رَحِيِل
----
قُصَّة قَصِيْرَة
-----------
أَمَام الْبَاب الْخَشَبِى بِزَخَارِفِه الْبَهِيجَة تَوَقَّفَت .. أَعَدْت قِرَاءَة الْعُنْوَان الَّذِى قَرَأْتُه مَرَّات وَمَرَّات ..تَأَكَّدَت مِن الَرْقَم الْمُدَوِّن ..أُعِد ت الْتَّأَكُّد ..دَقَقْت جَرَس الْبَاب ، وَوَقَفْت مُثْقَلَا بِحَمْل لَّهَفَتَى أَنْتَظِر ..بَعْد دَهْر رَأَيْت الْبَاب يَفْتَح ..أُطِل وَجْه ابْنِى ..تَلَقَّيْتَه بَيْن أَحْضَانِى ..أَخِيِرَا مِن قَلْب الْمَتَاهَة عَثَرَت عَلَيْك ..أَخَذ يَمْسَح الْدُّمُوْع عَن وَجْهِى.
- كَيْف حَال الْسَّفَر مَعَك؟
- كُل آَثَار الْتَّعَب تَبَدَّدَت الْآَن
أَخَذَنِى مِن يَدِى ..كَان الْصَّبَاح يَافِعَا مَايَزَال ..سَرَت وَسَط الْخُضْرَة أَتَنَسَّم عِطْر الْصَّفَاء ..أُدِيْر الْنَّظَر حَوْلِى ..أَشَار الَى مِظَلَّة تكَونَهَا الْأَغْصَان الْمُلْتَفَّة ..قَال :-
- الْوَكْر..هُنَا أَجْلِس وَسَط الْحَدِيقَة أَتَنَاوَل الْافْطَار
أُخْرِجَت مِنْدِيْلا وَرَقِيّا أَمْسَح بِه مَاتَبَقَّى مِن شُعَيْرَات بِرَأْسِى ..الْعَرَق ابِر حَامِيَة تُنَفِّذ فِى مَسَامّى وَأَسْفَل ظَهْرَى..حَمْلَقْت فِى الْمَائِدَة الَّتِى تَتَوَسَّط الْوَكْر - كَمَا يُسَمِّيَه - وَالْمُقْعَدِين الْخَالِيِّين :-
- أَيْن الْاوْلاد ؟
رَد بَاسِمَا :- فِى الْمَدْرَسَة
كَانَت الْشَّمْس تُرْشَق أَسْهُمُهُا الْذَّهَبِيَّة مِن خِلَال أَوْرَاق الْشَّجَر فِى أَضْلُع الْمَقْعَدَيْن وَالْمَائِدَة ..فَكَّرْت أَن أَجْلِس قَلِيْلا ..أَسْتَرِيْح مِن عَنَاء الْطَّرِيْق .؟.بِنَفْس الْبَسْمَة أَشَار الَى مَبْنِى سَاكِن وَسَط الْخُضْرَة زَاهِى الْبَيَاض ..قَال بِمَرَح :-
- تَعَالَى أَفَرِّجُك عَلَى الْبَيْت
سَرَت مَعَه ..أَيَّام طَوَال لَم أَرَه فِيْهَا ..افْتَقَدْتَّه.. أَحْسَسْت أَن الْعُمْر يُهَرْوِل .. يَدْنُو مِن نِهَايَتِه دُوْن أَن أَرَاه .. الْبَيْت لَم يَعُد فِيْه مَايَشَدْنّى لِلْبَقَاء ..الْزَّوْجَة ذَهَبَت ..اقْتُرِح عَلِى أَن أُسَافِر الَيْه فِى اجَازَة قَصِيْرَة
- تُفَضِّل يَابَابّا
فُتِحَت الْبَاب وَتَقَدَّمَت ..مَسَافَة طَوِيْلَة قَطَعْتُهَا لِأَجْلِه ..رُفِعَت وَجْهِى لِأَعْلَى ..تَلَا قَت عَيْنَاى بِأَرْبَعَة أَعْيُن بَاسِمَة مُعَلَّقَة عَلَى الْجِدَار تَسْتَقْبِل الْدَّاخِل مُبَاشَرَة ..تَبَسَّمَت بَاجِهَاد الْلَّحْظَة مِن أَجْلِهَا . زَوْجَتِه مُعَلَّقَة بِيَدِه فِى فَخَر ، وَهُو يَقِف مُوَاجِها الْكَامِيْرَا بِبَسْمَة ثِقَة طَالَمَا أَعْجَبَتْنِى فِيْه
- مَارَأْيُك ؟
حَدَّقْت فِى مِلْاحَة المَلَامِح ..هَمَسَت بُجَد :- جَمِيْلَة
اتَّسَعَت ابْتِسَامَتِه :- زَوْجَتِى .. سَتُعْجِبُك أَكْثَر حِيْنَمَا تَرَاهَا
وَمَضَى الَى الْأَمَام ..سِرْت خَلْفِه الَى وَسَط الرَّدْهَة ..رَأَيْتَنِى أَفْتَح عَيْنَى الَى أَقْصَاهَا ..الْأَنْوَار خَافِتَة ..تَنّبُع مِن لَمْبَات صَغِيْرَة ،تَحْجِبُها بِلَّوْرَات زُجَاجِيَّة خَشِنَة الْسُّطُوْح ..الْظِّلال تَتَلَاقَى عَلَى فُرُش الْمَقَاعِد وَالأَرَائِك بِالْوَانُهَا الْنُّضْرَة ، لِتَصْنَع عَالِما مِن غُمُوْض ..الْنُّوْر الْخَافِت يُكْتَفَى بِفْتِرَاش الْجُدْرَان ..بَيْنَمَا تَبْزُغ مِن الْأَرْكَان مُوْسِيْقَى هَادِئَة تَنْسُل لِتُطِيح بِالْحَوَاس.
شَد انْتَبَاهَى صُوْرَة ثَانِيَة زَاهِيَة الْأَوَان تَتَوَسَّد مُنْتَصَف الْجِدَار الْمُقَابِل ..كَانَت لَأَمْرَأَتِه وَحْدَهَا ..تَأَمَّلْت وَجْهِهَا ..حُسْنِهَا فَيَّاض ..قَسَمَاتِهَا رَقِيْقَة .. بَسْمَتُهَا رَائِعَة ..مِن صِغْرِه يَتَمَنَّى هَذَا ..يَسْعَى الَيْه ..تَرَكْنَا مُنْذ سِنِيْن قَائِلا أَنَّه سَيَبْحَث عَن ذَاتِه ..سَنَوَات مَرَّت لَم أَر مِنْه الَا كَلِمَات عَجْلَى عَبْر الْهَاتِف ..كُنْت كَثِيْرا مَا أَسْأَلُه ..الْم تَجِد ذَاتِك الَّتِى تَبْحَث عَنْهَا الَى الْآَن ؟ ..فَتَرْن ضَحِكْتَه عَبْر الْسَّمَاعَة :- مَازِلْت احَاوِل ..أَخِيِرَا اضْطَرَنّى أَنَا لِلْسَّفَر الَيْه ..وَاضِح أَنَّه كَمَا أَرَى وَجَد مَايُرِيد .
- تَفَضَّل مِن هُنَا يَا أَبِى
أَهْمِس فِى ارْهَاق :- لَا دَاعِى لِلْفُرْجَة الْآَن
تَتَّسِع ابْتِسَامَتِه :- الَا تُرِيْد رُؤْيَة بَيْتِى ؟
أَهُز رَأْسِى مُسْلِما وَأَسِيْر خَلْفِه ..يَمْضِى الَى مَمَر ضَيِّق ،بِه حُجُرَات الَى الْيَسَار ..أَرَى الَى الْيَمِيْن هِرَّة نَاعِمَة ، سَاحِرَة الْعَيْنَيْن تُطِل مِن اطَار ذَهَبَى عَلَى الْجِدَار ..يَفْتَح بَاب الْحُجْرَة الْأ وَلَّى ..أُدْخِل بَعْدِه ..تَقَابَلْنّى سِتَارَة مُزَرْكَشَة ذَات وُرُوْد مُطَرَّزَة بِقُمَاشَهَا الْسَّمَاوَى ، تُغَطِّى جُزْءا مِن الْجِدَار ،الْجُزْء الْآَخِر بِه نَافِذَة مَفْتُوْحَة الْمِصْرَاعَيْن ..الْهَوَاء يُسَبِّح مَرَحَا فِى الْمَكَان ..وَجْهِى تَنْبَسِط أَسَارِيْرُه أَمَامِى فِى الْمِرْآَة ..حُجْرَة وَفَاء ..أَرْمُق الْصُّوَر الْمُتَزَاحِمَة عَلَى الْجُدْرَان ..مُمَثِّلَيْن وَمُطَرَبَين ..أَشِعَّة الْشَّمْس عَبْر الْنَّافَذَة ترَشقُهُم بِمَطَر الْضَّوْء ..أَهُز رَأْسِى عَجَبا ..أَرْسَل بُصْرَى عَبْر الْنَّافَذَة الَى الْحَدِيْقَة ..أَسْمَع صَوْتَه يَقُوْل :- وَفَاء فِى الْمَدْرَسَة
وَيَتَّجِه لِلْحُجْرَة الْتَّالِيَة ..خُطْوَة قَدَمَى لَم تَعُد تُسَاعِدُنِى ..أَتَقَدَّم مُتَمَهِّلا خَلْفِه ..آاااه ..حُجْرَة أَشْرَف ...الْمُح وَجْهَيْن مُتَلَاصِقَيْن عَلَى الكُوُمِيَدِيَنّو الْمُلَاصِق لِلْسَّرِيْر ..ضِحكَتِهُما الْصَّغِيْرَة رَائِعَة ..أُقَبِّلُه وَأَخْتُه بِشَغَف ..أُعِيْد وُضِع الَّاطَار مَكَانَه وَأَمْضَى ..يُقَابَلْنّى وَجْهِى فِى الْمِرْآَة مُرْهَقَا ، مَلَامِحِه تَسْتَغِيْث مَن الْتَّعَب ..أَتَأَمَّل الْشُّعَيْرَات الْبَيْضَاء فِى فَوَدَى ،الْزَّاحِفَة الَى أَعْلَى ،الْصَّاخِبَة فِى الْذَّقْن ..ذَهَب الْعُمْر بِك الَى مَالْا عَوْدَة مِنْه ..الَتَغَضَنَات يُغَطِّيْهَا الْعِرْق و..أُدِيْر رَأْسِى عَن الْمِرْآَة ..أَتَمَنَّى أَن أَسْأَلَه الْرَّاحَة أَوَّلَا وَبَعْدَهَا أَتَفَرَّج كَمَا أَشَاء .
- تُفَضِّل يَاأَبَى
لَا أَجِد الْجُرْأَة عَلَى الْبَوْح بِمَالِدَى ..أَمْضَى بِرَغْمّى خَلْفِه الَى الْحُجْرَة الْثَّالِثَة عَلَى الْيَسَار ،الْمُطِلَّة عَلَى الْحَدِيْقَة مِن الْوَرَاء ، بِالتَّحْدِيْد كَمَا قَال لَى تُطِل عَلَى الْوَكْر ..أُرَاعِهَا مُتَّسِعَة ،أَكْبَر مِن الْحُجُرَات الْسَّابِقَة ..تَقَابَلْنّى سِتَارَة لَبَنْيَّة الْلَّوْن ذَات نُقُوْش مُطَرَّزَة تُغَطِّى الْجِدَار ،تَنْسُل عِبَرِهَا خُطُوْط مُسْتَقِيِمَة مِن الْضَّوْء مِن خَصَاص الشِّيْش لِتُرْتَمّى تَحْت قَدَمَى ،تُحِيْل الْظَّلام الَى عُتْمَة نَاعِمَة ،الْفُرُش الوِرَّدَى الْمُبَعْثَر يُؤَكِّد أَنَّهَا حُجْرَة نَوْمِه ..أُغَادِرُهَا مُحْرَجا ..هَذَا هُو الْوَكْر الْحَقِيقِى أَيُّهَا الْشَّقِى ..مِن يَوْمِه هَكَذَا ..أَرْقُبُه بِجَانِب عَيْنَى ..أتَعَبَنّى ..مَع هَذَا أَشْعُر بِه أَكْثَر ..أَرَاه قَرِيْبا مِنِّى ..أُمُّه رَحِمَهَا الْلَّه كَانَت تَقُوْل ..لَا أَعْرِف كَيْف يُشْبِهُك الَى هَذَا الْحَد ..رَغْم هَذَا فَأَنَا أُخْتُلِف عَنْه كَثِيْرَا ..لَم أَكُن يَوْمَا أَحْمِل تَطَلُّعَات أَكْثَر مِن طَلَب الْسِّتْر ..أَمْرَأَة تَرْضَى بْعِيشَتِهَا ،تَشْعُر أَنَّنِى رَجُلُهَا ،وَأَوْلَاد أَحْسَن تَرِّيْتِهُم ،وَلَا شَىْء أَكْثَر ..أَمَّا هُو ..!
- تَطْلُع الْسَّطْح يَابَابّا ؟ ..الْمَنْظَر مِن فَوْق رَائِع
صَرَخَت :- يَابَنِى ..هَذَا اجِهَاد لَا أَتَحَمَّلَه
نَعُوْد الَى الرَّدْهَة ..تَحْت الْصُّوَرَة الْزَّاهِيَة الْأ لَوْان لِامْرَأَتِه نَجْلِس .
- تَأْكُل أَوَّلَا ؟
وَيُشِيْر الَى مَائِدَة الْطَّعَام فِى الْجَانِب الْأَيْمَن ..حَوْلَهَا أَرْبَعَة مَقَاعِد بِعَدَد أَفْرَاد الْأُسْرَة ..رَغْم أَن الْجُوْع يَتَعَمْلَق فِى أَحْشَائِى أَقُوْل :-
- بَل نَنْتَظِر الْأَوْلَاد
- اذُن تَشْرَب شَيْئا
يُهَرْوِل نَحْو الْمَطْبَخ..أَسْمَع صَوْت مِزْلاج الْبَاب يَفْتَح ..أَرَى أَصْل الْصُّوَرَة الَّتِى أَجْلِس تَحْتِهَا حَيّا أَمَامِى ..أَتَامل الشَّكْل بِانْبِهَار ..وَجْهِهَا ..دَهْشَتَهَا ..أُعَالج الْقِيَام .
- مَن أَنْت ؟
أَفْتَح فَمِى ..أَنَا !!
يَعُوْد بِالْمَشْرُوبَات ..يَهُش لَهَا:-
- بَابا ..جَاء مِن مِصْر
تُمَد يَدَهَا بِالْسَّلام ..بَسْمَتُهَا جَافَّة ..عَيْنَاهَا حَدُقَاتِهُما لامِعَتَان توَمَضَان بِنَظْرَة مَعْجُوْنَة بِازْدِرَاء أَو كَرِه أَو ..أَو ..لَا أَدْرِى ..شَعْرَهَا الْقَصِير هَالَة مِن ذَهَب تُحِيْط بِوَجْهِهَا الْأَبْيَض ..يَنْفَرِج فَمِهَا بِالْكَاد :-
- اهْلِا ..عَن اذُنَك
وَتَمَضَّى الَى حُجْرَتِهَا ..الْثَّالِثَة عَلَى الْيَسَار ..مُؤَكَّد هِى الَّتِى وُضِعَت صُوْرَة الْهِرَّة النَّاعِمَة سَاحِرَة الْعَيْنَيْن فِى الْمَمَر ..لَكِن أَيْن مَخَالِبَهَا ؟
يَمُد يَدَه بِالْشَّرَاب :-
- تُفَضِّل يَابَابّا ..الْبَيْت بَيْتِك طَبْعَا..بَعْد اذْنِك ثَوَانِى .
أَشِيْر الَيْه :- سَأُجْلِس بِالْحَدِيْقَة ..خُذ رَاحَتَك
أَفْتَح الْبَاب وَامْضِى ..أَتَّجِه الَى الْمِظَلَّة أَو الْوَكْر كَمَا يُسَمِّيْهَا ..الْقَى بَارْهَاق جَسَدِى عَلَى أَحَد الْمَقْعَدَيْن ..يَصِلُنِى صَوْتَهَا مُحْتَجَّا مِن خَلْف الْنَّافِذَة الَّتِى فُتِحَت تَوَّا فِى حُجْرَتِهَا :-
- لَايُوْجَد لَه مَكَان هُنَا ..أَفَهِمْت ؟
أَنْتَبِه لِلْكَلِمَات ..يَتَصَلَّب جَسَدِى ..أَبْحَث عَن صَوْتِه ..يَعُوْد صَوْتَهَا لِلِارْتِفَاع :- هَذِه مُشْكِلْتَك ..تَصْرِف .
أَجَاهِد الْوُقُوْف ..لَا أُحَاوِل تُعُقِّب صَوْتَه أَو مُحَاوَلَة مَعْرِفَة رَدَّه ..أُحَدِّق عَلَى الْبُعْد فِى الْبَاب الْخَشَبِى ....وَأَمْضَى !
----
قُصَّة قَصِيْرَة
-----------
أَمَام الْبَاب الْخَشَبِى بِزَخَارِفِه الْبَهِيجَة تَوَقَّفَت .. أَعَدْت قِرَاءَة الْعُنْوَان الَّذِى قَرَأْتُه مَرَّات وَمَرَّات ..تَأَكَّدَت مِن الَرْقَم الْمُدَوِّن ..أُعِد ت الْتَّأَكُّد ..دَقَقْت جَرَس الْبَاب ، وَوَقَفْت مُثْقَلَا بِحَمْل لَّهَفَتَى أَنْتَظِر ..بَعْد دَهْر رَأَيْت الْبَاب يَفْتَح ..أُطِل وَجْه ابْنِى ..تَلَقَّيْتَه بَيْن أَحْضَانِى ..أَخِيِرَا مِن قَلْب الْمَتَاهَة عَثَرَت عَلَيْك ..أَخَذ يَمْسَح الْدُّمُوْع عَن وَجْهِى.
- كَيْف حَال الْسَّفَر مَعَك؟
- كُل آَثَار الْتَّعَب تَبَدَّدَت الْآَن
أَخَذَنِى مِن يَدِى ..كَان الْصَّبَاح يَافِعَا مَايَزَال ..سَرَت وَسَط الْخُضْرَة أَتَنَسَّم عِطْر الْصَّفَاء ..أُدِيْر الْنَّظَر حَوْلِى ..أَشَار الَى مِظَلَّة تكَونَهَا الْأَغْصَان الْمُلْتَفَّة ..قَال :-
- الْوَكْر..هُنَا أَجْلِس وَسَط الْحَدِيقَة أَتَنَاوَل الْافْطَار
أُخْرِجَت مِنْدِيْلا وَرَقِيّا أَمْسَح بِه مَاتَبَقَّى مِن شُعَيْرَات بِرَأْسِى ..الْعَرَق ابِر حَامِيَة تُنَفِّذ فِى مَسَامّى وَأَسْفَل ظَهْرَى..حَمْلَقْت فِى الْمَائِدَة الَّتِى تَتَوَسَّط الْوَكْر - كَمَا يُسَمِّيَه - وَالْمُقْعَدِين الْخَالِيِّين :-
- أَيْن الْاوْلاد ؟
رَد بَاسِمَا :- فِى الْمَدْرَسَة
كَانَت الْشَّمْس تُرْشَق أَسْهُمُهُا الْذَّهَبِيَّة مِن خِلَال أَوْرَاق الْشَّجَر فِى أَضْلُع الْمَقْعَدَيْن وَالْمَائِدَة ..فَكَّرْت أَن أَجْلِس قَلِيْلا ..أَسْتَرِيْح مِن عَنَاء الْطَّرِيْق .؟.بِنَفْس الْبَسْمَة أَشَار الَى مَبْنِى سَاكِن وَسَط الْخُضْرَة زَاهِى الْبَيَاض ..قَال بِمَرَح :-
- تَعَالَى أَفَرِّجُك عَلَى الْبَيْت
سَرَت مَعَه ..أَيَّام طَوَال لَم أَرَه فِيْهَا ..افْتَقَدْتَّه.. أَحْسَسْت أَن الْعُمْر يُهَرْوِل .. يَدْنُو مِن نِهَايَتِه دُوْن أَن أَرَاه .. الْبَيْت لَم يَعُد فِيْه مَايَشَدْنّى لِلْبَقَاء ..الْزَّوْجَة ذَهَبَت ..اقْتُرِح عَلِى أَن أُسَافِر الَيْه فِى اجَازَة قَصِيْرَة
- تُفَضِّل يَابَابّا
فُتِحَت الْبَاب وَتَقَدَّمَت ..مَسَافَة طَوِيْلَة قَطَعْتُهَا لِأَجْلِه ..رُفِعَت وَجْهِى لِأَعْلَى ..تَلَا قَت عَيْنَاى بِأَرْبَعَة أَعْيُن بَاسِمَة مُعَلَّقَة عَلَى الْجِدَار تَسْتَقْبِل الْدَّاخِل مُبَاشَرَة ..تَبَسَّمَت بَاجِهَاد الْلَّحْظَة مِن أَجْلِهَا . زَوْجَتِه مُعَلَّقَة بِيَدِه فِى فَخَر ، وَهُو يَقِف مُوَاجِها الْكَامِيْرَا بِبَسْمَة ثِقَة طَالَمَا أَعْجَبَتْنِى فِيْه
- مَارَأْيُك ؟
حَدَّقْت فِى مِلْاحَة المَلَامِح ..هَمَسَت بُجَد :- جَمِيْلَة
اتَّسَعَت ابْتِسَامَتِه :- زَوْجَتِى .. سَتُعْجِبُك أَكْثَر حِيْنَمَا تَرَاهَا
وَمَضَى الَى الْأَمَام ..سِرْت خَلْفِه الَى وَسَط الرَّدْهَة ..رَأَيْتَنِى أَفْتَح عَيْنَى الَى أَقْصَاهَا ..الْأَنْوَار خَافِتَة ..تَنّبُع مِن لَمْبَات صَغِيْرَة ،تَحْجِبُها بِلَّوْرَات زُجَاجِيَّة خَشِنَة الْسُّطُوْح ..الْظِّلال تَتَلَاقَى عَلَى فُرُش الْمَقَاعِد وَالأَرَائِك بِالْوَانُهَا الْنُّضْرَة ، لِتَصْنَع عَالِما مِن غُمُوْض ..الْنُّوْر الْخَافِت يُكْتَفَى بِفْتِرَاش الْجُدْرَان ..بَيْنَمَا تَبْزُغ مِن الْأَرْكَان مُوْسِيْقَى هَادِئَة تَنْسُل لِتُطِيح بِالْحَوَاس.
شَد انْتَبَاهَى صُوْرَة ثَانِيَة زَاهِيَة الْأَوَان تَتَوَسَّد مُنْتَصَف الْجِدَار الْمُقَابِل ..كَانَت لَأَمْرَأَتِه وَحْدَهَا ..تَأَمَّلْت وَجْهِهَا ..حُسْنِهَا فَيَّاض ..قَسَمَاتِهَا رَقِيْقَة .. بَسْمَتُهَا رَائِعَة ..مِن صِغْرِه يَتَمَنَّى هَذَا ..يَسْعَى الَيْه ..تَرَكْنَا مُنْذ سِنِيْن قَائِلا أَنَّه سَيَبْحَث عَن ذَاتِه ..سَنَوَات مَرَّت لَم أَر مِنْه الَا كَلِمَات عَجْلَى عَبْر الْهَاتِف ..كُنْت كَثِيْرا مَا أَسْأَلُه ..الْم تَجِد ذَاتِك الَّتِى تَبْحَث عَنْهَا الَى الْآَن ؟ ..فَتَرْن ضَحِكْتَه عَبْر الْسَّمَاعَة :- مَازِلْت احَاوِل ..أَخِيِرَا اضْطَرَنّى أَنَا لِلْسَّفَر الَيْه ..وَاضِح أَنَّه كَمَا أَرَى وَجَد مَايُرِيد .
- تَفَضَّل مِن هُنَا يَا أَبِى
أَهْمِس فِى ارْهَاق :- لَا دَاعِى لِلْفُرْجَة الْآَن
تَتَّسِع ابْتِسَامَتِه :- الَا تُرِيْد رُؤْيَة بَيْتِى ؟
أَهُز رَأْسِى مُسْلِما وَأَسِيْر خَلْفِه ..يَمْضِى الَى مَمَر ضَيِّق ،بِه حُجُرَات الَى الْيَسَار ..أَرَى الَى الْيَمِيْن هِرَّة نَاعِمَة ، سَاحِرَة الْعَيْنَيْن تُطِل مِن اطَار ذَهَبَى عَلَى الْجِدَار ..يَفْتَح بَاب الْحُجْرَة الْأ وَلَّى ..أُدْخِل بَعْدِه ..تَقَابَلْنّى سِتَارَة مُزَرْكَشَة ذَات وُرُوْد مُطَرَّزَة بِقُمَاشَهَا الْسَّمَاوَى ، تُغَطِّى جُزْءا مِن الْجِدَار ،الْجُزْء الْآَخِر بِه نَافِذَة مَفْتُوْحَة الْمِصْرَاعَيْن ..الْهَوَاء يُسَبِّح مَرَحَا فِى الْمَكَان ..وَجْهِى تَنْبَسِط أَسَارِيْرُه أَمَامِى فِى الْمِرْآَة ..حُجْرَة وَفَاء ..أَرْمُق الْصُّوَر الْمُتَزَاحِمَة عَلَى الْجُدْرَان ..مُمَثِّلَيْن وَمُطَرَبَين ..أَشِعَّة الْشَّمْس عَبْر الْنَّافَذَة ترَشقُهُم بِمَطَر الْضَّوْء ..أَهُز رَأْسِى عَجَبا ..أَرْسَل بُصْرَى عَبْر الْنَّافَذَة الَى الْحَدِيْقَة ..أَسْمَع صَوْتَه يَقُوْل :- وَفَاء فِى الْمَدْرَسَة
وَيَتَّجِه لِلْحُجْرَة الْتَّالِيَة ..خُطْوَة قَدَمَى لَم تَعُد تُسَاعِدُنِى ..أَتَقَدَّم مُتَمَهِّلا خَلْفِه ..آاااه ..حُجْرَة أَشْرَف ...الْمُح وَجْهَيْن مُتَلَاصِقَيْن عَلَى الكُوُمِيَدِيَنّو الْمُلَاصِق لِلْسَّرِيْر ..ضِحكَتِهُما الْصَّغِيْرَة رَائِعَة ..أُقَبِّلُه وَأَخْتُه بِشَغَف ..أُعِيْد وُضِع الَّاطَار مَكَانَه وَأَمْضَى ..يُقَابَلْنّى وَجْهِى فِى الْمِرْآَة مُرْهَقَا ، مَلَامِحِه تَسْتَغِيْث مَن الْتَّعَب ..أَتَأَمَّل الْشُّعَيْرَات الْبَيْضَاء فِى فَوَدَى ،الْزَّاحِفَة الَى أَعْلَى ،الْصَّاخِبَة فِى الْذَّقْن ..ذَهَب الْعُمْر بِك الَى مَالْا عَوْدَة مِنْه ..الَتَغَضَنَات يُغَطِّيْهَا الْعِرْق و..أُدِيْر رَأْسِى عَن الْمِرْآَة ..أَتَمَنَّى أَن أَسْأَلَه الْرَّاحَة أَوَّلَا وَبَعْدَهَا أَتَفَرَّج كَمَا أَشَاء .
- تُفَضِّل يَاأَبَى
لَا أَجِد الْجُرْأَة عَلَى الْبَوْح بِمَالِدَى ..أَمْضَى بِرَغْمّى خَلْفِه الَى الْحُجْرَة الْثَّالِثَة عَلَى الْيَسَار ،الْمُطِلَّة عَلَى الْحَدِيْقَة مِن الْوَرَاء ، بِالتَّحْدِيْد كَمَا قَال لَى تُطِل عَلَى الْوَكْر ..أُرَاعِهَا مُتَّسِعَة ،أَكْبَر مِن الْحُجُرَات الْسَّابِقَة ..تَقَابَلْنّى سِتَارَة لَبَنْيَّة الْلَّوْن ذَات نُقُوْش مُطَرَّزَة تُغَطِّى الْجِدَار ،تَنْسُل عِبَرِهَا خُطُوْط مُسْتَقِيِمَة مِن الْضَّوْء مِن خَصَاص الشِّيْش لِتُرْتَمّى تَحْت قَدَمَى ،تُحِيْل الْظَّلام الَى عُتْمَة نَاعِمَة ،الْفُرُش الوِرَّدَى الْمُبَعْثَر يُؤَكِّد أَنَّهَا حُجْرَة نَوْمِه ..أُغَادِرُهَا مُحْرَجا ..هَذَا هُو الْوَكْر الْحَقِيقِى أَيُّهَا الْشَّقِى ..مِن يَوْمِه هَكَذَا ..أَرْقُبُه بِجَانِب عَيْنَى ..أتَعَبَنّى ..مَع هَذَا أَشْعُر بِه أَكْثَر ..أَرَاه قَرِيْبا مِنِّى ..أُمُّه رَحِمَهَا الْلَّه كَانَت تَقُوْل ..لَا أَعْرِف كَيْف يُشْبِهُك الَى هَذَا الْحَد ..رَغْم هَذَا فَأَنَا أُخْتُلِف عَنْه كَثِيْرَا ..لَم أَكُن يَوْمَا أَحْمِل تَطَلُّعَات أَكْثَر مِن طَلَب الْسِّتْر ..أَمْرَأَة تَرْضَى بْعِيشَتِهَا ،تَشْعُر أَنَّنِى رَجُلُهَا ،وَأَوْلَاد أَحْسَن تَرِّيْتِهُم ،وَلَا شَىْء أَكْثَر ..أَمَّا هُو ..!
- تَطْلُع الْسَّطْح يَابَابّا ؟ ..الْمَنْظَر مِن فَوْق رَائِع
صَرَخَت :- يَابَنِى ..هَذَا اجِهَاد لَا أَتَحَمَّلَه
نَعُوْد الَى الرَّدْهَة ..تَحْت الْصُّوَرَة الْزَّاهِيَة الْأ لَوْان لِامْرَأَتِه نَجْلِس .
- تَأْكُل أَوَّلَا ؟
وَيُشِيْر الَى مَائِدَة الْطَّعَام فِى الْجَانِب الْأَيْمَن ..حَوْلَهَا أَرْبَعَة مَقَاعِد بِعَدَد أَفْرَاد الْأُسْرَة ..رَغْم أَن الْجُوْع يَتَعَمْلَق فِى أَحْشَائِى أَقُوْل :-
- بَل نَنْتَظِر الْأَوْلَاد
- اذُن تَشْرَب شَيْئا
يُهَرْوِل نَحْو الْمَطْبَخ..أَسْمَع صَوْت مِزْلاج الْبَاب يَفْتَح ..أَرَى أَصْل الْصُّوَرَة الَّتِى أَجْلِس تَحْتِهَا حَيّا أَمَامِى ..أَتَامل الشَّكْل بِانْبِهَار ..وَجْهِهَا ..دَهْشَتَهَا ..أُعَالج الْقِيَام .
- مَن أَنْت ؟
أَفْتَح فَمِى ..أَنَا !!
يَعُوْد بِالْمَشْرُوبَات ..يَهُش لَهَا:-
- بَابا ..جَاء مِن مِصْر
تُمَد يَدَهَا بِالْسَّلام ..بَسْمَتُهَا جَافَّة ..عَيْنَاهَا حَدُقَاتِهُما لامِعَتَان توَمَضَان بِنَظْرَة مَعْجُوْنَة بِازْدِرَاء أَو كَرِه أَو ..أَو ..لَا أَدْرِى ..شَعْرَهَا الْقَصِير هَالَة مِن ذَهَب تُحِيْط بِوَجْهِهَا الْأَبْيَض ..يَنْفَرِج فَمِهَا بِالْكَاد :-
- اهْلِا ..عَن اذُنَك
وَتَمَضَّى الَى حُجْرَتِهَا ..الْثَّالِثَة عَلَى الْيَسَار ..مُؤَكَّد هِى الَّتِى وُضِعَت صُوْرَة الْهِرَّة النَّاعِمَة سَاحِرَة الْعَيْنَيْن فِى الْمَمَر ..لَكِن أَيْن مَخَالِبَهَا ؟
يَمُد يَدَه بِالْشَّرَاب :-
- تُفَضِّل يَابَابّا ..الْبَيْت بَيْتِك طَبْعَا..بَعْد اذْنِك ثَوَانِى .
أَشِيْر الَيْه :- سَأُجْلِس بِالْحَدِيْقَة ..خُذ رَاحَتَك
أَفْتَح الْبَاب وَامْضِى ..أَتَّجِه الَى الْمِظَلَّة أَو الْوَكْر كَمَا يُسَمِّيْهَا ..الْقَى بَارْهَاق جَسَدِى عَلَى أَحَد الْمَقْعَدَيْن ..يَصِلُنِى صَوْتَهَا مُحْتَجَّا مِن خَلْف الْنَّافِذَة الَّتِى فُتِحَت تَوَّا فِى حُجْرَتِهَا :-
- لَايُوْجَد لَه مَكَان هُنَا ..أَفَهِمْت ؟
أَنْتَبِه لِلْكَلِمَات ..يَتَصَلَّب جَسَدِى ..أَبْحَث عَن صَوْتِه ..يَعُوْد صَوْتَهَا لِلِارْتِفَاع :- هَذِه مُشْكِلْتَك ..تَصْرِف .
أَجَاهِد الْوُقُوْف ..لَا أُحَاوِل تُعُقِّب صَوْتَه أَو مُحَاوَلَة مَعْرِفَة رَدَّه ..أُحَدِّق عَلَى الْبُعْد فِى الْبَاب الْخَشَبِى ....وَأَمْضَى !
تعليق