يا إلهي! ما أكسل هذه الساعة! فهي لا ترهق نفسها عناء الرنين؛ إذ يسبقها دائما جرس مدرستي..
لم يبق إلا القليل على تشنج الوقت ، كثيرة هي الفوضى من حولي ، أرتدي السرعة ، التوتر يهز دمائي بقوة . أخرج من غرفتي جريا ، أنزل الدرج مهرولة ، أركب السيارة ، أنظر إلى جفاف الطريق ، بينما نسمة ساخنة تلفح وجهي الذي تذكرت أني لم أرتديه كاملاً ! ، أعود أدراجي ؛ لأرتدي وجه الشارع ، وأنطلق من جديد.
أعبر بوابة المدرسة ، حيث كان وصولي مع نهاية النشيد ، فأردد بصوت تقاطعه أنفاسي : عاش الملك للعلم والوطن .
أتسلل من خلف الطابور ، أقذف نفسي بين زميلاتي ، إلا أن نظرة من المديرة لمعت بحفنة مقلقة من شرار ، أججت اضطراب انتظامي ، في الطابور الواقف.
هاهي قادمة كما توقعت ، وبنبرة ذكورية متعالية : لماذا أنت متأخرة ؟.. تأخذين كل الوقت أمام المرآة..! وما هذا الشريط الأصفر الفاقع اللون على رأسك؟ الآن انزعيه !
: نعم سوف أقوم بذلك في الفصل ، لكن ليس هنا.
التفتُ ، فإذا كل العيون قد تجمعت على شريط رأسي ، بدأت أشعر بدوار شديد ، أحنى رأسي إلى الأمام ، وما كدت أرفعه بصعوبة ؛ كي أنظر إليها ، حتى كانت يدها تهوي على وجهي بصفعة ، كان لها رنين ، وبحركة لم أرصدها ، نزعت الشريط عن رأسي ، وسقطت على الأرض. أحدث ذلك جلبة ، وتدافع وصراخ بعضهن ، وأصيبت إحدى المُدرسَات بالإغماء.
عندها تزعزعت الدنيا ، وخلال ثوان ، وجدتني أخرج من نفسي ، وبلا شعور أثب عليها ؛ فأصيبت بجرح إثر كسر نظارتها. أما عن نفسي ، فلا أدري ،
وعلى إثر هذا، استدعيت للمثول أمام لجنة تحقيق ، قررت فصلي ثلاثة أيام كعقاب أول ، وحصلت على نقل تأديبي كعقاب ثانٍ ، ثم فصل من جميع مدارس الدولة ، بسبب المناكفات الحاصلة بيني وبينها.
صديقتي ساره كانت معي ، تساندني ، وتدعم صمودي ، حتى أقنعتني أن أكمل تعليمي في مدرسة خاصة برفقتها.
مضى العام ، وجاء عام آخر ، وبدأت أنسى، إلى أن حدثت مشادة كلامية بين صديقتي سارة وإحدى المعلمات، فلم تتمالك المعلمة نفسها، ولم تجد غير حذائها لتقذفها به..! عندها توقعت ما يمكن أن يحصل لصديقتي من نقل وطرد ! استعددت لرد الجميل، فأخبرتها - في أحاديثنا التالية- أنني لم أنس جميل صنعها ، وبدأت أواسيها ، وأخفف عنها ، لكنها التفتت نحوي قائلة : انتبهي ، أنا انجليزية ، وقد قمت بتوكيل محام ، ورفعت دعوى قضائية ضد المعلمة..
كيف ؟
سوف تجلد على مرأى ومسمع من العالم كله ، أعدك بذلك ، فأنا لست عربية تطرد أو تنقل ، وتحرم من التعليم !
وقفت أمامها والصمت يلجمني ، تركتها فترة من الزمن ،نظرت ومشاعري متناثرة هنا وهناك ، كأن الدنيا تنكمش ، أتلمس جسدي، كان الهواء يجلدني ، والغيم غطاء أبيض على رأس يقظة الحياة ، كأن هذه الأرض لا أعرفها ، ولا تعرفني ، كل الوجوه تنمحي من أمامي ، حتى ذاكرتي ، لم أعد أعلم أين هي ، وبأي بقعة صارت ؟
أحببت مَدرستي فعلمتني الكره ، كرهت معلمتي فعلمتني أن أحب ما تكره ! ..
تركت المدرسة و سارة وخرجت ، كل الوجود لا وجه له ، كل ما أصادفه كان فراغا ، يقودني لفراغ أكبر ، كبيرة هي الأرض ؛ لكنها تبدو خالية ! كأن لا أحد غيري يسير في الطريق ، الأشجار تختفي ، تسقط الفصول بلا لون أو طعم ، كأنني أبحث عن أشياء في متاهة ، ضاعت منى ، فقدت أو سرقت ،بعد ما جاءتني ذات يوم ، ومعها تصوير لوقائع جلد معلمتي !
آه تذكرت ، لقد سُرقت وقت جلد الكرامة والإنسانية ، ضاعت ، سقطت ،ومازلت إلى يومي هذا أردد عاش العلم .
لم يبق إلا القليل على تشنج الوقت ، كثيرة هي الفوضى من حولي ، أرتدي السرعة ، التوتر يهز دمائي بقوة . أخرج من غرفتي جريا ، أنزل الدرج مهرولة ، أركب السيارة ، أنظر إلى جفاف الطريق ، بينما نسمة ساخنة تلفح وجهي الذي تذكرت أني لم أرتديه كاملاً ! ، أعود أدراجي ؛ لأرتدي وجه الشارع ، وأنطلق من جديد.
أعبر بوابة المدرسة ، حيث كان وصولي مع نهاية النشيد ، فأردد بصوت تقاطعه أنفاسي : عاش الملك للعلم والوطن .
أتسلل من خلف الطابور ، أقذف نفسي بين زميلاتي ، إلا أن نظرة من المديرة لمعت بحفنة مقلقة من شرار ، أججت اضطراب انتظامي ، في الطابور الواقف.
هاهي قادمة كما توقعت ، وبنبرة ذكورية متعالية : لماذا أنت متأخرة ؟.. تأخذين كل الوقت أمام المرآة..! وما هذا الشريط الأصفر الفاقع اللون على رأسك؟ الآن انزعيه !
: نعم سوف أقوم بذلك في الفصل ، لكن ليس هنا.
التفتُ ، فإذا كل العيون قد تجمعت على شريط رأسي ، بدأت أشعر بدوار شديد ، أحنى رأسي إلى الأمام ، وما كدت أرفعه بصعوبة ؛ كي أنظر إليها ، حتى كانت يدها تهوي على وجهي بصفعة ، كان لها رنين ، وبحركة لم أرصدها ، نزعت الشريط عن رأسي ، وسقطت على الأرض. أحدث ذلك جلبة ، وتدافع وصراخ بعضهن ، وأصيبت إحدى المُدرسَات بالإغماء.
عندها تزعزعت الدنيا ، وخلال ثوان ، وجدتني أخرج من نفسي ، وبلا شعور أثب عليها ؛ فأصيبت بجرح إثر كسر نظارتها. أما عن نفسي ، فلا أدري ،
وعلى إثر هذا، استدعيت للمثول أمام لجنة تحقيق ، قررت فصلي ثلاثة أيام كعقاب أول ، وحصلت على نقل تأديبي كعقاب ثانٍ ، ثم فصل من جميع مدارس الدولة ، بسبب المناكفات الحاصلة بيني وبينها.
صديقتي ساره كانت معي ، تساندني ، وتدعم صمودي ، حتى أقنعتني أن أكمل تعليمي في مدرسة خاصة برفقتها.
مضى العام ، وجاء عام آخر ، وبدأت أنسى، إلى أن حدثت مشادة كلامية بين صديقتي سارة وإحدى المعلمات، فلم تتمالك المعلمة نفسها، ولم تجد غير حذائها لتقذفها به..! عندها توقعت ما يمكن أن يحصل لصديقتي من نقل وطرد ! استعددت لرد الجميل، فأخبرتها - في أحاديثنا التالية- أنني لم أنس جميل صنعها ، وبدأت أواسيها ، وأخفف عنها ، لكنها التفتت نحوي قائلة : انتبهي ، أنا انجليزية ، وقد قمت بتوكيل محام ، ورفعت دعوى قضائية ضد المعلمة..
كيف ؟
سوف تجلد على مرأى ومسمع من العالم كله ، أعدك بذلك ، فأنا لست عربية تطرد أو تنقل ، وتحرم من التعليم !
وقفت أمامها والصمت يلجمني ، تركتها فترة من الزمن ،نظرت ومشاعري متناثرة هنا وهناك ، كأن الدنيا تنكمش ، أتلمس جسدي، كان الهواء يجلدني ، والغيم غطاء أبيض على رأس يقظة الحياة ، كأن هذه الأرض لا أعرفها ، ولا تعرفني ، كل الوجوه تنمحي من أمامي ، حتى ذاكرتي ، لم أعد أعلم أين هي ، وبأي بقعة صارت ؟
أحببت مَدرستي فعلمتني الكره ، كرهت معلمتي فعلمتني أن أحب ما تكره ! ..
تركت المدرسة و سارة وخرجت ، كل الوجود لا وجه له ، كل ما أصادفه كان فراغا ، يقودني لفراغ أكبر ، كبيرة هي الأرض ؛ لكنها تبدو خالية ! كأن لا أحد غيري يسير في الطريق ، الأشجار تختفي ، تسقط الفصول بلا لون أو طعم ، كأنني أبحث عن أشياء في متاهة ، ضاعت منى ، فقدت أو سرقت ،بعد ما جاءتني ذات يوم ، ومعها تصوير لوقائع جلد معلمتي !
آه تذكرت ، لقد سُرقت وقت جلد الكرامة والإنسانية ، ضاعت ، سقطت ،ومازلت إلى يومي هذا أردد عاش العلم .
تعليق