كانت تسير على طريق القرار لملاقاته وإنهاء معاناتها ومعاناته ، بينما يتعلق هو بحبال الصبا ويقود مركبه مجدفا بعكس اتجاه الريح، ليسقط كعذق نخل قبل أوانه !
رجعت بذاكرتها لأسبوع خلا، حينما تكلمت إحدى الطالبات معها في الجامعة عن سيارة كلاسيكية فخمة, اشتعلت شيباً كرأس سائقها الذي دعاها للركوب معه ، لكنها فرت خائفة ، على نفس هذا الطريق الذي تسير عليه الآن
توالت الحوادث نفسها مع طالبات أخريات، حتى أصبحت مادة دسمة غنية للتندر بالصبايا المدعوات وصاحب السيارة المتفرغ لهن: ( لِمَ لَمْ تركبي معه فربما يدفع عنك أقساط الفصل؟ وتعلوا القهقهات وتختلط )، فتوقعت أن يصل الدور إليها
عرفت الشخص المتكلم عنه, فآلمها ذلك كثيراً, وماذا لو عرفواعلاقتها به ودرجة القرابة بينهما, عندها ستضطر لإظلام مستقيلها الدراسي خوفا من الفضيحة التي ستأكل الأخضر واليابس في حياتها المنضبطة وسمعتها وسمعة عائلتها، التي اشتهرت بالفضيلة والتقوى عبر أجيال في هذه المنطقة, وحرصت هي على استمراريتها بشتى السبل, حتى أنها أصبحت رئيسة للجنة الطالبات في الجامعة, بسبب ذلك ولأنها الأولى على قسمها, والكل يحسدها ويشير إليها بالبنان.
هي تعلم؛ أنْ لو اشتكى أحدهم فستكون ساعتها الفضيحة الكبرى التي ربما تتسبب بهدم بيت من أشرف بيوت المنطقة, لذلك قررت أن تضع له حداً بنفسها, ولن يستطيع أحد غيرها فعل ذلك.
كعادة الطلاب والطالبات بعد إنتهاء الدوام, يسيرون إلى منازلهم في البلدة، في جو شاعري خلاب على طريق العلم، عبر الشارع الطويل الجميل, المزدان بأجمل الأشجار الحرجية الباسقة، التي تحتضن عند أقدامها حدائق الورود المختلفة, التي تشرح النفس بجمالها وروائحها الزكية الفواحة، وما أن يلمح طالبة قاصية،ماشية مع علمها وأدبها، تحضنهما على طريق المستقبل، حتى يقترب منها بهدوء في سيارته الشمطاء، تاركاً لبوقها مهمة إيقاظها من حلمها وتبديد أفكارها، جالبا انتباهها حتى يصبح بموازاتها، وتبدأ السيارة بمجاراتها في خطواتها، خالعاً ثوب الحياء يبدأ بقذفها بمختلف كلمات الغزل عارضاً عليها الصعود معه إلى المتعة والمال..
عادة تلقي بكلامه إلى الرصيف تحت أرجل المارة لتكنسها الرياح وتمضي مع الغبار خلف أبواب الأرصفة، وفي هذه الحالة ،يلقي زبده على الأمواج المتدافعة عبر دهاليز رأسه، التي لم توصله أبدا إلى ساحل إلا ليبدأ الإبحار إلى شواطيء أخرى قد يصطاد عبر بحارها ما يفضله من أسماك..
يجب أن أسير بعيداً عن جماعات البشر كي أكون طعما سهلا, فهذا ما يبحث عنه, بهيئتي التنكرية الملثمة لن يميزني فقد عميت بصيرته..
ها هو يقترب من الخلف مطلقا من بوق سيارته طلقات طائشة شاعرية خفيفة, لجلب انتباهي.. سأتظاهر باللامبالاة.
- هيا أيتها الجميلة, لا تتعززي, اصعدي لنستمتع معا, أو أقلك إلى المكان الذي ترغبين.
-..........................................
يركن سيارته بموازاتها ويفتح الباب الأمامي من جهتها بسرعة، وهو مستمر بلا وقار دعوته لها, فتركب وتجلس إلى جانبه مغلقة عليهما باب الأسرار
- إلى أين نذهب أيتها الجميلة ؟
أماطت اللثام بهدوء الجو قبل العاصفة، عن وجه غض جميل كالبدر عند اكتماله، وَجَّهَ صفعة قوية إلى السائق الذي صُدِمَ فتناسلت الدهشة على وجهه مرات ومرات خلال الثانية الواحدة؛...
فغر فاه وجحظ عينيه كأنهما ستقفزان من مكانهما المشدوه, وأتبع ذلك بصدمة أخرى على جبينه براحته, أغلقت فاه وعينيه, كأنما يتجرع مر الأيام ولا يستسيغه من شدة المرارة، فطأطأ الرأس مغطيا وجهه بكفيه, غارقا في تفكير عميق بسبب الصفعات المتوالية، ارتعشت شفتاه بحيرة تبحثان عبثا عن كلمات يبرر بها الموقف السخيف, وهي تنظر إليه بثبات الصقر المنقض على فريسته, تتكلم دون أن تحرك شفتيها, أطلقت نظراتها سهاما أتلفت أعصابه وهوت به إلى واد سحيق..
قال بصوتِ مرتجفٍ سيهاجمه أسد
- م م ما ... ماذا ؟ أنت ؟
- نعم يا أبي .. هيا بنا إلى البيت ..
القصة حقيقية مع بعض التصرف
مصطفى الصالح
07\05\2010
تعليق