الضاحي ، رجل في منتصف الثلاثين من عمره ، جاء في مطلع شبابه من أقاصي الصعيد إلى القاهرة
يبحث عن عمل ، لعله يستطيع أن يرفع به عن كاهل أبيه بعضا من أعباء الحياة ، فعمل في مهنة المحارة وظل يعمل بها سنوات طويلة حتى استطاع توفير قوت يومه ، ثم ما لبث أن دوام على إرسال مبلغا من المال لوالديه شهريا ، ثم ما لبث أن تزوج وأنجب ولدين ، أقسم إلا أن ينالا حقهما في التعليم حتى يتخرج أحدهما أو كلاهما معا مهندسين في البناء يشار لهما بالبنان ، وقد أكسبت مهنة الضاحي هذه قوة في جسده وقوة في شخصيته وقوة في تحمله ، وتناغمت هذه القوى مع صلابة في بعض فكره وتحجر في بعض قراراته ، ليشكل ذلك جميعه شخصية متجهمة تدعمها لحية كثة سوداء تغطي نصف وجهه فتثير الخوف في نفس من لا يعرفه ، وذلك على الرغم مما تلمسته منه في بعض تصرفاته من شهامة ورقة وحنانا .
سافرت مع الضاحي ذات مرة إلى بلدته بالصعيد لنعاين مع خبير انتدبته المحكمة قيراطين من قطعة أرض يتنازعهما مع بعض أبناء عمومته ، وعندما اقتربنا من الأرض المتنازع عليها ، وجدنا خصومه يقفون في الأرض المتنازع عليها منتظرين الخبير للمعاينة ، فتصور أنهم ينتظرونه تربصا به وترصدا للفتك به ، فاحمرت عيناه وانتفخت أوداجه وانتفضت عروقه واستشاط غضبا وهم أن يبدأ هو بالفتك بهم ، وبعد جهد جهيد أقنعته بأنهم لا يريدون به سوءا ، إنما هم خصومه في الدعوى ينتظرون مقدم الخبير على ضوء الموعد الذي حدده لهم بالجلسة السابق ولا بد من انتظارهم له بالأرض على هذا النحو..
ومرت المعاينة بسلام وعدنا بالقطار إيابا إلى القاهرة ، فكان بيننا هذا الحوار
- قلت له :- أنت يا أخي ضاحي دائما مندفع وسريع الغضب ، على الرغم من أن الله تعالى أمر بكظم الغيظ والعفو عن الناس ، وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بعدم الغضب وأنت رجل سني وملتزم
قال :- منذ أكثر من خمس وعشرين عاما كنت أسير مع أبي وعمي ليلا في قلب الحقول ، ففوجئنا برجل ملثم يخرج من بين الزراعات قاصدا عمي لينهال عليه بوابل من الرصاص فيرديه قتيلا ، فجريت أنا وأبي هربا وخوفا من هول المفاجأة ، ثم لما اطمئن أبي إلى أن المكان أصبح خاليا ، عاد إلى أخيه وانحنى إليه يضمه إلى صدره ويقبل جبينه ويسبل عينيه ، ثم فوجئت به يهمس في أذنه ويقول له :-
" تستاهل لأنك جبان ، طول عمرك خايف من الجتل والتار لغاية مااتجتلت
فقلت له :- وما معنى هذا ؟.
قال :- ظلت هذه الكلمات ترن في أذني في يقظتي ومنامي ، ولم أدرك معناها إلا بعد أن أشتد عودي وقوي ساعدي ، فعرفت أن الخوف يؤدي إلى الموت ، فمن الخوف تعلمت أن أكون قويا
.قلت :- الحياة ليست معركة فيها قاتل ومقتول .
قال : - كيف ؟ لو لم أكن قويا لأكل أبناء عمي أرضي وأرض أبي وميراثه عن أبوه وأجداده
قلت :- القوة ليست في الجسد والعنف ، بل في القانون والشرعية
فضحك بقوة ثم قال ، خلاص ياعم أنت القانون وأنا القوة ، ولا أنت ناوي تسيبني .
فاعتدلت في مقعدي وقلت له ضاحكا ، أبدا معاك لغاية ما ناخد التار ،
ولم يمر أسبوع حتى فوجئت بالضاحي يطرق باب بيتي في يوم جمعة في ساعة ضحى ، ولم يكن من عادتي استقبال أي موكل في بيتي ، فانقبض قلبي وتوجست شرا ، ففتحت الباب فاندفع داخله وقد بدا عليه الجهد والإرهاق والتعب ، فقلت له مالك ، قال أعطني ماء ، فأعطينته ماءا فشرب كمن لم بشرب ماءا من قبل ، فإذا به طفلا يبكي بدموع غزيرة تتساقط زخات كقطرات من مطر متلاحقة ، مع نحيب وأهات مكتومة كمواء قطة في ليل داكن وشتاء قارص .
وبعد أن هدأ قليلا قال:-
عدت منذ ساعة إلى بيتي بعد يومين متصلين من عمل شاق ، فاستقبلتني زوجتي ببكاء وصياح ، وقالت لي " الراجل اللي تحت نزل في البت ضرب علشان رشت شوية ميه على ابنه احمد "، فنزلت له كي أعاتبه ،
فقال لي :-" ايوه يا سيدي ضربتها علشان شقاوتها ، انت يعني يرضيك ترش ع الواد .." ولم يكمل الجملة حتى انهلت عليه ضربا أفقده الوعي .
، ثم صعدت إلى شقتي لكي أغتسل وأستعد لصلاة الجمعة ، ففوجئت به بعد فنرة طويلة يزعق من أسفل البيت ويصيح " انزلي يا بن كذا ويابن كذا " ، فنزلت له وكنت قد اغتسلت وتوضئت ونازل طبيعي للصلاة ، فوجدت في يده ازازة يريد أن يضربني بها ، فأخذتها منه وضربته بها على رأسه فسقط غارقا في دمه ، ثم جئت إليك لأن أنا خايف يكون جرى له حاجة .
صمت بقوة كما كان يفعل هو كل شيء بقوه ، كلامه ، صمته ، ضحكته ، نظرته ، الان آن دوري لأتمثل شيئا من قوته وصلابته ، وإن لم يكن لهذا التمثل موضع الان ، حيث الضعف باد على وجهه وظاهر في نبرات صوته وسواد لحيته ، ولكني لم استطع أداء هذا الدور أو تقمص هذه الشخصية ، لعدم صلاحيتي له . ففاجأته بقولي له :- اذهب وسلم نفسك "
فقال :- ليه ؟ دي عاركة وهو اللي كان عاوز يضربني
قلت :- الراجل مات يا ضاحي .
فسلم الضاحي نفسه وحكم عليه بالسجن سبعة سنوات بعد أن كيفت المحكمة الواقعة ضرب أفضى إلى موت بدلا من تكييف النيابة لها قتل عمد ،
قضى الضاحي العقوبة ثم خرج ليجد أبوه فقط في استقباله بالأحضان والدموع
معا ، وليجد في ذات الزمان والمكان وموعد الانتظار شاب صغير تنشق عنه الأرض يقترب منهما ، فيطلق طلقة نارية واحدة تستقر في قلب الضاحي ، وتكشف الأيام عن أن هذا الشاب ، هو الولد الذي ضربته ابنة الضاحي ، راحت أمه تعد له الساعات والدقائق والثواني ، وتطعمه وتسقية ثائرا وانتقاما ، وأرسلته إلى أعمامه بأقاصي الصعيد ، يعلموه ويدربوه على شيء واحد ، وواحد فقط لا غيره ، هو أن يطلق طلقة واحدة من بندقيته ثم يهرب ، حتى قوي الولد واشتد عوده ووعى الدرس والعلم وأطلق طلقته ،
فسقط الضاحي مضرجا في دمه ، وقبل أن يلفظ أنفاسه الأخيرة ، انحنى إليه أبوه يضمه إلى صدره ويقبل جبينه ويسبل عينيه ، وهم أن يتكلم ، فرفع الضاحي يده إلى فمه أبيه يريد منه السكوت ، فسكت الأب ، وفهم أن الضاحي لم يكن يوما ما خائفا ، لا من القتل ولا من التار
سافرت مع الضاحي ذات مرة إلى بلدته بالصعيد لنعاين مع خبير انتدبته المحكمة قيراطين من قطعة أرض يتنازعهما مع بعض أبناء عمومته ، وعندما اقتربنا من الأرض المتنازع عليها ، وجدنا خصومه يقفون في الأرض المتنازع عليها منتظرين الخبير للمعاينة ، فتصور أنهم ينتظرونه تربصا به وترصدا للفتك به ، فاحمرت عيناه وانتفخت أوداجه وانتفضت عروقه واستشاط غضبا وهم أن يبدأ هو بالفتك بهم ، وبعد جهد جهيد أقنعته بأنهم لا يريدون به سوءا ، إنما هم خصومه في الدعوى ينتظرون مقدم الخبير على ضوء الموعد الذي حدده لهم بالجلسة السابق ولا بد من انتظارهم له بالأرض على هذا النحو..
ومرت المعاينة بسلام وعدنا بالقطار إيابا إلى القاهرة ، فكان بيننا هذا الحوار
- قلت له :- أنت يا أخي ضاحي دائما مندفع وسريع الغضب ، على الرغم من أن الله تعالى أمر بكظم الغيظ والعفو عن الناس ، وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بعدم الغضب وأنت رجل سني وملتزم
قال :- منذ أكثر من خمس وعشرين عاما كنت أسير مع أبي وعمي ليلا في قلب الحقول ، ففوجئنا برجل ملثم يخرج من بين الزراعات قاصدا عمي لينهال عليه بوابل من الرصاص فيرديه قتيلا ، فجريت أنا وأبي هربا وخوفا من هول المفاجأة ، ثم لما اطمئن أبي إلى أن المكان أصبح خاليا ، عاد إلى أخيه وانحنى إليه يضمه إلى صدره ويقبل جبينه ويسبل عينيه ، ثم فوجئت به يهمس في أذنه ويقول له :-
" تستاهل لأنك جبان ، طول عمرك خايف من الجتل والتار لغاية مااتجتلت
فقلت له :- وما معنى هذا ؟.
قال :- ظلت هذه الكلمات ترن في أذني في يقظتي ومنامي ، ولم أدرك معناها إلا بعد أن أشتد عودي وقوي ساعدي ، فعرفت أن الخوف يؤدي إلى الموت ، فمن الخوف تعلمت أن أكون قويا
.قلت :- الحياة ليست معركة فيها قاتل ومقتول .
قال : - كيف ؟ لو لم أكن قويا لأكل أبناء عمي أرضي وأرض أبي وميراثه عن أبوه وأجداده
قلت :- القوة ليست في الجسد والعنف ، بل في القانون والشرعية
فضحك بقوة ثم قال ، خلاص ياعم أنت القانون وأنا القوة ، ولا أنت ناوي تسيبني .
فاعتدلت في مقعدي وقلت له ضاحكا ، أبدا معاك لغاية ما ناخد التار ،
ولم يمر أسبوع حتى فوجئت بالضاحي يطرق باب بيتي في يوم جمعة في ساعة ضحى ، ولم يكن من عادتي استقبال أي موكل في بيتي ، فانقبض قلبي وتوجست شرا ، ففتحت الباب فاندفع داخله وقد بدا عليه الجهد والإرهاق والتعب ، فقلت له مالك ، قال أعطني ماء ، فأعطينته ماءا فشرب كمن لم بشرب ماءا من قبل ، فإذا به طفلا يبكي بدموع غزيرة تتساقط زخات كقطرات من مطر متلاحقة ، مع نحيب وأهات مكتومة كمواء قطة في ليل داكن وشتاء قارص .
وبعد أن هدأ قليلا قال:-
عدت منذ ساعة إلى بيتي بعد يومين متصلين من عمل شاق ، فاستقبلتني زوجتي ببكاء وصياح ، وقالت لي " الراجل اللي تحت نزل في البت ضرب علشان رشت شوية ميه على ابنه احمد "، فنزلت له كي أعاتبه ،
فقال لي :-" ايوه يا سيدي ضربتها علشان شقاوتها ، انت يعني يرضيك ترش ع الواد .." ولم يكمل الجملة حتى انهلت عليه ضربا أفقده الوعي .
، ثم صعدت إلى شقتي لكي أغتسل وأستعد لصلاة الجمعة ، ففوجئت به بعد فنرة طويلة يزعق من أسفل البيت ويصيح " انزلي يا بن كذا ويابن كذا " ، فنزلت له وكنت قد اغتسلت وتوضئت ونازل طبيعي للصلاة ، فوجدت في يده ازازة يريد أن يضربني بها ، فأخذتها منه وضربته بها على رأسه فسقط غارقا في دمه ، ثم جئت إليك لأن أنا خايف يكون جرى له حاجة .
صمت بقوة كما كان يفعل هو كل شيء بقوه ، كلامه ، صمته ، ضحكته ، نظرته ، الان آن دوري لأتمثل شيئا من قوته وصلابته ، وإن لم يكن لهذا التمثل موضع الان ، حيث الضعف باد على وجهه وظاهر في نبرات صوته وسواد لحيته ، ولكني لم استطع أداء هذا الدور أو تقمص هذه الشخصية ، لعدم صلاحيتي له . ففاجأته بقولي له :- اذهب وسلم نفسك "
فقال :- ليه ؟ دي عاركة وهو اللي كان عاوز يضربني
قلت :- الراجل مات يا ضاحي .
فسلم الضاحي نفسه وحكم عليه بالسجن سبعة سنوات بعد أن كيفت المحكمة الواقعة ضرب أفضى إلى موت بدلا من تكييف النيابة لها قتل عمد ،
قضى الضاحي العقوبة ثم خرج ليجد أبوه فقط في استقباله بالأحضان والدموع
معا ، وليجد في ذات الزمان والمكان وموعد الانتظار شاب صغير تنشق عنه الأرض يقترب منهما ، فيطلق طلقة نارية واحدة تستقر في قلب الضاحي ، وتكشف الأيام عن أن هذا الشاب ، هو الولد الذي ضربته ابنة الضاحي ، راحت أمه تعد له الساعات والدقائق والثواني ، وتطعمه وتسقية ثائرا وانتقاما ، وأرسلته إلى أعمامه بأقاصي الصعيد ، يعلموه ويدربوه على شيء واحد ، وواحد فقط لا غيره ، هو أن يطلق طلقة واحدة من بندقيته ثم يهرب ، حتى قوي الولد واشتد عوده ووعى الدرس والعلم وأطلق طلقته ،
فسقط الضاحي مضرجا في دمه ، وقبل أن يلفظ أنفاسه الأخيرة ، انحنى إليه أبوه يضمه إلى صدره ويقبل جبينه ويسبل عينيه ، وهم أن يتكلم ، فرفع الضاحي يده إلى فمه أبيه يريد منه السكوت ، فسكت الأب ، وفهم أن الضاحي لم يكن يوما ما خائفا ، لا من القتل ولا من التار
تعليق