الرواية

تقليص
هذا موضوع مثبت
X
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • ربيع عقب الباب
    مستشار أدبي
    طائر النورس
    • 29-07-2008
    • 25791

    الرواية

    الرواية نوع من أنواع سرد القصص، تحتوي على العديد من الشخصيات لكل منها اختلاجاتها وتداخلاتها وانفعالاتها الخاصة. تمثل النوع الأحدث بين أنواع القصة، والأكثر تطوراً وتغييراً في الشكل والمضمون بحكم حداثته وما لهُ صلة بالرواية أو ما شبيه بها كفن السيرة وفن المقامة وإنْ كانا يعدان أساساً واحداً من الأسس التي قامت عليها الرواية العربية اليوم ذلك إنَّ ما احتواه هذا الفن من قواعد فنية يرجع إلى عهد قريب حين تعرف العرب هذا النوع الأدبي وأصوله كما ظهر مع بدء القرن الماضي إذ ترجم الكثير من القصص والروايات العالمية من الشرق والغرب.

    تتناول الرواية مشكلات الحياة ومواقف الإنسان منها في ظل التطور الحضاري السريع الذي شهده المجتمع الإنساني خلال هذا القرن.
    لقد شهد أوائل القرن العشرين محاولات بسيطة في كتابة الرواية العربية عالجت موضوعات تاريخية واجتماعية وعاطفية، بأسلوب تقريري مباشر. توخّت تسلية القارئ وتعليمه ثم تبعت ذلك محاولات فنية جادة في كتابة الرواية. منها:لكل رواية لابد من راوي والرواة أنواع راوي حيادي غير مرئي حيث يكون هذا الراوي عادة ملم بكل اطراف الرواية وبشخصياتها ومايدور في عالمها الداخلي والخارجي مثلا رواية بين القصرين لنجيب محفوظ لا يظهر الراويأنواع الرواياتروايات حديثة
    شهدت الساحة العربية في السنوات الأخيرة إعادة بعث للرواية وقد تميز عدد من هذه الروايات ولاقت رواجا كبيرا في وسط القراء. من هذه الروايات:نقلا عن الموسوعة الحرة
    sigpic
  • ربيع عقب الباب
    مستشار أدبي
    طائر النورس
    • 29-07-2008
    • 25791

    #2
    هوامش للكتابة - معنى زمن الرواية
    جابر عصفور
    هناك بعض النقاد الكبار الذين تأخذهم حماسة الشهرة، أحياناً، فيندفعون إلى إصدار أحكام ما أنزل الله بها من سلطان وصديقي الحميم وزميلي العزيز صلاح فضل، وهو ناقد جهير الصوت، ينزل نفسه هذه المنزلة في بعض الأحيان وعلى الرغم من أنه ليس من هواة الصدام، أو التقليل العلني من اجتهادات زملائه، لكنه خالف حذره المعهود هذه المرة، وأخذته «الجلالة» فأفتى بما لا محل له من الإعراب، ولو تروّى حسب عادته، ما صرح بما نقلته عنه مجلة «الإذاعة والتلفزيون» المصرية، في عددها الصادر في العاشر من نيسان (أبريل) 2010، فقد سأله المحرر الشاب انتشرت مقولة «زمن الرواية» التي أطلقها الدكتور جابر عصفور بشكل ملفت فهل أنت مع هذه المقولة التي تقصي بقية الأنواع الأدبية؟ والسؤال نفسه ينطوى على سذاجة، فالمقولة المنسوبة لي لا تقصي الأنواع الأدبية الأخرى، وحتى المتهم بهذه المقولة يمارس نقده الأدبي على الرواية وغيرها من الأنواع الأدبية، وبدل أن يقوم صديقي الحميم وزميلي العزيز وما أكثر ما يزعم أنه قرأ كتبي بتصويب سؤال السائل، وهو ما كنت أتوقعه منه، إذا به يندفع قائلاً: «هذه المقولة تنطوي على مغالطة واضحة، وهي أن الفنون مثل السيارات، حيث يحل موديل ما محل موديل آخر ولا يستطيع الإنسان أن يركب سيارتين في وقت واحد بينما سنجد أن الفنون مثل مصادر الجمال في العالم والتي تثرى بالتعدد، فالغابات لا تعادي البحار، والموسيقى لا تعادي الكتابة، والشعر إن لم يتسلل إلى الرواية ويضيء بعض سطورها ستنطفئ روحها، وفنون الصورة التي تغلبت في هذا العصر على الشعر والرواية تستقي روحها منهما وبالتالي فإن ازدهار أي جنس أدبي يرتفع بمنسوب الإبداع في الأجناس ونظرية البدائل تذكرني بمن يدعو إلى تحريم تعدد الزوجات، وبالتالي لا أعترف بها على الإطلاق».

    والحق أننى عندما قرأت كلام زميلي لم أملك نفسي من الضحك والقهقهة ولو كان صلاح فضل أمامي لقلت له ما هذا التخريف يا رجل؟ وذلك بحكم توطد علاقتي به وطولها وانعدام حواجز المجاملة بيننا في العلاقة الخاصة والحميمة التي تربطنا وسر ضحكي يرجع إلى أن صلاح فضل يعرف أكثر من غيره، ربما، أن ما لاحظته من تصدر الرواية للمشهد الإبداعي، هو ما دفعني في التسعينات إلى إصدار عدد خاص من مجلة «فصول» التي أسسها معي وأستاذنا عز الدين إسماعيل، عليه رحمة الله، وقد خصصت عدداً خاصاً عن «زمن الرواية» وكتبت له مقدمة مسهبة، لم تغفل توضيح البديهة التي تؤكد أن القول بأننا نعيش في زمن الرواية لا يعني إقصاء، أو إلغاء، أو التهوين من شأن الأنواع الأدبية الأخرى، وإنما يعني أن نوعاً أدبياً بعينه يتصدر غيره من الأنواع، ويعيد بناء التراتب الموروث فيها ولذلك ذهب المرحوم علي الراعي إلى أن الرواية العربية أصبحت «ديوان العرب المحدثين» وهي عبارة دالة، تعني أن الشعر، فن العربية الأكبر والأشهر والأقدم، ترك مكانته بوصفه «ديوان العرب» إلى الرواية التي حلّت محله في الصدارة ولم يكن علي الراعي يعني بذلك التهوين من شأن الشعر، وإنما كان يشير إلى أن مجموعة من العوامل التاريخية الاجتماعية الاقتصادية السياسية، متضافرة، قد أدت إلى تصدر الرواية المشهد الأدبي، كما لو كان زمنها قد حل محل «زمن الشعر» إذا جاز لنا الاستشهاد بكتاب أدونيس المعروف ولم يكن علي الراعي يعنى إقصاء للشعر، وإنما يشير إلى تغيير في وظيفته، أو وظائفه، وفي علاقته بغيره من أنواع الأدب وما أكثر النقاد البارزين من أساتذتي وأساتذة صلاح فضل الذين كتبوا في عدد «فصول» عن «زمن الرواية»، أذكر منهم علي الراعي، وجبرا إبراهيم جبرا وأمثالهما ممن لا أذكرهم الآن ومقالاتهم منشورة محفوظة في العدد على أي حال.

    وأذكر أن إيماني بأننا نعيش «زمن الشعر» بهذا المعنى، هو الذي دفعني إلى أن أقيم ملتقى القاهرة الأول للإبداع الروائي، عندما كنت أميناً للمجلس الأعلى للثقافة المصري، وذلك حول «خصوصية الرواية العربية» في شباط (فبراير) 1998 وكان أخي صلاح فضل، سامح الله ذاكرته، حاضراً مع أساتذتنا المشتركين من أمثال عبد القادر القط وشكري عياد وإحسان عباس، ومحمود أمين العالم وعشرات من النقاد والروائيين على امتداد الوطن العربي، مختلفي الأجيال والاتجاهات وقد حصل على جائزة الملتقى الكاتب عبد الرحمن منيف، بعد صراع عنيف مع إبراهيم الكوني، فيما أخبرني المرحوم إحسان عباس رئيس اللجنة، وفتحي غانم رئيس المؤتمر الذي اقترح أن يلقي كلمة الروائيين والروائيات العرب حنا مينا وكانت الكلمة التي ألقيتها في أضخم تجمع عربي للروائيين والروائيات العرب، تبدأ بجمل لنجيب محفوظ تقول: «لقد ساد الشعر في عصور الفطرة والأساطير، أما هذا العصر، عصر العلم والصناعة والحقائق، فيحتاج لفن جديد، يوفق على قدر الطاقة بين شغف الإنسان الحديث بالحقائق وحنانه القديم إلى الخيال وقد وجد العصر بغيته في القصة، فإذا تأخر الشعر عنها في مجال الانتشار، فليس لأنه أرقى من حيث الزمن، ولكن تنقصه بعض العناصر التي تجعله موائماً للعصر، فالقصة على هذا الرأي هي شعر الدنيا الحديث». وقد نُشرت هذه الكلمات في مجلة «الرسالة» القاهرية في أيلول (سبتمبر) عام 1945، ولم يكن كاتبها الشاب الذي كان في الرابعة والثلاثين من عمره يعرف أنه سيحصل للأدب العربي على جائزة نوبل بعد ثلاث وأربعين سنة من الجهد المتواصل في الإبداع الروائي الذي لم يقلل من شأن الشعر، ولم يسع إلى إقصائه قط، بل إن نجيب محفوظ نفسه هو الذي اقترح أن يقيم المجلس الأعلى للثقافة ملتقى للشعر بعد النجاح الساحق لملتقيات الرواية التي لم تؤكد أننا نعيش في زمنها فحسب، بل نعيش تصاعد هذا الزمن إلى الآن وأذكر أنني نشرت في السنة التالية لملتقى القاهرة الأول للإبداع الروائي كتابي «زمن الرواية» عام 1999 وقد أحدث دوياً كبيراً، وهاجمه كثيرون بينما امتدحه كثيرون وأذكر أن منتدى «رامتان» أقام ندوة حول الكتاب، شارك فيها الصديق بهاء طاهر والمرحوم سامي خشبة وقد أبدى بهاء طاهر، في الندوة، تخوفه من أن يظن البعض أن أطروحة الكتاب تقصي غير الرواية من الأنواع الأدبية، ولكني رددت عليه بتأكيد أن أي زمن للرواية هو زمن للإبداع بوجه عام، وأن ازدهار الرواية لا يتحقق إلا بازدهار الإبداع، ولكن هذا الازدهار ليس متكافئ الأدوار أو المكانة دائماً، فثمة عوامل عدة تؤدي إلى نوع من التأكيد أو التقديم أو إبراز الأهمية، واستطردت قائلاً إن المثال الواضح على ذلك هو تصدر الدراما المشهد اليوناني الإبداعي في القرن الخامس قبل الميلاد، حيث برزت أسماء سوفوكليس وأسخيلوس ويوربيدس وأرستوفانيس، أعلام الدراما اليونانية التي ازدهرت مع الديموقراطية الأثينية، وذلك قبل قرن من ظهور أرسطو وتأليف كتابه الخالد عن «فن الشعر» بمعناه العام الذي يضم الملحمة والمسرحية والقصيدة الغنائية، غير مغفل العلاقة بين أنواع الفن الأدبي وفنون التشكيل على أساس من مبدأ المحاكاة ولم يقل أحد إن ازدهار الدراما في القرن الخامس قبل الميلاد، وكان زمن الدراما الأول، يعني إقصاء الشعر الغنائي أو الملحمة التي ظلت موجودة مؤثرة.

    ولذلك كنت واعياً بأمرين في فصول كتابي «زمن الرواية» الذي تعددت طبعاته، أولهما أنني أستخدم مصطلح «زمن الرواية» بما يدني بالزمن من معنى العصر، فيما يشبه تقنية المجاز المرسل في علاقة البعضية التي تومئ بالجزء الأعرف إلى غيره من بقية الأجزاء، وثانيهما أن إطلاق «زمن الرواية» على العصر الذي نحن فيه لا ينقص من قدر غير الرواية من الأنواع الأدبية، أو يقصيها ولذلك قلت ما نصه:

    «إن ما نقوله عن زمن الرواية لا يعني أننا نغض من شأن الأنواع الأدبية الأخرى، أو أننا نستبدل بالتراتب القديم، الذي يترأسه الشعر، التراتب الجديد الذي تترأسه الرواية، أو أننا ننفي عن الرواية صفة الحضور قبل هذا العصر، فذلك كله لا يدور بخاطر مراقب موضوعي لعلاقات الأنواع الأدبية، فضلاً عن أنه وجه شائه من أوجه تراتب يستبدل الأعلى بالأدنى، ليبقى على بنية تنطوي، دائماً، على ثنائية الأعلى والأدنى وأحسب أن النقد الحداثي كله يسعى إلى نقض البنية التي تنطوي على هذا النوع من التراتب القمعي، والتي تولّده في آن إنه نقد ينفر من أقانيم «المركز» الثابت وما يريده، ويتطلع إليه، هو أن يلفت الانتباه إلى متغيرات العصر ومتغيرات العلاقة بين الأنواع أعني المتغيرات التي أبرزت دور الرواية، والتي أبرزها الدور الحالي للرواية وكثيرة هي المؤشرات الكمية والكيفية التي تؤكد حضور هذا الدور وصعوده» (زمن الرواية/59-60).

    وليس هناك أوضح من هذه الكلمات التي تؤكد أن ما اتهم به صلاح فضل مقولة «زمن الرواية» هو المغالطة الفاقعة نفسها وعجبي أنه زعم لي قراءته كتاب «زمن الرواية» وأنا أصدّقه، لكن يبدو أن مُضى أحد عشر عاماً على صدور الكتاب محت ما بقي منه في ذاكرة صلاح فضل التي أصابها وهن الزمن مثل ذاكرتي ولذلك كتبت ما ذكرته، في مقال «القص في هذا الزمان»، نقلاً عن كتاب الناقد الأميركي المعروف جوناثان كللر الذي صدر حوالى 1998، إن لم تخني ذاكرتي التي أصبحت تشبه ذاكرة صلاح فضل، أقصد إلى عبارات كللر التي تقول: «كان الأدب، في سالف الزمان، يعني الشعر في المحل الأول وكانت الرواية بدعة محدثة، ألصقت بالسيرة والتاريخ بما لا يجعل منها أدباً أصيلاً، وشكلاً عامياً لا يرتفع إلى مصاف الدوافع الراقية للشعر الغنائي والشعر الملحمي ولكن انقلب الوضع في القرن العشرين، وتفوقت الرواية على الشعر، سواء من حيث ما يكتبه الكتاب أو يقرأه القراء، وهيمن القص على التعليم الأدبي، منذ الستينات ولا تزال الناس تدرس الشعر بالطبع، فهو مطلوب في أحوال كثيرة ولكن الروايات والقصص القصيرة احتلت المركز من المنهاج الدراسي».

    تبقى بعد ذلك نقطة أخيرة، بخاصة بالعلاقة بين الأنواع الأدبية بوجه خاص والإبداعية بوجه عام، فهي علاقة غير محايثة، أعني ليست علاقة قائمة بذاتها، معزولة عن غيرها، وإنما هي علاقة قائمة في التاريخ وبالتاريخ، أعني أنها محكومة بعوامل ذاتية وخارجية في آن فهي لا تشبه العلاقة بالأنابيب المستطرقة التي يتخذ السائل فيها مستوى أفقياً واحداً، على الرغم من تغير أشكال الأنابيب، وإنما هي أشبه بالعلاقة بين سوائل متباينة، في أنابيب متجاورة متنوعة السوائل، تحكمها علاقات مجاورة وتوازٍ، ويمكن أن نضيف صفة التفاعل، لكن بما لا يؤدي إلى تراتب قمعي، أو إقصاء أو إلغاء، فنحن في حال هي نوع من التنوع الإبداعي الخلاق الذي يغتني بثراء عناصره المتغايرة من دون إلغاء لما ينطوي عليه كل عنصر من خصوصية أو تميز في المكانة أو الحيز وهذا هو المعنى المقصود لمقولة «زمن الرواية» لمن يتصف بالموضوعية التي تتسرب من العقل إلى العين إلى الكلمة.
    ** منشور في صحيفة "الحياة" في 21 إبريل 2010
    sigpic

    تعليق

    • ربيع عقب الباب
      مستشار أدبي
      طائر النورس
      • 29-07-2008
      • 25791

      #3
      الكتاب:أنماط الرواية العربية الجديدة المؤلف: الدكتور: شكري عزيز الماضيالناشر: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب –
      الكويت- سلسلة عالم المعرفة- العدد 355
      عرض:محمد بركة الطبعة:الأولى: سبتمبر 2008م. 290صفحة

      صدر حديثًا عن سلسلة عالم المعرفة الكويتية كتاب بعنوان «أنماط الرواية العربية الجديدة» للدكتور شكري عزيز الماضي، واشتمل الكتاب على نماذِجَ من الروايات العربية التي ترسُم تضاريس مشهد الرواية العربية الجديدة.

      والكتاب عبارةٌ عن دراسة علمية لظاهرة الرواية العربية الجديدة التي ظَهَرَتْ بوادرها منذ العقد الأخير من القرن الماضي وحتى يومنا هذا من خلال دراسة نقدية تطبيقية لنماذج روائية تشمل الوطن العربي، وتهدف إلى رسم ملامح المشهد الروائي العربي الراهن وتجسيد الفكر الروائي العربي الجديد.
      كما يُثِير الكتاب أسئلةً أدبية ونقدية مهمة، مثلما يحاول الإجابة عن أسئلة أخرى تتصل بماهية الرواية العربية الجديدة وخصائصها وأنساقها وفلسفتها الجمالية الخاصة، بالإضافة إلى العلاقة بين منطقها الفني ومنطوقها وعلاقتها بنظام الواقع ونظام التوصيل.
      والكتاب بمفاهيمه ومرتكزاته وأسئلته ومنهجيته ونتائجه الجديدة يقدِّم فوائدَ للباحث المتخصِّص، كما يُساهِم في تمكين القارئ العادي من متابعة التجارب الروائية الجديدة وتذوقها لمعرفة فلسفتها ومحاورها بصورة أفضل.
      وقد جاء الكتاب في أحد عشر فصلاً وتصدير وخاتمة، وفي كل فصل من فصوله يقف الكاتب بالبحث والدراسة عند اسم روائي معين أو عند عمل أو أعمال روائية معينة.
      في بداية الكتاب يفرِّق د. شكري عزيز الماضي بين ثلاثة أنواع من الرواية العربية هي: الرواية التقليدية، والرواية الحديثة، والرواية الجديدة، متوقفًا بالبحث والدراسة عند تجارِب روائية جديدة متعددة في مبانيها، متنوعة في معانيها ودلالاتها الفنية، رافضة بعنف الجماليات الروائية السائدة.
      ويرى الدكتور الماضي أن الرواية التقليدية نتاج رؤية تقليدية للفن والإنسان والعالم، وهي ببنائها العام وأدواتها تُعِيد إنتاج الوعي السائد، وعلى الرغم من ذلك يجد القارئ روايات تقليدية في معظم الأقطار العربية في العقود الأخيرة من القرن العشرين، لكنه وجود هامشي وغير مستساغ.
      أما الرواية الحديثة فقد ظهرت تلبيةً للحاجات الجمالية الاجتماعية المستجدة دون إغفالٍ لأثر التراث من ناحية، والمؤثرات الأجنبية من ناحية ثانية، وهي تعبير عن وعي فني متطور، وتجسيد فعلي لمفاهيم أدبية ونقدية جديدة تتصل بوظيفة الرواية، وصلتها بالواقع و بالمتلقي.
      كما يرى أن التجديد الأدبي والفني لا يقتصر على التغيير في الأسلوب، ولا يعني التزيين والزخرف وإضافة الأصباغ والألوان، ولا يعادل مسايرة الدرجة السائدة في مكان آخر، بل يعني ما هو أعمق من هذا كله وأدل من هذا كله، إنه يعني إحساس الأديب بأن الأدوات القديمة أو المألوفة لم تَعُد ناجعة في تحليل الواقع والتفاعل معه وتفسيره وفهمه، ولهذا كان لابدَّ من البحث عن أدوات جديدة فاعلة في هذا المضمار، أو بمعنى آخر حيازة جمالية للعالم أو بحث عن عالم أفضل. وفي الرواية الحديثة كثيرًا ما يستخدم ضمير المتكلم بدلاً من ضمير الغائب، أو نجد تعددًا في الرواة وتنوعًا في الضمائر، والاعتماد على لغة إيحائية تصويرية بعيدًا عن التقرير والمباشرة.
      ومهمة الفنّ الروائي في الرواية الحديثة تَكْمُن في إثارة الأسئلة والإجابة عن أسئلة أخرى. أما الرواية الجديدة فهي مفارقة للرواية الحديثة، ويرى الماضي أن هزيمة عام 1967 كانت الحدّ الفاصل بين مرحلتين في حياة الرواية في الوطن العربي، مما أدى إلى تهيئة المناخ الملائم للتمرُّد على الجماليات الروائية المألوفة وإبداع شكل روائي جديد بعناصره وبنائه وتفاعلاته الذاتية والموضوعية وفلسفته وقِيَمه الفنية التي يسعى إلى تجسيدها.
      وعلى ذلك فالرواية الجديدة -كما يرى الماضي- تعبير فنيٌّ عن حدّة الأزمات المصيرية التي تواجه الإنسان؛ فعندما تتشظّى الأبنية المجتمعية ويفقد الإنسان وحدته مع ذاته، لابدَّ من الاستناد إلى جماليات التفكك بدلاً من جماليات الوحدة والتناغم، ومن هنا تولد الرواية الجديدة التي تفجر منطق الحَبْكة القائمة على التسلسل والترابط أو البداية والذروة والنهاية، وتحطيم مبدأ الإيهام بالواقعية.
      واعتبر المؤلف رواية تيسير سبول «أنت منذ اليوم» بأنها ذات لونٍ خاص وجديدة في بنائها وأسلوبها ولغتها وهدفها، وعَدَّها من علامات الطريق في مسار الرواية العربية، مبيّنًا أنها تميَّزت بقدرتها على تصوير أزمة من أزمات الوجود المعاصر، ولكونها أضافت جديدًا على صعيد البِنْيَة السردية أو الشكل.
      كما يرى في رواية «الشظايا والفسيفساء» للروائي مؤنس الرزاز قدرةً على الإسهام في ترسيخ تيار الرواية العربية الجديدة وازدهاره بإنتاجه الروائي الذي يتصف بالغزارة والتنوع.
      ثم يسير الكتاب في تتبع دوافع الكتابة الروائية لدى الرزَّاز ومناخاته الإبداعية وبراعته في كيفية رسم ودلالات الشخصيات في الزمان والمكان وصولاً إلى نسيجها اللغوي.
      ويضمّ "الماضي" رواية «حارس المدينة الضائعة» إلى مختاراته من الروايات العربية؛ إذ يتوقف فيها على أسئلة أدبية ونقدية تتصل بمعنى السرد والعلاقة بين المتخيل والواقعي وفلسفة الشكل وجماليات التلقي.
      يتضمن الكتاب العديد من الإبداعات الروائية العربية التي تغطي خريطة الوطن العربي من المحيط إلى الخليج على غرار: «الوقائع الغريبة في اختفاء سعيد أبي النحس المتشائل» للأديب الفلسطيني إميل حبيبي، وفيها تحدث الكاتب عن المفارقات ومجالاتها وميادينها وتوليدها في كتابات إميل حبيبي، بحيث إن كتابات حبيبي الروائية تعرض للقضية الفلسطينية بتشابكاتها وتعقيداتها وأبعادها؛ من حيث الدِّين والأخلاق والسياسة والتاريخ والحب والقهر الاجتماعي والوطني والاضطهاد العنصري، و على الرغم من أن هذه القضية قد كتب فيها الكثيرون وعنها أُلِّفت الكتب العظيمة فإن روايات حبيبي استطاعت أن تعالج القضية من كل جوانبها وأبعادها المختلفة، دون تقصير أو استبعاد لأيٍّ بُعد. والمفارقة في روايات "حبيبي" على مستوى الموضوع أو الشخصية فهي محتمة التوليد والتواجُد؛ ولذلك فإن أغلب رواياته لم تخرج عن هذا النطاق.
      أما رواية «مملكة الغرباء» للبناني إلياس خوري، ورواية «النخَّاس» للتونسي صلاح الدين بوجاه، ورواية «هليوبوليس» للمصرية مَيّ التِّلْمسانِي، وراوية «الشمعة والدهاليز» للجزائري الطاهر وطار، ورواية «بيضة النعامة» للمصري المقيم في هولندا رؤوف مسعد، وجميعها تبحث في التقنيات والأساليب التجريبية المبتكرة، وعن تلك المبادئ والقيم الجمالية الكامنة في ثنايا التفاصيل البنائية والتشكيلات اللغوية.
      وبعد جولات الكاتب في عالم هؤلاء الروائيين العرب يَخلُص إلى أنه لم ينحصر ظهور الرواية الجديدة في بيئة عربية بعينها، بل امتدَّ ليشمل الوطن العربي بأكمله، وأن هذه التجارب الروائية ترفض التقاليد الجمالية الراسية، وتتمرّد على المنظومات الفكرية والأيديولوجية المألوفة، و تستند إلى مفاهيم جديدة وفلسفة فنية خاصة، مع ملاحظة غياب البطولة وغياب البطل أو الشخصية المحورية، ووجود حساسية خاصة تجاه الزمن، فهناك محاولات دؤوبة لكسر الزمن أو تجميده أو نفيه.
      أما عن اللغة في هذه التجارب الروائية فتقوم بمهمات متعددة منها جذب القارئ ودفعه إلى متابعة القراءة من خلال توليد الأسئلة والتساؤلات المستمرة، وتعدّد المستويات اللغوية والميل إلى اللغة المكثفة والموحية واستخدام السخرية والتهكُّم والرموز المنوعة، وغير ذلك.
      ويلاحظ الباحث أن هذه الروايات لا تضحي بقارئها، وأن فعل الكتابة لا يكتمل إلاّ بفعل القراءة، وأن هناك مجالاً واسعًا لقراءات نقدية متعددة، وربما تأويلات متعارضة أو متناقضة.
      ويتميز الكتاب بمنهجيته المَرِنة والمتحركة التي تناولت من خلالها الروايات. ومما يذكر أن الدكتور شكري عزيز الماضي أكاديمي أردني متخصّص في النقد الأدبي وعضو في تحرير مجلات علمية تصدر في الأردن مثل مجلة المنارة والبيان وأقلام جديدة، كما أن له إنتاجاً علمياً متميزاً منه: «في نظرية الأدب» و«من إشكاليات النقد العربي الجديد» و«الرواية العربية في فلسطين والأردن في القرن العشرين».
      sigpic

      تعليق

      • ربيع عقب الباب
        مستشار أدبي
        طائر النورس
        • 29-07-2008
        • 25791

        #4
        الرواية العربية نشأتها -أعلامها- أشكالها


        ملحق ثقافي
        الثلاثاء 29/3/2005م
        محمد عيد خربوطلي
        ظهرت الرواية العربية متشحة في مضمار من الخجل, وكان وجهها غير سافر واسم مؤلفها غير صريح, لأن المجتمع العربي كان وقتها لا يعترف بالرواية كفن أدبي لأنها دخيلة جديدة عليه....

        ويجمع مؤرخو الأدب أن رواية زينب للدكتور محمد حسين هيكل هي أول رواية بالمفهوم الروائي في الأدب العربي وقد وقعها كاتبها باسم -فلاح مصري- فتكون زينب أول ولادة لأول رواية عربية مصرية مجهولة الأب.‏
        وجاء بعض نقاد الأدب العربي وكردة فعل حاولوا إيجاد جذور للرواية العربية في التراث العربي فاعتبروا سيرة عنترة وقصص ألف ليلة وليلة عملا روائيا عربيا قديما قد سبق الغرب.‏
        والحقيقة غير ذلك.. فالروائي له حساسيته الخاصة التي يعرف بها متى ينبغي له أن يسرد ومتى يجري الحوار ويعرف متى يصل القارئ إلى ما يريد , أما السير الشعبية التي جمعها الجامعون من أفواه رواة الحكايات وإن أعجبت الناس فهي بعيدة كل البعد عن معنى الرواية....‏
        وزعم بعض النقاد أن قصص الأغاني وطوق الحمامة وغيرهما الكثير من الكتب التي تروي الحكايات عن الناس أنها كتبٌ قصصية , والحقيقة أنها قصص تاريخية معظمها يعتمد على الكذب ولا يمكن إدخالها إلى عالم القصة والرواية , لذلك لابد أن نعترف أن الرواية ليست من التراث العربي بشيء ومثلها القصة القصيرة والمسرح فكل هذه الفنون ألوان من الأدب وفد علينا من الغرب ولا أصل له في تراثنا العربي...‏
        ولكن بعد سنوات قليلة بدأت الرواية العربية تأخذ مكانها في الأدب العربي, فأعاد هيكل طباعة رواية زينب وذيلها باسمه الصريح الكامل بفخر واعتزاز, وبدأ عمالقة الأدب العربي يكتبون الرواية فجاءت روايات العمالقة..طه حسين وتوفيق الحكيم والعقاد والمازني وتيمور وحقي وغيرهم..‏
        فكتب طه حسين - الأيام و أديب وشجرة البؤس والحب الضائع ودعاء الكروان وشهرزاد- أما توفيق الحكيم فبدأ برواية عودة الروح ثم أتبعها عدة روايات مع زعامته في كتابته للمسرح العربي , وكتب المازني إبراهيم الكاتب وإبراهيم الثاني وميدو وشركاه - وكتب العقاد - سارة - وكتب تيمور وحقي لكنهما اعتنيا بالقصة. وجاء الجيل الثاني من كتاب الرواية العربية وتزعمهم نجيب محفوظ فكتب الرواية وأبدع فيها ونقلها إلى العالمية مع إدخاله للرواية أشكالاًجديدة.‏
        وقد عاصر محفوظ كثيراً من الروائيين العرب جلهم في مصر منهم يوسف السباعي وإحسان عبد القدوس و الشرقاوي والسحار ولكل منهم أسلوبه الخاص في إبداعاته مما جعل القراء العرب يتهافتون عليهم كلهم. ثم جاء الجيل الثالث وخير من يمثله يوسف إدريس و مصطفى محمود فكتبوا الرواية و القصة القصيرة معاً ولكنهم بنوا على من سبقهم وعلى قمة هذا الجيل حنامينه‏
        وفي العقد الأخير ظهر عدد كبير من الروائيين العرب وتقبلهم القارئ أمثال عبد الرحمن منيف وكوليت خوري وغادة السمان وغسان كنفاني وحسين عبد الكريم الشاعر الروائي ويوسف الأبطح الذي أبدع في ثلاث روايات وأحلام مستغانمي وغيرهم كثير....‏
        أشكال في الرواية العربية :‏
        يقول النقاد الباحثون في الرواية العربية :إذا ألقينا نظرة على تطور الرواية العربية نجدها أنها مرت بعدة مراحل.....‏
        فيقول ثروت أباظة: إن رواية زينب كان الشكل فيها طيبا بسيطا لا تعقيد فيه, حتى البناء كان بسيطا والقصة في ذاتها رومانسية اتخذت أشخاصها من أهل القرية البسطاء, وقال: حتى الروايات التي ظهرت بعدها كان فيها نفس العيوب التي حملتها رواية -زينب - وان كانت رواية الحكيم - عودة الروح-حققت نجاحا ساحقا ففيها الكثير من العيوب, ومن الطبيعي أن تكون تلك العيوب في بناء الرواية فهي مازالت وليدة جديدة ودخيلة على أدبنا العربي ومازالت بين الرفض والقبول , ولكن نرى بعد ذلك أن روايات طه حسين والمازني ورواية سارة للعقاد قد نجحت وخلت من كثير من عيوب من سبقها.‏
        ثم جاء جيل نجيب محفوظ فانقسم إلى قسمين اثنين:‏
        أحدهما: ويمثله نجيب محفوظ فقدم الرواية الفلسفية العميقة جداً دون تدخل من الروائي فلا يقول رأياً مطلقاً حتى إذا مضى بالرواية إلى مرحلة رواية الفكرة والبحث جعل الرأي الذي يريده ينبت من داخل الرواية الفكرية والرواية السياسية على أعظم صورة عرفتها الرواية على مستوى العالم كله.‏
        وثانيهما: جماعة اختاروا الرواية العاطفية القريبة من النفس البشرية فكلمت القارئ بلغة حبيب قريب , وبفضل هذا الأسلوب أقبل الشباب على قراءة الرواية بشكل نهم, وأهم روائيي هذا الأسلوب إحسان عبد القدوس ويوسف السباعي ومن الملاحظ أن الروائيين في الوطن العربي في هذا العصر يتجهون إلى المعاني الإنسانية العامة, خاصة إذا كان الكاتب الروائي قد تحرر من عقدة الخوف ونال الحرية وحرية قلمه, فمن المؤكد أنه سيتناول في رواياته المجتمع الإنساني العام بعد أن أطمأنت نفسه على حريته.‏

        sigpic

        تعليق

        • ربيع عقب الباب
          مستشار أدبي
          طائر النورس
          • 29-07-2008
          • 25791

          #5
          آفاق الرواية العربية (1 من 3)
          منذ أكثر من قرن عالمي ونصف قرن عربي، والأذكياء والنخبويون مفتونون بالفن الروائي ـ وحق لهم ـ فالرواية عدة فنون في فن واحد، ففيها شيء من الشعر وشيء من المسرح وشيء من الملحمة. أما الأب الحقيقي لها فهو التاريخ، ومن كانت الفلسفة أمه والتاريخ أباه والشعر والدراما شقيقه وشقيقته، يمد ذراعيه بارتياح على امتداد الكون، ويحدق ـ ولكن دون ارتياح هذه المرة ـ في وجه الأبدية محاولاً استكناه سر الوجود وديدن العدم.
          ولم يكن الناقد والكاتب الروسي كونستانتين فيدين، مجانباً للصواب، حين قال عنها: «ما من فن أدبي يستطيع أن يشمل الروح الإنسانية بهذا الشكل اللانهائي من وجود الإنسان وفي هذا الشمول مثل الرواية».
          أما الناقد الروسي الأشهر بلينسكي، فيعيد نجاح الرواية عالمياً إلى قدرتها على التقديم الشاعري للإنسان في عز انهماكه بعلاقاته الاجتماعية المتشابكة والمعقدة.
          وان كنا قد بدأنا الاستشهاد بالروسي، فما ذاك إلا لأننا نعتقد أن الرواية العربية التي سادت خلال النصف الثاني من القرن العشرين، تشبه إلى حد كبير الرواية الروسية التي سادت في خمسينات القرن التاسع عشر من حيث تركيزها على البطولة المطلقة للمثقف المحبط والمهزوم في قلب أمة ضائعة ومثخنة بالانكسارات والأزمات السياسية والاجتماعية.
          إن المشهد الروائي العربي، الذي عشناه عاماً اثر عام، ورواية في أعقاب رواية، وفصلا بعد فصل، يرسم، دون ان يقصد صانعوه، عالماً شديد التطابق مع عوالم رواية روسيا القيصرية على أيام تورجنيف، وديستويفسكي، وجوجول فالأبطال شكاكون ويائسون والساسة سفاحون ومخادعون والأمة العظيمة التي يحلمون بأمجادها سادرة في سباتها العميق.
          ومع الرواية الروسية كانت الرواية الأميركية بشكلها الفوكنري والكارثري تلعب دورها ايضا، وتغري الروائيين العرب برسم تلك العوالم المتسعة والممتدة التي تغطي أكثر من حقبة وما تلك الثلاثيات والرباعيات، التي رصدت التحولات الاجتماعية والسياسية في مصر والخليج وسورية، إلا الصدى البعيد لتجارب غربية سابقة والمؤشر العميق في وعي الروائيين العرب ولاوعيهم عن تلك العلاقة التي يصعب فهمها بين الرواية والتاريخ، أما الاستثناء الذي شذّ عن هذه القاعدة، فهو رواية المغرب العربي التي كان تأثرها بالرواية الفرنسية أعمق من أي تأثر آخر.
          وهكذا تظل الرواية الانجليزية، وهي اجتماعية وبوليسية بالأساس، أقل الجميع تأثيراً في المراحل الأولى التي سبقت الإعجاب بفرجينيا وولف ومدرسة تيار الوعي التي انتعشت على يد الروائيين والروائيات الجدد الذين هجموا زرافات ووحدانا على مدرسة تيار الوعي والواقعية السحرية، وظلت الرواية اليابانية بعيدة عن متناول أقلامهم إلى سنوات خلت من نهاية القرن الماضي.
          وليس المقصود بالإشارة إلى هذه التأثيرات التقليل من شأن المنجز الروائي العربي. فهو ـ والحق يقال ـ ضخم ومتشعب ومثير للإعجاب، وليس المطلوب التقليل من التأثيرات، بل زيادتها، فالفن الروائي لا يصدر في بعض جوانبه إلا عن ثقافة عميقة وشديدة الاتساع. وربما كان جون ابدايك، كما نقل عنه روجر الن على حق، حين ابدى انزعاجه عام 1988 في مجلة نيويوركر من رواية مدن الملح لعبد الرحمن منيف لأنها لم تتأثر إلى درجة كافية بالغرب، بحيث تنتج عملاً سردياً يشعر معه الغربيون انه يصلح لأن يحمل اسم رواية.
          ولا يكفي التأثر الضمني وغير المنطوق، فالغرب الذي طور فنه الروائي من خلال تشرب السرديات العربية كألف ليلة وليلة، وغيرها، يطالب على لسان روجر ألن، الذي وضع كتابا شاملا عن الرواية العربية ترجمته حصة المنيف، بالاعتراف بالدين، فهذا الاستعداد للاعتراف بالدين ـ والرأي لروجر ألن ـ يشكل دافعاً إيجابياً في مسار عملية الكتابة.
          وسواء اعترف الروائيون والروائيات العرب بالدين أم لم يعترفوا، فالشواهد ثابتة على تأثره ـ وهذا لا يضيرهم ـ لكنه يشكل مدخلاً للقول بأنهم سيعانون من ذات الاختناقات التي عانت منها الرواية الغربية التي استنفدت اغراضها وأشكالها أو تكاد، وبدأ قارؤها يبحث عن ضالته في المترجم إلى الانجليزية من الأميركي اللاتيني والياباني.
          لقد ربطت كريستيفا الرواية بالاسطورة، وأصر سارتر على تقييدها إلى عجلة التاريخ، وأوشك كونديرا ان يجعلها شعرا وماركيز خرافة، وفي الرواية هذه العناصر كلها وزيادة، لكننا نعجب بشكل خاص بالرواية بتنظيرها السارتري وتطبيقاتها الفوكنرية، لذلك سببه الواضح فنحن أمة تعيش التاريخ ولا تطالعه فحسب، وتربط كل شيء بالماضي وكل القضايا بالسياسات النضالية ومع ذلك فإن ذلك كله يظل هامشياً حين نكتب الرواية.
          وقد أخذ الاكاديمي الجزائري الدكتور عبد الملك مرتاض على المبدعين العرب كسلهم في تغطية هذه الجوانب فقال، بعد ان أظهر تأففه من التركيز على رواية التحولات الاجتماعية، «والحق ان لو أنصف الكاتبون والروائيون العرب شعوبهم وما كابدت من أهوال الاحتلال، وما عانته من ويلات الاستضعاف والاستبداد لكانوا أخرجوا آلاف الروايات في هذا النوع الأدبي، لكنهم كسالى لا يكتبون وغافلون لا ينبهون».
          نقلا عن جريدة الشرق الأوسط
          sigpic

          تعليق

          • ربيع عقب الباب
            مستشار أدبي
            طائر النورس
            • 29-07-2008
            • 25791

            #6
            الروايــة العـــربية والنثرية العـــربية:
            مساهمة في إبراز دور محفوظ
            في تطور اللغة والشكل في الرواية العربية
            إهداء إلى روح أستاذي المرحوم
            أ. د. عز الدين إسماعيل
            في ذكرى رحيله الثانية..
            محبة وتقديرا.
            أ. د. محمد الأمين ولد مولاي إبراهيم
            أستاذ النقد وتحليل الخطاب
            نائب رئيس جامعة نواكشوط
            (ألقي هذا البحث في المؤتمر العام للاتحاد العام للكتاب والادباء العرب في الندوة المخصصة لنجيب محفوظ – القاهرة 2007)
            0.0
            - يسعى هذا الحث في مقاصده البحثية والمنهجية إلى إضاءة جوانب محددة من علاقة الرواية العربية بالنثرية العربية؛ تتعلق بتاريخ الظهور والتشكل؛ وهي العلاقة التي مازالت في نظرها تحتاج إلى مزيد من الإضاءة؛ تعميقا لوعي نقدي عربي بدأت ملامحه تتشكل في الساحة النقدية العربية في العقد الأخير من القرن العشرين؛ - يتبنى السرديات منهجا للمقاربة والتأريخ للأنواع والأشكال في السردية العربية. وذلك إسهاما منا في تجذير السرديات العربية، باعتبارها خيارا منهجيا لمقاربة السرد العربي والتأريخ له وهو خيار ينوع من نظرتنا إلى السرد العربي وأشكال كتابته بصفة عامة؛ ويعمق من وعينا الإبداعي بالرواية العربية وصيغ تشكل كتابتها بصفة خاصة.
            ولاشك أن ما عرفه النقد العربي الحديث في السنوات الأخيرة من تطور على مستوى النظرية والمنهج والتفكير يبين درجة من النضج لا في استيعاب المناهج النقدية باطروحاتها المتعددة، فحسب، وإنما أيضا في مستوى تعامل النقاد مع الموضوع؛ وإكسابهم ذهنية نقدية أكثر تحررا من سلطة التنظير النقدي الغربي المدرسي؛ وأقدر على تطبيقات المناهج التي يختارونها؛ وفقا لرؤيتهم النقدية الخاصة؛ وقد كان حظ الشعرية وتطبيقاتها من هذا الوعي والممارسة بارزا حيث برزت أسماء مؤسسة لهذا المنهج وتطبيقاته في التجربة العربية؛ كان لها الدور الرائد في تكوين جيل من النقد الشباب في أغلب الجامعات العربية الممارسين والمتبنين لخيار الشعرية منهجا ومقاربة؛ وخاصة السرديات منها؛ حيث حظي السرد وأشكاله بالدراسة والتنظير وأنجزت في هذا المجال أطروحات جامعية مؤسسة وأعدت دراسات مهمة وألفت كتب عمدة وانتظمت ندوات أساسية ونشرت بحوث قيمة، هذه الجهود كلها كانت الحاضنة المعرفية والمنهجية؛ التي أدت إلى ظهور السرديات العربية وتطبيقاتها المنهجية.
            1.0- في أفق هذا التوجه يأتي هذا البحث لينظر إلى الرواية العربية في علاقتها بالنثرية العربية؛ من زاوية محددة تتعلق بتطور اللغة والشكل في الرواية العربية؛ متخذين من نتاج محفوظ عينة على هذا التطور؛ منطلقين في هذا الجهد من السرديات الوصفية والتاريخية خيارا للمقاربة والتحليل. وننطلق في هذا الجهد من فكرة مؤسسة لأطروحته، مؤداها أن أشكال الكتابة عامة؛ لا تظهر إلا في سياق هيمنة نثرية معينة؛ إذ أن تداول هذه النثرية ومستويات تكثيفها وتطويعها للنثر، هو الذي يؤدي إلى ظهور أشكال كتابتها وتكريس سلطتها، وغياب أواختفاء أشكال كتابة النثرية التي قامت على أنقاضها. ذلك أننا – وكما أبنا في ذلك في بحوث سابقة[1]- نفترض أن هيمنة أشكال الكتابة السردية الحديثة على أشكال الكتابة الإبداعية العربية، إلى بداية السبعينيات من القرن الشعرين وتعدد أشكال كتابة النثرية الحديثة، إنما كان نتيجة لانحسار النثرية العربية التراثية بأنساقها اللسانية النثرية وأساليب إبانتها وطرق تحقق مجازاتها في وجه مد النثرية العربية الحديثة وبلاغتها "وتراجعها إلى مواقع خلفية، فرضها عليها مسار تحديث المجتمعات العربية، وموقع تبعيتها للآخر لاحقا"[2].
            2.0- فكان من نتائج ذلك على المستوى الأدبي، تراجع النثرية التراثية بأنساقها اللسانية وأشكال كتابتها إلى مواقع خلفية في الإبداع والثقافة. وهي السمة الخطابية التي عرفتها النثرية العربية في المجتمعات العربية في أمكنة وأزمنة متفاوتة في تقادمها. إذ يمكن أن نلاحظ هنا أن كلا من هذه المجتمعات العربية- وخلال فترة تحديثها- "قد عرفت هذا الانزياح التدريجي للنثرية التراثية إلى مواقع خلفية، تاركة الموقع الأمامي لنثرية عربية حديثة، ومكتفية بدرجات من الحضور متفاوتة في النثرية الأدبية لهذه المجتمعات"[3].
            3.0- هذا الانزياح على مستوى النثرية- هو الذي يفسر- في نظرنا- ظهور الأشكال السردية الحديثة في المجتمعات العربية، وخاصة الرواية منها، عبر زمنية متفاوتة، كما يفسر تأخر ظهورها في البعض الأخر. وهي الأشكال السردية التي بدأت في الظهور منذ بداية القرن العشرين في بعض هذه المجتمعات، نتيجة لهيمنة النثرية العربية الحديثة وتجذر أنساقها اللسانية والفكرية في هذه المجتمعات، وتراجع سلطة النثرية التراثية وأشكال كتابتها السردية. ومن هنا يمكن النظر إلى تاريخ ظهور الأشكال السردية في الإبداع العربي من هذا المنظور الذي يعول في تأريخه لأشكال الكتابة الإبداعية –على اللغة وأنماط تطويع نثرها وصيغ تشكل كتابتها وطرائق إبانتها ومستوياتها ودرجة شعريتها؛ على المتغير اللغوي وطرائق تداوله في المجتمع ودرجات تكثيفه؛ لا على المغير الاجتماعي ذاته ولحظات تحوله؛ وما ينشأ عن ذلك من تحولات أدبية وثقافية نظّر لها الدرس النقدي الاجتماعي، ووعول عليها أصحاب البنيوية التكوينية. في بسط أطروحتهم النقدية وفي تفسير ارتباط ظهور الرواية والأشكال السردية الأخرى باللغة والشكل كمعزز لتفسيراتهم الاجتماعية للأدب وأشكاله. ولئن ظل الولاء لهذا الطرح سائدا في بعض الأوساط الجامعية العربية نتيجة لتدريس مناهج وأطروحات نقدية مدرسية تجاوزها التنظير النقدي – فإن منظورا آخر لظهور الرواية العربة وعوامل نشأتها وتشكل خطابها؛ بدأ يأخذ حظه من التلقي والولاء في هذه الأوساط.


            1-النثرية العربية ونظام تبادل المواقع:
            ميز المنشغلون بدراسة السردية العربية بين مكونين من مكونات النثرية العربية هما النثرية: تراثية والنثرية الحديثة لكل منهما أشكالها السردية، وتتحدد النثرية هنا بأنها "فعل الكتابة الحاصل بتطويع النثر العربي الفصيح لغرض كتابي إيداعي وفق شروط الإبانة العربية، وهي بهذا المعنى، فعل لغوي متحقق وفق سياق محدد وعبر نسق لساني متميز ومحدد، ومن هنا جاء ثراء النثرية في اللسان العربي"[4].
            1.1- ومن أهم الدراسات التي ربطت بين اشكال السردية العربية وتطور النثر العربي جهود كل من د. عبد الفتاح كيليطو في كتابه "المقامات"[5] ود. عبد الله إبراهيم في كتابيه "السردية العربية"[6] و"السردية العربية الحديثة"[7]، حيث بينت هذه الجهود تطور النثر العربي منذ عصوره القديمة واحتضان النثرية العربية التراثية لأشكال من السرد التراثي في نهاية القرن التاسع عشر نتيجة لهيمنة الأنساق اللسانية التراثية وأساليب إبانتها وبلاغتها في القول، وهو الاحتضان الذي أظهر "هيمنة للذائقة التقليدية وتقريظ أسلوب أدبي يندمج في سياق الامتثال لسطوة تكل الهيمنة"[8]. وقد استمر تطوير هذا الخط من الكتابة السردية مع محاولات المصريين في بعث "المقامة" وتجذير كتابتها سرديا، كما بين ذلك محمد يوسف نجم، حين "حاولوا بعث المقامة مجددا (كما حاولوا بعث الشعر التقليدي)، في "ثوب قشيب لاءم روح العصر إلى حد كبير"[9]. كما ظهر ذلك عند المويحلي في "حديث عسى بن هشام" وحافظ إبراهيم في "ليالي سطيح"، ومحمد جمعة في "ليالي الروح الحائر" وغير ذلك"[10].
            2.1- وإذا كانت هيمنة هذه النثرية التراثية على النثرية الساعية وقتها إلى تحديث أساليب الكتابة العربية- عبر الكتابة الصحفية- قد أنتجت كتابات سردية حديثة تستلهم الأشكال السردية التراثية (الحديث، المقامة) وتجذرها أشكالا سردية حديثة؛ فإن تراجع هذه النثرية إلى مواقع خلفية من الإبداع العربي وتنامي سطوة النثرية العربية الحديثة؛ هو الذي سيؤدي إلى الانكماش التدريجي لهذا النموذج وذلك قبل أن يتقلص دوره "ويتحلل ويتلاشى في النصف الأول من القرن العشرين"[11]، في وجه ظهور أشكال الكتابة السردية الحديثة وخاصة منها الرواية، ومن هنا يمكن القول إن ظهور الرواية العربية الحديثة؛ لم يكن مرتبطا بتحولات اجتماعية وفكرية عرفتها المجتمعات العربية في المشرق مطلع القرن العشرين فحسب، بقدر ما كان أولا وقيل كل شيء تحولا في النثرية العربية وأساليب كتابتها الإبداعية، اقتضتهما مقامات القول الإبداعي الجديد؛ نتيجة لهيمنة النثرية العربية الحديثة على النثرية العربية التراثية؛ وهي الهيمنة التي ستتراجع معها النثرية التراثية وأشكال كتابتها السردية إلى مواقع خلفية من الإبداع العربي؛ تاركة لأشكال النثرية العربية الحديثة سلطة الفعل في الكتابة السردية العربية الحديثة وهي السلطة التي بلغت كبرى درجات تجليها بظهور الرواية العربية الحديثة مع جيل الرواد الأول قبل أن تتجذر في الإبداع العربي بكتابة رواية التاريخية فالاجتماعية النقدية فالذهنية مع نجيب محفوظ وجيله من الكتاب الروائيين العرب. حيث أخذت مستويات من الشعرية أغنت الكتابة الرواية العربية ونوعت من مصادر إبداعها مع منتصف الستينيات من القرن العشرين.
            3.1- والذي يبدو لنا؛ أن ظهور الرواية العربية الحديثة وتجذر شكلها السردي في الكتابة العربية الحديثة كان إلى حد كبير مرتبطا بتغير مكونات النثرية العربية ونظام تبادل المواقع فيها؛ فقد لاحظنا أن هيمنة النثرية العربية التراثية نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين على جهود تحديث النثرية العربية- هو الذي أدى إلى ظهور أشكال السرد التراثي في الكتابة العربية؛ وهي السلطة التي ستتراجع ببلوغ جهود التحديث أوج مدها في الربع الأول من القرن العشرين؛ وبهيمنة النثرية العربية الحديثة على النثرية العربية التراثية.
            4.1- وبهذا يمكن القول إن ظهور الرواية العربية كان تحولا في النثرية العربية، ونظام تبادل المواقع فيها؛ وهو ما يفسر-في نظرنا- هذا الأرتباط في تاريخ السردية العربية، بين هيمنة نثرية وتراجع أخرى وظهور أشكال سردية واختفاء أو تراجع أخرى؛ وهي السمة الشعرية التي حددت إلى حد كبير تاريخ ظهور الأشكال السردية أو اختفائها وتراجع سلطتها، في السرد العربي الحديث؛ لذلك يمكن أن نلاحظ هنا في تاريخ السرد؛ العربي المعاصر؛ تلك العودة القوية لأشكال السرد التراثي حينما بدأ يتشرب خطاب الرواية أنساقهم السردية مع بداية سبعينيات القرن العشرين؛ في ما عرف برواية التراث؛ ولم يكن ذلك إلا نتيجة للحضور المتزايد لسلطة النثرية التراثية واستيعاب خطاب الرواية لها؛ على يد روائيين من أمثال محمود المسعدي؛ وجمال الغيطاني وغيرهما.


            2- النص الروائي والنثرية العربية:
            مثل ظهور الرواية في السردية العربية مرحلة مهمة من تاريخ تطور الكتابة الإبداعية العربية- فبها أختبر الروائي العربي مساحات من الكتابة لم يكن ليصل إليها؛ لولا الإمكانات الإبداعية التي يتيحها الخطاب الروائي؛ وهي إمكانات نابعة من اللغة بالأساس باعتبارها أداة للتواصل والبوح والتخاطب ومادة غنية لتشكل الكتابة والخلق الفني؛ ومن هنا كان النص الروائي دون غيره من الأشكال السردية- أكثر الأشكال الأدبية انفتاحا على البنية الاجتماعية الحديثة والتكوينات الاجتماعية التقليدية نظرا للصلة الشعرية القوية التي تربط خطاب الرواية باللغة. وهي الصلة التي ركز عليها نقاد ومنظرو الرواية؛ بداية من باخثين فكولد مان فبيرزييما؛ حين كان الاهتمام باللغة ومستوياتها في النص الروائي؛ هو المشغل الأساسي لأي تنظير أو مقاربة.
            1.2- إن الصلة ما بين الرواية واللغة صلة قوية وقائمة لا على مستوى البنية الروائية وقدرة الخطاب الروائي على احتواء وتشرب مستويات اللغة بمختلف خطاباتها فحسب؛ وإنما أيضا - وهذا هو الأهم- في تاريخ التشكل وأسباب الظهور؛ إذ أن ظهور النص الروائي في مجتمع من المجتمعات كان دائما مرتبطا بمستويات كثافة النثرية وهيمنة مكون من مكوناتها وقدرته على استيعاب الأنساق السردية؛ كما أن تطور الخطاب الروائي وتجدده كان يأتي دوما من جهود الكتاب والروائيين المتميزين؛ الذين يتركون بصماتهم الفنية في تاريخ تشكل الرواية في مجتمع من المجتمعات؛ مثل ما هو الحال بالنسبة لنجيب محفوظ في الرواية العربية؛ حيث مثل هذا الروائي نموذجا عربيا، ترك بصماته الفنية في تاريخ الرواية العربية؛ انتقلت بها الكتابة الروائية العربية في كل مرة من مراحل تطورها إلى لحظة أخرى من تاريخ تشكل الخطاب الروائي العربي؛ وقد تعدد هذا الفعل والإنجاز الإبداعي لفترة ناهزت الثلاثين عاما؛ إلى درجة أصبح معها ينظر إلى هذا الروائي المتميز وقتها، بأنه عقبة كأداء في وجه كل روائي عربي يريد أن يتميز ويضيف إلى الرواية العربية بصمة جديدة.


            3- محفوظ والنثرية العربية:
            يتحدد انجاز محفوظ، بشيء من الإيجاز المخل- في الرواية العربية؛ في أنه كان أحد الكتاب والروائيين العرب؛ الذين طوعوا النثر العربي؛ لأغراض إبداعية، وساهموا في تدعيم سلطة النثرية العربية الحديثة في الكتابة السردية العربية الحديثة؛ وعملوا على تشرب هذه النثرية ببلاغتها الحديثة للسرد وأشكاله؛ خاصة منها الرواية؛ حيث كانت تجربة الكتابة عند محفوظ عينة فنية متميزة ونادرة على مراحل تطور الرواية العربية؛ فقد رافقت كتابة الرواية عند محفوظ مختلف لحظات التطور والتشكل الفني للنص الروائي العربي إلى درجة يمكن القول معها، إنما عرفه النص الروائي العربي في مصر من تطور فني منذ منتصف الثلاثينيات إلى منتصف الستينيات على يد نجيب محفوظ، كان العينة والنموذج النصي؛ لانتقال الخطاب الروائي العربي من لحظة فنية إلى أخرى؛ من لحظة انجاز ما سمي في تاريخ السرد العربي بالرواية التاريخية فالواقعية النقدية فالرواية الذهنية وهي اللحظات التي رصدها مؤرخو السرد العربي والمشتغلون بالشعرية العربية وبالسرديات التاريخية منها خاصة- انطلاقا من مدونة محفوظ الروائية؛ بشيء من التتبع والتمفصل الفني يقيم شبه تطابق ما بين تطور الرواية العربية ولحظات تشكل خطابها وبين تطور الكتابة الروائية عند محفوظ وأزمنة انتقاله من نسق سردي إلى آخر؛ وهذا -في نظرنا- هو المظهر الفني الشعري المجسد للمقولة القديمة الجديدة؛ القائلة بأن محفوظ كان عقبة كأداء في وجه ظهور روائيين جدد إلى أن "انفرط العقد المقدس"[12] نهاية الستينيات؛ ودخلت الرواية العربية لحظة أخرى من لحظات تشكل خطابها؛ على يد روائيين جدد.
            1.3- هذا التطابق ما بين تطور الرواية العربية وتطور الكتابة الروائية عند محفوظ على مستوى الانجاز؛ كان نابعا في نظرنا من سمة فنية لازمت الكتابة الروائية عند محفوظ؛ وكانت في ذات الوقت الخاصية الشعرية؛ التي دعمت باستمرار سلطة النثرية العربية الحديثة، هذه السمة هي الاشتغال باللغة كمقوم أساسي من مقومات شعرية الرواية؛ فقد انتبه نجيب محفوظ في بداية كتابته السردية إلى أن اللغة مقوم فني أساسي من مقومات الخطاب الروائي؛ وأن الرواية إبداع تخييلي يتوسل باللغة؛ ولأن خبرة محفوظ بالنثرية العربية وتمكنه من أنساقها اللسانية كانت عميقة فقد أتاحت له هذه الخبرة؛ القدرة على الاشتغال باللغة بمستوياتها المتعددة؛ فكانت هذه الخاصية الأسلوبية عند محفوظ السمة الفنية التي لازمت التطور السردي عنده، وعملت على إبراز دوره المتميز في تدعيم النثرية العربية الحديثة؛ من منطلق إبداعي تخييلي هذه المرة. فإذا كانت هذه النثرية قد عرفت مع منتصف الثلاثينيات من القرن العشرين تطورا نثريا ملحوظا تمثل في تطويع النثر العربي الفصيح بمستويات متعددة ساهم فيها تطور الصحافة والنشر؛ فإن مستويات التطويع الفني والإبداعي لهذا النثر في الكتابة السردية وقتها، كان له الدور الأساسي في تطوير النثرية العربية الحديثة وتدعيم بلاغتها؛ فقد ساهم الكتاب والروائيون العرب حينها في تكريس سلطة هذه النثرية كل من موقع خبرته باللغة العربية وتمكنه من أساليبها البلاغية وامتلاكه لمدلولاتها.
            2.3- وقد كان دور محفوظ في هذا المجال أساسيا نظرا للأسباب التي ذكرنا سابقا؛ فكان التطوير السردي للكتابة الروائية نابعا من وعيه الروائي بأهمية شعرية اللغة ودورها في تشكل الخطاب الروائي؛ لذلك واكبت لغة محفوظ مراحل تطور الكتابة لديه؛ لأنها كانت الأساس الذي تم من خلاله التطور الفني؛ والوسيلة التي حققت ذلك. لقد كان الاشتغال باللغة كمكون أساسي من مكونات الخطاب الروائي السمة البارزة في المنجزالسردي لمحفوظ؛ وتمكن ملاحظة هذه السمة في مظهرين أساسيين طبعا الكتابة السردية عند محفوظ وعملا على تطور شعرية النص الروائي العربي وإثراء النثرية العربية الحديثة لاحقا:
            1.2.3- يتمثل الأول منهما في انفتاح اللغة الروائية على المنطوق الاجتماعي والثقافي للمجتمع المصري؛ بطبقاته وفيئاته وتكويناته الاجتماعية المختلفة؛ فقد كان المتكلم في الرواية متعددا بتعدد ألسنته ولهجاته ولغاته الاجتماعية؛ وهي التعددية اللغوية: التي حافظ فيها نجيب محفوظ على بلاغة اللسان العربي؛ فكانت كل شخصية تتكلم من موقعها الاجتماعي أو المهني؛ فيأتي المنطوق الروائي معبرا عن حرارة التجربة الاجتماعية في تجليها اللساني وانجازها التلفظي، ولكن بما هي عربية هذه المرة؛ أي أن ارتباط محفوظ بلغة ولسان المتكلم في الرواية لم يخرجه في أغلب الأحوال عن أسلوب اللسان العربي وشروط إبانة الفصحى؛ فجاءت رواياته متسمة بتعددية في مستويات اللغة؛ بتعدد المنطوق الاجتماعي للمجتمع المصري؛ ولكن بما هو عربي؛ ولم يكن الميل إلى العامية في أغلب النصوص الروائية عنده إلا في حالات التماهي اللساني والبلاغي أحيانا بين العامية والفصحى؛ وهي ظاهرة لسانية لغوية قد لا يدركها إلا من كانت له خبرة لغوية ومعرفة لسانية عميقة بالأنساق اللسانية للهجة المصرية وطرائق انجازها وطرق التلفظ بها.
            2.2.3- المظهر الثاني الذي طبع الكتابة الروائية عند محفوظ هو تعدد الأنساق اللسانية وثراءها؛ فقد اتسمت النثرية السردية عند محفوظ بتعدد الأنساق اللسانية وتنوعها؛ نتيجة لامتلاكه لهذه الأنساق وتمكنه من الأساليب العربية؛ وتمكن ملاحظة هذا التعدد في الأنساق اللسانية وتنوع مصادرها؛ في الكتابة الروائية عند محفوظ من خلال تطور المنجز السردي لديه؛ فقد واكب اللفظ المعنى عند محفوظ؛ ففي كل مرة من لحظات تطور النص السردي عنده؛ كانت الألفاظ والأساليب تأتي نابعة من نثرية ذلك التوجه. ففي اللحظة التاريخية؛ جاء النص الروائي منفتحا على النص التاريخي بأنساقه اللسانية، متعالقا مع النثر التاريخي مستفيدا من أساليب النثرية العربية التي وظفت لكتابة التاريخ؛ قريبا من أجوائها ومستويات تكثيفها للحدث التاريخي دون أن يؤثر ذلك على النص الروائي وحينما أنتقل محفوظ في لحظة ثانية من تاريخ تطور الكتابة عنده؛ بكتابته الرواية الواقعية النقدية؛ انفتح النص الروائي لديه على المنطوق الاجتماعي للمجتمع المصري بلغاته ولهجاته المتعددة فكان اختيار المعجم وتلبس اللغة بحرارة المنطوق الاجتماعي بمستوياته المختلفة والمتعددة – المصدر الثاني في إغناء وثراء اللغة الشعرية للرواية عنده وفي انفتاح النثرية العربية وأساليبها على المنطوق الاجتماعي للمجتمع المصري والسير به في خط الحفاظ على الخصوصية المحلية والتعبير عنها بأسلوب عربي مبين؛ دون أن يجذبه هذا التوجه في الكتابة إلى اللجوء إلى العامية والتعبير بأنساقها اللغوية اللهجية ولعل الصدق في التعبير عن هذا التوجه والأمانة في نقل شعريته إلى خطاب الرواية هو الذي ميز الكتابة الاجتماعية النقدية عند محفوظ وأوصلها إلى مساحات من التلقي المشترك؛ ساهمت- في نظرنا- في الارتقاء به إلى مصاف الكتاب والروائيين الكبار؛ الذين استحقوا التكريم والفوز بجوائز عالمية كجائزة نوبل للآداب التي حصل عليها.
            وعند ما انتقل محفوظ في لحظة تالية إلى الرواية الذهنية؛ انفتح النسق اللساني والأسلوب اللغوي وأشكال التعبير لديه على النثرية العربية المرتبطة في تاريخ النثر العربي؛ بالتأمل والتفكير وأساليب التجريب والتجريد؛ وهي تقاليد من القول خبرتها النثرية العربية ولعل إنشغال محفوظ المبكر بالفلسفة والفكر والتأمل وتكوينه الفلسفي؛ هي الروافد الأساسية لانفتاح نثريته السردية في روايات هذه المرحلة على الأنساق اللسانية لهذه النثرية وتوظيفها إبداعيا، ومن هنا جاء ثراء اللغة والتراكيب في هذه الروايات؛ وقدرتها التعبيرية على تكثيف المتخيل السردي للرواية الذهنية والقدرة على تركيب مجازاتها وإنتاج دلالاتها النصية وانفتاحها على التأويل والتلقي.
            إن انفتاح اللغة على المنطوق الاجتماعي وتعدد أنساقها اللسانية وتنوع مصادر إنتاجها عند محفوظ هي العوامل التي ميزت الكتابة السردية والمنجز النصي عنده؛ وهي السمة الشعرية التي عملت على تجدد الكتابة السردية لديه ولازمت تطويعه للنثر العربي؛ فكان بذلك أحد أهم الكتاب العرب الذين جذروا الرواية في النثرية العربية ولاأموا شكلها السردي مع بلاغة الكتابة العربية وعبقرية أنساقها اللسانية.

            [1]من البحوث التي نشرت وتمكن العودة إليها الكتب التالية:
            - بنية الخطاب ودلالتها في رواية القبر المجهول أو الأصول: مساهمة في الكشف عن خصوصية السرد الموريتاني، تقديم د. سعيد يقطين، المكتبة الأكاديمية، القاهرة 1999.
            - الشعرية التاريخية وأدبية الأدب الموريتاني: قراءة لظهور الأنواع والأشكال، تقديم، د.محسن جاسم الموسوي، دار الأمين القاهرة 2001.
            - شعرية رواية الصحراء: مساهمة في وصف شعرية رواية الصحراء والنصوص الخلفية المشكلة لها (النص الموريتاني نموذجا). الكتاب الفائر بجائزة شنقيط للآداب والفنون لعام 2004 الجائزة التقديرية للدولة الموريتانية. يصدر قريبا عن دار الأمان، الرباط.

            [2] محمد الأمين ولد مولاي إبراهيم: بنية الخطاب ودلالتها في رواية القبر المجهول، مرجع مذكور سابقا، ص: 58.

            [3] محمد الأمين ولد مولاي إبراهيم، المرجع السابق، ص:58.

            [4] محمد الأمين ولد مولاي إبراهيم، الشعرية التاريخية وأدبية الأدب الموريتاني: قراءة لظهور الأنواع والأشكال، مرجع مذكور سابقا، ص: 77.

            [5] عبد الفتاح كيليطو: المقامات: السرد والأنساق الثقافية. ترجمة: عبد الكبير الشرقاوي، دار توبقال، الدار البيضاء، 1993.

            [6] عبد الله إبراهيم: السردية العربية: بحث في البنية السردية للموروث الحكائي العربي. المركز الثقافي العربي بيروت، 1992.

            [7]عبد الله إبراهيم: السردية العربية الحديثة: تفكيك الخطاب الاستعاري وإعادة تأسيس النشأة؛ المركز الثقافي العربي، بيروت الدار البيضاء، 2003.

            [8] عبد الله إبراهيم، المرجع السابق، ص: 107.

            [9] محمد يوسف نجم. القصة في الأدب العربي، ص:12-13. نقلا عن عبد الله إبراهيم، السردية العربية الحديثة، المرجع السابق، ص: 113.

            [10] عبد الله إبراهيم، المرجع السابق، ص: 114.

            [11] عبد الله إبراهيم السردية العربية الحديثة، مرجع سابق، ص: 107.

            [12] انفراط العقد المقدس: كتاب لمحسن جاسم الموسوي يؤرخ لتطور الرواية العربية، منشورات الهيأة المصرية للكتاب، القاهرة، 1999.
            sigpic

            تعليق

            • د.إميل صابر
              عضو أساسي
              • 26-09-2009
              • 551

              #7
              مبارك افتتاح قسم الرواية ،
              مبارك عودة ملتقى القصة لاسمه الأصلي،

              إلى الأمام دوما، بعون الله.
              [frame="11 98"]
              [FONT=Tahoma][SIZE=6][FONT=Tahoma][FONT=Tahoma][SIZE=6][FONT=Simplified Arabic][COLOR=blue][SIZE=5][SIZE=6][FONT=Tahoma][COLOR=#000000]"[/COLOR][/FONT][/SIZE][FONT=Simplified Arabic][COLOR=navy][FONT=Simplified Arabic][COLOR=#000000][FONT=Tahoma]28-9-2010[/FONT][/COLOR][/FONT][/COLOR][/FONT]
              [FONT=Simplified Arabic][COLOR=navy]
              [FONT=Tahoma][SIZE=5][COLOR=#333333][FONT=Simplified Arabic]هناك أناس لو لم يجدوا جنازة تُشبع شغفهم باللطم، قتلوا قتيلا وساروا في جنازته[/FONT][/COLOR][COLOR=#333333][FONT=Simplified Arabic]لاطمون.[/FONT][/COLOR][/SIZE][/FONT]
              [COLOR=#333333][FONT=Simplified Arabic][FONT=Tahoma][SIZE=5]لدينا الكثير منهم في مصر.[/SIZE][/FONT][/FONT][/COLOR][/COLOR][/FONT][/SIZE][/COLOR][/FONT][/SIZE][/FONT][SIZE=6]" [/SIZE]
              [SIZE=4]د.إميل صابر[/SIZE]
              [/FONT][/SIZE][/FONT]
              [CENTER][FONT=Tahoma][COLOR=navy][B]أفكار من الفرن[/B][/COLOR][/FONT][/CENTER]
              [CENTER][U][COLOR=#000066][URL]http://www.almolltaqa.com/vb/showthread.php?p=484272[/URL][/COLOR][/U][/CENTER]
              [/frame]

              تعليق

              • مصطفى الصالح
                لمسة شفق
                • 08-12-2009
                • 6443

                #8
                معلومات قيمة ومفيدة جدا

                قد تزداد وتتطور حسب معطيات العصر

                كل الشكر استاذنا العزيز

                تحيتي وتقديري
                [align=center] اللهم صل على محمد أفضل الخلق وعلى آله وصحبه أجمعين

                ستون عاماً ومابكم خجــلٌ**الموت فينا وفيكم الفزعُ
                لستم بأكفائنا لنكرهكم **وفي عَداء الوضيع مايضعُ

                رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِّلْمُجْرِمِينَ

                حديث الشمس
                مصطفى الصالح[/align]

                تعليق

                • د/ ثروت عكاشة السنوسي
                  عضو الملتقى
                  • 19-02-2010
                  • 20

                  #9
                  أستاذي الحبيب رائد الفنون
                  ربيع عقب الباب
                  موضوع شيِّق ومفيد، هكذا اعتدناك.. نبراس بيننا تضئ لنا الطريق
                  كل عام وأنت بخير وصحة وسلام
                  مودتي واحترامي
                  د/ ثروت عكاشة السنوسي
                  مصــــــــــــــــر

                  تعليق

                  • هائل الصرمي
                    أديب وكاتب
                    • 31-05-2011
                    • 857

                    #10
                    لا فض فوك استاذنا القدير على هذه الدرر والفوائد
                    استاذنا الكريم أنا لأول مرة أكتب في الرواية وفي جعبتي رواية أريد أن أخوضها كتبت فصلها الأول أو مقدمتها
                    وأرغب منك تقيمها هل أستمر أم أن هذا الميدان ليس ميداني ينبغي الأنصراف عنه حتى أتطور بارك الله فيك


                    بسم الله الرحمن الرحيم

                    حديث القمر
                    كان السكون يملأ المكان , والسماء صافية كصفاء السرائر الطيبة التي لا تعرف الالتواء ولا الختل.
                    انسكب الأنس و الجمال.. فتلقفته المشاعر النقية واستقبلته الحنايا الظامئة بحفاوةٍ وترحاب ,أصبنا منه حظا وفرا.
                    يوم كنت وشريكة عمري على كوة في ذروة منزلنا الصغير الذي نرى من خلاله المدينة الحالمة, التي يعشقها الأدباء ويتغنى بها الشعراء, ويهرع إليها السياح من كل مكان إنها مدينة (تعز) الجميلة , جميلة بجمال أهلها , طيبة بطيبتهم , حالمة بحلمهم الكبير, وسُميتْ حالمة لأنها (معلقة في الفضاء) فهي تفوق مدينة البندقية العائمة في الماء , سحراً وجمالا. وشتان بين الصعود في الفضاء والغوص في الماء.
                    بسطنا مخمل الحب على صهوة الفناء الممراح , في السطح المبتسم كابتسامة النجوم في الليلة الحالكة الظلام , ونسجنا خيوط المسرة بالمسامرة والبوح الشجي , الموشى بنغم الوجدان , الطائر في الفضاء كالفضاء نفسه , تحمله أجنحة الشوق والكلمات المعبرة عن صدق المشاعر والعواطف. ولكل عاشقين نغم خاص و لغة خاصة لا تروى ولا تقال.
                    اتخذ كل منا متكئا يتكئ عليه بعد حديث الحب , ليبدأ حديث الجمال كان الجو يبعث على الراحة, والمكان معد للاسترواح , بدأنا نقلب البصر ونتملى السماء.. نراقب فيها ومضات الشهب الباهتة , وتلألأ النجوم الخافتة , التي حجبها الضوء المنساب من شفاه القمر, وقد كان قاب قوس من تمام اكتماله بدرا .. فكأنما كان يدعونا لمناجاته.
                    على رفرف هذا الجمال البديع كنا نتبادل أطراف الحديث مستمتعينَ بحديث القمر ونسيم الصيف ودفئه ؛ .فقد وضع خطواته الأولى على ربوعنا, منذ أيام قلائل , نعم جاء الصيف على فاقة , بعد شتاء قارس ذقنا حلاوته ومره!! كنا مسرورين بقدوم الصيف كأنما غائب عزيز علينا قادمٌ من بعيد بعد طول افتراق, محمل بالهدايا الثمينة التي تنشرح لها الصدور, وتهفو إليها القلوب, ويحثو السير خطاه نحوها, طلبا للمسرة ومظنة في امتلاك ناصية السعادة .
                    قالت أسماء : وهي تنفضُ عن كتفي بعض الغبار وترنو ببصرها نحو السماء , وقد تنهدت تنهيدة خفيفة أحسستُ أنها مَمزوجة بلوعة شدت إليها انتباهي .
                    : ألا ترى كيف يسحرنا الصيف بجماله, ويأسرنا بصفائه , وكم يطربنا السمر بين أحضان مسائه وعنفوان ظلامه وانهيال ظلاله.
                    قلتُ: بلى .
                    قالت وهي تُسلمْ ظهرها على المتكئ: لو كان لنا سيارة لخرجنا في رحلة مع الأولاد نستمتع بنهاره , كما نستمتع بليله الجميل. وها هي العطلة تقرع الأبواب.. كيف نستغلها ونستثمر أوقاتها بما يعود بالفائدة والخير والبركة ..!!
                    سحبتُ الغطاء الناعم وأسدلته على أقدامي حتى لا تلثمها زخات الهواء المتقطعة بين الفينة والفينة .
                    _ هذا بُعد نظر عهدتُهُ فيكِ , لكني أشتم يا حبيبتي رائحة أمر آخر ترمين إليه لم تفصحي عنه بعد , وأجدني مشتاقا لسماعه.!!
                    وأخذتُ بأطراف ثوبها بلطف ووضعتُ يدي على يدها برفق وحنان أفصحي يا قرة العين ونور البصر فكلي آذان صاغية.
                    آه.. يا (كريم) : كم تحدثني جارتي عن رحلاتها المتكررة مع زوجها وأولادها وعن نفقاتها الفارهة ومقتنياتها من الملابس والهدايا مالا أستطيع أن أرويه ولا أصفه لك , من كثرته , حتى يداهمني الضيق مما تقول , فكأنها تُعرِّض بنا لضيق اليد , ولا أتمنى أن أكون مثلها فكل حسب سعته , لكني أتمنى الحياة الكريمة التي لا نحتاج معها لأحد , أقصد ما يفي بالغرض المأمول , دون اسراف ولا تقتير.
                    أطرقتُ هنيهة : أنت محقة كل الحق: هذا أمر أرقني كما أرقك وشغل بالي كما شغل بالك ولا حياء في تناوله ونقاشه لكني أطمئنك بأنه في البال وأني أبحث السبل التي يتوسع دخلنا مع سبرها , ويتحسن حالنا بعد خوضها , وقد أعيتني الحيلة , ولكن لا يأس ولا قنوط مع الإصرار, ولعلي عن قريب أصل.
                    انحنتْ وأخذت بعض الحلوى من طبق بجوارنا, ووضعتها في فمي ثم قالت :نحن ولله الحمد نتقلب بين نِعمٍ لا تحصى وفضائل لا تعد وهي كثيرة بفضل الله , لا نجحد فضله علينا لكن لا يمنع , أن نوسع من دائرة نشاطنا حتى نحصل ولو على الحد الأدنى من العيش الكريم , ونوفر لأولادنا القدر الممكن من الاحتياجات الضرورية , ثم لا مانع من أن نكد ونجهد حتى نصل إلى العيش الرغد لنمتلك زمام الكرامة من أوسعه .
                    وما معضلة النزهة إلا غيض من هذا الفيض, رغم أنها ليست من الأشياء الكمالية كما يظنها البعض .انها تُذهب الملل وتشحذ الهمة وتجدد الطاقة والحيوية والنشاط للأولاد, فيعودون بنفسية راضية مرحة , مستقبلين الحياة بقلب مُنفتح وصدر مُنشرح , فالنفوس تمل كما تمل الأبدان مع طول البقاء ولا بد لها من طرائق التغير والتجديد ليذهب كدها وكدرها.
                    ثم التفتتْ نحوي والبسمة في ثغرها كأنما خلخل الخجل استرسالها بالحديث حياء من قلة اليد و بعد الشقة بينها وبين ما ترنو إليه. لعلمها أنها لا تتم دون امتلاك سيارة يسهل معها التحرك والتنقل ومال يوفر جوها توقفتْ برهة فلما رأتني منبسطا , وسمعتني أقول لها أنا معك فيما ذكرتي
                    انشرحت وأردفت قائلة: ما أجمل أن نجوب القفار ونتسلق الجبال ونستروح بين مروج الحدائق والروابي والتلال. ألا ترها أغنية جميلة
                    بلى بلى ..إنها لوحة فنية فارهة الجمال مدهشة التصوير باهية الحسن وإني لأشعر بما تشعرين ثم ماذا أيتها الجميلة؟.
                    بالأمس زينب تقول لي: نريد جائزة النجاح يا أمي رحلة على شط البحر الأحمر وفي خمائل عروسه حيث: النخيل ترمينا برطبها كل صباح وحيث الجمال الطبيعي الذي لم تتدخل يد الإنسان فيه لتخدشه أو تغير معالمه ألا يستحق هذا الطلب أن يلبى؟! ثم صمتت كأنها تنتظر ما أقول!
                    ماذا أقول والغصة في حلقي وعبرة تخنقني كيف أبادر وأحقق أزهار آمالها الحاضرة , وأحلام صغيرتها الشاطرة ورغبات نفسي الشاعرة ؟! يا لقسوة الظروف حين تمنع وتجفو, فما تزال بها بشاشة من بقايا طموح كادت تطمره الأحداث بكلكلها, فأنهضته الآمال الملحة والمقاصد النبيلة والعزة التي ترفض الذل وتكره الاستكانة , كما ترفض الكفر وتكره النفاق , سواء بسواء , نسيت نفسي وخشيت أن تسألني فيمَ أفكر , لكني سرعان ما استجمعت مقالي وغيرت بسرعة البديهة وجوم حيرتي وفرط اعتلالي , فخرجت من مدار شرودي بعد أن لاحت لي فكرة وخطر في بالي حل, يمكن معه تحقيق ما نصبوا إليه ونأمل إذا تم.
                    ــ بالإمكان تحقيق كل طموحنا _يا جميلتي _. فكوني مطمئنة !! سنبدأ بالتفكير والعمل الجاد للوصول إلى تحسين وضعنا من الغد.
                    تعلمين أني وأخي حامد وشقيقاتي وأمي ورثنا عن والدنا رحمه الله قطعة أرض, فيمكن بيعها واستثمار قيمتها في مشروع, خصوصا وقد عرضَ علي صديقي ماجد مشروعا رائعا يدر ربحا لا بأس به , يكون العمل فيه بيني وبينه, , لقد استحسنته وأبديت تحمسي له , لكني لم أعطِ نفسي فرصة وفسحة أفاتح إخواني ببيع القطعة من أجله.
                    أمَّا الآن فقد قويتْ الفكرة وشُحذتْ الهمة واستبان الطريق, وعزمتُ على المضي , وهذا بفضل الله ثم بفضل حديثك الرقراق العذب الذي يذيب الصخور ويحرك الشعور.
                    من الغد إن شاء الله سأتحدث معهم وأحاول إقناعهم بشأنها فإذا قبلوا بعناها وبنصيبي سأشتري سيارة ولو متواضعة , ومقابل عملي في المشروع سيتحسن دخلي ودخل إخواني فأعيينني بالدعاء فإني أخشى ألا يقبلوا فهم كما تعلمين يعدونها رأس مالهم الذي يعولون عليه تحقيق آمالهم وبوابة طموحاتهم.
                    ارتسمت أسارير الفرح على جبينها وانثالت بسمة الرضا من بين شفتيها كما ينثال الغيث عند ابتسام الأفق الذي خلخل البرق غيماته حال تلبُّده به.
                    ثم استدارت وأخذتْ قبلة من فمها بأطراف بنانها و ألقت بها إلي فتلقفتها مداعبا كأنما هي حبة لؤلؤ يجب التقاطها , ثم رددت بمثلها.
                    وحان موعد الخلود إلى النوم فأوينا إلى المنزل والسعادة تغمرنا والحنين للغد يحث خطانا مستعجلا كما يستعجل خطى عقارب الساعة للوقت المتبقي كي يأتي الغد لننظر ما يصنع الله لنا فيه.
                    ما غبتَ عني أنتَ في أحداقي وأراك في ليلي وفي إشراقي
                    ما غبت يا قمري ونورك ساطع يمتد في روحي وفي آفاقي
                    ما أنت إلا الشمس مبسمُ ضوئها يفتر في قربي وعند فراقي
                    وبريق ألوان الجمال حلاوة تسري بأوردتي كحلو مذاق
                    ما غبت يوما والفؤاد مولعٌ بهواك دون معارفي ورفاقي
                    لو غبت كيف أراك بين خواطري وعلى عيون الحبر والأوراق
                    إن كنت تذكرني وأنت بنشوةٍ فأنا على ذكرٍ بغير رواق
                    أو كنت تأنس بي إذا لاقيتني فأنا بأنسك دون أي تلاقي
                    ولأن ذكرت إذا نسيتَ فإنني من غير نسيانٍ بذكرك باقي
                    أعرفت قدرك والقلوب عيونها تتجاوز الأزمان بالأشواقِ

                    تعليق

                    يعمل...
                    X