إن اللّحى تشابهت عليّ / العربي الثابت
يبدو أن الشاحنة التي سوف تقلهما إلى المدينة المجاورة لجلب القطاني التي يتاجرون بها قد
تأخرت أكثر من اللازم،وانتظارهما والليل يداهمهما لم يعد محتملا…فالشارع قد بدأت أنفاسه
تهدأ،
نظرأحمد إلى صاحبه:
الوجه يفيض نورا ربانيا،
اللحية المطرزة بالبياض ،
الجبين الذي يحمل خاتم الطاعة ، حركات أصابعه وهي تمرر باحترافية عالية حبات السبحة على
ايقاع حركة شفتيه …لفهما الصمت قليلا .
فكر بحيرة ، أن يدعو الشيخ لقضاء الليلة ضيفا في بيته ،فهذا الرجل ذو فضل عليه ،علمه أمر
دينه وأعاد تشكيل شخصيته، فأرخى لحيته.
رسم له كل التفاصيل الدقيقة في حياته حتى آداب الجماع وطرائقه والأدعية المرافقة لقنه
إياها..
ساعده في دنياه فصار له دكان بسيط يعيش من ريعه،
لأول مرة يستقبل أحمد ضيفا من هذا العيار، ببيته البسيط الذي يمارس فيه سكوته وسط حي
صفيحي
لم يمر على دخولهما البيت إلا لحظات حتى أحضرت زينب الشاي ، شابة ذات أنوثة صاخبة،
ورشاقة آسرة، ألقت التحية على الضيف وانصرفت..
أخذ أحمد يتفنن في صب الشاي ،وهو يرحب بالشيخ ويدعوه للقبول بهذه الدعوة المتواضعة،
والشيخ يؤكد فرحه العارم وينهي كلامه:
أنت كريم وابن أخ كريم..
ناوله فنجان الشاي بشماله فصاح به:
- باليمين يارجل... فقد نها نا الرسول الأعظم عن استعمال اليد اليسرى في المأكل والمشرب.
تململ أحمد في مكانه،نحت الارتباك ملامحه،بدا تافها،لم يمنحه الشيخ فسحة استرجاع
أنفاسه،باغته بسؤال أخلّ بتوازنه:
أتستقبل ضيوفك كما استقبلتني؟
تردد.. جمع بعض ما تذكر من كلمات المجاملة،ورد وهو يقطر حرجا:
أنا حديث العهد في هذا البيت ..ربما كنت الرابع الذي ينزل ضيقا عزيزا هنا..
ردّ الشيخ بصوت هامس وهو يدنو منه:
- لا تستقبل ضيوفك بزوجتك ..فإن في ذلك جاهلية..
امتعض.. تضاءل.. لايدري كيف يرد ..تركه الشيخ هائما ورفع صوته بالأذكار والترانيم..
انتهزأحمد الفرصة تسلل نحو المطبخ ليتنفس بدا مبهورا بور ع الرجل وتقواه،وتمنى لو لبسه..
حين د نا من زينب،كانت دموع بصل تلمع في عينيها ،وعلى شفتيها ابتسامة استطلاعية،فقد
بلغ سمعها بعضا من كلام الرجل:
- أنت تعبق بأريج المسك..
ابتسم لها ربت على كتفها،
كان صوت الشيخ خاشعا أقرب إلى النشيج ،لوّن مساءهم بمسحة غريبة..
على مائدة متواضعة تناولا عشاءهما،وفي نفس الغرفة ناما معا..
كان التعب قد أخذ منه فغاب تحت أنقاض نوم ثقيل،إلى أن تسلل آذان الصبح إلى أحلامه فقام
مذعورا، فتح عينيه رأى الشيخ يؤدي بعض نوافله على مقربة منه،ارتدى ملبسه ليذهبا سويا
إلى المسجد،حين صارا خارج البيت سمع طرقا من الداخل عاد الى البيت وجد زينب لدى الباب:
- ما بالك نسيت نفسك ألا تغتسل فقد أعددت لك الحمام؟أنسيت؟؟؟
اهتزّلوقع السؤال، فهو لم يضاجعها لأيام مرت،انتابتها قشعريرة باردة
، امتقع لونه،صهلت أفراس الغضب في داخله،خرج كثور هائج وراء الشيخ الذي ابتلعه الظلام
لم يبق منه إلا الشبح ورائحة المسك..
---------------------
كثيرة هي أسباب الاستعباد وأساليبه و تعددت مظاهر رجاله وضحاياه .. وقد استمرت منذ فجر
التاريخ محاولات الإنسان استغلال أخيه الإنسان بصور عديدة لم تقف عند حد ولم تتوقف حتى
الآن وهذه فطرة لدى الإنسان عرفها منذ نعومة أظفاره .. فلا نستغرب من طفل بريء إذا وعدته
بشيء ولم تستطع تنفيذ وعدك أن يقول لك - مفتيا وبصلابة - : ( الله بيحرقك إذا كذبت )
مطالبا إياك بتنفيذ وعدك .. في حين سيقدم ألف مخرج ( كذبة ) للتنصل من وعد قطعه هو لك ..
ومن المدهش أن المستغلين والمستبدين هم طفيليات تعيش وتترعرع في بيئة ما لتحمل كل
خصائص وسمات هذه البيئة ثم تبرع في تمثل السمات البيئية لتستغل براعتها في اقتناص
الفرص وافتراس المزيد من الضحايا .. وكثيرا ما رأينا هذه النماذج في بيئة مجتمعية ما
كالقرية .. أو الطائفة النقابية أو الحزبية أو الدينية ..إلخ .. ففي البيئة السياسية يكثر السياسيون وفي البيئة الثقافية يكثر المثقفون وفي البيئة الدينية يكثر المتدينون وهكذا ..
ودائما تمتلك هذه النماذج قدرة فائقة على تقمص الدور ثم التحول والتلون وفقا لتغير البيئة لنراها تركب أكثر من موجة .. فهذا الذي كان علمانيا تحول إلى متدين ورع بقدرة قادر ليتبوأ موقعا يعطيه المزيد من الأتباع وذك المؤمن المتدين المتمسك بالمقدسات والثوابت يتحول إلى انفتاحي مقارع يمد يدا السلام والمصافحة لمن كان يعتبره عدوا لينال مزيدا من المكاسب وهكذا ..
والعلة تكمن في حالة العبودية ( غريزة القطيع ) الموجودة داخل البسطاء الذين تربوا على العبودية وانتشت في نفوسهم هذه العبودية وكبرت بسبب المخاوف الكثيرة التي دأب على زرعها في نفوسهم منذ الطفولة مئات المستعبدين بشكل مباشر أو غير مباشر , بقصد أو بغير قصد بدءا من الأبوين وانتهاء بكل من أتيحت له الفرصة بأن يكون مسؤولا عن هؤلاء البسطاء في المدرسة والحي وكل من له سلطة عليهم ... فيكونون حاملين في نفوسهم الاستعداد النفسي للوقوع في براثن نماذج الذئاب المفترسة .. التي ما أن تشاهد هذا الاستعداد ( الانقياد ) حتى لا تتوانى عن القفز على الضحية وافتراسها ..
كانت هذه مقدمة لا بد منها لفهم سيكولوجية الشخصيات ولنتابع البحث ..
لدينا هنا ذئب شرس متمرس في السطو والافتراس وقد تقنع جيدا بكل مظاهر التقى والتدين الخارجية المطلوبة ليكون أكثر إقناعا وأكثر وصولا وأشد فتكا وسطوا وافتراسا ..
ثم لدينا هذا الشاب البسيط ( المستعبد ) المنقاد لكل مدعٍ والفاقد للأهلية السيادية أو الندّية الذاتية وكانت الدونية تحكم كل تصرفاته أمام الذئب المتسلط وبقي حملا خاضعا بل وممعنا في الخضوع إلى درجة أن فقد شخصيته تماما وصار الذئب يرسم له مسار حياته وأشد سلوكياته خصوصية ..
ثم هناك الزوجة .. زوجة العبد .. أي عبد العبد .. والتي ظهرت بهذا الشكل البريء والمنقاد للزوج العبد وبالتالي سوف تكون الفريسة الثانية المرشحة بلا شك ومنذ زمن ..
فالأمر ليس صدفة ..
كان هذا شركا محكما منذ البداية وقد أعد بمهارة وإتقان بالغ الشيخ الذئب يتحكم بحياة الشاب وبتجارته التي هو أسسها له اصلا ويتحكم بجميع مفاصلها ومن ضمنا السيارة التي تأخرت ولم تحضر أبدا بالتأكيد بتدبير من الذئب ليتم ما حدث .. !
ثم رأينا كيف كان الشيخ على اطلاع تام ويتابع نضوج الفريسة الثانية من بعيد بتعاليم لقنها للشاب حول طبيعة علاقته الشخصية بالزوجة ولا بد أنه مرر لها من خلال الزوج العبد كل أوامر العبودية التامة والخضوع التام والأعمى للزوج واعتنى بأدق تفاصيل حياتهما الشخصية الجنسية على أنها تعليم دينية لأصول العلاقات الشخصية الجنسية الزوجية .. ولا شك أبدا أن الشيخ كان هو من دبر أن يبتعد الشاب عن زوجته خلال الأيام التي سبقت ليلة الافتراس ليكون كل شيء معد ولتتوفر كل أسباب النجاح للخطة الجهنمية ..
لقد فعل كل ما من شأنه تسهيل وصوله إلى الزوجة الساذجة بعد أن افترس زوجها الساذج ومنذ أن اصبح يتحكم بحياتهما معا ويقرر ما يفعلا حتى في فراش الزوجية .. فهذا الانقياد العبودي بالتأكيد سوف يشجع الذئب على الافتراس .. وهذا ما حدث .. وتمت الخطة بنجاح ..
وتم افتراس الضحية الثانية .. وفقا للخطة
ولكن تبقى قضية مهمة لا بد من إثارتها هنا .. وهي
إن الشاب الغيور الثائر لشرف زوجته .. _ كثور _ للأسف لم يدرك أنه هو كان الفريسة الأولى
ولهذا فإن وصوله للذئب واقصاصه منه وإن حدث .. هذا لن يجنبه الوقوع في براثن ذئاب آخرين
وبالطبع لن تكون عبدته ( زوجته ) بمأمن من الافتراس أيضا ..
الأستاذ القاص العربي الثابت
رغم أنك لم تقدم أية حلول مقترحة ..كان لقصتك المبدعة الكثير من الأبعاد .. وطرحت مضامين اجتماعية غاية بالأهمية تلقي الضوء على أساسات اجتماعية مظلمة لتهزها و تضعها تحت التدقيق ..
[align=center]
تحيتي وتقديري لك ..
[/align]
تعليق