة يا خالد راجت حوله , فيقاطعه خالد وقد بهره اكتشافه:

                              -انظر إليه يا جدى بعيونه الزرقاء ولحيته الشقراء إنه يحمل ملامح جنوب فرنسا , فتشخص أزواج ثلاثة من العيون نحو شيراز وجدى يضحك فى سخرية فيقول:

                              لابد أن أمك كانت فتاة لعوب

                              فنقهقه جميعاً فى وجه شيراز وتفوتنا تلك الإرتعاشة الصادمة عند زاوية فمه والتماعة الدموع فى عينيه وانسكاب الشاى على جذوة النار تطفئها فى أسى لتقذف بها إلى غياهب العدم وتخلف الدخان الرمادى الكئيب.


                              فى الصباح يصحو الجد وقد سبقناه ونلتف حول المائدة انتظارً لطعام الإفطار لكن شيراز لا يظهر وقد صدح جدى مرتين بصوته المجلجل يا شيراز............. فأجابه الصمت المنذر بالكارثة

                              هرعت لغرفته يتبعنى جدى وخالد فى خطوات وجلة وأدرت الباب فى ارتجاف، وقد بلغ توترى مداه وأنا أخطو نحو الجسد المسجى على الأرض وثمة حبل ملتف حول رقبته وقد انقطع دون بلوغ غايته ...وجدت جسده يرتجف وثمة دموع تنهمر من عينيه الزقاروين وتغرق لحيته الشقراء بينما ارتعشت شفتاه فى بطء

                              هرع خالد يفحصه وقد ألم بالجسد شلل تام بينما نادى جدنا عليه فى حنو فأدار شيراز وجهه نحو الحائط وانسابت عيناه فى نشيج

                              مكث فى رعاية جدى شهرا , كان يطعمه بيده ويمسح له فمه بمنديله ويشرف مع الممرض على إستحمامه..لكن شيراز لم يرن بعينيه أبدا لجدى ولم يسامحه , فقد كان يحملق دائما فى الفضاء ....ولم يكد يكتمل الشهر........ وكنا نجلس على شرفة القصر وشيراز فى كرسيه المتحرك وفجأة تحركت عيناه ونظر لجدى نظرة عتاب أخيرة ، فانسابت عبراتنا أنا وجدى وقد شخصت العينان الدءوبتان الى ما لا نهاية بينما راحت أصابع جدى تغمض العينين فى ذهول ليأخذه فى لوعة بين أحضانه وينتحب .

                              خارج القرية وفى مقابر العائلة دفنه جدى وقد كتب على قبره شيراز منصور السويفى وحينما عدنا للقصر البارد القابع تحت وطأة الضمير تصفر فيه رياح أوائل فبراير العاتية... أيقنت أن روحه مازالت بالمنزل تهيم من مكان لمكان كدأبه الأثير .
                              سامحكم الله على جرح زدتم في نزيفه مات شيزار وهو يمزق روحه
                              كم كانت قصة جميلة ياروان ،كم يقال الأباء يأكلون الحصرم والأبناء يتضرسون ،يحمل الأبناء في كثير من الأحيان أخطاء قد أرتكبها الأهل فتعلق كلائحة على وجه وكحبل يلف عنق
                              قصة جميلة في النهاية

                              تعليق

                              يعمل...
                              X