[rainbow]اقسم كل من رآه انه عمر …
وانه يأتيهم كل مساء …
متشحاً بالسواد …
ممتطياً صهوة فرس بيضاء .
حاملاً بيمينه سيفاً يومض كالبرق .
وان لحوافر فرسه وقع طبول الحرب .
[/rainbow]

[rainbow]ثقـبُ صغــيرُ دامٍ
مروة سامي الحساني
marwa7sami@yahoo.com
[/rainbow][align=center][/align]

تمزق صرخة حنان سكون الحجرة الغارقة في العتمة . يفيق عمر من نومه فزعاً . يضيء الأنوار . ينظر إلى وجه حنان الذي يتفصد عرقاً . تتسع عيناها الخضراوان وهي تراه يمعن النظر فيها ويحاول أن يستقرئ الأمر .
- هل راودك ذات الحلم ؟
- …
تدير وجهها ناحية الجدار وتجهش بصمت .
- حنان ..!
ترمي نفسها بين ذراعيه وتهمس باكية :
- ضمني إليك … ضمني .
يضمها إلى صدره العريض بحنان ترتعش له هلعاً .
انقضى أسبوعان والحلم – مازال – يتغذى من دمها . ترى عمر – كل ليلة – ينسل من بوابة قصره متشحاً بالسواد … وممتطياً صهوة فرس بيضاء . يدخل – زاحفاً – إلى ارض مسيجة باسلاك شائكة . يحمل تحت مئزره سيفاً يومض كالبرق . يذبح به الكثير من الضباع ، ثم يسحبها إلى الخارج ويرمي بها إلى غياهب جب معتم ، ثم فجأة يغدو المنظر مشهداً خرافياً . ترى بحيرة ماء عذب . تجلس حولها سبع فتيات يرتدين البياض . وجوههن بلا ملامح … لكنهن جميلات . يختفي المشهد خلف ضباب كثيف . يخرج من وسطه أخوها علي . يحمل بيده أيقونة – اعتاد عمر أن يعلقها برقبته – منقوش عليها اسمه . يتلاشى الضباب لترى عمر ممدداً على الأرض – وهو يرتدي بدلته الكاكي – وفي صدره من ناحية القلب يلوح ثقب صغير دامٍ .
تمطر …
تمطر نبالاً تخترق جلدها . تدور في الحجرات هلعة ، تشرع الأبواب والنوافذ وتترك للريح والمطر حرية العبث بها . تفتح الدواليب والأدراج المقفلة، ثم تتركها تتنفس هواءً ملوثاً بالأنين .
تمطر …
وهي مازالت منذ سبعة أيام تذرع حجرتها ذهاباً وإيابا ويدها تتلمس حانية بطنها المنتفخ . تمسك التقويم بين يديها . تفتش فيه عن يوم ما … يوم كانت تنتظره وعمر بفارغ الصبر .
- عدني يا عمر بان تعود وتخيب رؤاي .
- أعدك باني سأعود … وسأخرج من هنا .
وأشار إلى بطنها .
تحس أن صدرها حقل سنابل يغزوه الجراد ، وأنها مكبلة إلى كرسي خفي. وغراب اسود ينقر كتفيها … ينقر أهدابها … يدمي وجهها ، وهي عاجزة عن الحراك . جرس الهاتف يجلجل في أركان المنزل . قلبها يخفق كجناحي طائر حبيس فتح أمامه باب القفص . ترفع السماعة . قلبها ينطق قبل لسانها :
- عمر …
- حنان أنا علي … هل من خطب ؟!
تقضم أظفارها بقلق … وبيدها الأخرى تتحسس الأرض التي كانت بوراً… وفجأة – بعد سبع سنوات من الانتظار – ستطرح أول ثمارها . تشعر بشيء ينبض … يتحرك … يتمطى في أحشائها . تسند رأسها إلى جدار شرفة عمر ، وتظل ترقب أوراق الأشجار وهي تحتضن القطرات ، وترقص على إيقاع مزاميرها . تغيب مع أحلامها لتستحضر صورة عمر :
- هل ستتأخر ؟
- عشرة أيام وأعود … سأطلب إجازة . لا داعي للقلق .
- كيف لا اقلق والحرب تكاد تستعر ! وهذا الذي انتظرناه سبع سنوات …
تصمت . قبلها ثم همس في أذنها :
- ثقي بي .
مازال صدرها ينبض بحنانه ، لكنه سيعود . قلبها مرتاب من صوت مجهول ، لكنها تثق به . تخرج بدلته الكاكي . تشمها … ثم تدفن وجهها في طيات سترته . قال لها قبل أن يسافر :
- أنها متسخة وبحاجة إلي الغسل والكي .
لكنها أبقتها من دون غسيل . وها هي تحتضنها وتشم رائحته . تلمح علياً من خلف السور . تنزل السلم الطويل . تتوقف في منتصفه وهي تمسك بالإفريز . ألم حاد في بطنها . شيء ما يحاول أن يمزق أحشاءها ليخرج . تبتلع صرخاتها وتجلس على درجات السلم . أنفاسها تضيق . تصرخ :
- عمر …
تراه يعدو في الخندق الطويل … رأسه محني قليلاً … وهي تعدو وراءه في الممرات المكسوة بالبياض ، والعرق يتفصد من جبينها … وكلما حاولت الوصول أليه يضيع منها في خندق أخر . نور صاخب يغشى عينيها … تتمتم بأنفاس متقطعة :
- عـ… مـ ... ر ….. عـ... مـ ... ر .
صراخ ناعم يمزق صمت الحجرة البيضاء … تلمح علياً حاملاً بيده الأيقونة وخلفه يتمدد عمر ... وعلى وجهه ارتسمت ابتسامة عريضة ... وفي صدره من ناحية القلب يلوح ثقب صغير دامٍ .
وانه يأتيهم كل مساء …
متشحاً بالسواد …
ممتطياً صهوة فرس بيضاء .
حاملاً بيمينه سيفاً يومض كالبرق .
وان لحوافر فرسه وقع طبول الحرب .
[/rainbow]

[rainbow]ثقـبُ صغــيرُ دامٍ
مروة سامي الحساني
marwa7sami@yahoo.com
[/rainbow][align=center][/align]

تمزق صرخة حنان سكون الحجرة الغارقة في العتمة . يفيق عمر من نومه فزعاً . يضيء الأنوار . ينظر إلى وجه حنان الذي يتفصد عرقاً . تتسع عيناها الخضراوان وهي تراه يمعن النظر فيها ويحاول أن يستقرئ الأمر .
- هل راودك ذات الحلم ؟
- …
تدير وجهها ناحية الجدار وتجهش بصمت .
- حنان ..!
ترمي نفسها بين ذراعيه وتهمس باكية :
- ضمني إليك … ضمني .
يضمها إلى صدره العريض بحنان ترتعش له هلعاً .
انقضى أسبوعان والحلم – مازال – يتغذى من دمها . ترى عمر – كل ليلة – ينسل من بوابة قصره متشحاً بالسواد … وممتطياً صهوة فرس بيضاء . يدخل – زاحفاً – إلى ارض مسيجة باسلاك شائكة . يحمل تحت مئزره سيفاً يومض كالبرق . يذبح به الكثير من الضباع ، ثم يسحبها إلى الخارج ويرمي بها إلى غياهب جب معتم ، ثم فجأة يغدو المنظر مشهداً خرافياً . ترى بحيرة ماء عذب . تجلس حولها سبع فتيات يرتدين البياض . وجوههن بلا ملامح … لكنهن جميلات . يختفي المشهد خلف ضباب كثيف . يخرج من وسطه أخوها علي . يحمل بيده أيقونة – اعتاد عمر أن يعلقها برقبته – منقوش عليها اسمه . يتلاشى الضباب لترى عمر ممدداً على الأرض – وهو يرتدي بدلته الكاكي – وفي صدره من ناحية القلب يلوح ثقب صغير دامٍ .
تمطر …
تمطر نبالاً تخترق جلدها . تدور في الحجرات هلعة ، تشرع الأبواب والنوافذ وتترك للريح والمطر حرية العبث بها . تفتح الدواليب والأدراج المقفلة، ثم تتركها تتنفس هواءً ملوثاً بالأنين .
تمطر …
وهي مازالت منذ سبعة أيام تذرع حجرتها ذهاباً وإيابا ويدها تتلمس حانية بطنها المنتفخ . تمسك التقويم بين يديها . تفتش فيه عن يوم ما … يوم كانت تنتظره وعمر بفارغ الصبر .
- عدني يا عمر بان تعود وتخيب رؤاي .
- أعدك باني سأعود … وسأخرج من هنا .
وأشار إلى بطنها .
تحس أن صدرها حقل سنابل يغزوه الجراد ، وأنها مكبلة إلى كرسي خفي. وغراب اسود ينقر كتفيها … ينقر أهدابها … يدمي وجهها ، وهي عاجزة عن الحراك . جرس الهاتف يجلجل في أركان المنزل . قلبها يخفق كجناحي طائر حبيس فتح أمامه باب القفص . ترفع السماعة . قلبها ينطق قبل لسانها :
- عمر …
- حنان أنا علي … هل من خطب ؟!
تقضم أظفارها بقلق … وبيدها الأخرى تتحسس الأرض التي كانت بوراً… وفجأة – بعد سبع سنوات من الانتظار – ستطرح أول ثمارها . تشعر بشيء ينبض … يتحرك … يتمطى في أحشائها . تسند رأسها إلى جدار شرفة عمر ، وتظل ترقب أوراق الأشجار وهي تحتضن القطرات ، وترقص على إيقاع مزاميرها . تغيب مع أحلامها لتستحضر صورة عمر :
- هل ستتأخر ؟
- عشرة أيام وأعود … سأطلب إجازة . لا داعي للقلق .
- كيف لا اقلق والحرب تكاد تستعر ! وهذا الذي انتظرناه سبع سنوات …
تصمت . قبلها ثم همس في أذنها :
- ثقي بي .
مازال صدرها ينبض بحنانه ، لكنه سيعود . قلبها مرتاب من صوت مجهول ، لكنها تثق به . تخرج بدلته الكاكي . تشمها … ثم تدفن وجهها في طيات سترته . قال لها قبل أن يسافر :
- أنها متسخة وبحاجة إلي الغسل والكي .
لكنها أبقتها من دون غسيل . وها هي تحتضنها وتشم رائحته . تلمح علياً من خلف السور . تنزل السلم الطويل . تتوقف في منتصفه وهي تمسك بالإفريز . ألم حاد في بطنها . شيء ما يحاول أن يمزق أحشاءها ليخرج . تبتلع صرخاتها وتجلس على درجات السلم . أنفاسها تضيق . تصرخ :
- عمر …
تراه يعدو في الخندق الطويل … رأسه محني قليلاً … وهي تعدو وراءه في الممرات المكسوة بالبياض ، والعرق يتفصد من جبينها … وكلما حاولت الوصول أليه يضيع منها في خندق أخر . نور صاخب يغشى عينيها … تتمتم بأنفاس متقطعة :
- عـ… مـ ... ر ….. عـ... مـ ... ر .
صراخ ناعم يمزق صمت الحجرة البيضاء … تلمح علياً حاملاً بيده الأيقونة وخلفه يتمدد عمر ... وعلى وجهه ارتسمت ابتسامة عريضة ... وفي صدره من ناحية القلب يلوح ثقب صغير دامٍ .

تعليق