القصة القصيرة.. عناصرها وشروطها
الدمام (السعودية)- خليل الفزيع( كاتب وصحفي سعودي)
يخلط بعض الكتاب بين القصة والقصة القصيرة، وهذاالخلط ناجم في الغالب من الدلالة اللفظية لكلا المصطلحين، وحقيقة الأمر أن القصةبمعناها المطلق تشمل كل الألوان السردية والحكائية وهي ذات جذور متوغلة في عمقتاريخ الأدب العربي، ومنها القصص الـواردة في القرآن الكريم مثل قصص الأنبياءوالأقوام والأمم، وكذلك الأساطير الشعبية والحكايات المستمدة من التراث، وهي تشكلرصيداً ضخماً من الإبداع المرتبط بتاريخ الأمة عبر الزمن، لكن القصة القصيرةبمفهومها الحديث فن وافد إلى الأدب العربي المعاصر من الغرب والشرق.
ولا يبررهذا الخلط بين القصة والقصة القصيرة ما تشهده ساحة الإبداع الأدبي من فوضى نتيجةتداخل الأجناس الأدبية على أيدي المغرمين بتقليد أدباء الغرب، حتى أصبحنا نقرأ مايسمى شعراً ما ليس له علاقة بالشعر، أو نقرأ قصة ما ليس له علاقة بالقصة، كل ذلكبحجة التجديد، وما هو سوى تقليد أعمى يتجاهل الذائقة الفنية للقارئ العربي الذيتربى على تلقي ألوان أدبية شكلت ذائقته الفنية بل وساهمت في تشكيل شخصيته العامة،وهي ألوان قابلة للتجديد وفق السياق العام للتطور الذي تشهده الحياة في المجتمعالعربي المسلم، لا وفق ما يراه الآخرون.
قواعد صارمة
إن الأدب العربي عبرتاريخه الطويل يحمـل كمـاً هـائلاً من القصص التي لا يمكن أن ينطبق عليها مصطلحالقصة القصيرة، رغم أن هذا اللون الأدبي ـ أي القصة القصيرة ـ هو أكثر الألوانالأدبية قابلية للتطوير والتجديد، وهذا ما تؤكده النماذج القصصية الجديدة التي بدأتفي التخلي عن تلك القواعد الصارمة التي وضعها كتّاب القصة القصيرة الأوائل، أو التياستنتجها النقاد من كتابات أولئك الرواد. وبصرف النظر عن مدى تقبل المتلقي للنصوصالقصصية الجديدة، فإن على المبدعين التعامل بحذر مع النص قبل الإقدام على مغامرةالتجريب، حتى لا يتخلى النص القصصي نهائياً عن كـل مقومات القصـة القصيرة.. ليصبحلونـاً أدبياً آخر يمكن تصنيفه في أي ( خانة ) من ( خانات ) الأدب باستثناء القصةالقصيرة.
فن جديد
وكما قلنا: يعتبر فن القصة القصيرة من الفنون الأدبيةالحديثة، التي عرفها الأدب العربي في هذا العصر، وإن كان هناك من يرجع جذورهاالأولى إلى بعض الفنون الأدبية القديمة، لأنها تشترك معها في بعض الملامح، لكنحقيقة الأمر أن القصة القصيرة بشروطها الفنية المعروفة هي فن جديد، ليس في الأدبالعربي فقط، ولكن حتى في الآداب الغربية الأخرى، إذ لم يظهر هذا الفن إلا منذ حواليقرن تقريباً وفي هذا المعنى يقول الدكتور عزالدين إسماعيل : ( وأما القصة القصيرةفهي حديثة العهد في الظهور، وربما أصبحت في القرن العشرين أكثر الأنواع الأدبيةرواجاً، وقد ساعد على ذلك طبيعتها والعوامل الخارجية.
عصر السرعة
أما من حيثطبيعتها فقد أغرت كثيراً من الشبان بكتابتها رغم أنها في الحقيقة أصعب أنواع القصص،ولذلك يخفق 70% على الأقل في كتابتها. وأما من حيث العوامل الخارجية، فقد تميزعصرنا بالآلية والسرعة، ومئات الصحف والمجلات تحتاج كل يوم لمئات القصص وهي بحكمالحيز والناحية الاقتصادية تفضل القصة القصيرة، ثم يذكر من هذه العوامل الإذاعةأيضاً، والناس الذين سيطرت على حياتهم السرعة في كل شيء حتى فيما يختارون للقراءة،فوجدوا في القصة القصيرة ضالتهم، لأنها تلائم روح العصر بكل تناقضاته وإشكالاتهالمختلفة. ثم إن (القصة القصيرة لا تزدهر مع حياة الخمول، بل تزدهر مع حياةالمعاناة، لأنها تتخذ الومضة النفسية أو الحضارية للمجتمع والإنسان محوراً لهاتعالجه وتهتم به، وما اهتمامها بالإنسان إلا اهتمام بالطبقات المسحوقة بشكل خاص).
وفي هذا العصر يعيش الإنسان أقسى أنواع المعاناة، وأشدها وطأة على النفس، وفيمثل هذه الظروف تزدهر القصة القصيرة.
معطف جوجول
ويمكن القـول أن القصةالقصيرة ظهرت في وقت واحد في بلدين متباعدين، وعلى أيدي اثنين لم يتفقا على ذلك هماإدجار ألن بو 1809 ـ 1840 في أمريكا، وجوجول 1809 ـ 1852 في روسيا، وقد قال مكسيمجوركي عن جوجول (لقد خرجنا من معطف جوجول) (3) وهو بهذا وضع تحديداً مبدئياً لتاريخالقصة القصيرة في الآداب العالمية، إلى أن جاء جي دي موباسان 1850 ـ 1892 في فرنساليقول عنه هولبروك جاكسان: (إن القصة القصيرة هي موباسان، وموباسان هو القصةالقصيرة).
مقدمة وعقدة
وهناك شـروط للقصـة القصيرة هي المقدمة والعقدةوالحل أو لحظة التنوير، كما أن للقصة عناصر تقليدية أيضاً هي الشخصية والحدثوالبيئة ـ الزمان والمكان ـ لكن هذه الشروط أو العناصر لم تعد تشغل بال كتاب القصةالحديثة، إذ تجاوزها الكثيرون ممن يحاولون التجريب فهم يرون أنها (سير نحو هدف ما،ومن معاني السير البحث، ولا سيما البحث عن الوجود، والقصة هي أحسن مثال لهذا اللونمن البحث، وهذا السير هو في الحقيقة مجهول، مغامرة منغلقة الأسرار، حركية دائمةديمومة متدحرجة، وعلاقة القصاص بهذا اللون من البحث غريبة. إذ أن القصة تتبع مننفسه، فيتحملها عند كتابتها ومعايشتها، حتى تتمكن من تقرير مصيرها بنفسها فنياً.
أما القصة التقليدية فهي السـكون والقـرار، إذ هي مشـروحة جـاهزة، مضبوطةالأهـداف.. منطقية قدرية " عاقلة " يصبها باعثها في قالب جامد مجتر ).
وهذاالكلام لا يؤخذ على علاته، فالعملية الإبداعية لا تقتصر في نجاحها على أساليب دونغيرها، سواء كانت هذه الأساليب تقليدية أو تجريبية، فإذا توفر الصدق الفني إلى جانبإشراقة الأسلوب وقدرته على تفجير الأسئلة في ضمير المتلقي، يمكن الحكم للعملالإبداعي لا عليه. فما الفائدة في أن يقدم على التجريب من لا يملك الأدوات الفنيةالتي تؤهله لذلك، إن العملية الإبداعية في هذه الحالة لا تتعرض للتجريب بل للتخريب.
شروط غير ملزمة
ومع ذلك فإن شروط القصة القصيرة لم تعد ملزمة، لأنها شروطقابلة للنقض، كغيرها من الشروط العامة التي تخضع حين تنفيذها لظروف مختلفة عن تلكالتي كانت حين فرضها. وهي قابلة للتجاوز حسب درجة الوعي التي يتمتع بها المبدع.. ذلك الوعي الذي لا يتيح للمتلقي فرصة الوقوف والسؤال عن لماذا تم تجاوز هذا الشرطأو ذاك. فهو أمام عمل إبداعي متكامل، تم تشكيله وفق رؤية جديدة ومتطورة لا يملكالمتلقي حيالها إلا الإعجاب. لكن إذا أمكننا أن نتخلى عن بعض أو كل شروط القصةالقصيرة، فكيف لنا أن نتخلى عن كل أو بعض عناصرها ؟. إن هذا التخلي عن هذه العناصريحيل الكتابة إلى لون أدبي آخر غير القصة. قد يندرج تحت مسمى الخاطرة أو الكتاباتالوجدانية أو أي لون أدبي آخر غير القصة، وهذا لا يعني أن هذه العناصر جامدة ولاتقبل التطوير. وأول هذه العناصر الشخصية القصصية:
أولا- الشخصية:
كنا إلىوقت قريب نقرأ الشخصية القصصية فنجدها صدى لكاتبها، إذ أن ثمة علاقة تشبه التوحدبين المبدع وشخصياته القصصية، وهذا التوحد وإن كان يلقي الضوء على المبدع وفكره،إلا أنه يحول بين الشخصية وممارسة تصرفاتها الطبيعية، وفق الدوافع والأجواء التيوجدت فيها، وعندما يطـل المبدع بفكره من خلال شخصياته القصصية، فإن هـذا يكرسالنمطية التي تتكرر بشكل أو بآخر، وتلقي بظلالها على ما يأتي بعدها.
لكننا معتقدم التقنية القصصية، نتيجة فسـح المجال أمام التجارب الجديدة.. أصبحنا نقرأ نماذجمتعددة من تلك الشخصيات، لا تظهر فيها سيطرة الكاتب وتحكمه في مصيرها، وأصبح سلوكهامرهون الخطوات بالظروف والعوامل والأجواء التي وجدت بها، دون الشعور بأن الكاتب هوالمتصرف بشؤونها، والمتحكم في تصرفاتها والمقرر لمصائرها، وهذا لا يلغي العلاقة بينالمبدع والنص، ولكنه يجعل هذه العلاقة متوازنة ومحكومة بضوابط خفية يعرفها المدركونللإشكاليات المتعلقة بالإبداع أو التلقي.
الإبداع والنص
وحين الحديث عنالعلاقة بين المبدع والنص علينا ألا نتجاهل أهمية التجارب الذاتية في إثراء العملالإبداعي، وهذه التجـارب لا تبرر للمبدع فرض رأيه وفكره فيما يتعارض مع قدرة شخصيتهالقصصية على استيعاب وتمثل هذا الرأي أو الفكر، لأن العديد من العوامـل هي التيتحـدد هذه القـدرة على الاستيعاب والتمثل، وبغياب هذه العوامل تصبح تلك القدرةمفقودة، والتناقض واضحاً بين الشخصية وسلوكها المحتمل والمتوقع. إن إدراك توازنالعلاقة بني المبدع والنص يقودنا إلى شيء من التسليم بأن هذه العلاقة طبيعية وغيرمتنافرة، إذا تقيدت بتلك الضوابط الخفية التي أشرنا إليها آنفاً. أما القول بانعدامالعلاقة بين المبدع والنص، كما يزعم المنادون بموت المؤلف، فإنه قول يتجاهل مجملالمعطيات التي تحيل النص من مجرد فكرة هلامية، إلى كائن يتنامى حتى يبلغ أوج نضجه. وهكذا يكون الحال بالنسبة للجزئيات التي يتكـون منها النص في نهاية الأمر.
شخصيات مختلفة
عند الحديث عن الشخصية القصصية سواء في الرواية أو القصةالقصيرة، يتبادر إلى الأذهان أن المعنى هو الإنسان، وإن لواء البطولة في القصة لايعقد إلا لهذا الإنسان، مع أن الأعمال الروائية والقصصية المشهورة تزخر بأبطالحقيقيين يتحكمون في مسار الأحداث، ولكنهم ليسوا رجالا أو نساء، ليسوا بشرا، وإنكانوا هم محور الأحداث، ومركز استقطابها، وعلاقتهم بالناس هي علاقة محكومة بظروفها،لا أقل ولا أكثر.
ونحن أمام عمل إبداعي مثل ( العجوز والبحر ) لهنجواي ننسبالبطولة للعجوز، لكن هناك بطولة لشخصيات أخرى أشد ضراوة في مقاومة الظروف وتحديالصعاب.. وأشد إصراراً على تحقيق هزيمة ساحقة بالعجوز الذي لم ينهزم لأنه يقول فيالنهاية : إن الإنسان قد يتحطم ولكنه لا ينهزم. فلدينا البحر الذي يشارك العجوز هذهالبطولة، وكذلك سمك القرش الذي يشاركه أيضاً هذه البطولة، فنحن في هذا العملالإبداعي أمام ثلاث شخصيات تتساوى في الأهمية : سانتياغو العجوز، والبحر الذي يقودالأحداث إلى المجهول، وأسماك القرش التي تصر على إلحاق الهزيمة بالعجوز.
الشخصية الإنسانية ليست شرطا
فالشخصية الرئيسية أو البطل في القصة أوالرواية لا يشترط أن يكون إنساناً، قد يكون الزمان، أو المكان، أو الطبيعة، أو أحدالمخلوقات التي يستصغرها الإنسان، فإذا هي تقوم بأعمال خارقة تبعث على الحيرةوالتأمل في ملكوت الخالق، ونحن عندما نتحدث عن المكان ـ مثلاً ـ كبطل لقصة ما،فإننا لا نتحدث عن فلسفة الزمـن، ولا عن الزمن بمعناه الميكانيكي، بل باعتبارهالإطار الذي يمكن أن يستوعب مجموعة من الأحداث والشخصيات.. يتحكم في توجيهها وفقمعايير معينة ليصبح هو البطل الحقيقي في النهاية، وكذلك عندما نتحدث عن المكان ـمثلا ـ فنحن لا نتحدث عن ماهية المكان، ولا عن المكان بمعناه الهندسي، بل باعتبارهبعداً مادياً للواقع، أي الحيز الذي تجرى فيه ـ لا عليه ـ الأحداث، والمساحة التيتتحرك فيها ـ لا عليها ـ الشخصيات. بمعنى أن تأثيره يصل إلى حد التحكم في مسار تلكالأحداث والشخصيات، مع الأخذ بعين الاعتبار أن المقصود بالزمن هنا لا علاقة لهبالتاريخ، حتى لا يلتبس علينا الأمر، ونظن أن كل رواية أو قصة تاريخية.. بطلهاالزمن. كما أن المقصود بالمكان هنا لا علاقة له بالأيديولوجيا، حتى لا يلتبس عليناالأمر، ونظن أن كل رواية أو قصة ذات أيديولوجيا محددة.. بطلها المكان.. ويمكناعتبار بطل قصة ( في ضوء القمر ) لجي دي موباسـان هو الزمن. بينما يمكن اعتبار بطلرواية ( الأرض الطيبة ) لبيـرل باك هو المكان.
ثانيا- الحدث :
لم تعد القصةالقصيرة تحتمل حدثاً كبيراً يحتل مساحة زمانية أو مكانية كبيرة، بل أصبحت تكتفيبجزء من الحدث يستقطب حوله مجموعة مـن العناصر التي تتآلف لتكون في النهاية مانسميه بالقصة القصيرة. وهذا الحدث الجزئي، وإن كان فيه إخبار عن شيء بذاته، لكن هذاالإخبار ينحصر في زاوية معينة، تاركاً المجال لعناصر القصة الأخرى لتتكاتف وتتآزر،فتحقق النجاح للقصة القصيرة، وهذا الحدث الجزئي أو الكلي قد يكون عادياً إذا جرد منالعناصر الفنية المكونة للقصة القصيرة، لكنه يكتسب هذه الصفة بمجرد وضعه في دائرةالضوء، ليتشكل منه عمل فني يتنامى حتى يبلغ مرحلة النضج، بشكل متكافئ بين جميع تلكالعناصر الفنية، وإن طغى أحد هذه العناصر على غيره أحدث خللا في البناء الفنيللقصة، وشوه الهندسة المعمارية لهيكلها العام.
واقع وخيال
قد يكون الحدث منالواقع، وقد يكون من الخيال، لكن هذا الحدث في النهاية يرتهن ـ وبطريقة غير مباشرةـ بنظرة المبدع الذي حاول استقاءه من الواقع، أو استحضاره من الخيال، معتمداً فيذلك على روافـد ثقافته العامة، بما فيها من مخزون تراثي وتربوي وبيئي، وهذهالعوامـل لا تكوِّن إبداعـه فقط، ولكنها أيضاً تكون مجمل شخصيته كإنسان. إن تأثيرهاواضـح على أعماله الإبداعية بجميع عناصرها ومنها الحدث. فالمبدع هو الذي يملك حقإطلاق سراح هذا الحدث، أي من مجرد فكرة.. إلى بداية لواقع معاش ولكن على الورق.
تأثير مختلف
والحدث هي وظيفة يقوم بها فاعل معلوم أو مجهول ـ كما يريدالمبدع ـ لكن هذه الوظيفة لا يتم أداؤها دوماً بشكل يرضي الجميع، لذلك يكون التأثيرمختلفاً من حدث لآخر، أو ـ بمعنى أكثر دقة ـ من مبدع لآخر، وهذا الاختلاف هو التنوعالذي تفرضه الحياة بكل ما فيها من خير أو شر.. من تناقض وانسجام بين الأشياء.. منسلب وإيجاب في النتائج، من هنا يأتي هذا التنوع في المواد التي يبنى منها الحدث،ابتداء من مادته الأولية التي يتشكل منها، وانتهاء بتوحيد جميع مواده في شكلهالنهائي وإن كان مجرد جزئي، مع ملاحظة التفريق بين الحدث والموضوع في القصة، فالحدثليس سوى مجرد عنصر من عناصر القصة، بينما الموضوع هو حصيلة مجموعة هذه العناصربكاملها. وهو ـ أي الموضوع ـ الذي يمكن أن يوصلنا إلى الهدف، وإذا كانت استنتاجاتناصحيحة، فإن المبدع ليس هو الذي يدلنا مباشرة على هذا الهدف، بل نحن الذين نستخلصهبقراءتنا المتعددة للنص، وهي متعددة بتعدد المتلقين. من هنا قيل إن القراءة هيكتابة جديدة للنص، ولكن من وجهة نظر المتلقي.
عنصر هام
ونحن نتناول الحدثكعنصر من عناصر البناء الفني للقصة القصيرة، علينا أن نرصد وعينا بأهمية هذاالعنصر، وعلى ضوء هذا الوعي يمكننا أن نحدد أهمية الحدث بالنسبة للعمل الإبداعي ـالقصة ـ ما دمنا نسـاهم في إعادة كتابة النص مجدداً.
ومع أن الحدث يحتاج إلىالدلالات والإشارات التي تؤدي إلى توضيحه أو تمييزه، بين العناصر الأخرى المكونةللقصة القصيرة.. إلا أننا لابد أن نسـلم بأنه لا يعتمد على السرد ليأخذ شكلهالنهائي، والتمادي في السرد هو من المآخذ التي يدينها النقاد في العمل القصصي، لكنتوظيفه بشـكل ذكي ومتوازن مطلوب لتحديد معالم النص الإبداعي. فالسرد عنصر مهم إذااستخدم وفق مقاييس فنية دقيقة، كلما اقتضت الضرورة الفنية ذلك، ليس بالنسبة للحدثفحسب، بل بالنسبة للقصة ككل.
فراغ في البناء
وتجاهل الحدث أو تهميش دوره فيالقصة القصيرة، يؤدي إلى وجـود فراغ في بناء القصة، هذا الفراغ لا يمكن أن يسدبمادة أخرى بحجة التجريب، وبحجة أن القصة من أكثر الفنون الأدبية قابلية للتطوير،وهنا لابد أن نفرق بين التطوير الواعي، والتجريب العشوائي، الذي يغري الكثيرينبولوج باب القصـة، فإذا هم بعد فترة، وقد تلاشت أسماؤهم بعد أن تلاشت كتاباتهمنتيجة الفشل.
اختلاف في الطريقة
وما من حـدث إلا وله بداية ووسط ونهاية لكنهذا الحدث كما هو الحال في بقية عناصر القصة القصيرة، يختلف في طريقة طرحه من مبدعلآخر، بحيث لا يمكن وضع قواعد صارمة ينحصر في دائرتها من حيث طريقة الطرح، وتسييردفته في الاتجاه المطلوب، وهذا الاختلاف في طريقة الطرح تفرضه عوامل عديدة من داخلالنص ذاته، ووفق توجهه وأجوائه العامة، حتى لا يبدو طرحاً قسرياً أو متناقضاً مع ماحوله. ومن أوجه ذلك إخضاع الحدث لجملة من المفاهيم الفضفاضة التي لا يستوعبها،ومنها مفاهيم علم النفس، وعلم الاجتماع، والفلسـفة الواقعية، والنظريات العلمية،مما هو فوق احتمال الحدث، ومما هو فوق طاقة القصة القصيرة بصورة عامة.
( وذلكلأن القصة ليست بالدراسة العلمية التي تعتمد في مناهجها على العقل المنطقي، بل هيفن يعرف بواسطة العلامات والرموز والأشكال. أعني الألفاظ والجمل والأسلوبوالمعاني.. الخ. عن واقع لا يضارع واقعها الكلي، ولا علاقة للأول بالثاني، لأنواقـع القصـة متفرد، موحـد، مسـتقل بذاته، وكذلك هو الشأن بالنسبة للوقائع الأخرى،كالأحلام والرؤيا والخيال والذكرى، والحياة اليومية والأعمال الفنية والأدبية ) (6).
ثالثا-البيئة
لقد اتضح من حديثنا السابق عن الحدث أن هذا الحدث لهبداية ووسط ونهاية، لكن هذا الحدث لا يتحقق في الفراغ، إذ لابد له من بيئة مناسبةتساعده على النمو، وهذه البيئة تتكون من الزمان والمكان في آن واحد، مع ملاحظة أنحجم القصة القصيرة يستوجب بالضرورة الـمحافظة على وحدة الزمان والمكان، حتى وإنتمـدد الزمـان أو المكان فإن ذلك يتحقق عن طريق ( المنولوج الداخلي ) دون أن تتمردالقصة القصيرة على زمانها أو مكانها، فهذا التمرد يودي بها إلى نوع من الترهل غيرالمستساغ، بل والمرفوض حسب ما يعنيه تعريف القصة القصيرة.
وعاءوبيئة
والبيئة هي التي تحتضن الشخصيات والحدث، وتعطي المعنى للقصـة، فلا الشخصيةبمفردها ولا الحدث بمفرده يمكن أن يعطي المعنى للقصة، فكلاهما بحاجة إلى ذلك الوعاءالذي يحتضنها وهذا الوعاء هو البيئة ـ زمانا ومكانا ـ وهنا تتحقق الوحدة العضويةعندما تكتمل هذه العناصر التي لا يمكن تجزئتها لأنها كونت وحدة مستقلة لها كيانذاتي يؤدي إلى معنى دون سواه.
نقطة ارتكاز
فالبيئة بهذا المعنى هي نقطةالارتكاز التي تتمحور حولها كـل العناصر لتعطي القارئ المعنى، وتصل به إلى (لحظةالتنوير) عندما يتضح له الهدف الذي استطاع الوصول إليه، وعند المقارنة بين الروايةوالقصة القصيرة نكتشف أهمية البيئة (وذلك لأن الرواية تعتمد في تحقيق المعنى علىالتجميع، أما القصة القصيرة فتعتمد على التركيز، والرواية تصور النهر من المنبع إلىالمصب، أما القصة القصيرة فتصور دوامة واحدة على سطح النهر، والرواية تعرض للشخص مننشأته إلى زواجه إلى مماته، وهي تروي وتفسر حوادث حياته من حب ومرض وصراع وفشلونجاح، أما القصة القصيرة فتكتفي بقطـاع من هذه الحياة، بلمحة منها، بموقف معين أولحظة معينة، تعني شيئاً معيناً، ولذلك فهي تسلط عليها الضوء، بحيث تنتهي بها نهايةتنير لنا هذه اللحظة) (7) وهذا لن يتحقق إلا في بيئة تتوفر فيها كل الظروف الملائمةوالمناخ المناسب لتحقيق هذه الغاية.
تحقيق الذات
هناك نوع من القصصالقصيرة التي تفـلت مـن البيئة الـواقعية إلى بيئة (فتنازية) يحاول فيها المبدعتحقيق ذاته في أجواء لا يستطيعها في الواقع المعاش، فإذا هذه (الفنتازيا) بيئةيمارس فيها المبدع انطواءه، وتذمره من الواقع، واحتجاجه على الكثير من الأوضاعالقارة والسائدة في المجتمع. فهو يسعى إلى تحقيق رغباته في بيئة لا تنطبق عليهامظاهر أو شروط الواقع المعاش، ومع ذلك لا يمكن أن ننكر أنها بيئة صالحة للعملالإبداعي، إذا توفرت لدى المبدع إمكانيات وأدوات تمكنه من أداء مهمته الإبداعيةبالشكل والمضمون المناسبين. خاصة إذا سلمنا بأن المبدع والفنان عموماً ذو شخصيةتتمتع بحواس وإمكانيات للإدراك فريدة من نوعها، تؤدي به إلى الالتزام بموقف لا يهتمبقبول أو رفض الآخرين له.
بناء ونسيج
وعندما نتحدث عن بناء القصة، فإننانعني هذه العناصر الرئيسة ـ الشخصية ـ الحدث ـ البيئة، لكن عندما نتحدث عن نسيجالقصة فإننا نعني: اللغة ـ الوصف ـ الحوار ـ السرد، ومن هذه الأدوات يتكون النسيجالعام للقصة وهي أدوات لا تستخدم استخداماً عشوائياً، بل لابد من توظيفها لتوضيحملامح الشخصية وتطوير الحدث، وإبراز البيئة القصصية، لتكون هذه العناصر حاضرة أمامالمتلقي بدرجـات متساوية قدر الإمكان، ولن يتحقق ذلك، ما لم تكن الأدوات المتاحة فينسيج القصـة مرتبطة بتلك العناصر ارتباطاً وثيقاً، فاللغة لابد أن تكون مطابقةلمستوى الشخصية أثناء الحوار، بحيث لا يمكن إنطاق ابن الشارع الجاهل بلغة المثقفين،فهذا الإنطاق يبدو متنافراً مع الواقع وغير مقبول على الإطلاق، وهذا لا يعني تحبيذالعامية في هذا النطاق، بل هو تحبيذ للغة بسيطة مفهومة من الجميع، وتكتب دون إخلالبمقومات النطق السليم، وقواعد الكتابة الصحيحة.
وكذلك الوصف لابد أن يقتصر علىما تفرضه العناصر الأساسية للقصة، حتى لا يطغى على هذه العناصر أو يربك إيقاع القصةالمتناغم وانسجامها التام.
أما الحوار، فهو مطالب بأن يساعد على توضيح ملامحالشخصية، وجلاء الحدث، وأي حوار لا يضيف جديداً إلى الشخصية أو الـحدث، يندرج تحتمسمى اللغو الذي لا تحتمله القصة القصيرة.
وما ينطبق على اللغة والوصفوالحوار.. ينطبق على السرد من حيث ملاءمته لعناصر القصة، وعدم تنافره معها أوإعاقته لنموها، وقد أصبح السرد من المآخذ التي يمكن أن تطلق على أي نص قصصي إذا نظرإليه بعين السخط التي تبدي المساوئ دون غيرها، مع أن القصة لا تخلو من السرد دون أنيكون سمة بارزة فيها، فالكاتب يلجأ إليه عندما تقتضي الضرورة الفنية ذلك كما أشرناسابقاً.
الدمام (السعودية)- خليل الفزيع( كاتب وصحفي سعودي)
يخلط بعض الكتاب بين القصة والقصة القصيرة، وهذاالخلط ناجم في الغالب من الدلالة اللفظية لكلا المصطلحين، وحقيقة الأمر أن القصةبمعناها المطلق تشمل كل الألوان السردية والحكائية وهي ذات جذور متوغلة في عمقتاريخ الأدب العربي، ومنها القصص الـواردة في القرآن الكريم مثل قصص الأنبياءوالأقوام والأمم، وكذلك الأساطير الشعبية والحكايات المستمدة من التراث، وهي تشكلرصيداً ضخماً من الإبداع المرتبط بتاريخ الأمة عبر الزمن، لكن القصة القصيرةبمفهومها الحديث فن وافد إلى الأدب العربي المعاصر من الغرب والشرق.
ولا يبررهذا الخلط بين القصة والقصة القصيرة ما تشهده ساحة الإبداع الأدبي من فوضى نتيجةتداخل الأجناس الأدبية على أيدي المغرمين بتقليد أدباء الغرب، حتى أصبحنا نقرأ مايسمى شعراً ما ليس له علاقة بالشعر، أو نقرأ قصة ما ليس له علاقة بالقصة، كل ذلكبحجة التجديد، وما هو سوى تقليد أعمى يتجاهل الذائقة الفنية للقارئ العربي الذيتربى على تلقي ألوان أدبية شكلت ذائقته الفنية بل وساهمت في تشكيل شخصيته العامة،وهي ألوان قابلة للتجديد وفق السياق العام للتطور الذي تشهده الحياة في المجتمعالعربي المسلم، لا وفق ما يراه الآخرون.
قواعد صارمة
إن الأدب العربي عبرتاريخه الطويل يحمـل كمـاً هـائلاً من القصص التي لا يمكن أن ينطبق عليها مصطلحالقصة القصيرة، رغم أن هذا اللون الأدبي ـ أي القصة القصيرة ـ هو أكثر الألوانالأدبية قابلية للتطوير والتجديد، وهذا ما تؤكده النماذج القصصية الجديدة التي بدأتفي التخلي عن تلك القواعد الصارمة التي وضعها كتّاب القصة القصيرة الأوائل، أو التياستنتجها النقاد من كتابات أولئك الرواد. وبصرف النظر عن مدى تقبل المتلقي للنصوصالقصصية الجديدة، فإن على المبدعين التعامل بحذر مع النص قبل الإقدام على مغامرةالتجريب، حتى لا يتخلى النص القصصي نهائياً عن كـل مقومات القصـة القصيرة.. ليصبحلونـاً أدبياً آخر يمكن تصنيفه في أي ( خانة ) من ( خانات ) الأدب باستثناء القصةالقصيرة.
فن جديد
وكما قلنا: يعتبر فن القصة القصيرة من الفنون الأدبيةالحديثة، التي عرفها الأدب العربي في هذا العصر، وإن كان هناك من يرجع جذورهاالأولى إلى بعض الفنون الأدبية القديمة، لأنها تشترك معها في بعض الملامح، لكنحقيقة الأمر أن القصة القصيرة بشروطها الفنية المعروفة هي فن جديد، ليس في الأدبالعربي فقط، ولكن حتى في الآداب الغربية الأخرى، إذ لم يظهر هذا الفن إلا منذ حواليقرن تقريباً وفي هذا المعنى يقول الدكتور عزالدين إسماعيل : ( وأما القصة القصيرةفهي حديثة العهد في الظهور، وربما أصبحت في القرن العشرين أكثر الأنواع الأدبيةرواجاً، وقد ساعد على ذلك طبيعتها والعوامل الخارجية.
عصر السرعة
أما من حيثطبيعتها فقد أغرت كثيراً من الشبان بكتابتها رغم أنها في الحقيقة أصعب أنواع القصص،ولذلك يخفق 70% على الأقل في كتابتها. وأما من حيث العوامل الخارجية، فقد تميزعصرنا بالآلية والسرعة، ومئات الصحف والمجلات تحتاج كل يوم لمئات القصص وهي بحكمالحيز والناحية الاقتصادية تفضل القصة القصيرة، ثم يذكر من هذه العوامل الإذاعةأيضاً، والناس الذين سيطرت على حياتهم السرعة في كل شيء حتى فيما يختارون للقراءة،فوجدوا في القصة القصيرة ضالتهم، لأنها تلائم روح العصر بكل تناقضاته وإشكالاتهالمختلفة. ثم إن (القصة القصيرة لا تزدهر مع حياة الخمول، بل تزدهر مع حياةالمعاناة، لأنها تتخذ الومضة النفسية أو الحضارية للمجتمع والإنسان محوراً لهاتعالجه وتهتم به، وما اهتمامها بالإنسان إلا اهتمام بالطبقات المسحوقة بشكل خاص).
وفي هذا العصر يعيش الإنسان أقسى أنواع المعاناة، وأشدها وطأة على النفس، وفيمثل هذه الظروف تزدهر القصة القصيرة.
معطف جوجول
ويمكن القـول أن القصةالقصيرة ظهرت في وقت واحد في بلدين متباعدين، وعلى أيدي اثنين لم يتفقا على ذلك هماإدجار ألن بو 1809 ـ 1840 في أمريكا، وجوجول 1809 ـ 1852 في روسيا، وقد قال مكسيمجوركي عن جوجول (لقد خرجنا من معطف جوجول) (3) وهو بهذا وضع تحديداً مبدئياً لتاريخالقصة القصيرة في الآداب العالمية، إلى أن جاء جي دي موباسان 1850 ـ 1892 في فرنساليقول عنه هولبروك جاكسان: (إن القصة القصيرة هي موباسان، وموباسان هو القصةالقصيرة).
مقدمة وعقدة
وهناك شـروط للقصـة القصيرة هي المقدمة والعقدةوالحل أو لحظة التنوير، كما أن للقصة عناصر تقليدية أيضاً هي الشخصية والحدثوالبيئة ـ الزمان والمكان ـ لكن هذه الشروط أو العناصر لم تعد تشغل بال كتاب القصةالحديثة، إذ تجاوزها الكثيرون ممن يحاولون التجريب فهم يرون أنها (سير نحو هدف ما،ومن معاني السير البحث، ولا سيما البحث عن الوجود، والقصة هي أحسن مثال لهذا اللونمن البحث، وهذا السير هو في الحقيقة مجهول، مغامرة منغلقة الأسرار، حركية دائمةديمومة متدحرجة، وعلاقة القصاص بهذا اللون من البحث غريبة. إذ أن القصة تتبع مننفسه، فيتحملها عند كتابتها ومعايشتها، حتى تتمكن من تقرير مصيرها بنفسها فنياً.
أما القصة التقليدية فهي السـكون والقـرار، إذ هي مشـروحة جـاهزة، مضبوطةالأهـداف.. منطقية قدرية " عاقلة " يصبها باعثها في قالب جامد مجتر ).
وهذاالكلام لا يؤخذ على علاته، فالعملية الإبداعية لا تقتصر في نجاحها على أساليب دونغيرها، سواء كانت هذه الأساليب تقليدية أو تجريبية، فإذا توفر الصدق الفني إلى جانبإشراقة الأسلوب وقدرته على تفجير الأسئلة في ضمير المتلقي، يمكن الحكم للعملالإبداعي لا عليه. فما الفائدة في أن يقدم على التجريب من لا يملك الأدوات الفنيةالتي تؤهله لذلك، إن العملية الإبداعية في هذه الحالة لا تتعرض للتجريب بل للتخريب.
شروط غير ملزمة
ومع ذلك فإن شروط القصة القصيرة لم تعد ملزمة، لأنها شروطقابلة للنقض، كغيرها من الشروط العامة التي تخضع حين تنفيذها لظروف مختلفة عن تلكالتي كانت حين فرضها. وهي قابلة للتجاوز حسب درجة الوعي التي يتمتع بها المبدع.. ذلك الوعي الذي لا يتيح للمتلقي فرصة الوقوف والسؤال عن لماذا تم تجاوز هذا الشرطأو ذاك. فهو أمام عمل إبداعي متكامل، تم تشكيله وفق رؤية جديدة ومتطورة لا يملكالمتلقي حيالها إلا الإعجاب. لكن إذا أمكننا أن نتخلى عن بعض أو كل شروط القصةالقصيرة، فكيف لنا أن نتخلى عن كل أو بعض عناصرها ؟. إن هذا التخلي عن هذه العناصريحيل الكتابة إلى لون أدبي آخر غير القصة. قد يندرج تحت مسمى الخاطرة أو الكتاباتالوجدانية أو أي لون أدبي آخر غير القصة، وهذا لا يعني أن هذه العناصر جامدة ولاتقبل التطوير. وأول هذه العناصر الشخصية القصصية:
أولا- الشخصية:
كنا إلىوقت قريب نقرأ الشخصية القصصية فنجدها صدى لكاتبها، إذ أن ثمة علاقة تشبه التوحدبين المبدع وشخصياته القصصية، وهذا التوحد وإن كان يلقي الضوء على المبدع وفكره،إلا أنه يحول بين الشخصية وممارسة تصرفاتها الطبيعية، وفق الدوافع والأجواء التيوجدت فيها، وعندما يطـل المبدع بفكره من خلال شخصياته القصصية، فإن هـذا يكرسالنمطية التي تتكرر بشكل أو بآخر، وتلقي بظلالها على ما يأتي بعدها.
لكننا معتقدم التقنية القصصية، نتيجة فسـح المجال أمام التجارب الجديدة.. أصبحنا نقرأ نماذجمتعددة من تلك الشخصيات، لا تظهر فيها سيطرة الكاتب وتحكمه في مصيرها، وأصبح سلوكهامرهون الخطوات بالظروف والعوامل والأجواء التي وجدت بها، دون الشعور بأن الكاتب هوالمتصرف بشؤونها، والمتحكم في تصرفاتها والمقرر لمصائرها، وهذا لا يلغي العلاقة بينالمبدع والنص، ولكنه يجعل هذه العلاقة متوازنة ومحكومة بضوابط خفية يعرفها المدركونللإشكاليات المتعلقة بالإبداع أو التلقي.
الإبداع والنص
وحين الحديث عنالعلاقة بين المبدع والنص علينا ألا نتجاهل أهمية التجارب الذاتية في إثراء العملالإبداعي، وهذه التجـارب لا تبرر للمبدع فرض رأيه وفكره فيما يتعارض مع قدرة شخصيتهالقصصية على استيعاب وتمثل هذا الرأي أو الفكر، لأن العديد من العوامـل هي التيتحـدد هذه القـدرة على الاستيعاب والتمثل، وبغياب هذه العوامل تصبح تلك القدرةمفقودة، والتناقض واضحاً بين الشخصية وسلوكها المحتمل والمتوقع. إن إدراك توازنالعلاقة بني المبدع والنص يقودنا إلى شيء من التسليم بأن هذه العلاقة طبيعية وغيرمتنافرة، إذا تقيدت بتلك الضوابط الخفية التي أشرنا إليها آنفاً. أما القول بانعدامالعلاقة بين المبدع والنص، كما يزعم المنادون بموت المؤلف، فإنه قول يتجاهل مجملالمعطيات التي تحيل النص من مجرد فكرة هلامية، إلى كائن يتنامى حتى يبلغ أوج نضجه. وهكذا يكون الحال بالنسبة للجزئيات التي يتكـون منها النص في نهاية الأمر.
شخصيات مختلفة
عند الحديث عن الشخصية القصصية سواء في الرواية أو القصةالقصيرة، يتبادر إلى الأذهان أن المعنى هو الإنسان، وإن لواء البطولة في القصة لايعقد إلا لهذا الإنسان، مع أن الأعمال الروائية والقصصية المشهورة تزخر بأبطالحقيقيين يتحكمون في مسار الأحداث، ولكنهم ليسوا رجالا أو نساء، ليسوا بشرا، وإنكانوا هم محور الأحداث، ومركز استقطابها، وعلاقتهم بالناس هي علاقة محكومة بظروفها،لا أقل ولا أكثر.
ونحن أمام عمل إبداعي مثل ( العجوز والبحر ) لهنجواي ننسبالبطولة للعجوز، لكن هناك بطولة لشخصيات أخرى أشد ضراوة في مقاومة الظروف وتحديالصعاب.. وأشد إصراراً على تحقيق هزيمة ساحقة بالعجوز الذي لم ينهزم لأنه يقول فيالنهاية : إن الإنسان قد يتحطم ولكنه لا ينهزم. فلدينا البحر الذي يشارك العجوز هذهالبطولة، وكذلك سمك القرش الذي يشاركه أيضاً هذه البطولة، فنحن في هذا العملالإبداعي أمام ثلاث شخصيات تتساوى في الأهمية : سانتياغو العجوز، والبحر الذي يقودالأحداث إلى المجهول، وأسماك القرش التي تصر على إلحاق الهزيمة بالعجوز.
الشخصية الإنسانية ليست شرطا
فالشخصية الرئيسية أو البطل في القصة أوالرواية لا يشترط أن يكون إنساناً، قد يكون الزمان، أو المكان، أو الطبيعة، أو أحدالمخلوقات التي يستصغرها الإنسان، فإذا هي تقوم بأعمال خارقة تبعث على الحيرةوالتأمل في ملكوت الخالق، ونحن عندما نتحدث عن المكان ـ مثلاً ـ كبطل لقصة ما،فإننا لا نتحدث عن فلسفة الزمـن، ولا عن الزمن بمعناه الميكانيكي، بل باعتبارهالإطار الذي يمكن أن يستوعب مجموعة من الأحداث والشخصيات.. يتحكم في توجيهها وفقمعايير معينة ليصبح هو البطل الحقيقي في النهاية، وكذلك عندما نتحدث عن المكان ـمثلا ـ فنحن لا نتحدث عن ماهية المكان، ولا عن المكان بمعناه الهندسي، بل باعتبارهبعداً مادياً للواقع، أي الحيز الذي تجرى فيه ـ لا عليه ـ الأحداث، والمساحة التيتتحرك فيها ـ لا عليها ـ الشخصيات. بمعنى أن تأثيره يصل إلى حد التحكم في مسار تلكالأحداث والشخصيات، مع الأخذ بعين الاعتبار أن المقصود بالزمن هنا لا علاقة لهبالتاريخ، حتى لا يلتبس علينا الأمر، ونظن أن كل رواية أو قصة تاريخية.. بطلهاالزمن. كما أن المقصود بالمكان هنا لا علاقة له بالأيديولوجيا، حتى لا يلتبس عليناالأمر، ونظن أن كل رواية أو قصة ذات أيديولوجيا محددة.. بطلها المكان.. ويمكناعتبار بطل قصة ( في ضوء القمر ) لجي دي موباسـان هو الزمن. بينما يمكن اعتبار بطلرواية ( الأرض الطيبة ) لبيـرل باك هو المكان.
ثانيا- الحدث :
لم تعد القصةالقصيرة تحتمل حدثاً كبيراً يحتل مساحة زمانية أو مكانية كبيرة، بل أصبحت تكتفيبجزء من الحدث يستقطب حوله مجموعة مـن العناصر التي تتآلف لتكون في النهاية مانسميه بالقصة القصيرة. وهذا الحدث الجزئي، وإن كان فيه إخبار عن شيء بذاته، لكن هذاالإخبار ينحصر في زاوية معينة، تاركاً المجال لعناصر القصة الأخرى لتتكاتف وتتآزر،فتحقق النجاح للقصة القصيرة، وهذا الحدث الجزئي أو الكلي قد يكون عادياً إذا جرد منالعناصر الفنية المكونة للقصة القصيرة، لكنه يكتسب هذه الصفة بمجرد وضعه في دائرةالضوء، ليتشكل منه عمل فني يتنامى حتى يبلغ مرحلة النضج، بشكل متكافئ بين جميع تلكالعناصر الفنية، وإن طغى أحد هذه العناصر على غيره أحدث خللا في البناء الفنيللقصة، وشوه الهندسة المعمارية لهيكلها العام.
واقع وخيال
قد يكون الحدث منالواقع، وقد يكون من الخيال، لكن هذا الحدث في النهاية يرتهن ـ وبطريقة غير مباشرةـ بنظرة المبدع الذي حاول استقاءه من الواقع، أو استحضاره من الخيال، معتمداً فيذلك على روافـد ثقافته العامة، بما فيها من مخزون تراثي وتربوي وبيئي، وهذهالعوامـل لا تكوِّن إبداعـه فقط، ولكنها أيضاً تكون مجمل شخصيته كإنسان. إن تأثيرهاواضـح على أعماله الإبداعية بجميع عناصرها ومنها الحدث. فالمبدع هو الذي يملك حقإطلاق سراح هذا الحدث، أي من مجرد فكرة.. إلى بداية لواقع معاش ولكن على الورق.
تأثير مختلف
والحدث هي وظيفة يقوم بها فاعل معلوم أو مجهول ـ كما يريدالمبدع ـ لكن هذه الوظيفة لا يتم أداؤها دوماً بشكل يرضي الجميع، لذلك يكون التأثيرمختلفاً من حدث لآخر، أو ـ بمعنى أكثر دقة ـ من مبدع لآخر، وهذا الاختلاف هو التنوعالذي تفرضه الحياة بكل ما فيها من خير أو شر.. من تناقض وانسجام بين الأشياء.. منسلب وإيجاب في النتائج، من هنا يأتي هذا التنوع في المواد التي يبنى منها الحدث،ابتداء من مادته الأولية التي يتشكل منها، وانتهاء بتوحيد جميع مواده في شكلهالنهائي وإن كان مجرد جزئي، مع ملاحظة التفريق بين الحدث والموضوع في القصة، فالحدثليس سوى مجرد عنصر من عناصر القصة، بينما الموضوع هو حصيلة مجموعة هذه العناصربكاملها. وهو ـ أي الموضوع ـ الذي يمكن أن يوصلنا إلى الهدف، وإذا كانت استنتاجاتناصحيحة، فإن المبدع ليس هو الذي يدلنا مباشرة على هذا الهدف، بل نحن الذين نستخلصهبقراءتنا المتعددة للنص، وهي متعددة بتعدد المتلقين. من هنا قيل إن القراءة هيكتابة جديدة للنص، ولكن من وجهة نظر المتلقي.
عنصر هام
ونحن نتناول الحدثكعنصر من عناصر البناء الفني للقصة القصيرة، علينا أن نرصد وعينا بأهمية هذاالعنصر، وعلى ضوء هذا الوعي يمكننا أن نحدد أهمية الحدث بالنسبة للعمل الإبداعي ـالقصة ـ ما دمنا نسـاهم في إعادة كتابة النص مجدداً.
ومع أن الحدث يحتاج إلىالدلالات والإشارات التي تؤدي إلى توضيحه أو تمييزه، بين العناصر الأخرى المكونةللقصة القصيرة.. إلا أننا لابد أن نسـلم بأنه لا يعتمد على السرد ليأخذ شكلهالنهائي، والتمادي في السرد هو من المآخذ التي يدينها النقاد في العمل القصصي، لكنتوظيفه بشـكل ذكي ومتوازن مطلوب لتحديد معالم النص الإبداعي. فالسرد عنصر مهم إذااستخدم وفق مقاييس فنية دقيقة، كلما اقتضت الضرورة الفنية ذلك، ليس بالنسبة للحدثفحسب، بل بالنسبة للقصة ككل.
فراغ في البناء
وتجاهل الحدث أو تهميش دوره فيالقصة القصيرة، يؤدي إلى وجـود فراغ في بناء القصة، هذا الفراغ لا يمكن أن يسدبمادة أخرى بحجة التجريب، وبحجة أن القصة من أكثر الفنون الأدبية قابلية للتطوير،وهنا لابد أن نفرق بين التطوير الواعي، والتجريب العشوائي، الذي يغري الكثيرينبولوج باب القصـة، فإذا هم بعد فترة، وقد تلاشت أسماؤهم بعد أن تلاشت كتاباتهمنتيجة الفشل.
اختلاف في الطريقة
وما من حـدث إلا وله بداية ووسط ونهاية لكنهذا الحدث كما هو الحال في بقية عناصر القصة القصيرة، يختلف في طريقة طرحه من مبدعلآخر، بحيث لا يمكن وضع قواعد صارمة ينحصر في دائرتها من حيث طريقة الطرح، وتسييردفته في الاتجاه المطلوب، وهذا الاختلاف في طريقة الطرح تفرضه عوامل عديدة من داخلالنص ذاته، ووفق توجهه وأجوائه العامة، حتى لا يبدو طرحاً قسرياً أو متناقضاً مع ماحوله. ومن أوجه ذلك إخضاع الحدث لجملة من المفاهيم الفضفاضة التي لا يستوعبها،ومنها مفاهيم علم النفس، وعلم الاجتماع، والفلسـفة الواقعية، والنظريات العلمية،مما هو فوق احتمال الحدث، ومما هو فوق طاقة القصة القصيرة بصورة عامة.
( وذلكلأن القصة ليست بالدراسة العلمية التي تعتمد في مناهجها على العقل المنطقي، بل هيفن يعرف بواسطة العلامات والرموز والأشكال. أعني الألفاظ والجمل والأسلوبوالمعاني.. الخ. عن واقع لا يضارع واقعها الكلي، ولا علاقة للأول بالثاني، لأنواقـع القصـة متفرد، موحـد، مسـتقل بذاته، وكذلك هو الشأن بالنسبة للوقائع الأخرى،كالأحلام والرؤيا والخيال والذكرى، والحياة اليومية والأعمال الفنية والأدبية ) (6).
ثالثا-البيئة
لقد اتضح من حديثنا السابق عن الحدث أن هذا الحدث لهبداية ووسط ونهاية، لكن هذا الحدث لا يتحقق في الفراغ، إذ لابد له من بيئة مناسبةتساعده على النمو، وهذه البيئة تتكون من الزمان والمكان في آن واحد، مع ملاحظة أنحجم القصة القصيرة يستوجب بالضرورة الـمحافظة على وحدة الزمان والمكان، حتى وإنتمـدد الزمـان أو المكان فإن ذلك يتحقق عن طريق ( المنولوج الداخلي ) دون أن تتمردالقصة القصيرة على زمانها أو مكانها، فهذا التمرد يودي بها إلى نوع من الترهل غيرالمستساغ، بل والمرفوض حسب ما يعنيه تعريف القصة القصيرة.
وعاءوبيئة
والبيئة هي التي تحتضن الشخصيات والحدث، وتعطي المعنى للقصـة، فلا الشخصيةبمفردها ولا الحدث بمفرده يمكن أن يعطي المعنى للقصة، فكلاهما بحاجة إلى ذلك الوعاءالذي يحتضنها وهذا الوعاء هو البيئة ـ زمانا ومكانا ـ وهنا تتحقق الوحدة العضويةعندما تكتمل هذه العناصر التي لا يمكن تجزئتها لأنها كونت وحدة مستقلة لها كيانذاتي يؤدي إلى معنى دون سواه.
نقطة ارتكاز
فالبيئة بهذا المعنى هي نقطةالارتكاز التي تتمحور حولها كـل العناصر لتعطي القارئ المعنى، وتصل به إلى (لحظةالتنوير) عندما يتضح له الهدف الذي استطاع الوصول إليه، وعند المقارنة بين الروايةوالقصة القصيرة نكتشف أهمية البيئة (وذلك لأن الرواية تعتمد في تحقيق المعنى علىالتجميع، أما القصة القصيرة فتعتمد على التركيز، والرواية تصور النهر من المنبع إلىالمصب، أما القصة القصيرة فتصور دوامة واحدة على سطح النهر، والرواية تعرض للشخص مننشأته إلى زواجه إلى مماته، وهي تروي وتفسر حوادث حياته من حب ومرض وصراع وفشلونجاح، أما القصة القصيرة فتكتفي بقطـاع من هذه الحياة، بلمحة منها، بموقف معين أولحظة معينة، تعني شيئاً معيناً، ولذلك فهي تسلط عليها الضوء، بحيث تنتهي بها نهايةتنير لنا هذه اللحظة) (7) وهذا لن يتحقق إلا في بيئة تتوفر فيها كل الظروف الملائمةوالمناخ المناسب لتحقيق هذه الغاية.
تحقيق الذات
هناك نوع من القصصالقصيرة التي تفـلت مـن البيئة الـواقعية إلى بيئة (فتنازية) يحاول فيها المبدعتحقيق ذاته في أجواء لا يستطيعها في الواقع المعاش، فإذا هذه (الفنتازيا) بيئةيمارس فيها المبدع انطواءه، وتذمره من الواقع، واحتجاجه على الكثير من الأوضاعالقارة والسائدة في المجتمع. فهو يسعى إلى تحقيق رغباته في بيئة لا تنطبق عليهامظاهر أو شروط الواقع المعاش، ومع ذلك لا يمكن أن ننكر أنها بيئة صالحة للعملالإبداعي، إذا توفرت لدى المبدع إمكانيات وأدوات تمكنه من أداء مهمته الإبداعيةبالشكل والمضمون المناسبين. خاصة إذا سلمنا بأن المبدع والفنان عموماً ذو شخصيةتتمتع بحواس وإمكانيات للإدراك فريدة من نوعها، تؤدي به إلى الالتزام بموقف لا يهتمبقبول أو رفض الآخرين له.
بناء ونسيج
وعندما نتحدث عن بناء القصة، فإننانعني هذه العناصر الرئيسة ـ الشخصية ـ الحدث ـ البيئة، لكن عندما نتحدث عن نسيجالقصة فإننا نعني: اللغة ـ الوصف ـ الحوار ـ السرد، ومن هذه الأدوات يتكون النسيجالعام للقصة وهي أدوات لا تستخدم استخداماً عشوائياً، بل لابد من توظيفها لتوضيحملامح الشخصية وتطوير الحدث، وإبراز البيئة القصصية، لتكون هذه العناصر حاضرة أمامالمتلقي بدرجـات متساوية قدر الإمكان، ولن يتحقق ذلك، ما لم تكن الأدوات المتاحة فينسيج القصـة مرتبطة بتلك العناصر ارتباطاً وثيقاً، فاللغة لابد أن تكون مطابقةلمستوى الشخصية أثناء الحوار، بحيث لا يمكن إنطاق ابن الشارع الجاهل بلغة المثقفين،فهذا الإنطاق يبدو متنافراً مع الواقع وغير مقبول على الإطلاق، وهذا لا يعني تحبيذالعامية في هذا النطاق، بل هو تحبيذ للغة بسيطة مفهومة من الجميع، وتكتب دون إخلالبمقومات النطق السليم، وقواعد الكتابة الصحيحة.
وكذلك الوصف لابد أن يقتصر علىما تفرضه العناصر الأساسية للقصة، حتى لا يطغى على هذه العناصر أو يربك إيقاع القصةالمتناغم وانسجامها التام.
أما الحوار، فهو مطالب بأن يساعد على توضيح ملامحالشخصية، وجلاء الحدث، وأي حوار لا يضيف جديداً إلى الشخصية أو الـحدث، يندرج تحتمسمى اللغو الذي لا تحتمله القصة القصيرة.
وما ينطبق على اللغة والوصفوالحوار.. ينطبق على السرد من حيث ملاءمته لعناصر القصة، وعدم تنافره معها أوإعاقته لنموها، وقد أصبح السرد من المآخذ التي يمكن أن تطلق على أي نص قصصي إذا نظرإليه بعين السخط التي تبدي المساوئ دون غيرها، مع أن القصة لا تخلو من السرد دون أنيكون سمة بارزة فيها، فالكاتب يلجأ إليه عندما تقتضي الضرورة الفنية ذلك كما أشرناسابقاً.
تعليق