ثلاثية مملكة العزلة (2) أرض النبوءات ..

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • أحمد ضحية
    أديب وكاتب
    • 10-05-2010
    • 121

    ثلاثية مملكة العزلة (2) أرض النبوءات ..

    إلى روح جدتي جادينة جانو ,
    حنين دائم لتلك الليالي المقمرة ,
    و نحن نغرق على رشفات الحليب الدافيء..
    في حكاياتها المترعة بالشجن عن : الوادي
    والأمكنة والليل والقمر والمطر ..
    أحمد

    القسم الأول :

    i
    حدق "أبو جريد" عميقا في عيني "مسك النبي" . يحاول أن يمسك ببصره ,رموش عينيها اللتين أنكفأ جفناهما ,على الأفق السحيق..
    انطويا على الطبيعة., التي بدأت تتغير حولهما . بدت السماء الزرقاء معتمة ,والصمت الذي يسبق العاصفة .,يخيم شيئا فشيئا ,منذرا بدوامة ,من أحاسيسهما., وأحاسيس الوادي ,التي تشد كل شيء بعيدا , بعيدا..
    دنا منها قليلا , فلم تحرك ساكنا . كانت إحدى كفيها على حجرها , وكفها الأخرى تنبش الرمل حينا , وتخط عليه خطوطا وأشكالا متوترة , حينا أخر.
    كانت السماء حولهما قد أظلمت تماما , وأوحى الجو بنذر عاصفة , بدأت تتشكل داخلهما . أخذت الريح تهب خفيفة ,ولا تخلو من ذرات الغبار العالقة في الهواء , ثم أخذت تشتد وتقوى , وقد بدى صوت تساقط أوراق الشجر الجافة ,والأغصان اليابسة الهشة ,واضحا ,يطرق أذنيهما كسندان .
    نهض أبو جريد . أمسك بمسك النبي من وسطها , يجذبها إليه, ليحتميا تحت شجرة قمبيل هرمة .
    أخذت البروق والرعود تضيء الدغل بلمع خاطف , متقطع بين حين وآخر, ثم توالت الرعود تصم الآذان , ومع أول رعدة داوية ,انكفأت مسك النبي, في أحضان أبو جريد كطفلة صغيرة مذعورة ..
    كأنها لم تعد مسك النبي .. تلك الفتاة المتوحشة ,التي عاشت الوحدة والوحشة ,بهذا القفر لوقت طويل ,فمنذ دخل أبو جريد عالمها ,تغيرت عاداتها .,وانقلبت حياتها رأسا على عقب , فلم تعد هي ..هي ذاتها ...
    اختبأت عميقا في أحضانه , وهو يربت على ظهرها بلطف , وكلما أشتد الرعد التحمت به أكثر ..
    كان ذلك محض ذكرى بعيدة., لا تفتا تداعب خواطر الأشرمين ., منذ انتقلت والدتهما مسك النبي, إلى الجانب الأخر من الهاوية , فشيدا لها ضريحا في "دريب الريح" .,وغادرا المكان إلى "دار صباح" ,في الوقت ذاته الذي كانت جيوش (دار الريح ودار صباح ,والصعيد والسافل )المتحالفة تدهم "بلدة الأرباب" .
    اجتاحت الجيوش المتحالفة بلدة الأرباب, بعد أن أسقطت كل حواضرها., واحدة تلو الأخرى., ذات فجر غريب ,بدا غامضا منذ لحظة انبلاجته الأولى .فجر بدا منذرا بحوادث وصروف .,لم تخطر على بال "أبو جريد" ذاته طيلة حياته, التي أنفقها في تأمل النظام والكون .,وسلطة الجسد العاري. لتتكلل حياته في النهاية , بالقتل مسموما بسم ثعبان"أبو الدرق" القاتل..
    هكذا انتهت مسيرته العامرة بالحيوية., والقلق والتوتر والحكايات العاطفية التي لم تتم, على نحو مأساوي - كان متوقعا منذ وقت طويل ,لكنه تأخر كثيرا - ظل يثير الريبة ,لوقت طويل ,ولم يجد له الكلس تفسيرا منطقيا ,يتسق وتسلسل وقائع علاقته بالارباب كما ,كما دونها دبك في مدوناته الملفقة!..
    فأبو جريد ببصيرته الماكرة. كان يريد صياغة "بلدة الأرباب", على نحو كوني ,يجابه به تلك التطورات التي أدت في "دار صباح" إلى إستعمار الناس, واستيراد المزيد من الجماعات الإثنية إلى أسواقها ,دون تقسيم محدد أو واضح للعمل ,أو إعطائهم الحريات الكافية , التي تمكنهم من أن يكونوا ذاتا كغيرهم .,في مجتمع دار صباح المنغلق ,الفج إلى حد الرثاء.
    لذا كان أبو جريد يتصور بلدة الأرباب كمشروع كوني ,يقوض الأسس التي نهضت عليها دار صباح, و توابعها في مشرق الشمس ومغيبها وصعيد النهر وسافله..
    هدمت الجيوش المتحالفة كل بيوت البلدة ,ووضعت الأرباب العجوز الماكر في خازوق, تحت "عرديبة الدود ", بعد أن عرته و اقتلعت عينيه من رأسه .
    أحرق جيش المتحالفين مع الهلاليين بيت الأرباب وقبته , التي كانت وقتها ترقد داخلها "تاجوج" طفلة "ود النمير" .
    وبعد أن خوزقوا الأرباب ,وأحرقوه .مضوا فاحرقوا "عرديبة الدود" ,التي إجتثوها من عروقها . وردموا الأودية الثلاثة , ولم يبقوا حتى على مفرقها , وأحرقوا الدغل المتكاثف في "عرين الوحوش" .
    وهكذا أصبحت كل أرض البلدة جرداء , كأن بلدة الأرباب لم تكن يوما , واقعا متجسدا !!.
    فعلوا كل ذلك في لمح البصر. وكأن جنودا من الجن تحارب, وتخرب وتحرق معهم .ثم قتلوا كل الرجال .ولم يأخذوا معهم أي غنائم أو أسلاب,سوى غطاء الكنداكة ورحط عرسها بأحد حواريي المسيح -كما زعمت مدونات دبك - وبعض النساء الجميلات .
    كانوا وهم منسحبون بالنساء الأسيرات, حريصون ,على إحراق كل ما نسوا إحراقه , أو لم تصله نيران الحرائق, التي أشعلوها في كل أركان البلدة .
    وهناك عند منتهى "دريب الريح" ,حيث مقام "مسك النبي" العرافة العجوز., صاحبة القهوة , أوقفوا حشودهم , لتقسيم الأسيرات بين جيوشهم المتحالفة .
    ولجمال فاطمة السمحة الفتان اختلفوا عليها., اختلافا كاد يفضي إلى سفك الدماء بينهم , إذ كل فريق منهم ,أرادها أن تكون من نصيبه .
    فنهض عمدة "الصعيد" و"السافل" , وانتحيا ركنا قصيا يتشاوران . جاءا بعدها مع بعض فرسان الهلاليين ودارالريح, ونادا بفاطمة من بين صفوف الأسيرات , فلما اقتربوا منها .,طعنوها طعنة رجل واحد,في ثمرة الفؤاد تماما!.
    ماتت فاطمة السمحة- وربما لم تمت, فقد رآها الجميع تحلق فوق رؤوسهم, ولا يزال دمها دافئا ,ينقط على وجوههم المذهولة- واندثرت بلدة الأرباب, التي أبدا لم تكن يوما مكانا دافئا., يأوي إلى حضنه الأهالي .. فهي بلدة مضعضعة. شيدت من الدم والدموع .,وأوهام جانو قرمط كأحد اكبر كوابيس الغربة والحنين .
    وبعد عشرات السنين .,ستنهض مكانها بلدة أخرى , تستمد أسباب وجودها من ذاكرة المكان , حيث كانت الأرباب يوما,يمضي فيها التاريخ على نحو دائري ,فتتكرر الأحداث والشخصيات والوقائع ..
    بلدة الأرباب مع ذلك نهضت في النظام ,محتشد الموارد والقدرة الباطشة ..النظام الغني إلى حد الفشل والإخفاق وإثارة الرثاء أو السخرية ..
    فكان من الطبيعي, ألا توجد موارد معارضيه إلا داخله , غير أن الأرباب كبلدة مركزية - لا بالنسبة إلى حواضرها فحسب, بل هي متمركزة حتى بالنسبة للديار الأخرى- عملت على إلا يكون ثمة ما هو خارج لها, إلا بقدر ما يمكن أن يكون في الديار الأخرى, التي تطمح للاستيلاء عليها , ولذلك رغم سطوتها على أهالي الأرباب ,كانت سلطتها خفية لا ترى , إلى درجة الزعم بأن لا وجود لها البتة !!...
    ذلك أن الأرباب – إستلهاما لافكار أبو جريد وجانو قرمط من قبل - جعل خيطا رفيعا وحسب :هو الذي يفصل بين هيمنته ,وحرية أهالي الأرباب , فلم يستشعر أحد,أي شكل من أشكال المركزية ,في بلدة الأرباب رغم المشاعر الغامضة, التي تتناهبهم,بان بهذه البلدة ثمة أمر غريب..غير مألوف . يضرب سياجا من الرقابة, على كل شيء حولهم .
    بعد عشرات السنين , ستنهض مكان هذه البلدة المسماة "بلدة الأرباب" .,بلدة أخرى باسم آخر - لا يزال في رحم الغيب,أو أن ذاكرة النسيان طوته - لكن سيظل دائما محور تفكير العابرين, بذاكرة الأرباب ,هو تلك المرحلة المهمة ,من تاريخ الجغرافيا التي نهضت فيها البلدة , و مراحل الحياة المتعاقبة على هذه الجغرافية , حيث يتوقفون - هؤلاء وأولئك العابرون على ذاكرة الأرباب-عند مرحلة بلدة الأرباب ذاتها , هذه المرحلة الوسيطة,المعزولة والغامضة .,من تاريخ البلاد الكبيرة , التي تعتبر الأرباب جزء ضئيلا جدا منها . وهكذا يظلون يطرحون أسئلتهم العديدة ,دون أن يحصلوا على إجابة واحدة مؤكدة .
    سوى أن هذه الجغرافية., المدعوة بالأرباب, تنهض الحياة فيها وتندثر , ثم تنهض مرة أخرى نابضة بالحياة , وهي تحمل اسما .,غير الذي حملته عبر آلاف السنين , اسم "بلدة الأرباب" , برجالها الذين يتسمون بوسامة خبيثة , ونسائها ذوات الجمال الشرير , وأرواح سكانها . كل سكانها ..أرواحهم المسمومة ...
    لم تكن بلدة الأرباب قد فرغت بعد., من بناء نفسها كأمة واحدة , عندما بدا العالم الذي يمدها بأسباب البقاء يهتز ثم ينهار .. لم تكن قد فرغت من تشبيك نفسها كأمة واحدة , من هذا الخليط غير المتجانس , الذي يكوِّنها : خليط الأرقاء والمنبتين والجواري والمجرمين وما تبقى من أتباع جانو قرمط , الذين افلتوا من قبضة سلطان "دار الريح" و"الصعيد" و"السافل" و"دار صباح". هؤلاء الذين توافدوا من كل هذه الأماكن , وشكلو الخليط, الذي كوَّن النسيج الإجتماعي., لبلدة الأرباب . كانوا مهدمين في داخلهم , إذ إمتلأت جوانحهم بالشروخ والإنهتاكات , ولذلك لم تتسم بهم بلدة الأرباب بالخلود ,كالنقش الذي على ُجدُر كهوف "عين فرح" أو "البر كل" ,أو معبد الكبش بوهين .
    لم تتسم الأرباب بالخلود ,كالحضارات التي تعود لآلاف السنين , فقد كانت بلدة مضعضعة , غير مستقرة , مأساوية الطابع , يعصف بها الشقاق والحنين , ولذلك فان كل شيء فيها, كان عابرا وهشا,وغير موثوق تماما! ..
    ليس ثمة رسوخ يسم أي نوع من أنواع الحياة فيها : لا زواحفها أو طيورها وحيواناتها, وكائناتها المائية ولا إنسانها ,. كل شيء فيها كان سريع العطب ,وعرضة للفناء على نحو غير مألوف .. حياته قصيرة , سريعة التبدد والزوال.
    فالأرباب ليست حضنا يتم الإيواء إليه بحميمية , وليست وطنا يلتمس فيه الدفء., فهي محض مكان مضعضع .,ومبهم وغامض , شيد من عجين دم "أبو جريد" الصغير , وذكريات الخيانة والهروب ...
    - تاريخ الأرباب هو تاريخ الغزوات التي تعرضت لها !.
    تنهد أبو جريد بعمق وهو يلقي بكلماته الأخيرة , محاولا تقيؤ السم من أحشاءه .
    هكذا إذن كانت الأرباب, غريقة في ظلمة غير محسوسة , ظلمة تلف روح أبو جريد المغادرة للحاق بأسلافه ,بغلالة خشنة., شكلت من فلسفته ونمط الحياة والعمل., وطريقة الرؤية للأشياء ,والاندماج في المجتمع ..الرؤية التي أرادها للأرباب يوما..ليرتاح أخيرا من كل عذابات هذه الحياة, الأشد قسوة من الموت!..
    هذه الغلالة الخشنة غير المحسوسة كظلمة الأرباب , هامت بروح أبو جريد إلى كهفها السحري . المرعب ,بظلماته التي بعضها فوق بعض,لتضع هذه الروح المعذبة بين زراعي أبي جريد الكبير وجانو قرمط . تاركة جثمانه ,للأرباب ,ليضعه في مثواه الأخير, عند عرديبة الدود.
    الأرباب التي أرادها أبو جريد , ليست مجرد بلدة , فهي حالة انتماء إلى نمط جديد في الحياة ,حيث تختلط الشعوب وتتقارب الإثنيات , وحيث يمكن للمرء أن يولد من جديد . أنه العالم الجديد ,الذي نهضت على أنقاضه أخر الممالك القديمة , في مواجهة البلاد الكبيرة- التي يقودها هلاليون دارصباح- ذات الوجه التاريخي الموغل في القدم .
    فالأرباب هي نموذج مختصر , وكون مصغر ,عن كل البلاد الكبيرة . والأرباب نفسه الذي أسسها بمساعدة أبو جريد , كان يدرك الطابع المؤقت .,والسريع العطب لحياة بلدته . ولم يستطع التوصل أبدا للأسباب., التي تقف خلف هذه المشكلة .
    ولكن لم يكن ثمة شيء يمنعه من دفع الأهالي, للأخذ بهذه الحياة المؤقتة., حتى النهاية ,فقط أن يأخذوا منها في إطار طوائفهم .,التي تمثل نظام تفكير الأرباب المعدل .,عن جوهر فلسفة جانو قرمط وأبو جريد ...
    عندما أشتد ساعد الأرباب بهذه البلدة , بمساعدة أبو جريد ,وتجمع الفارين من مغارب الشمس ومشارقها ,ومهبط النهر الكبير وصعوده , وتجمعت طائفة أبو جريد الهاربة, من مشانق "القِبَل الأربعة" , ولاذوا بالأرباب .,- التي وقتها كانت فكرة للتو ,في خاطر أبو جريد -..
    كون الأرباب من كل هؤلاء وأولئك نواة جيشه , ووضع على بوابات البلدة, الناشئة لتوها حامياته .
    وهكذا بدأت معالم البلدة تتضح , كطموح لن يلبث أن يسفر عنه الغزو المتتالي., للصعيد والسافل ودار الريح ودار صباح . والاستيلاء على أراضي واسعة, باتت حواضر تابعة للأرباب العاصمة .
    بلدة الأرباب من دون كل بلدات البلاد الكبيرة ,ظلت غير مكتشفة من قبل علماء الجغرافيا والتاريخ, وموظفي الإحصاء وخطط السكان . وعلى الرغم من أن العديد من الرحالة الأجانب مروا بها .,ومكثوا فيها حينا من الدهر , وعاصروا فيها الكثير من الأحداث , حتى أن أحدهم روى – على ذمة دبك - :
    .." أنه في إحدى الشتاءات الغابرة .,جاء الفرنسيون والإنجليز والإيطاليون .,تحت قيادة المقدم "مول " والنقيب "كاريو فيقينشو"., قائد الفرقة السنغالية ,من جيش المستعمرات , إلى تخوم بلدة الأرباب - و التي حينها لم تأخذ هذا الاسم , فقد كانت وقتها حاضرة مملكة غابرة,لطالما عرفت بمارتجلو أو الشلال- جمع سلطان هذه المملكة جيوشه ,وأرسل للجيش الغازي يستفسره , لكن كاريو لم يرد , بل زحف إلى الوادي الأوسط , متوغلا شرق البلدة , بعد ذلك جره السلطان إلى الحرب , فقد أمر أتباعه ببناء"رواكيب" في الوادي, تحت شجرة جميز كبيرة , تقع على شط الوادي شرق البلدة .
    نظم السلطان جيشه من المحاربين .,حملة الحراب ,ثم كمنوا في أشجار الوادي ,ثم جاء فوقف محاربيه مستعدين للقتال, في صفين وسط مجرى الوادي .
    قال السلطان :
    - أنا أول من يطلق النار على هذا الكافر .
    حضر فينقيشيو مادا يده للمصافحة , وبدلا عن مصافحته أشار إليه السلطان , إلى "الرواكيب"تحت شجرة الجميز .ذهب كاريو فينقيشيو إلى"الراكوبة"., ودخلها فلم يرى سوى أرجل الطير ,ولم يكن هناك ما يدل على الضيافة , فخرج ورمى بقبعته أرضا ,وأمر جنوده بإطلاق النار ..
    وقبل أن يطلق الجنود النار ,أطلق عليه السلطان النار., فارداه قتيلا ,وهجم رجال السلطان بحرابهم ,على الجنود واعملوا فيهم قتلا , وطاردوهم حتى غرب الوادي , ولم ينج منهم سوى ثمانية .."...
    كانت هذه أول وآخر حروب هذه الحاضرة , إذ تمكن الإنجليز والفرنسيين والإيطاليين, من إبادة سكانها فيما بعد , وصارت مهجورة, إلى أن لجأ إليها "أبو جريد" مصطحبا الطفل الأرباب , فبدأت تدب فيها الحياة من جديد . بعد أن كانت مهجورة لعشرات السنين.
    المفارقة أن خرائط الرحالة., التي رسموها للبلاد الكبيرة ومدوناتهم ,أغفلت هذه الجغرافية , ولم تشر أبدا للموقع الساحر, لبلدة الأرباب أو تاريخها العريق .
    هذا التاريخ و الموقع الناهض في قلب العزلة ,بطبيعتها الملونة ,حيث يجتمع بريق النجوم .,مع صفاء سماء الظهيرة .هذه الطبيعة التي استمد منها "ود النمير" .,رفضه ,للوضع العبثي الذي صاغ عليه الأرباب البلدة .
    فود النمير عندما أحب " فاطمة السمحة" , كان كالخارج للتو من نفق , يتلمس حدود وعيه الكامن ,ويتحسس حدود العالم., الذي سجنه فيه الأرباب ,فحول حياته بذلك إلى حلقة مفرغة . اللحظة التي أحب فيها ود النمير فاطمة- وفقا لدبك - إذن , هي اللحظة ذاتها .,التي بدأت تتلاقى فيها فتاتات طفولته., التي أغرقتها بلدة الأرباب ,في كوابيسها ..
    وهي اللحظة ذاتها التي أعلنت فيها القدرة الكونية ,بداية النهاية لعصر من الإرتخاء والناس الهلاميين . ففتاتات طفولة ود النمير, بمثابة فتاتات أهالي البلدة وسقط أشجانهم.
    حيث تنهض هذه الفتاتات الآن ككتلة واحدة .,تقاوم أنين الأهالي الذين لطالما -عذبهم ود النمير شخصيا - بإيعاز من عيون الأرباب أو طائفة العميان , دون أن يخالطه أي شعور بالأسى أو الذنب.
    الآن فقط يحس شيئا مختلفا ,فيدرك عبثية حياته بالأرباب . ويدرك أكثر من ذلك .,إذ يرى أن أزمة بلدة الأرباب., تكمن في إمكانية إستمرار التواصل ,التي دونها العقبات والعوائق ,ويرى بعيون مفتوحة, فارقها العمى الذي حكم حياة الأرباب .
    يرى و يدرك لأول مرة ,ومن قلب خوائه الموحش.أن أهالي الأرباب إنما وحدهم البؤس .. بؤسهم الذي يدفعهم الآن للبحث عن منقذ., بعيدا عن أوطانهم وبيوتهم ,بعيدا عن الحنين الذي يعشش داخلهم ..
    ذلك الحنين إلى كائن أخر.. إلى أرض البلاد التي يحلمون بها - تلك البلاد المتوهمة , التي لا وجود لها,والتي رغم تشدق دبك بها كثيرا ,لا يملك فكرة واضحة عنها - إلى الماضي .,بعيدا عن عبثية الأرباب ,التي ظلوا يعيشونها مرغمين .
    كانوا كعاشق يتعلق بصورة وهمية.,فقط لأنها الشيء الوحيد المتاح له .. صورة وهمية رأوها في حلم عابر., لكن قوي ,فلاذوا إليه هاربين , باحثين عنه ,بين ظلال طفولاتهم, الغارقة في الوهم ..
    عندما إلتقت عينا ود النمير بعيني فاطمة ,أدرك كل ذلك وأكثر ,فأصيب بالسهر والحمى ,وجعل جسده يرتعش ,وتفكيره كالمجذوب..كان لحظتها يعيش تمزقا عظيما, سرعان ما سيتبدى عنه ود النمير آخر .. ود النمير الراغب في حياة أخرى ,غير التي ألفها في الأرباب.

    ii

    كانتالبلاد الكبيرة في بدايتها ,تشتمل على عناصر دولة عظيمة , لكنها أبدا لم تنجح في بناء هذه "الدولة التي كالحبيبة الحُلُم" من العناصر المتوافرة , فظلت هذه العناصر متشرزمة على نفسها, في دار الريح والصعيد والسافل , ومثلت دار صباح مركزا خبيثا , يسعى للسيطرة على دار الريح والصعيد والسافل .

    تعاقب على دار صباح سلاطين وملوك وعمد وشيوخ وزعماء طوائف , توحدت إرادتهم في سحق كل ما عداهم , ومن هنا أغلقت الديار الأخرى نفسها عليها , ووضعت متاريسها للحؤول دون هذه الهيمنة , وقتها كانت الطائفة الجريدية في دار صباح, قد تجاوزت المحن التي ظلت تلاحقها, منذ حياة جانو قرمط .فاشتد ساعدها , ومضت تحفر عميقا , تهيئ نفسها للحلول محل هؤلاء العمد والشيوخ ,وزعماء الطوائف الذين لم يكونوا يملكون مشروعا واضحا ,اذ كانوا أشبه بحالة متمركزة من التبدد والزوال ,المرتقب في أي لحظة , متى وجد قوة واسعة النطاق, وكافية لدفعه تجاه هذا التبدد..تجاه هذا الزوال...
    ولكن زعماء الطوائف أدركوا ما تخطط له الطائفة الجريدية, التي انبثقت من بين طوائفهم المتباينة, لتكون نفسها كطائفة هجين ,تنطوي على توجهات كل الطوائف في دار صباح .
    وهكذا قوبلت الطائفة الجريدية ,بتحالف سلطة الزعماء والعمد والمشايخ , وجوبهت مجابهة قاسية انتهت بتفكيك صفوفها . لكنها لم تلبث بعد مضي وقت ليس بالقصير ,أن خرجت من ذكريات القمع والبطش الذي جوبهت به . ضمدت جراحاتها مرة أخرى, وشكلت نفسها من جديد في بلدة الأرباب, لتبدأ زحفها من هناك .
    بلدة الأرباب مثلها مثل كل الممالك الغابرة, في البلاد الكبيرة ,خرجت من الجغرافيا إلى التاريخ ,لتعود مرة أخرى إلى ذاكرة الجغرافيا ,دون تأريخ لحياتها القصيرة.على الرغم من شمولها على مقدار خرافي من الشر والألم -اللذان ينالان إعجاب المؤرخين واهتماماتهم- بحيث يكفي - هذا الشر والألم الذي ينضح به ترابها- أن يكون مصدرا للإحساس بكل أوجاع البلاد الكبيرة ,متخطيا الأرباب ومحنها ..
    ومع ذلك الأرباب بلدة بالغة الروعة والتعقيد, بدء بالطقوس التي كان يقيمها أبو جريد كل عام., بعد خروجه من خلوته .,فيما أطلق عليه "ليلة الأنس الكبيرة",والتي تمتد إلى أسبوع ,لتنتهي بالاحتفال مع جمهرة من النساء الجميلات .,المعطرات بخلاصة الريحان البّري, والمسك والزعفران .النساء أنصاف العاريات إلى حد إشعال النيران واسعة النطاق ,في أفئدة الحضور والغائبين..
    كانوا يحتفلون بعريهم في الحديقة الغناء ,التي أقامها أبو جريد خصيصا لهذا الغرض ,أمام قبته مباشرة ,يذوبون في أشواقهم التي يتداخل همسها ., مع ظلال همس الأشجار , والبخور الذي يجعل عريهم ضبابيا ,فلا يبين سوى إيقاع الدلوكة الخافت . والتنهدات التي تعلن استسلام ابوجريد والأرباب وحيرانهم .,إلى نساؤهم المتعطشات .
    الدخول إلى الأرباب., يعني ولوج عالم لا يعترف بالاختلافات أو الحدود,أو الخصوصية ,ومع ذلك هو عالم مغلق على خصوصيته .. خصوصية أبو جريد المؤسس الفعلي للبلدة , التي تسعى للتجرد من الحجب الجثمانية للارتقاء., في مدا رج الروح ,إلى الوطن السماوي ,حيث الرؤى الخالدة,التي تمثل الأرباب حدا أدنى من مظاهرها . وتجلياتها- كما كان أبو جريد يتصور دوما, دون أن يخالطه شك أو ريبة -.
    عبرت بلدة الأرباب عن طموح أممي .,كوني ,جعلها هدفا لهجمات هلاليون دار صباح ودار الريح والصعيد والسافل ,إذ ركزت في بداية منشأها .,على عهد أبو جريد ,على اتفاق المصلحة بين الفقراء ضد الأغنياء" أولاد البحر "الأشراف = "المزعومين" . بغض النظر عن أصولهم الحقيقية,الضاربة في سواد الممالك الغابرة للبلاد الكبيرة .
    وكان هذا الإتفاق., نتيجة إلحاح الضغط المتعاظم, للتطورات الإقتصادية والإجتماعية في دار صباح ,و التي أنتجت حالة الثورة.,التي أعترت دار الريح والصعيد والسافل ..
    فكانت الأرباب أحد ردود الفعل الأكثر قوة ,كموقف من هذا الضغط ,من هنا نشأت كملاذ لإحتواء المنبتين والفقراء ,فقدمت الدعم للفلاحين الذين استقطبتهم عبر طائفة أبو جريد ,ولم تلبث أن سيطرت بقوتها كلها ,على التجارة مع دار الريح والصعيد والسافل ودار صباح , وألحت على تحقيق اكتفائها الذاتي ,فعززت ذلك بضرب عملة من الرصاص, لمنع انتقال الثروة إلى خارجها .
    وهكذا شكلت الأرباب علامة احتجاج فارقة ,على الوضعية التي كانت عليها البلاد الكبيرة ,في أزمنتها الغابرة المتعاقبة , والتي لن تعود إليها أبدا., حتى بعد أن تقضي بتحالفاتها على الأرباب .
    بلدة الأرباب هي شبه جزيرة , تقع بين ثلاثة أودية ,يحكمها فعليا "الفقير الأرباب" , الذي هو مصدر كل السلطات , حتى أنه يعين العمدة ويعزله., أو يقتله ,دون أن ترتفع نبرة إحتجاج واحدة .
    ولد الأرباب طفلا غير شرعيا . عندما إكتشفت أمه أنها حاملا به , أخبرت والده المحتمل عمدة دار الريح ,. فاضطر للزواج منها .رغبة منه في عدم رمي لحمه السيادي ودمه النبيل .,على قارعة الوديان .
    ومنذ ولادته "الأرباب" فصلته أمه , وجعلته في عزلة تامة ,عن والده ,حتى لا تقع عينيه عليه,فينكشف أمرها الذي حرصت على إخفاءه .
    واستمرت تفعل ذلك, حتى بعد أن أنجبت للعمدة أبناء آخرين ,إذ ظلت تفصل الأرباب., بعيدا عن الأب ,وتكتفي فقط بعرض أبناءه الآخرين عليه ,محتفظة بالأرباب "ثمرة حبها لأبي جريد" بعيدا لنفسها ,فقد كانت تحبه كثيرا ,لكن لم يكن ذلك هو السبب ,فقد كانت تخشى عليه من العمدة ,لو اكتشف انه ليس ابنه !..
    إصرارها على إخفاء الأرباب عن والده .,جعله يغضب ويثور بعد طول احتمال , ويصرخ في وجهها:
    - هذا الطفل الذي تخفينه عني, عندما يكبر لن أقدم له أسراري .
    وهكذا أصبح الأرباب محروما من أسرار السلطة ,إلى أن منحه أبو جريد كل معارفه وأسراره, وحجر" كوتو" المقدس ومرآته السحرية,إلى جانب رماد جمجمة جانو .
    منذ أن ولد الأرباب, كان أخوته غير الأشقاء, من عمدة دار الريح, يكرهونه ,فظلوا يحاربونه, وعندما استشعرت الأم الخطر المحدق بإبنها ,طلبت من عشيقها أبي جريد, أن يأخذه بعيدا عن دار الريح ,حيث يكون آمنا ,ولحب أبو جريد الشديد لها - والذي كان قد فرغ وقتها من ترتيب أمور طائفته., في دار الريح , موكلا أمرها للفقير الفلاتي يعقوب- اخذ الأرباب وهرب به ,قاصدا المكان الوحيد., الذي استشعر انه سيكون آمنا فيه .
    مكان قديم وحميم إليه . كثيرا ما كان يختلي فيه .,لممارسة بعض طقوسه ,على مقربة من دار حبيبته "مسك النبي ",عند ناصية في منتهى دريب الريح, الذي يفضي إلى شبه الجزيرة, التي ستصبح فيما بعد "بلدة الأرباب"- حيث شيدا معا ,أبو جريد ومسك النبي ,مقهى للعابرين, وأقاما سعيدين إلى أن تركها ومضى إلى دار الريح-.وهكذا قصد أبو جريد بالأرباب, شبه الجزيرة ,وهناك إعتنى به ..
    وراح يغذيه بالأفكار والطموح وأسرار "جانو قرمط",إلى أن اشتد ساعد الأرباب , وشعر أبو جريد انه لم يتبق شيء آخر, يمكنه أن يقدمه إليه ,فمنحه آخر شيء يملكه : "حجر كوتو المقدس" الذي ورثه عن أسلافه"أتباع جانو" ,الذين كانوا قد ورثوه بدورهم .,عن جدهم الكبير ,عندما جاء من الجنة إلى دار صباح , ليحميهم من شرور الناس وشرور أنفسهم, ويهبهم السلام الداخلي .
    -هذا الحجر المقدس ,الهارب إليه يأمن العقاب ..
    قال أبو جريد وهو يمد الحجر للأرباب . وما أن حصل الأرباب على حجر "كوتو" ومرآته ,حتى دس سم "أبو الدرق" لأبي جريد ,وهكذا أصبح الحاكم المطلق على البلدة, التي أخذت إبتداء من هذه اللحظة تحمل اسم : "الأرباب" وتتوسع في كل ما جاورها .
    طيلة وجوده بشبه الجزيرة ,لم يفكر أبو جريد يوما في أن يعرج إلى دريب الريح ,ليستعيد الشجن القديم ,حيث مسك النبي عند ناصية الدرب. وكلما هاجه الحنين ,قتله بمزيد من الطقوس, في عرين الوحوش .
    وكانت مسك النبي نفسها, قد أصبحت تراه كذكرى حُلُمية بعيدة , كأنها لم تكن حقيقة واقعة يوما, فقد تآكلها الخوف عليه,في الأيام الأولى لرحيله ,ثم ما فتئت تحن إليه بين آن وآخر ,ثم نسيته تماما أو تناسته .. ولم يعد ثمة شيء يذكرها به ,إلا اللحظات النادرة .,التي تنظر فيها متأملة شرمتي ابنيها التوءم .
    فصل الأرباب رأس أبو جريد عن بقية جثمانه ,وقام بدفن بقية الجسد, في منطقة غير مطروقة من شبه الجزيرة.. وحنط رأس أبو جريد , وأخفاه في مخدعه. وكان بين آن وأخر يخرجه ,ليناجيه , فاكتشف أن الرأس إمتلأ بالدود , فحمله في موكب مهيب , ودفنه في قلب البلدة , ولم تمض سوى أيام معدودات,حتى امتلأت تلك البقعة بالدود , الذي لم يلبث أن اختفى, ونمت على نحو مباغت شجرة عرديب عملاقة محله – يرجح دبك لأسباب غير مفهومة أن هذه الشجرة كانت شجرة حراز وليس عرديب ,لكن الكلس لأسباب غير واضحة يميل أكثر إلى كونها عرديب- إذ صحا الناس من نومهم ذات يوم ,ففوجئوا بشجرة عرديب خضراء كبيرة , في المكان الذي دفنت فيه جمجمة أبو جريد .
    لم يجرؤ أحدا من الأهالي على التساؤل, عن الكيفية التي قضى بها أبو جريد, أو المواضع الحقيقية لجثمانه- الذي مزقه الأرباب أشلاء ,كما ذهب بعض أصحاب الخيال المرح- ,فقد كانوا جميعا يخشون سطوة الأرباب ,بجنده الكواسر, الذين كانوا يتزايدون يوما بعد آخر.
    بعد أن تمكن من إنشاء عدد من البلدات حول بلدته ,أعاد الأرباب تقسيم البلدة من جديد ,فأجرى تعديلات حاسمة على نظام الطوائف , فظهرت لأول مرة, إلى حيزا لوجود المعاصر للبلدة حديثة النشأة , طوائف أساسية وأخرى ثانوية ,ومن دون كل الطوائف أعطى الأرباب, عناية خاصة لطائفة العميان ,التي أخذ يعين منها العمد والشيوخ ب"الإنتخاب الحر المباشر- بعد أن قسم الطوائف إلى طوائف أساسية وأخرى ثانوية ,وكانت ابرز الطوائف الأساسية هي : طائفة بني صعيد وبني سافل وبني هلال, وبني دار الريح وبني غُريزة وبني قاع . وهؤلاء بالذات "بني غريزة وقاع "كانوا يشكلون الجند الضاري لبلدته الوليدة .
    عدم انسجام مجتمع الأرباب .,جعلهم في شقاق دائم - كنه غير معلن ,فكان الأرباب يخشى من انفجاره ذات يوم- .,لذلك لم تستطع قوات البلدة , التي تخرج للغزو بين آن وأخر., متجهة إلى دار صباح أو دار الريح , المكوث على أرض غزواتها وبسط هيمنتها على تلك الديار, بسبب إضطرارها للعودة إلى الأرباب, كظل لسلطة تمنع أي تمرد محتمل على أراضيها .
    ولذلك كان جند الأرباب., يكتفون في الديار التي يغزونها . بأخذ الغنائم والأسلاب والنساء,بعد إحداث مجازر مروعة , يضمنون بها ظل سلطتهم بعد المغادرة ..
    ففي مجزرة دار الريح ,التي مضى فيها الأرباب على رأس قواته ,تم إحراق كل الحواضر الكبرى لدار الريح , ولم يترك على قيد الحياة ,إلا من نجا بنفسه إلى الفيافي والقفار .
    وفي غزوتي الصعيد والسافل , هاجمت قوات الأرباب الحواضر .,من كل الاتجاهات وأحرقتها ,فقتلت في أول هجماتها عشرات الناس .
    ظلت الديار"في الصعيد والسافل ودار صباح والريح" كلها تحاول أن تجتمع على كلمة واحدة ,لوقف الأرباب عند حده , فاقترح حكمائها الذين يحاولون جمع شتاتهم., أن يبعثوا بعيون إلى بلدة الأرباب, باعتبارهم من طائفة أبو جريد , ومن ما ستأتي به هذه العيون ,عليهم تحديد السبل المناسبة ,لوقف الأرباب عند حده "إذ كانوا يخشون ,أن يتمكن الأرباب في نهاية الأمر, من فرض سلطته على كل البلاد الكبيرة" ووجد هذا الرأي إستحسانا كبيرا, من العمد والمشايخ.
    في هذا الوقت الذي كانت فيه دار الريح., والصعيد والسافل ودار صباح., تستجمع شتاتها لوقف الأرباب عند حده , كانت طائفة العميان, في بلدة الأرباب يقودها ود النمير-لأول مرة على نحو استثنائي- تعتقل ثمانية من مواطنيها., بتهمة التواطؤ ضد الأرباب , وتسريب أفكار هدامة مضادة لافكار جانو قرمط - أوثق العميان المعتقلين بالحبال , وجروهم بخيول السباق., إلى أن تنصلت أطرافهم , فتوفي منهم في الحال أربعة ,ووضع الأربعة الباقين في حفرة .,تحت عرديبة الدود للدفن أحياء .
    استطاع الأرباب أن يغذي وجدان الأهالي., وأفكارهم بايدولوجيا طموحة , مغزاها النهائي أن تتمكن بلدته., التي تقع عند متكأ الليل, في مفترق تلك الأودية الثلاثة., من حكم كل ما حولها من جغرافيا , وظل هذا الحلم الشخصي للأرباب , يداعب خيال كثيرين من سكان البلدة .
    ومع ذلك لم يكن من الصعب ملاحظة., ما يمور تحت سطح البلدة . فما كان باديا للعيان وظاهرا في السطح حقا , هو شيء واحد فقط . يمكن تسميته بمفردة واحدة : الحب ..
    حب ود النمير لفاطمة السمحة . هذا الإمتداد لميراث كامل من الشوق و"الريد" والحنين ,بكل ما وسم الشوق والحنين ,من حكايات الجدات,ونبؤات الفقرا البائدة.

    iii
    نعم النبوءات..
    النبؤات من جهة أخرى , وفي الطرف المقابل لأحلام الأرباب السرية والمعلنة ,هي ما شيد حياة بلدة الأرباب, وحواضرها , لكن ليس ذلك النوع من النبوءات .,التي قد تتبادر إلى الأذهان . فنبوءات بلدة الأرباب خاصة جدا , لا يمكن إلا أن تكون ,جزء من ميراث الأساطير , بما هي خلاصة تجربة ووعي الأسلاف أتباع جانو قرمط .. نبوءات حكمت أحاسيس ومشاعر ود النمير وفاطمة السمحة ..
    إذن نهضت الأرباب بادية للعيان ,في نبوءات الحب وعذابات المحبين ,الذين أنهكهم التوق القلق المتوفز ,الذي أصابهم بالحنين والغربة والجنون . ومن كل ذلك تشكل جنون الحياة والكيمياء اليومية لسلوك الناس , في كل البلدة وحواضرها القريبة والبعيدة.
    ففي ذلك المساء البعيد المشبع برائحة "السعات" البّري , سيجت "أم حجل" وجدان فاطمة السمحة., بنبوءة ظلت تلاحقها عاما بعد عام .
    قالت الجدة , في ذلك المساء .,الذي هبت فيه النسمات الطلقة ,المحملة ببرودة دار الريح :
    "عندما تلقينه ستعرفينه من دون خلق الله أجمعين .ستشعرين بانبساط وهو يتقدم نحوك, ويغمرك الإحساس بضيق المكان الواسع الذي تقفين فيه , عندما يبتعد عنك . وإذا صافحك تنتابك رغبة متناقضة ..
    فعندما تودين جذب يدك من كفه, تهيمن عليك رغبة إبقائها في حضن هذا الكف , ويصبح غمز الفتيات ولمزهن , كأنه يتقصدك . تشعرين كأنهن يستدعين إسمه ورسمه, وترغبين في هذا الإستدعاء ,فتقتربين منهن ,تحاولين إستدراجهن ,للحكي عنه , وقلبك يخفق كحجر الرّحى .
    هكذا تشعرين به , وإن كان لا يعنيك حديثهن .
    يتعلق بصرك بكل شيء لامسه : إناء الشرب..التراب الذي مشى عليه .الجذع الذي تخطاه وهو ملقى على الأرض بإهمال .. كل شيء .. تشعرين به كلما رآك .,يتعمد ملامستك , والإتكاء على ما ظهر من جسدك ,كأنه لا يقصدك"لكنه يقصدك" .
    وما أن يمضي حتى تمسكين بالإناء., الذي كان في يده ,تحاولين شرب ما تبقى من فضلته . كأنك تدخلينه إلى جوفك ,ليبقى هناك في رحمك, مطلا على فرجك الأشرم ,يداعبك ويدغدغ قيلولاتك ,وأحلامك الكثيفة بحضوره المباغت .
    وتفضلين الوحدة على مخالطة قريناتك ,تأنسين بطيفه , وقد يهتاجك الشوق., فيثير فيك لواعج البوح ومكامن الشجن .عند هذا الحد ,يجب أن تدركي انك وقعت في غرامه , وتدنفت بحبه , وأن ما لا تقوى على حمله العذارى .,في رجفتهن الأولى , قد أثقل كاهلك , فلا تدعيه أبدا يراك عارية , وإلا أخذكما البين والفراق بجمره . فتلك قوة تدفعك دفعا .,دون أن تتمكني من التحكم فيها . فتذكري نبؤتي , ولا تقولي :"تلك خترفة عجوز قدميها والقبر !"..
    فود النمير يا فاطمة يحمل بين تجاعيد ذاكرته , مثلما تحملين من نبوءة , فهو حفيد الفقير الأرباب , من أختي "بنت مسيمس" ..
    الفقير الأرباب الذي كان ببركته يجعل الماء رائبا , وإذا دعا على أحد أن : ينفسخ جلده, ينفسخ في الحال! . حتى أنه أعطى إحدى المطلقات., تميمة لجلب الحظ , شريطة إلا تقرأها , فتغير حالها وسعدت أيامها , ولم تعد سيرتها الأولى., إلا عندما أعطت ورقتها "التميمة"لأحد العميان كي يقرأها لها ,ففتح ثنياتها وقرأ:
    - حموزة مهيوبة ,حمراء لهلوبة ,تلعب الهوبة ,في جزا ير النوبة!.
    كما أن "الفداديات" صانعات الخمر البلدي ,كن ينادينه ليفزعهن :
    -يا الأرباب . يا راجل الفدّه والمدّه . تلحقنا وتفزعنا. وتكمل مريستنا .
    فكن لا يلبثن إلا قليلا ,حتى تباع كل مريستهن ,ويفرقن شيئا منها كرامة للرجل الصالح , صاحب اليد اللاحقة ,الفقير الأرباب .
    فالفقير الأرباب جد ود النمير, كان يعرف الرجال بأسماء أمهاتهم , دون أن تسبق له رؤيتهم ,وكثيرا ما كانوا يستعينون به ,لحل القضايا الشائكة, التي تفشل طوائفه في حلها ,فيغمض عينيه برهة من الوقت .,ويفتحهما ,فيقول الخبر اليقين !!!.
    نبوءة ود النمير يا فاطمة ,التي أخبره بها الأرباب :أنه سيراك وهو عابر في الطريق , ومن النظرة الأولى تأخذين بمجامع قلبه , فيتخلل حبه لك جميع أعضاءه ,فينصرف عن شأنه ,ليصبح عبوره إليك هو شأنه الوحيد . يتبعك مأخوذا ,تدفعه قوة لا قبل له بها .."...
    قالت الجدة ذلك وصمتت , ولم ينجح أحد بعد ذلك على إستنطاقها . كانت قد ألقت نبوءاتها في وجه حفيدتها وآثرت السكوت ...

    iiii
    هنالك عدة روايات .,حول السيرة الذاتية لأم حجل .,جدة فاطمة السمحة , وشقيقتها بنت مسيمس , ولكن الرواية الشائعة تزعم : إنها ولدت بعد أن بلغ الكبر .,من أبويها مبلغا إنقطع معه حبل الرجاء والأمل,فذهبا إلى الفقير الأرباب., الذي اشترط عليهما :إن رزقا بوليد ببركته , عليهما أن ينذراه حوارا له ,و إلا سيموت .
    ولم تمض سوى أسابيع قليلة ,حتى بانت علامات الحمل.,على والدة أم حجل . وهكذا جاءت إلى الحياة منذورة لخدمة الفقير الأرباب . فما أن أوشكت على البلوغ ,حتى أوفى أبويها بنذر هما , وأخذاها حوارا للأرباب .
    لكن وفقا لرواية أخرى – إلى جانب هذه الرواية الملتبسة - نجد أن والد أم حجل., قد قتل قبل أسبوع ,من قبل العمدة الأعمى - تسربت وقتها كما يقول الرواة المصابين بداء النميمة المزمن ,شائعات بأنه مات حزنا ,لأنه سيفارق ابنته المنذورة للأرباب , وبالطبع لم تشر أصابع الاتهام للأرباب ذات نفسه على الإطلاق- تؤكد الرواية أن العمدة الأعمى, قام بتسميم والد أم حجل بسم أبو الدرق ,لإعتقاده أن أرضه التي أجدبت ,لن تعود خصبة : سيرتها الأولى ,إلا إذا دفن فيها قتيل بسم أبو الدرق ,شريطة أن يكون بكرا من أبوين بكرين بين أشقائهما , ومتزوج كذلك من امرأة بكر بين أشقائها , وليس لديه سوى بنت واحدة لا تزال بكرا .
    أمر الأرباب حواريه بإحراق دار العمدة .,والإتيان بأمواله إلى بيت الحيران ,والإتيان به شخصيا ملفوفا بحصير الشوك , وضربه بالعصي حتى الموت .
    وفي الليلة التي تلت ذلك ,تقدم الأرباب من الفتاة الصغيرة أم حجل وتزوجها .
    لكن رواية أخرى- خرجت من طائفة المتأدبين, الذين يقطنون بيوت المرايس- تفيد أن أم حجل كانت زوجة للعمدة الراحل , تزوجها الأرباب., بعد أن قتل زوجها العمدة . وهذه الرواية بالتحديد من الروايات, التي نادرا ما يتم الهمس بها ,وفي ظروف خاصة جدا ,بعيدا عن عيون الأرباب وعميانه .,الذين يملأون البلدة .
    تؤكد الرواية أنه وقتها ,عندما حدث ما حدث,وانتشرت الشائعات في الصعيد والسافل, ودار الريح ودار صباح ,أن الأرباب فعل ما فعل ,ليس إقرارا لقانون أبو جريد الأساسي .,الذي يحكم البلدة ,وإنما لأنه كان مغرما بأم حجل., زوجة العمدة الراحل .والتي كانت قد أخذت بمجامع القلوب , وأشعلت التنهدات من أقصى الصعيد., وحتى أدنى السافل ,عرجا على دار الريح .
    وبالرغم من أن الفكي الأرباب., كان متزوجا في الأصل ,من بنت مسيمس شقيقتها ,التي بؤاها مكانة رفيعة بين زوجاته, اللائي بلغ عددهن التسعين ,إلا أن أحدا من الأهالي ,لم يجرؤ على الحديث عن ذلك, لا سرا ولا علانية ,خشية أن يدعوا عليهم الأرباب بفسخ الجلد ,فتنفسخ جلودهم في الحال . كما حدث لكثيرين من قبل , حاولوا التعريض به .
    وهكذا نشأت "أمونة" ابنة أم حجل في كنف الأرباب ,فأدركت من حالاته ما أدركت ,حتى صارت تترجم عنه في الجذب,ما ينطق به من كلام غامض, لا يستطيع حيرانه تفسيره,بل وكانت تضرب له الدلوكة عندما تنتابه حالة الرقص والزغرتة .
    فالفكي الأرباب كان مغرما بإيقاع الدلوكة ,فبعد أن يجتمع بحيرانه للأذكار ,في ليلة اربعتاشر من الشهر العربي ,منتصف كل عام ,مرددين أذكارا أشبه بأهازيج البحارة . يهتف بعدها بأمونة :
    -يا أمونة دقي الدلوكة . خادم الله الما مملوكة .
    ويرقص على إيقاعها بجبته المرقعة ,ورحطه المرقش,يهز الجرسين المعلقين في أذنيه كالأقراط ,ثم يزغرت ويعطي "الشبال" لمن حوله .قبل أن يخر يجلس منهكا .
    يمضي بعدها معتزلا الناس في خلوة ,لا تدخل عليه فيها سوى أم حجل., وإبنتها أمونة . حيث يبقى في خلوته سبعة أيام . يخرج بعدها إلى حلقة الذكر., في الحديقة الغناء- التي أقامها خصيصا لهذا الغرض- . فيجد الحلقة قد ازدحمت بمجيء النساء المتعطشات, مريداته من الصعيد والسافل ودار صباح ودار الريح,فينتقي من بينهن التي تروقه .,وكذا يفعل حيرانه ,ويمضي كل منهم بالمرأة التي اختار.
    في هذا المناخ .,نشأت أمونة والدة فاطمة السمحة : غاية في الحسن والجمال والخفر ,والدماثة .عديمة الهزل , منيعة البذل ,قليلة الكلام.بديعة البشر.شديدة الحذر.نقية من العيوب.دائمة القطوب.حلوة الاعراض.مطبوعة الإنقباض.مليحة الصدود.رزينة القعود.مستلذة النفار.كثيرة الوقار.لاتوجه الاراجي نحوها ,ولا تقف المطامع عليها ,ولا معرس للأمل لديها ,فوجهها جالب كل القلوب.تحسن الضرب على "الدلوكة" إحسانا ليس له مثيل,وليس كمثل زغرودتها زغردة.
    ومن ذات هذا المناخ ,تشرب ود النمير بالنبوءات., التي ستحدد مصيره لوقت طويل .
    تفيد رواية أخرى-روجت لها طائفة العميان- ,وتوارثتها البلدة فيما توارثته من حكايات ,عن السيرة الذاتية لبنت مسيمس وأم حجل - وهي الرواية التي حاول المتأدبين من قبل ودبك من بعد تقويضها - أن أم حجل وبنت مسيمس ,جدتا فاطمة وود النمير ,حلتا على البلدة فجأة كالقدر ,قادمتان من دار الريح .كانتا كالتوأم ,بالرغم من أنهما خرجتا من رحمين مختلفين .
    ربما أن مطابقتهما لبعضهما البعض., إلى حد كبير ,بسبب أن الفنجري , الرجل الذي تزوج السرة "والدة بنت مسيمس" هو الشخص ذاته "والد أم حجل من حبيبته العازة" , فقد دخل الفنجري على السرة والعازة .,في ظروف مماثلة .,وفي ليلة واحدة ,فجاءتا بسبب ذلك متشابهتين ,وكأنهما خرجتا من رحم واحد.كالتوأم.وما أن اكتملت أنوثتهما .,حتى سافرتا تبحثان عن زوج لكل منهما ,فقد أخبرتهما والدتاهما.,أنهما ستتعرفان على زوجيهما ,ما أن تريا حمامتين تحطان على كتفيهما ,وتمد هديلها تجاههما .
    وبعد وقت ليس قصير .,من نبوءة والدتيهما ,هجم جند الأرباب على دار الريح , وتمكنتا من الهرب,بعد معلنلة وعذاب شديدين .
    كانتا وحيدتان .لا تعرفان إلى أين يفضي بهما الطريق .,الذي سارتا فيه . ولا أنيس لهما في وحشته سوى صوت والدتيهما ,تحكي عن نبوءات جدتيهما ..عن حفيدتان تأتيان إلى هذه الحياة,فيذيقهما الهرب وتحقق النبوءة من مراراته الكثير .
    كان طريق الهروب شائكا .فالسماء مظلمة , والليلة باردة ,والوحشة حولهما كأنها رمزا يعبر عن روحيهما المنهكتين.
    وكان المطر يتساقط رشاشا رشاشا ,تحمله رياح دار الريح ,التي تغرق بالحزن والفجيعة ,وهما وحديهما على الطريق الموحش ,الذي تهربان منه إليه ..الطريق المبلل بثورة الطقس البائس, والحزن الذي لا حد له .
    يلامس المطر وجهيهما , وهما تسيران على غير هدى ,مقطبتين الجبين .نظرهما مشدود إلى الأمام ..إلى لا شيء .فكل شيء بدا لهما مؤلما وشائكا ومتشابكا.حتى صوت الجدة., الذي يعبر عبر صوت والدتيهما .,طاويا المسافات البعيدة., في الأمكنة والأزمنة البائدة والفراغ ,لينهض في وحشة الطريق , بدى هو الآخر متشابكا .عميق الحزن واللوعة.لكنه متماسك ,يحاول أن يبعد عنهما شبح الوحدة والوحشة., والعواقب المحتملة للفرار..
    كأن صوت الجدتان ,يتوحد في صوت واحد., يخرج من الحبال الصوتية لوالدتيهما ,متوحدا هو الآخر في طيف حميم يلازمهما :
    "في ذات الليلة التي خرج فيها الفنجري والد بنت مسيمس ,من دار عريس إبنة العمدة متوجها إلى دار زوجته السرة ,عرج على دار عشيقته العازة .,التي كانت قد عادت مع أهلها بعد رحيل طويل .
    كان والد الفنجري .,مصرا على تزويج ابنه الفنجري من السرة, إيفاء بعهد كان قد قطعه على نفسه . فقد كان مغرما بوالدة السرة , وعندما لم يتمكن من الزواج منها ,لغلبة ابن عمها على الأمر , ورغبة والده الإيفاء بقسم كان قد قطعه على نفسه : بأنه طالما لم يتزوجها سيعمل على أن يتزاوج أبنائهما فيما بينهما .
    هيمنت على الفنجري إذن, ذكريات وده القديم مع والدة السرة. ولذلك عندما أنجب السرة ,داعبه عهده القديم, فقرر الوفاء به . فزوج ابنه الفنجري من السرة , ضاربا عرض الحائط .,بكل أحلام الإبن الذي تدنف في عشق "العازة", وأحبها كما لم يحب والده, أم السرة ذاتها من قبل .
    فقد نشأ الفنجري والعازة معا . يرعيان الأغنام في طفولتهما الباكرة .يلهوان معا ,وظل يتبعها حتى إلى "عد "الماء ,عندما تُكلف ب"الورود", بعد أن صارت صبية , وينتهز فرص اللقاء بها في سوق الإثنين من كل أسبوع , وكثيرا ما يتسللان إلى الدغل ,على شفة الوادي ,يمكثان معا دون حجاب . فانعقدت بينهما المودة., التي لا تبلى على مر السنين .
    كان يغار عليها ,ولا يرضاها تحادث أحدا غيره .رمى والده بكل ذلك خلف ظهره .وأجبره على الزواج من السرة .. التي ليست كحبيبته العازة .. السرة التي شهدت والدته على ختانها , عندما جاءت عجائز البلدة يحملن شفراتهن الحادة , يوثقن فخذيها حتى لا تتحرك , ليستأصلن فرجها وبظرها ,ليتركنها خالية من أي بروز.
    ويقمن بضم الجزءان المقطوعان ,ويخطنهما بالسعف ,بعد أن يدخلن ريشة النعام., ليظل مجرى البول مفتوحا .ثم يضعن العجين على الجرح النازف .
    شهدت والدته ختانها وحكت له لإقناعه :
    - العازة ليست كالسرة .العازة "غلفاء" بنت غلفاء , وهم أغراب عوا يدهم ما زينا .اسمع كلام أبوك وأخير ليك السرة .
    ولم تمض سوى أيام قلائل, حتى سمع أن العجوز الخبيرة ,.كانت في بيت أهل السرة ,لتفتح لها عضوها بالموس الحاد . فأدرك أن والديه قد إتفقا مع والديها وقضي الأمر .
    ففتح الخبيرة لعضو السرة ,ما هو إلا تمهيدا لزواجها منه ,حتى يتمكن من الإتصال بها .وتأكد له ذلك أكثر ,عندما أمره والداه بأخذ الهدايا., التي كانا قد أعداها إلي بيت السرة - فقد أصبحت خطيبته إبتداء من هذه اللحظة المنسية التي لم تغفلها مدونات دبك - فاقسم أمامهما بأنه لو تزوجها., لن يدخل عليها .,إلا في الليلة التي يتمكن فيها من الدخول على عازة, التي كان أهلها قد لموا عزالهم., ورحلوا من البلدة ,على أمل العودة مرة أخرى .,ما أن يفرغوا من الأمور التي دعتهم للرحيل .
    وهكذا ظل ينتظر تلك الليلة المتمناة لوقت طويل . وقد تداعت إلى ذاكرته .,كل الذكريات الحميمة مع العازة ,بجنون سباحتهما معا في مياه الوادي الباردة , وتسلقهما الأشجار , وركضهما متسابقين حتى ينال منهما التعب , فيستلقيان على الرمل منهكين .
    وهو في إنتظاره المرهق لعودة العازة و الليلة المتمناة , كان طيفها يخطر في ذاكرته , خارجا من إدلهام ليال الإنتظار الموحشة , وهي تميد كالأرض . ليتبدى عنها هياج الشجن والذكريات . فيتعرق ويتأوه مرددا إسمها كترانيم لم تحظى بالتقديس الكاف .
    وفي تلك الأمسية., التي أجتمعت فيها دار الريح كلها في الحاضرة , تحتفل بزواج إبنة العمدة . كانت العازة قد عادت وأهلها . فعرج على دارها , ثم مضى إلى العرس .
    كانت دار الريح كلها تحتفي بعرس إبنة العمدة , والناس ملتفون حول الذبائح والشراب, اللذان سرعان ما قدما إليهم . وضربت النساء على الطبول يمدحن العروس , وتزين الرجال والشباب والنساء والفتيات, وبدت العازة بينهن جميعا ,في أبهي صورها , تخطف الأنظار بسحرها .
    تقدمت العازة صف البنات , اللائي استوين في صف واحد .,بمواجهة صف الشباب , وهي تهز رأسها نحو الفنجري , حتى اقتربت منه فضربته بضفائرها وهي تهمس :
    - سأنتظرك في الدار .
    ثم تراجعت تهز رأسها وهو يهز حربته خلفها .
    وما أن بدأت النساء والفتيات .,يزففن العروس بالدلوكة , ملتفات حولها , في طريقهن إلى دارها , حتى انصرف الشباب والرجال , إلى دار العريس , الذي هتف فيهم :
    - ليمض كل إلى محبو بته .
    في ذات الوقت كانت العروس , قد صاحت بالفتيات ,أن يأتين بعشاقهن للقاء في ضيافتها . فخرجت العازة تمضي إلى دارها مسرعة . تعد نفسها لحبيبها الفنجري.,الذي كان في أثرها , وذاكرتها تتكشف عن شظايا ساكنة وخالدة : فالزمن في الواقع لا يمر بينها , فكل ما كان بينهما منذ الطفولة الباكرة يتكثف الآن , مصطفا كلحظات دافئة., تتراص إلى جانب بعضها البعض , كلحظة واحدة عارمة .. تتكثف كبوتقة., تسحبها للمضي لإعداد نفسها له . قبل أن يلحق بها .
    بقى الفنجري عندها ولم يخرج .,إلا بعد أن غاب البدر خلف سحابة كثيفة , ومكث طويلا قبل أن يتسلخ منها .
    كان سعيدا ويشعر بنوع من الهدوء., لم يسبق أن شعر به .,منذ افتقدها برحيلها المفاجيء .
    وما أن وصل إلى داره, حتى وجد السرة تنتظره., هي الأخرى في كامل زينتها ,وقد طالت وحشة فراشها , فتآكلها الجمر .
    في تلك الليلة التي اكتمل فيها البدر .كان الفنجري في أوج نشاطه وحيويته .فبكت السرة فرحا ولذة , وهو جاثم على صدرها , ويديه تطبقان عليها .
    كان بداخله شعور متناقض يدفعه للسيطرة على ذراعيها , وإخضاعها . اقترب بوجهه أكثر فأكثر , عضها على شفتيها ,وهي تصرخ من شدة الألم اللذيذ .إنكفأت على نفسها وتلمست فمها بيدها .فركت شفتيها ثم ركضت خارج الدار , حتى وصلت الوادي . سبحت بعيدا بعيدا . كانت قد تركته وراءها , غارقا في نوم عميق .
    ولم تمض سوى أشهر قلائل .,حتى اكتشف أن السرة والعازة قد علقتا منه .,في تلك الليلة الحميمة . فأنجبت السرة بنت مسيمس , وأنجبت العازة أم حجل , وحاصرتاهما بنبؤات جدتيهما التي لا أول لها ولا آخر , إلى أن دهم جند الأرباب دار الريح فلاذتا بالفرار .
    عندما نالهما تعب المسير وإعياءه , صادفتا شابين أشرمين , إنقبضت نفسيهما من رؤيتهما . حاول الأشرمين التقرب منهما لكنهما نفرتا منهما . كان الشابين قد دلاهما على قهوة عند نهاية الدرب , ليستريحا فيها . فمضتا باتجاه القهوة ..
    كانت القهوة ملك لامرأة في منتصف العمر . هي والدة الأشرمين ذاتهما .اللذان كانا قد سبقا أم حجل وبنت مسيمس إلى أمهما , وقد أصابهما من حب الفتاتين ما لا طاقة لهما به . فقد وقعتا على قلبيهما موقع السهام .
    همسا لأمهما بهذا الحب المباغت , حتى تأخذ في التفكير والتدبير .
    حبلت مسك النبي بالأشرمين من أبي جريد ,عندما كان شابا .هاربا .,من دياره في دار صباح , ووصل إلى هذا المكان فوجد فتاة كالبدر., ترعى أغنامها في الخلاء , لاشيء يحميها سوى كلبها , ولا معزي لوحدتها سوى أغنامها وقتها عرف, إنها يتيمة وهاربة من أرباب نعمتها , ووجدت أن هذا المكان أكثر أمانا لها . ولم تمض سوى أيام قلائل حتى انعقدت بينهما أواصر الصحبة فالود والحب , فشيد لها ابوجريد منزلا بغرفتين., وزريبة للأغنام وقهوة عند منتهى دريب الريح .,أمام المنزل ,لخدمة السابلة وعابري الطريق .
    وهكذا استقر أبو جريد مع الفتاة الصغيرة مسك النبي, التي ستعرف فيما بعد بوقت طويل ب"الفقيرة العجوز صاحبة القهوة والدة الأشرمين - استقر معها بمخطوطاته وكتبه العتيقة , التي ما أن أكمل بناء المنزل ,حتى أخرجها من الجراب الكبير ,الذي كان يحمله عندما التقاها,جزء من هذه المخطوطات إعتمد عليه دبك بعد مئات السنوات ليكتب مذكرات لا تزال مشبوهة يحاول الكلس تحقيقها .. في الأوقات التي لم يكن لديهما فيها عمل في القهوة, كان يحاول أن يعلمها من مخطوطاته وكتبه العتيقة , فاكتشف فيها عقلا وقادا, قادرا على التهام المعارف وإجترارها.,بسرعة مهولة ,إذ سرعان ما تعلمت فك الحرف وربطه .وأصبحت حوارا متقدما بوعيه في طائفة أبو جريد,التي كانت هي كل أعضائها في ذلك المكان القفر الموحش- ...
    كثيرا ما كان يتركها في القهوة, ويمضي للصيد أو جني الثمار, في الأماكن التي تحيط بالقهوة . أو يمضي ميمما شطر تلك المنطقة البعيدة., من شبه الجزيرة , عند منتهى دريب الريح , حيث "عرين الوحوش" .ليختلي بنفسه ويقيم طقوس طائفته ,متوحدا في وحدته ووحشته المهيبة .
    كانت مسك النبي والدة الأشرمين ,قد فقدت والديها في إحدى غارات الهلاليون على الصعيد ,وهي بعد لم تتعلم الكلام ,فتبناها خالها . وما أن أصبحت تدرك ما حولها وتستطيع المشي والكلام ,حتى أخذ خالها وزوجته يرهقانها في عمل البيت ,دون أن يهتما لطفولتها الجريحة ,وعندما كبرت قليلا, أصبحا يكلفانها بالمضي بالأغنام للمراعي القريبة .,من بلدتهما في قلب الصعيد . فتمضي تهش الأغنام في الصباح الباكر, ولا تعود إلا عند الغروب . وما أن تعود حتى تكلفها زوجة خالها بطحن الذرة لطعام اليوم التالي .
    كانت طفولة مسك النبي تهرب منها, بين ضغط المرعى وطحن الذرة .,الذي يكاد يقسم ظهرها نصفين .
    وهكذا بدأت تخطط للهرب من هذا المكان, الذي يمزق فيها كل شيء , إلى أن اتخذت قرارها ذات يوم .,بدا مكفهرا منذ بدايته . ينذر بعاصفة غاضبة في الطريق .وما أن لجأ جميع من في الدار إلى مراقدهم ,قبيل حلول العاصفة بقليل , حتى كانت مسك النبي الصبية الصغيرة ,قد فرغت من ربط ثلاثة من الأغنام وتيس .,من أعناقهم بحبل طويل. وقادتهم إلى خارج البلدة, ومضت لا تلوي على شيء .
    حاصرتها العاصفة من "القِبَل الأربعة" , وهي تغذ في المسير لاترى ما هو أمامها أو حوليها ,حتى كفها المربوطة إلى حبل الأغنام ,لم تكن تراها . وبعد ساعات طوال من المسير المضني ,هطلت أمطار غزيرة , ووجدت مسك النبي نفسها ,في دغل يفضي إلى طريق طويل , ظلت تمشي فيه لأيام وليال ,حتى انتهى بها عند دريب الريح , فقررت أن هذا هو المكان., الذي ستبقى فيه .
    عاشت مسك النبي على لبن غنماياتها الثلاثة- التي صارت مراحا بمرور الأسابيع والشهور- وجني الثمار .إلى أن رأت رجلا يغذ في السير, قادما من إتجاه شروق الشمس , فخافت في البداية ,ثم أمسكت بتلابيب شجاعتها ,وعندما وصلها كان منهكا. يبدو عليه الأعياء والتعب .فأطعمته قليل من الثمار ,وشيء من لبن الأغنام ,وهكذا بدأت حكايتها مع أبو جريد., والد توأميها الأشرمين .
    كانت الصراعات التي عاشها أبو جريد في دار صباح , بسبب طائفته "أفكار جانو قرمط" , والتي انتهت به مطاردا ومطلوبا بشدة , لا تزال أصداؤها تدوي في ذاكرته . وبين حين وآخر يدهمه الحنين لمكان محتشد بالناس, يستطيع فيه إحياء طائفته., مرة أخرى من جديد . مكان غير هذا المكان القفر. المحصور بين دريب الريح., وشبه الجزيرة .
    وظل الحنين يشتغل داخله مقضا مضجعه .,ومضعضعا أفكاره .,إلى أن اختفى ذات يوم , تاركا فتاته مسك النبي , حاملا في توأميه الأشرمين , دون أن يعلم.
    ومضى إلى دار الريح ,دون أن يترك خلفه أثرا يدل فتاته , على الدرب الذي سلك .
    في البدء حنت إليه , والمخاوف تعتريها أن يكون قد قتل , وما أن جاء توأميها إلى الحياة .,حتى نسيته أو تناسته ,ولم يعد يداهمها الحنين إليه. أصبح بالنسبة لها ,كورقة شجر جافة ,سقطت عن حياتها المخضرة .. ولم تعد تتذكره إلا بشرمتي توأميها, فيخطر على ذهنها :أنه ربما قتل في عرين الوحوش .الذي لم يكن ثمة من يجرؤ, على الدخول فيه للبحث عن أي شيء!!.
    كان أبو جريد والد الأشرمين في طفولته صبيا شقيا , مغرما بالنظر تحت ساقي النساء والفتيات . أرسلته حجب النور النور أمه ذات يوم إلى جارتها ,ليجلب لها بعض الحطب , وبينما مضت الجارة لجلب الحطب, اختبأ تحت جذع شجرة ملقاة في باحة الدار . وحين جاءت الجارة صاحبة أمه., ترفع ساقيها لعبور الجذع , تمكن من النظر إلى أعضاءها , ولم يكتف بذلك إذ غمزها باصابعه . فثارت فيه وضربته بعصا .,شطرت شفتيه شطرين . و عندما أنجبت منه مسك النبي تؤميها , ولدا أشرمين , يحملان شيئا من كيانه., الذي لم تتبق منه في ذاكرتها., سوى هذه الشرمة. والتوأم اللذان يرثان عنه أيضا غرامهما, بأعضاء النساء .
    اللذان عندما رأيا بنت مسيمس وأم حجل ,وهما في إعياء السفر , دهمتهما رغبة عارمة في النظر إلى أعضاءهما , وصار يتعثران في بعضيهما البعض كالمخمورين .

    v
    سألاأمهما, التي كانت لا تزال تفكر وتدبر :
    -إذا كره من نحب لقاءنا, وتجنب قربنا فما نصنع ؟
    -تسعيان إليه وإن كرِّه .
    -لكننا نؤثر هواه على هوانا , ومراده على مرادنا , ولو كان في ذلك الحتف .
    -أشد من الموت وسيلته , وأعز من النفس ما بذل في سبيلها إختيارا. سأدبر لكما أمرهما , فاسمعا وأطيعا .
    وصلت أم حجل وبنت مسيمس إلى القهوة , وحكتا قصتهما لأم الأشرمين التي استضافتهما ,والتي كانت قد علمت منهما أنهما هاربتان لا تلويان على شيء .
    أعدت لهما مسك النبي ركنا ترتاحان فيه , وأتتهما بطعام وشراب ..
    وأخذت تنزوي خلف "الصريف" حيث لا يريانها , وتتمكن من سماع حديثيهما خلسة., في ذات الوقت , إلى أن تطرقتا في حديثيهما .,إلى نبوءة جدتيهما . فمضت إلى إبنيها الأشرمين وحدثتهما بما سمعت .
    وعندما مضت تلك الليلة , واقبل الفجر ينير الوادي . تقدمت الفتاتان للمراة تشكرانها ,وتستاذانانها في مواصلة سيرهما .
    حاولت أم الأشرمين إقناعهما بالمكوث عندها بشتى السبل , فرفضتا بلطف, وأصرتا على موقفيهما , فأذنت لهما بالرحيل .وهي لا تخفي إستياءها . وما أن خرجتا إلى دريب الريح ,وقبل أن تبتعدا كثيرا ,حتى لاح لهما الأشرمين , وعلى كتفيهما حمامتين .,متظاهرين بانهما يمضيان في هذا الطريق مصادفة .
    توقفا عند الفتاتين .,وأخذا يحكيان لهما نبوءة مزعومة., أورثها لهما جداهما , عن زوجتيهما المرتقبتين :
    -كل الصفات تنطبق عليكما .
    فأجابت الفتاتان بعد تردد, وهما تنظران إلى بعضيهما :
    -حكت لنا والدتينا نبوءة مشابهة .
    -تصدقاننا إذن؟ .
    فنكستا رأسيهما في خجل .وعادتا مع الأشرمين .,وهما تستحضران النبؤة في ذاكرتيهما مرة أخرى. وطوال الطريق .
    ظلت الفتاتان مع الأشرمين سحابة اليوم., في بيتهما خلف القهوة , ووالدة الأشرمين تخدمهما بهمة عالية., وحب لا مثيل له .. كانوا ما أن تتركهم الأم وتمضي إلى مقهاها .,حتى يتآنسون ويتداعبون , فتترك الفتاتان أعضائهما, مستباحان لعبث الأشرمين, اللذان كانا في غاية سعادتهما - وهما يبديان ضروبا من العبقرية الفذة .,في العبث بشرمتي البنتين- ولا يكفون عن اللهو والمرح, إلا عندما تعود الأم مرة أخرى, وهي تحمل إليهم طعاما أو شرابا . وعندما حل الليل , أخذ كل منهما واحدة من الفتاتين, ومضى مختليا بها بعيدا عن الأخر . ليقضيان الليل معا .
    كانت روح كلاهما من أعماق الجسد الذي تسكنه , تحاول أن تلامس روح الأخر , لتئد النفور الذي قابلته به في البدء . وفي خضم ثورة اللحم والدم , تحاول روحيهما أن تُسمع الروح الأخرى, الموجودة على الجانب الآخر من الهاوية نداءها .
    ولكن محاولة التواصل تلك التي انتهت إلى صيحات يائسة , كانت تبدأ مرة أخرى , تبدأ من اللحظة التي سبقت الأزمنة والأمكنة : ليس بالمداعبات والملامسات التي يتبادلانها فحسب, بل بمحاولتهما الوصول., إلى صدق النبوءة .. في هوس الأشرمين, بتحسس ولحس اعضائهما . وفي تلك اللحظة الفاصلة .,التي إرتعشتا فيها رعشة عظيمة - وأنتفضتا كمن أيقظهما نفخ الصور- ودواخلهما تسيل لتبلل الفراش تحتهما .. في تلك اللحظة الفاصلة, خالط اللذة شعور خفي بالإنقباض . لكن , مع ذلك تكرست متعتيهما , كذكرى خابية تشعلها أيام قادمات.
    عند شروق الشمس . عندما أفاقت كل منهما , ولم تجد رجلها إلى جوارها , نهضتا تتجولان في الدار . تبحثان عن الأشرمين , وعندما لم تجداهما ,مضتا متسحبتين تجاه القهوة ,فطرق سمعيهما ,حديث الأم مع إبنيها ,حول خدعة الحمامتين.فدهمهما شعور بالحزن والأسى ,وأدركتا لحظتها ذلك الشعور بالانقباض., الذي خالط انتشائهما .

    vi
    واجهتاالأشرمين بخدعتهما .,ومضتا مضطربتين , مصدومتين ,لا تلويان على شيء , ولم يتمكن الأشرمين من فعل شيء إزاء صراخهما., وإصرارهما على الرحيل .
    كان الأشرمان قد أسقط في يدهما , فنكسا رأسيهما., يشعران بحزن وأسى عميق , دون أن يأبها لتحريض أمهما بتقييد الفتاتين ,كان كل ما قالاه لأمهما هو :
    -الم نقل لك إننا نؤثر هواهما على هوانا , ومراد هما على مرادنا , ولو كان في ذلك الحتف . ليتنا لم نخدعهما .
    مضت الفتاتان , تقودهما خطاهما, إلى الطريق المفضي إلى بلدة الأرباب , وعندما وصلتاها ,واستشرى خبر جمالهما البديع., استشراء النار في الهشيم , أمر العمدة الأعمى رجاله باحضارهما إليه , وما أن رآهما, حتى اختار أم حجل زوجة له في الحال .
    وعندما علم الأرباب بالأمر ,غضب غضبا شديدا , لكنه كظم غيظه , وأكتفى بالزواج من بنت مسيمس , وفي نفسه شيء من العمدة ,لإعتقاده أنه أختار أجمل البنتين, مفضلا نفسه عليه, هو ربيب نعمته .
    أنجبت بنت مسيمس مرج البحرين والدة ود النمير ,و أنجبت أم حجل أمونة والدة فاطمة السمحة .- وكان أبناء العمدة الأعمى,بعد أن قتل الأرباب والدهم ,وتزوج أم حجل., قد تكرست لديهم قناعة ,أن مرج البحرين شقيقتهم - وكان الأرباب يعتقد أن أمونة من صلبه ,فأم حجل وبنت مسيمس ,لم تأتيان أبدا على ذكر تلك الليلة .,التي قضتاها مع الأشرمين , كما أن أم حجل تمكنت من إقناع الأرباب .,بأنها لم تمكن العمدة الأعمى., من نفسها أبدا .
    وهكذا تظل هذه العلاقات المتشابكة ,من الأسرار الزائفة .,دفينة في مكان قصي من خزانة الأسرار.- إلى جانب نبوءة جدتي أم حجل وبنت مسيمس ,بأنهما ستهربان بحثا عن زوجين ,تتعرفان عليهما بحمامة في الكتف,تمنحهما هديلها-, التي لا تفرجان عنها أبدا .
    لم ينسى الأرباب أبدا .,ما اعتبره إساءة صريحة .,وجرأة غير مسبوقة من العمدة .
    ولذلك بعد أن قام بقتل العمدة الأعمى ,عمل على تشييد نظام رقابي صارم , تخطى الناس ليشمل حتى أساليب الإنتاج في البلدة وحواضرها .ويذلك سيج التشكيلات الإجتماعية , والطوائف , بحيث لم يكن ثمة من يجرؤ للحديث عنها . نتيجة لذلك أخذت الأرباب تتحول على نحو متزايد , إلى مكان موحش في وحدته .
    فالأرباب لم يكتفي بتغييب الواقع الفعلي عن وعي الناس فحسب , بل جعلهم لا يتمكنون من العمل على تغيير هذا الواقع .,الذي حاصرهم به من كل الجهات . هذا الواقع الكثيف والكتيم والمستقل بذاته .,عن كل ما حوله من ديار . كان منيعا بحيث يقاوم ما يرسم من مخططات لتغييره من الداخل . فالداخل كان الشغل الشاغل لبال الأرباب., أكثر من الخارج , إذ كانت قد تولدت لديه قناعة تامة, أن لا خطر فعلي يحدق بالأرباب من بني هلال في دار صباح .
    هذا الواقع المغلق على ذاته , جعل أهالي الأرباب يشعرون بأنفسهم كذوات مهدرة , لا سبيل أمامها لتتطابق مع نفسها. بالتالي لا يمكن أن تكون لديها القدرة الكافية على التغيير .وتقرير مصيرها .
    إذن كان الاختلاف واللا – هوية هو لسان حال بلدة الأرباب - رغم كل شيء- الأمر الذي عنى أن لا وضع محدد , هو هذا الوضع الذي يعيشونه في الأرباب - لكن مع ذلك- لم يكن ثمة أحد يملك تصورا واضحا , للوضع الذي يتعين عليهم الحياة فيه ,بالتالي قبلوا بالعيش في الأرباب كما هي , قانعين بالتذمرات السرية الهامسة بين آن وآخر.
    وعلى الرغم من كل هذه المشاغل الوجودية العصية,التي سبقت وتلت قتل الأرباب للعمدة الأعمى .,ظل قلبه.,متعلقا بأم حجل , منذ كانت دون علم لديها بحبه لها ,وحتى بعد أن أتى بها إلى داره العامرة بالنساء..
    قبل أن يجيء الأرباب بأم حجل., كان غمه قد كثر و أسفه قد طال ., إلى أن ضنى بحبه لأم حجل., التي بغرارة الصبية العذراء لا تشعر , ويمنعها من التجول في البلدة .,سطوة العمدة وغيرته عليها من دون نساءه أجمعين , إلى أن عيل صبر الأرباب , فزار دار العمدة ولمحها , ومضى يتدبر مع خاصته أمر لقاءها , فلم يمسك نفسه., حتى قبلها .ومن ثم مضى يرسل إليها حمامته الزاجلة ,طاويا غرامه على قدميها ,يبثها مواجده وأشواقه وبوح غفواته المؤجلة.
    اعتبرت أم حجل الحمامة الزاجلة,إشارة لنبوءتها القديمة , لكنها لم ترد , ولم يتوقف الأرباب عن مكاتبتها , حتى أخذت كلماته الدافئة., تزحف رويدا رويدا , تحاصر أحلامها , وتصيب منامها بالبلل , فتصحو خدرة , فاترة كالمعطونة في مياه البحر الملون المالح , في أيام الصيف الغائطة المحاصرة برائحة الشعراء .
    تبدى الأرباب في أحلامها صبوحا , فحلا , كفارس يمتطي صهوة جواد أشهب , على كتفه الأيسر عقاب , يهيمن على جسدها, ويجعلها ترتعش في كبد الليل., حتى مطالع الفجر . دون أن تشعر بشخير العمدة .,وغطيطه الذي يملأ الدار . فأصبحت أم حجل بمرور الوقت كالمسلوبة., إلى أن أطلقت الحمامة الزاجلة., بأمانتها في الشوق واللوعة .
    فانطلقت بينها وبين الأرباب , الحكايات., التي حملتها الحمامة .,في المساءات الندية , وهكذا إتفقا على الخلاص من العمدة .,ليئدا حدة الحنين الذي يتقد داخلهما , ويقض عليهما المضاجع , ويجعل كل شيء حولهما مسيخا لا طعم له .
    "الحوار الفقير المهاجري" الذي علقت منه أمونة بفاطمة السمحة , كان يخبيء بين جوانحه سرا لا يعلمه سواه. ف"هو اصغر أخوة الأرباب., في دياره البعيدة ,التي هرب منها بسبب تآمر إخوته على قتله .
    فإخوته الذين تآمروا على الأرباب يوما , كانوا قد تآمروا عليه هو الآخر .فقابلهم بقسوة وألب والده ضدهم , فلم يتمكنوا منه .,بسبب حماية أبيه له .الذي كان لا يزال يعاني., حسرات فقده للأرباب , رغم مضي السنوات الطوال . ولشعور الحوار المهاجري بالحماية المسبوغة عليه من أبيه, أخذ يعيث في البلدة فسادا .
    فقد كان مغرما بالسلطة وممارستها , وما أن مات الأب., حتى هرب يستجير بالعمدة الكبير , الذي أمنه على حياته., وزوجه من إبنته .,ورده إلى بلدته غانما حاكما من قبله , فقد كان بين والده العمدة وعمدة عموم دار الريح ودٌ كبير وحبل من الصداقة والوفاء .
    عندما استقر المقام بالحوار المهاجري , أعمل سيفه في أعناق إخوته , حتى لم يبق منهم إلا من نجا بنفسه . حتى إخوته الأطفال العديدون , أضطرت أمهاتهم أن تلبسهم "الكنافيس" حتى يتشبهوا بالفتيات , فينجون من الموت .
    كانت دواخله تمور بنوع غريب من القلق , الذي يدفعه للقتل وسفك الدماء , إلى أن مضى به الحال., إلى قتل زوجته , لإثواء هذا القلق .,الذي يعتمل داخله كمرجل .بتقديمها قربانا للغربة التي تتملكه., وتعمل فيه أنيابها – وفقا لمشورة الفقير الفلاتي يعقوب., الذي خلفه أبا جريد وراءه قائدا لطائفته السرية الوليدة- لكن تقديم زوجته قربانا., لم يئد حدة تعطشه للدم , فقد كان يبحث عن شيء غامض بالنسبة له .. شيء لا يدري أين يجده , فأوعز له يعقوب., بأنه إنما موعود ب"نبؤة الحكم الغامضة" التي يبدأ تحققها من اتصاله برحم صبية كالبدر , وهو في غربة أشد,مشردا وطريد .
    هوية الحوار المهاجري. الفقير. الغريب., كانت مزيجا غريبا من القلق والتوتر , كان منقسما بين ولاءه لدار الريح كما هي عليه , وولاءه لحلم ظل يغذيه فيه الفقير الفلاتي يعقوب, فيدفعه لسفك الدماء . فقد أشرف يعقوب, على تعليمه منذ نعومة أظافره , محطما الآراء المحلية التي صاغته., في مخدع والديه ,. فاتحا أمامه أبواب النبوءات الغامضة , لعالم لم يره . عالم واسع.. مدخله إليه "الطائفة السرية" التي يقودها يعقوب., على نحو بالغ التعقيد .إتقاء لضربات عمدة دار الريح الكبير,الذي كان وقتها قد تحالف مع الهلاليين .
    وعندما أحكم أعداؤه حوله الحصار , تآمر على معلمه يعقوب, وقدمه ككبش فداء لسلطاته المتنامية .
    اعتقل الأهالي يعقوب . أقتادوه مقيدا وعلى وجهه آثار التعذيب., والأعياء الشديد , وشنقوه على مدخل البلدة , دون أي محاكمة . بعد أن فشلوا في إنتزاع اعترافاته .,بأعضاء طائفته الآخرين .
    كان العمدة الكبير وقتها يتأهب للثأر لإبنته , يتآكله الحزن عليها . ومع توالي صعود الحوار المهاجري في سلم المجد , بالإستيلاء على البلدات حوله .كان العمدة الكبير وإخوته غير الأشقاء.,الذين نجوا من مذابحه. قد أحكموا الحصار حوله , فلم يجد ملاذا سوى الهرب .
    وقتها خرجت الأغاني والشائعات., القائلة باعتقاله ومقتله .حتى أن الحكامات ألفن أغنية ,على غرار الجراري الحزين ,شاعت في مشارق ومغارب البلاد الكبيرة .منتشرة انتشار الريح في الأرض الفضاء :
    ود العمدة ويعقوب مسكو * للحبس ودو
    ود العمدة ويعقوب مسكو * متل الكبش قادو
    جريتو جيتو * متل القديم تاني وين تلقو .
    هرب المهاجري من دار الريح كلها., لا يلوي على شيء , إلى أن وجد نفسه في بلدة الأرباب , فقصده وصار حوارا له , دون أن يكشف له عن سره أبدا .
    ولحظة رأى أمونة أدرك إنها هي ذاتها , ما قالته نبؤة الفقير الفلاتي . أنها ذاتها الشيء الذي يبحث عنه .
    ذلك القلق الذي لطالما استبد به , إنما كان من نداءها له . هو النداء ذاته الذي يراه الآن في عينيها , في ضرباتها الخفيفة الناعمة على الدلوكة . في إنثناءات جسدها., الذي يتلوى كأفعى .,تحت الغلالات الشفافة ,راميا ظلاله بين ألسنة النيران.. تربط منديلها الحريري على خصرها الناحل , وتخطر كالنسيم .
    كان يرى طيفها وهي ترقص .,كساحرة تخرج من أعماق ذاكرته العاشقة . يرى طيفها في كل مكان . وهو في الحقول . عند عرديبة الدود . وعندما يسبح في مياه الوادي الباردة .ويخرج منهكا , يستلقى على الرمل .
    يرى طيفها في كل شيء حوله . مياه الوادي . هدوء المكان . حفيف الشجر . يراه حتى في دواخله . كان كالذي تتقاذفه الأمواج , لتلقي به منهكا., إلى هذا الطيف , لكن متقد الجذوة لا يزال .. هذه الجذوة التي تمضي .,مع الطيف يعتليان معا .,صهوة السمندل , أو يتفتقان عن الظلمة .,و الأعشاب المتشابكة كالعنكبوت., و الجافة .. تشعلها الجذوة كنار عظيمة ..
    كانت تتراءى له حتى في كبد البدر., والنجيمات البعيدة , فلم يعد يحتمل . فقد شعر بالحصار ينهكه , الأمر الذي دفعه إلى الأرباب , يطلب يدها منه .
    كان الحوار المهاجري قائد طائفة الصيادين ., في الوادي العميق البوح واللهفة .,وكانت زوجته أمونة ,عادة لا تأكل إلا عندما يحضر من عمله , فتطعمه ثم تأكل بعده . هكذا مضى بهما الحال , إلى أن تأخر الحور المهاجري في أحد الأيام , فقلقت عليه أمونة .,وحملت الطعام .,إلى حيث اعتاد أن يرمي شباكه وسناراته . تلفتت حولها على امتداد الوادي , فرأته يبتعد في طوفه الخشبي , فاطمأنت , واستلقت على حافة الماء , مستظلة بشجرة جميز كبيرة .
    كانت الطيور تغرد مسبحة بحسن أمونة , فاعتراها خدر لذيذ . تجردت من ثيابها ونزلت إلى الماء . غطست حتى نال منها التعب , فعادت إلى الشاطيء , وعندما همت بارتداء ملابسها , وقع بصرها على زوجها الحوار المهاجري . الذي كان يحدق فيها مذهولا . فتناولت ورقة جميز., تستر بها عورتها , وألقت بنفسها مرة أخرى في الماء., حتى اختفت .
    كان قد اعتراها خوف شديد , وكأن قوة مجهولة تسحبها .,إلى أعماق الوادي , فتوسلت قائلة :
    -يا سيدي الأرباب , أنقذني من الغرق , حتى لو صيرتني سمكة .
    واستجاب الأرباب دعائها .
    فأخذت تسبح باتجاه زوجها , وكلما سبحت تجاهه , تجد أن إتجاه سباحتها قد تغير للاتجاه المعاكس . فأخذت تبكي وذراعيها تضربان في الماء بعيدا , بعيدا عن المهاجري , الذي كان لا يزال مذهولا في وقفته ,كالمسمر إلى الأرض , إلى أن شهق شهقة عظيمة , إنتفض لها جسمه كله ومات واقفا . وتحول جسمه إلى شجرة جميز ضخمة , ممتلئة الجذع . ولم تمض سوى أشهر قلائل , حتى خرجت أمونة من مياه الوادي . ربطت حبلا من ليف القمبيل المجدول, في أحد أغصان الجميزة ممتلئة الجذع , تساعدها الحوريات ...
    باعدت بين ساقيها ,وهي ممسكة بالحبل , لتلد طفلتها - التي ستصبح فيما بعد فاطمة السمحة . التي عندما يجدها الحيران عند خيوط الفجر الأولى , في خلوتهم مغطاة بمنديل أمونة الحريري , الذي كانت تربطه في صلبها .,عندما تضرب على الدلوكة , وقربها مشيمتها وحبل سرتها الذي لم ينفصل عن المشيمة بعد- يهتفون بالأرباب , الذي يجيئهم مبتسما وهو يقول :" إنها فاطمة السمحة طفلة أمونة ضرابة الدلوكة" .
    أمر الأرباب بعد ذلك النساء , فمضين في موكب إحتفالي إلى الوادي , يرمين في مياهه الخبز , بعد أن وضعن مشيمة فاطمة السمحة., في قدح خشبي , غطينه بمنديل أمها الحريري , وقذفن به مع الخبز .,ورمين خلفه الحجارة , وهن يرقصن , ويغنين فرحا بالمولودة .
    عزل الأرباب فاطمة السمحة مع جدتها أم حجل , في دار مقتطعة من داره الكبيرة , حيث لا يراهما أحد., ولا يرين أحد , سوى الذين يقومون على خدمتهما .
    كبرت فاطمة وأشتد جمالها , حتى ملأ خبرها بلدة الأرباب., ودار الريح والصعيد والسافل .
    في الليالي الخريفية المقمرة , كانت فاطمة السمحة تذهب إلى الوادي , تخلع ثيابها وتغطس في الماء , فتأتي أمونة وصديقاتها الحوريات . يحادثنها ويلاعبنها .,ويأخذنها بعيدا إلى أعماق الماء .,حيث المدن المغمورة وحيث البحيرات تحت مياه الوادي , تتفجر في مجرى واحد عميق , تفضي عيونه إلى بحر العرب ونيل دار صباح والبحر المالح الملون.
    كان ود النمير لا يقل وسامة عن جمال فاطمة الساحر . نساء كثيرات دعونه إلى فراشهن , لكن قلبه لم يخفق لإحداهن أبدا . كان وحيدا كفاطمة .عندما يمل عمله , في تأمين بلدة الأرباب من الخونة والمارقين والخوارج العملاء والجواسيس و الثورات والتمرد - طبعا كان كل ذلك مفترضا ومحتملا فقط , إذ لم تكن ثمة مقاومة تستدعى كل هذه التوصيفات العجيبة- يخرج من منزل جده الأرباب . ويمضي هائما على وجهه ..
    يغيب الليالي الطوال , متجولا في الوديان والغابات , وعندما يعود يتجول في البلدة,يحاول أن يتأكد مما تنقله إليه العيون . فتتبعه الفتيات العاشقات , ولكن لا يستجيب لهن . إلى أن غضب منه الأرباب ذات مرة :
    - أنت لست زبلعيا حقيقيا .
    ودعا عليه قائلا :
    - أتمنى أن تقع في شراك حب., لا تخرج منه فائزا .
    أول مرة رأى فيها ود النمير فاطمة السمحة , في تلك الظهيرة الحارقة – وقع في شراك ذلك الحب - إذ وقف مأخوذا , يهيمن عليه سحرها , وقلبه قد انتفض بشدة . وعلامات دعاء الأرباب .,تومض في ذاكرته كبرق خاطف . إنتابته حالة أشبه بصحوة جبارة , تتخلل زوايا ذاكرته ووجدانه , لتحاصره بعالم طفولته المنسية .
    كان شارد الذهن في حلم موغل القدم . أسير لإيقاع .,يحاول النفاذ إلى أعماق لا وعيه . يلامس جانبا حساسا .,ومهملا في حياته اليومية , الزاهدة في النساء .
    كبرق البلدة الخلب عند, قبة الفقير الأرباب , في الليالي الحالكة , إنتفض وجدانه , فتبع فاطمة مسلوبا , مغيرا دربه . وكانت هي الأخرى., قد ألم بها ما ألم به . وعندما وصلت مكانها المعتاد , عند ضفة الوادي , تحت شجرة الجميز الكبيرة , توقفت تسأله :
    - مالك تمشي ورائي ؟!.
    فأخبرها عن حبه لها . فصمتت ساهمة ,. وقلبها يدق كحجر الرحى . كانت تشعر بشعور لم يخالجها .,من قبل أبدا . دنى ود النمير منها . وهي كالمجمدة . احتضنها وهي كالمصبوبة على إتكاءاتها .,على الجميزة ممتلئة الجذع .
    تملكها الحب., وأنتقلت النار التي أشعلها جسده إلى جسدها . استلقيا على العشب . كان طائر السمندل أعلا الشجرة .,يزقزق إلى رفيقته , يتداعبان بمنقاريهما . وكانت فاطمة توغل في رائحة عرق ود النمير .
    توحدا وتحولا إلى كتلة من النار ..
    وقع طائر السمندل في مياه الوادي . فتطاير رشاش الماء . ضرب بجناحيه وخر واقعا , ضرب بجناحيه وخر واقعا . ضرب بجناحيه وخر واقعا . ضرب بجناحيه فرفرف .. تمكن من التحليق مرة أخرى , فحط قرب رفيقته .,في أعلا الجميزة . مداعبا بجناحيه المبتلين., جسمها الذي همد في عش أحد الطيور .
    شعر ود النمير بالعطش , فنهض عن فاطمة., التي راحت في خدر لذيذ .. انحنى ليشرب من مياه الوادي . فرأى صورته., تنعكس على صفحة الماء .
    في البدء حسب صورته : فاطمة قامت من خدرها . تلحق به .. هفا إليها مرة أخرى مسلوب الإرادة . وفاطمة واقفة خلفه ,وقد تملكها الحب من جديد . حاول تقبيل وجهه المنعكس .,على صفحة الماء , وضم خياله ..
    بكت فاطمة وهي تحاول رده إليها .. بكت بنواح حزين , فالتفت إليها غاضبا . ودفعها بعيدا عنه بقوة ..
    كانت شمس الظهيرة قد إختفت . ادلهم الليل فجأة , وانفتقت السماء عن قمر مشوّه . وكان ود النمير لا يزال .,محاصرا بالحر والرطوبة . والقمر بهالته المتقشعة عن السحب العمياء., والهواء العطن , يبعثان داخله شياطين الجحيم من مراقدهم ..
    نذر عاصفة أوحى بها الجو ,تدفعه لمقاومة الإحساس المفاجيء .,بكل ما حوله ..
    استلقى عاريا يمد عنقه للمياه . كان وجهه قد إختفى . وليس ثمة إنعكاس سوى لقمر حزين , ملطخ ببقعة سوداء , في مياه الوادي .,التي بدت على غير العادة قاحلة .
    وكانت فاطمة لا تزال تتقلب على الرمل باكية . مغمورة في العشب . وكل حياتها تمضي أمام ناظريها . والقمر المفاجيء يسقط ضوءه., على تعرجات جسمها الحزين ., يتحسس بكائها . يتلمس فخذيها . خاصرتها . أشرميها اللذان سال منهما.,الندى والدمع غزيرا ..
    كانت ترتعش., كقطة بللها المطر والبرد .ودوا خلها تغلي كمرجل هائل , لم يشهد له تاريخ الغضب., في بلدة الأرباب مثيل .
    نهضت فاطمة, وأمعنت النظر مليا في ود النمير, الذي كان لا يزال , منكفئا يحاول رؤية وجهه المنعكس , ثم رمت بنفسها في أعماق الوادي , الذي سحبها إلى أعماقه السحيقة .

    vii
    في إحدى الليالي المقمرة, خرجت فاطمة من أعماق الوادي . وضعت طفلتها تاجوج من ود النمير , تساعدها أمها وحورياتها . فتحت شجرة الجميز , ووضعت طفلتها بجوفها , ومضت بصحبة أمها وحورياتها .
    بعد مضي وقت ليس بالقصير , إنشق جذع شجرة الجميز الضخمة , وخرجت تاجوج , بوسامة ود النمير ,وجمال فاطمة الوضاح .. كانت الخالق الناطق نسخة منهما . كأن ثلاثتهم فولة واحدة وانقسمت إلى نصفين متطابقين .
    وقتها كان ود النمير قد أصيب بصدمة.,ضعضعت كيانه . كان كالذي يفيق ,من حلم كثيف الحجب ., أخفى عنه لبرهة خاطفة .,حقيقة حبه لفاطمة ., فشغله بصورته المنعكسة على صفحة الماء , لبرهة فحسب , برهة كانت كافية .,كي تتلاشى فاطمة , أمامه في لجة الماء .. بعد أن أفاق من تسمره.,وهو يراها تسبح مبتعدة ,وتغوص عميقا . سبح خلفها . قطع مياه الوادي من أطرافها إلى أطرافها , بحثا عنها . لكن فاطمة كانت., كفص ملح ذاب في أرخبيل عريض .
    أصبح ود النمير يجلس كل يوم على الشاطيء , تحت الجميزة التي إتكأا عليها .,واستلقيا تحتها .. يستعيد محاولتهما معا ,في خضم هيمان الروح, وهيجان الجسد وثورته العارمة, عبور الجانب الآخر .,من الهاوية التي تفصل بينهما .
    يبكي بصوت حزين حينا ,ويغني حينا آخر , مع نواح السمندل والقماري., في أعلا الجميزة ..
    لم يلبث السمندل أن أشار عليه ,بالمضي في دريب الريح , حيث الفقيرة العجوز مسك النبي صاحبة القهوة ,فهي الوحيدة التي, ستشير عليه بما يفعل .وقبل كل ذلك عليه أن يقصد الأرباب , يطلب صفحه , ويشكي له مواجده .
    فقصد ود النمير الأرباب , شاكيا متاعبه :
    - إنها دعوتك علي يا الأرباب . أصبت بالحب., الذي خرجت منه مهزوما .
    إبتسم الأرباب وأطرق برهة من الوقت , ثم قال في صوت عميق :
    -لن تعود فاطمة سيرتها الأولى , إلا إذا تمكنت من تهريبها عبر هذه المرآة , مرآة حجر كوتو المقدس . إنها صفحي عنك .
    كان الأرباب قد أدخل يده في تلا فيف جلبابه المرقع . ليخرج المرآة . فقد كان يرغب في رؤية حفيدته مرة أخرى . مد المرآة لود النمير وهو يستطرد :
    -عند غروب الشمس . وإذا تأخرت لحظة واحدة عن الغروب , تختفي فاطمة مرة أخرى . تأخذها مياه الوادي هذه المرة دون عودة .
    أخذ ود النمير المرآة ومضى باحثا عن فاطمة, في الوديان . متنقلا من وادٍ إلى آخر . إلى أن ذكره السمندل والقماري., التي على الجماميز والقمبيل., في إمتدادات الوديان., بهديلهم وغنائهم مرة أخرى., بالفقيرة العجوز مسك النبي . صاحبة القهوة . والدة الأشرمين .فعرج على دريب الريح ,ومضى إلى أن انتهى إلى قهوة مسك النبي .
    في الصباحات العديدة., التي تكشفت عن مسيرة بحثه المستميت ,عن فاطمة السمحة .. بحثه الدائم عنها في الأودية والشعاب , كانت دائما من بين كل الصباحات , ثمة صباحات مثل نبع خفي في الذاكرة . صباحات خالية من العكرة , تتسم بصفاء غريب., يتخلله طيف يعرفه ولا يعرفه . طيف لعجوز محدودبة الظهر , لها عيني فاطمة . يحاول القبض على ملامحها كلها . إعتقالها .خوفا من صيرورة النسيان الحتمي , فتفلت عبر شراك هديل السمندل., وفخاخ زقزقة عصافير الجنة الملونة., التي تملأ الوادي .. كان يفشل دائما في تلك الصباحات المخصوصة ., في القبض على ملامح العجوز .,التي كانت تعبر عن نفسها في محض إحدوداب., وعينين فتيتين هما عيني فاطمة ذاتها ..
    الصبيحة التي وصل فيها .,إلى قهوة مسك النبي , كانت أشبه بتلك الصباحات الهاربة., التي أفلتت من مطارداته .
    برؤيته لمسك النبي.,رأى الوادي يأتي إلى فراشه بفاطمة , ليتلاشيان معا في عيني العجوز وإحدودابها .
    إذ ما أن رأى العرافة العجوز مسك النبي., حتى أصيب بما يشبه الصاعقة., تتخلل سريان دمه . أحس بشيء غامض يربطه بها . وخطر في ذهنه لبرهة خاطفة , لحظة رأى إبني مسك النبي الأشرمين , فرج فاطمة الأشرم ,كأنه فرجين , أو كما تخيله بتحسسه إياه .,في تلك الظهيرة., التي انقلبت فجأة ليلة ليلاء .
    أخبرته مسك النبي :انه لو أراد لقاء فاطمة مرة أخرى حقا., لما بارح المكان الذي فقدها فيه ..
    عاد ود النمير مرة أخرى., إلى الوادي ووصل., إلى شجرة الجميز .. جلس حيث اتكأ وفاطمة واستلقيا .. جلس حيث تلاعبت بثيابها أنفاس لهاثه الحار .. جلس وهو يتحسس مرآة كوتو بين لحظة وأخرى , يقاوم النعاس .
    في هذا الوقت كان مشايخ دارصباح .,قد انهوا أعمال تصفيتهم لكل من تبقى من طائفة جانو قرمط, واتصلوا بالصعيد والسافل ودار الريح, يعلنون مخاوفهم المتنامية من بلدة الأرباب .. هذا الخطر القادم من أزقة تاريخ دار صباح , ودهاليزها ضاربة القدم . ويرسلون إلى كل الديار المجاورة بان يبعثوا لهم., بكل من يشتبه في إنتماءه .,لطائفة أبوجريد حتى ينالوا لذة التمثيل بجسده .
    فأرسل لهم عمدة الصعيد والسافل: انه لم يبق لديهما .,من المنسوبين إلى طائفة أبو جريد أحد على قيد الحياة ...
    وكانت هذه الأخبار المتواترة., قد بدأت تقلق الأرباب .,وتقض مضجعه , الأمر الذي كان يدفعه., لمزيد من إجراءات التأمين للأرباب وحواضرها ..





    القسم الثاني :

    i
    بلدة الأرباب : أشبه بتلك الحواضر السحرية , القابعة في رحم التاريخ الوسيط . أو هي جزء من الجنة الأرضية., كما يتصورها خيال مراهق أعمي مستبد .. بالثياب الملونة لسكانها . ورائحة القمبيل العطرة .,التي تتنفسها الأشجار., على شطي أوديتها الثلاثة , فتملأ رئة البلدة وخياشيمها , التي تزفرها للريح , لتحملها بدورها .,إلى دار صباح والصعيد والسافل .
    رائحة القمبيل المنعشة الباردة ., تبعث في نفوس العشاق., مزيجا من الأحاسيس اللاهبة , فيهتاجون ويمضون لتوهم - عندما تلامس رائحة القمبيل ,أحاسيسهم وأخيلتهم - يبحثون عن حبيباتهم الظمئات , اللائي يكن لحظتئذ , قد سرت فيهن., رائحة القمبيل كطيف عاشق , يزحف ويدنو ببطء , يشم الخياشيم ويلثم الأفواه , ويحاصرهن بنوع من الخدر اللذيذ , حتى إذا اجتمع العشاق إلى حبيباتهم , يصمت كل شيء .,وتبقى العيون وحدها ورائحة القمبيل., وبوح السمندل , غلالة سرية تحيطهما في إرتفاع أنفاسهما الحارة , وإنخفاضها المنتظم .
    بلدة الأرباب ذاتها., تشبه أنثى منفرجة الساقين , فالوادي الكبير الذي يتوسطها , بمثابة البطن والرأس في تعرجاته البارزة , وعريه المجنون , الذي يمنح عشاق البلدة., متكأ للوجد والمواجد., في ليال الصيف الغائظة . وواديها الشرقي والغربي - الأشرم - كفرج مزدوج ,تنهض فيه عرديبة الدود., التي نمت في هذا المكان , الذي كان أرضا جرداء , دفن فيها الأرباب.,جمجمة أبا جريد .عندما فشل في تحنيطها .,والإحتفاظ بها ,مخفية قريبا من مخدعه ,دون أن تزعجه برائحة الشعراء.
    لم تلبث هذه الجمجمة ,أن دودت الأرض .,ثم انفتقت عن عرديبة خضراء ..
    كانت عرديبة الدود ,بمثابة كرامة إضافية .,في رصيد الأرباب .ولهذا السبب., أصبحت مكانا رسميا., لكل الإجراءات ذات البال., بدء من عقد القران., وإنتهاء بالإعدامات , مرورا بالاحتفالات الموسمية ,خصوصا ليلة الأنس الكبيرة.. كل هذه الأمور يتم إجرائها ,تحت عرديبة الدود .
    وهذا الوادي الأشرم ,بمثابة الردفين والساقين . تسكن أشجاره طيور السمندل , التي تضرب بجناحيها في أعماق الخواطر اللاهبة , تستخرج الحكايات الميتة ,وتبعثها من جديد للحياة : حكاية لاهثة مجنونة متوترة تلو أخرى . ولا تصمت .,إلا بعد أن يقضي العشاق أوطارهم , وهم يستنزفون مشاعر بعضهم بعضا . وقد نال منهم الخور . وتخلل زنخهم المزيج من رائحة الشعراء ورائحة القمبيل .,ورائحة الدعاش القادم من جوف الوادي المبتل . لتبدأ هذه الرائحة الباردة في الإنخفاض ,مع حرارة الجو وبوح عرقهم المنداح , كدوامات تتبدى عنها الحكايات المذكرة والمؤنثة ., للسمندل الخنثى . عند هذا الحد تهدل القماري , ويضرب السمندل بجناحيه الهواء , فيشقه نصفين , يجذبان بعضهما بعضا., للالتئام مرة أخرى , ولا يخفض السمندل جناحيه.,إلا عند الوادي الأوسط .,في قلب أشجار الجميز والقمبيل .
    تلك بلدة ,شيدها الأرباب من تلا فيف أسرار معلمه أبو جريد , ومن بوحه لعشيقات بعضهن في الذاكرة , وبعضهن في القبر . وبعضهن ظللن محض خيال., أو طيف يراوده., لكنه لم يلتقيه أبدا , إلى أن قتل في هجوم الجيوش المتحالفة على بلدته .فقط أطيافهن تلاحق إستمناءاته الحارة.,في ليال عزوفه المتعمد عن نساءه التسعين ..
    من كل ذلك .,ومن ذكريات هروبه من دار الريح طفلا , وكراماته في شعب بلدته , شكل الأرباب هذه البلدة المزيج., من شجن وبوح وغفران .,وصفح وغدر . فكانت الأرباب بلدة ذات تضاريس., ليس كمثلها تضاريس. برمالها الذهبية, حيث تشرق الشمس , وأرضها الطينية القردود .,عند الغروب الشقي .
    وتربتها المزيج من الدم والدموع .,في صعيدها وسافلها .. يأتيها الناس عابرين . يحطون رحالهم لأيام , يفعلون كل ما تمنوه يوما , ويشعرون بسعادة غامرة , ولكن يخالط هذه السعادة ., نوع من الخوف والشعور بالغربة , التي تقود الإنسان إلى القبر , إلى أن يتمكنوا من المغادرة بصمت وسرية تامة- هذا إذا نجحوا في المغادرة- . وعندما ينجح بعضهم في ذلك ينسى أين كان . كأنه حلم !!!. لكن يظل شيء واحد فقط , يتذكرونه , هو : عرديبة الدود , التي في مفترق الأودية الثلاثة , بالتحديد مفترق الوادي الأشرم . لكن حتى هذه العرديبة التي تهيمن على خيالاتهم , لا يتذكرون أين رأوها بالضبط!!! .
    قبل أن تصبح هذه البلدة., بهذه السيرة , كانت خاوية , لا يسكنها سوى ثعبان أبو الدرق وأبو الدفان., الذي يخبيء نفسه في رمال الوادي . وطيور السمندل والقماري .,وطيور الجنة الملونة ,والحمام الوحشي, الذي سكن أشجارها مع هذه الطيور , جنبا إلى جنب , كأنهم جميعا فصيلة واحدة .. حتى الخنزير البري"الكدروك", الذي يختبيء بين أشجار الوادي المتكاثفة , كان يشعر بألفة وحميمية غريبة .,مع هذه الطيور .
    لكن ما أن إهتدى أبو جريد إليها , حتى استعان بخبرة هروبه الطويل , عندما كلف بتهريب الأرباب , إبن عشيقته , زوجة العمدة التي لم يكن يرفض لها طلبا .
    وما أن إقترب أبو جريد ,من شبه الجزيرة –وقتها- التي أصبح إسمها فيما بعد : "بلدة الأرباب", حتى هاجه شجن بعيد إلى مسك النبي , التي تركها ذات فجر بعيد., عند منتهى دريب الريح , ومضى خلسة إلى دار الريح , دون أن يخلف وراءه أثر ..
    كثيرا ما تساءل وهو يعتني بالأرباب., في موطنهما الجديد بشبه الجزيرة : ترى كيف هي مسك النبي الآن ؟!.. وماذا فعل الدهر بها ؟!. أهي ذات الصبية الغندورة .,التي تركها ذات يوم , أم أصبحت امرأة ناضجة , وتخطت حبهما., الذي لم يمضيا فيه طويلا .. ترى كيف هي الآن بعد كل هذا الوقت ,أهي حية أم ميتة ؟؟!!..
    لكن لم يجرؤ أبدا على البحث عنها في دريب الريح .
    كان قد تركها خلفه , منشغلا بمهام بناء طائفته , في دار الريح, حتى أصاب شهرة واسعة .,كفقير يعالج المرضى بحجر كوتو السحري , ويرى ما لا يرى , الأمر الذي قربه من العمدة.
    كان أبو جريد يلتقي أتباعه في الليالي المقمرة , في الفضاء خارج البلدة . يقيمون طقوسهم التي لطالما اشتاق إليها , وهو وحيدا في عرين الوحوش , لا أنيس له سوى مخطوطاته .,وكتبه العتيقة .
    عندما طلبت منه زوجة العمدة .,حماية الأرباب. والهرب به بعيدا , إلى حيث لا يعثر عليهما أحد ..
    لم تخبره أبدا أن : الأرباب إنما ابنه هو . الذي حبلت به منه , عندما كان يواقعها في تلك الطقوس, التي كانوا يقيمونها في الفضاء – والتي كانت إستدعاء بعيدا لليلة الأنس الكبيرة - خارج البلدة .وأن العمدة يظن أنه إبنه , بعد أن أقنعته هي بذلك , حتى تأمن شره . وزواجها منه إنما سند قوي يحمي الطائفة., من أعدائها . فليس ثمة سند أقوى من السلطة ذاتها .
    وظل هذا سرها., الذي لم تبح به لأحد أبدا . فأبي جريد.,لم يكن يعلم شيئا . لكنها كانت واثقة , ثقة المراة بحدسها الخفي .أن الأرباب بن أبي جريد , وليس سواه , خاصة أن الشرمة التي في غلفته , هي شرمة أبو جريد ذاتها - وأن أبو جريد سيقوده حدسه ,حتما لمعرفة ذلك , وسيرعاه كإبن بطنه فالدم يحن - هذه الشرمة., التي كانت تخشى أن يراها العمدة .,فيدرك أنها علامة لم ترد., في كتاب علامات أسرته .,ذات الدم النبيل . فمن دون كل أبناءه منها ومن سواها , لا يحمل شرمة في غلفته, سوى الأرباب. وكل أبناءه الآخرين منها , يحملون علامات أسرته., التي توارثتها جيلا بعد جيل , وهي علامات لا تخطئها أبدا عين الأسرة الكريمة التي لا تزال تحتفظ باثر من دماء المقدس دالي في عروقها .
    فحرصت منذ ولادته على إخفاءه عنه , إلى أن بلبل أشقاءه البلدة- كما شاع وقتها- فأقنعت العمدة بان أخوة الأرباب ,لا محالة قاتلوه . وما لم يدركه العمدة., أنها هي التي كانت وراء هذه البلبلة , وذلك لأن وقت ختان الأرباب قد حان , ولا محالة أن أمر غلفته الشرماء سينكشف , فلا تستطيع حينها دفع شكوك العمدة .
    خشيت أن تفقد الأرباب , وتفقد كل شيء معه , فدفعت به إلى أبو جريد دون أن تخبره بأسبابها السرية .
    فمضى أبو جريد إلى طائفته السرية الوليدة, تاليا وصاياه الأخيرة على يعقوب الفقير الفلاتي. دون أن يفصح له بغرضه الحقيقي., من هذه الوصايا الخاصة بالطائفة وتمددها . .
    لوقت طويل بعد إختفاء أبو جريد والأرباب . ظل أتباعه ينتظرونه كغائب , سيعود يوما وينقذ البلاد والعباد .,ويحرر كل البلاد الكبيرة , واضعا أعمدة دولته المباركة,من -عالم الأفكار- الأزلي .
    كان أبو جريد يشعر برابط خفي , يربطه بهذا الطفل , منذ احتضن يده في كفه الواسعة , فقرر لحظتها أن يحتضنه كأب., ويمنحه من أسرار أسلافه أتباع جانو , ما لم يمنحه لأحد أتباعه يوما . وهكذا تعهد الأرباب بالرعاية, إلى حد أن منحه حجر كوتو ومرآته السحرية .
    كان أول عهد أبو جريد بدار الريح , عندما مضى تاركا خلفه مسك النبي في ريعان شبابها .مخلفا وراءه الطريق المفضي إلى دريب الريح , دون أن يعلم أنها كانت حاملا منه .
    مضى دون أن يعود, ودون أن تعثر له على اثر .,حتى نسيته أو تناسته ..
    وقتها كان قد تمكن من العمل عند عمدة دار الريح., كخفير لدار نساءه الكبيرة . وحاجبا لديوانه . فقد صدف انه الوحيد., الذي يعرف فك الحرف وربطه , كما أن تجربة غربته الطويلة المؤلمة,وتشرده منذ غادر دياره., في دار صباح طريدا ومطلوبا .. زودته بميزات لم تكن متوافرة في الآخرين .. ميزات هي أول ما يلحظها محدثه . وهو ينظر إلى وجهه الهاديء, الذي وخطته التجارب المريرة ..
    وهو الأمر الذي لاحظه عمدة دار الريح , فمنحه ثقته . وأصبح أبو جريد كاتم أسراره ,ومرسال شوقه لحبيباته العديدات , وهكذا تعرف أبو جريد إلى أم الأرباب , فجندها إلى طائفته .,بعد أن نشأت بينهما علاقة سرية حميمة., من خلف ظهر حبيبها العمدة .
    من دم أبو جريد ,عجن الأرباب طين البيت الذي سيكون مقره., في البلدة .لعشرات السنين القادمة . ومن أحلام أبو جريد, صاغ الأرباب بلدته السرية المعلنة , عند تقاطع الأودية الثلاثة , ومفترقها, في دريب الريح .مضيفا إليها من أحلامه الشخصية , الخاصة جدا , كل تطلعاته في الهيمنة على العالم حوله .
    كانت هذه الأحلام والتطلعات ,استيحاء من سؤال مركزي واحد .,يكمن في إستيعاب التحول الذي جعل من الجريدية كطائفة مهمشة , في السابق . تيارا مهيمنا الآن له أجندته وتطلعاته ,وفي خضم هذا السؤال إكتشف الأرباب., السبب الرئيسي لهذا التحول: وهو أن الطوائف .,التي كانت نشطة في دار الريح والسلطنة الزرقاء, وانطوت عليها تجربة دارصباح , كفت عن العمل ,ولم تعد نشطة كما كانت , وهكذا انطلق يخطط لإنجاز مشروعه الكبير .

    ii
    عندما تمكن الأرباب من إسترداد أم حجل من العمدة الأعمى , الذي كان - كما يعتقد- قد سلبه إياها , هيمنت عليه لعدة أيام وليال .,صورة أبو جريد ..
    كان كلما دنا من أم حجل ليلا في خدر النساء , يجردها من ثيابها , تنهض صورة أبو جريد .. كأن طيفه يضاجعها معه . فيخرج مكروبا , مغموما .,وهو يتحسر على ما فعله بمعلمه .
    وعندما أنجبت له أم حجل أمونة . شعر بأنها ثمرتهما المشتركة – هو ومعلمه – فأقسم تكريما لذكرى أبو جريد أن يعتني بها .,عناية خاصة , ما بقى حيا .. إذ اعتقد أن أبو جريد ,ما اصطفى أم حجل عبثا .,دون كل نساءه التسعين , وما اصطفاءه لها., إلا نوع من الصفح والغفران - لما قابله به من غدر وجحود - يمنحه له الآن .,حتى يتمكن من مواصلة مشوار حياته., المليء بالمتاعب والصعاب . وتأكيدا على حرصه على أم حجل وابنتها , عزلهما بعيدا .,عن متناول مؤامرات ودسائس بنت مسيمس , التي كانت الغيرة تتآكلها .. فمنذ أن جاء الأرباب بأم حجل , بعد أن قتل زوجها العمدة الأعمى , لم يعد يجيء إلى فراشها .,كما كان يفعل في أيامهما الخوالي .
    في الليالي الطويلة , التي يغيب فيها الأرباب عن فراشها , غارقا في حبه لأم حجل , تدهم بنت مسيمس .,كل ذكريات حياتها المنصرمة , فتجيئها العازة , تحدثها عن حبيبها., الذي كانت تنتابه رؤى ونبوءات : الفرج الأشرم , في الليالي المقمرة , حيث تنتصب العازة والسرة بين شرمتي الفرج . وضوء البدر الساقط عليهما ,يلقي بطيف غامض., يتخلل ظليهما , هاتفا :
    - من سلالتيكما يأتي الملوك.
    لم تصدق العازة تلك الرؤى والنبوءات أبدا , إلا عندما ولدت بنت مسيمس وأم حجل., بفرجيهما الأشرمين . حينها فقط أدركت :أن ما بينها وبين حبيبها .,مقدر ومكتوب منذ الأزل . ولا يمكن تفاديه , فدست هذا السر وحرصت عليه . أخفته عن كل الناس ,ولم تسمح للعجوز الخبيرة., بختان إبنتها بنت مسيمس . حتى لا يتسرب أمر فرجها الأشرم , وهو ذات الشيء الذي فعلته السرة والدة أم حجل , منتهكة عوايد القبيلة , وتقاليدها العريقة .
    كانت العازة بكل كثافة وحدتها .,في الليالي الموغلة الوحشة , وبكل ما يضج به جسد بنت مسيمس .,من عرم لاهب .تدهمها بطيفها .لتعيد لها ذكرى ذلك اليوم .,الذي حبلت فيه بها , عندما دخل عليها حبيبها الفنجري خلسة , لا يطيق صبرا , فاحتضنها , وارتمى بها على رمل الدار .
    وقتها كانت كلبة العازة ,قد جاءت بكلب الجيران, الذي أخذ يمهمه ,ويلف حولها في دائرة متوترة ,وهي تحاوره وتداوره .. تتمنع عليه إلى أن انقض عليها , واعتلاها في غفلة دلالها –ربما- كانت الكلبة تعوي ,والعازة تشهق شهيقا معذبا.,ولذيذا كخروج الروح . وظل إحليل الكلب ملتفا في أحشاء الكلبة., كثعبان أبو الدفان .كلما يجذبه يشتد تمسكها به أكثر .
    راحت في إغماء عميق , تخللته رائحة القمبيل القادمة من دريب الريح , تحملها رياح الصعيد النديانة., إلى دار الريح .لحظتها كان الكلب يفلت نفسه مجهدا ويبول , فتملأ الرائحة الزنخة الشبيهة برائحة الشعراء فضاء الدار .. تشمها العازة فتستفيق ,وهي تكح وتتأوه., آهة عميقة الشجن واللوعة , فيمضي حبيبها الفنجري., إلى داره مهدود القوى .
    عندما التقت السرة بعد أيام وليال عند رهد الماء , تبادلتا الحديث الملغز , ثم كشفتا عن الأحاسيس الخفية .,التي ظلت تلاحقهما منذ تلك الليلة , فحبيبها الفنجري منذ وصل إلى دارها , إتكأ وتجشأ ما يمور في أمعاءه .,من وليمة عرس إبنة العمدة., الشهية وقواه تسترد شيئا فشيئا ..
    جلست السرة إلى جواره , فاحتضنها بين ذراعيه , نظرت إليه مطولا - كانت قد أدركت إنها الليلة الموعودة , ولابد أنه بر بقسمه - احتضنها فتمنعت وكلها شوق . هي التي ظلت تنتظره, منذ فتحتها الخبيرة بالموس الحاد . كانت كلما تلمست العجين على الجرح النازف , تشعر بان أصابعه., هي التي تتحسس الجرح .. هي التي تندفع عميقا, لتصنع جرحا في الجرح . هي ..
    نظرت إليه طويلا ,وعينيها تضجان بالشوق والعذاب . فنهض عليها كمن يخوض حربا , وقد ركبته شياطين البلدة, والوديان المجاورة .,بعفاريتها الحمر والزرق , وأحتلها كما يحتل الهلاليون .,بلدة مغلوبة على أمرها .
    في وحدتهما الكثيفة .,بعد وقت طويل .,في دار الأرباب , تتذكران معا : بنت مسيمس وأم حجل , تلك الليلة التي قضتاها مع الأشرمين , إبني مسك النبي , صاحبة القهوة التي عند منتهى دريب الريح . فتختلط عليهما الأحاسيس والمشاعر ..
    أحيانا تندمان على فراق الأشرمين , فتلك الليلة التي قضتاها معهما ,كانت ليلة مميزة., لم تخطر على إحساساتهما المتنامية على بال , إذ لم يذقن طعما كذاك الطعم ,ولا إحساسا بتلك القوة , بمشاعرها الناهبة., ودفقها الذي خلن أنه لن يتوقف أبدا , فقد ابتلت ثيابهما بمزيج لزج, من الدم والعرق والرطوبة , وابتل الرمل تحتهما ,في دائرة كبيرة , فما شعرتا بملامسة الأشرمين , لأحشائهما-التي ارتجت- فحسب. بل كأن مسمارا دق في رأسيهما , فحفر عميقا حتى أخمص القدمين . اللتين تشنجتا وتوترتا توترا لا حد له .
    في وحدتهما الكثيفة , بعد عشرات السنين , تظل تلك اللحظة العارمة., تلاحقهما بعذوبتها الملتاعة .,محمولة على سواعد اللحظة .,التي رآهما فيها ,أتباع الأرباب., والعمدة الأعمى. في منتهى دريب الريح, عند مدخل البلدة ,وثغرها من جهة الوادي الأشرم .
    كثيرا ما حاولت بنت مسيمس., تشكيك الأرباب في أبوته لأمونة بنت أم حجل :
    - ألا تلاحظ إنها ولدت في ذات اليوم., الذي ولدت فيه ابنتي مرج البحرين ؟!.
    -إنها مني ومن معلمي أبو جريد . فكفي يا امرأة , لن تنجحي في مسعاك . فلن أشك في أم حجل أبدا . أنا الأرباب . أتفهمين ماذا يعني أن أكون الأرباب ؟!..
    فتكظم بنت مسيمس غيظها ,وتداري أحقادها المحزونة .
    كان الأرباب يعتقد أن مرج البحرين , إبنته من بنت مسيمس , قد أنجبت ابنها ود النمير., من إبن العمدة الكبير , الذي هرب بعد وقت قصير., من بداية ونهاية علاقتهما , وانقطع أثره . ظلت مرج البحرين تنتظره .,وتحلم به .,في لياليها المضنية , إلى أن نحل جسمها., وأصابها مرض خفي , فشل حكماء الصعيد والسافل, ودار الريح ودار صباح في علاجه , حتى حجر كوتو المقدس, لم ينجح في علاجه . فماتت مرج البحرين .,من الحنين والإحساس بالفقد . ذات ظهيرة شاحبة , ودفنت في مناحة كبيرة .,تحت جذع عرديبة الدود ,التي تتوسط البلدة .
    ومنذ كان ود النمير , في رحم مرج البحرين- بعد لم يولد- كان الأرباب لا يكن له عطفا أو ودا , لان دم إبن العمدة الكبير .,يجري في عروقه -كما ظل الأرباب يعتقد - لكنه لم يقوى على قتله , فدمه أيضا كان يسري في عروق ود النمير .
    ومع ذلك عندما شب ود النمير عن الطوق , إتخذ الأرباب قرارا .,بدا لكل الطوائف -وطائفة العميان على وجه الخصوص -غريبا . إذ جعل ود النمير., رئيسا لطائفة العيون , التي كانت في ذلك الوقت, قد أنهت بناء الكثير من المخابيء, تحت أرض البلدة وحواضرها - لتعذيب الناس ,الذين يحتمل أن تكون لديهم اتجاهات مناوئة., في المستقبل- كانت قد شيدت هذه المخابي في سرية تامة , ولم يعلم أحد بوجودها ,سوى الأرباب والمعنيين بها مباشرة .
    وكانت دهشة الطوائف الأخرى .,وطائفة العميان على وجه الخصوص .,مصدرها علمهم التام .,بأن الأرباب قبل أن يتخذ هذا القرار , كان قد أبدى لأكثر من مرة .,انه سيلعن ود النمير ذات يوم . لعنة لن تقوم له بعده قائمة . وظل الجميع بانتظار هذه اللعنة , التي عندما أخرجها الأرباب من طياته ,لم يلبث ود النمير., أن أخذ يهيم من واد إلى واد , بحثا عن فاطمة السمحة .
    iii
    في وحدتها الكثيفة .,بعد عشرات السنوات , يتوقف تيار الزمن : عند أم حجل .,في لحظة واحدة ..هي تلك اللحظة., التي اتخذت فيها قرارها., بأن ليس ثمة بعلا جديرا بها .,سوى الأرباب , الذي جدد فيها لظى ليلتها اللاهبة مع الأشرم ..تلك الليلة اللاهثة المتناقضة , التي ظنت إنها لن تتكرر أبدا ,رغم الانقباض الذي خالطها.
    تسللت أم حجل خلسة من دار العمدة , تتبع الحمامة الزاجلة إلى الوادي , حيث دغل القمبيل . تركتها الحمامة في الدغل ومضت , وكلما حاولت اللحاق بها , يهبط السمندل من أعلا الشجرة , يضرب بجناحيه , فتتراجع إلى الدغل الكثيف , إلى أن أدركت أن السمندل يخبرها :أن تنتظر مكانها . ولم تلبث إلا قليلا .,حتى أطلت الحمامة يتبعها الأرباب .
    حملها الأرباب بين ذراعيه., كما يحمل طفلا صغيرا , وأشار إلى السمندل بيديه , فجاء الهدهد والقماري .,والطيور. يحملون ورق الشجر الأخضر والليف , ويسوون فراشا وثيرا .
    وضعها الأرباب على فراش أوراق الشجر., وأخذ يداعبها بلطف ولين ..
    كان كلاهما صامتا , ما يفصل بينهما مقدار رجفة .,بمثابة هاوية لا قرار لها .
    عندما عادت أم حجل إلى دار العمدة , كانت ملتبسة الفكر , لا تدري هل حدث ما حدث حقا , أم أن أحلام قيلولاتها بها جنحت بعيدا., إلى ليلتها مع الأشرم . فقد شعرت وهي بين أحضان الأرباب , كأنها بين أحضان الأشرم : ذات القوة والعنفوان . ذات التلاشي في بؤرة واحدة , يتجمع فيها هلاك الروح ,وغليان الدم والهياج والفوران ..
    كانا يغرزان اظافرهما في لحم بعضيهما , وينشبان أسنانهما أحدهما في الأخر , ويكزان على أسنانهما بهوس . حتى يكاد الدم يخرج من ألسنتهما المتعانقة .
    كان الصمت قد عم الوادي , وليس سوى حفيف أوراق متساقطة , ووقع خطى على سكة لا متناهية . انه ذات الشعور الذي انتابها .,عندما أفاقت من نومها, تتفقد رجلها الأشرم . لكنها لحظتها .,تمكنت وأختها من التغلب ,على هذا الشعور , فهربتا .
    تدرك الآن, أنها لن تستطيع .,مقاومة سطوة الأرباب , الذي أيقظ فيها ذكرى ليلة بائدة , ظنتها نسيا منسيا .. لحظة منصرمة, انطفأت مع الأشرم . اللحظة التي جاهد العمدة لإشعالها ,أو إخماد طيفها إلى الأبد , ففشل ..
    وظلت أم حجل., تحكي لإبنتها أمونة ,عن هذه اللحظة بالذات , كأنها تتلو تعاليما مقدسة., من كتاب أبو جريد . فتشعر أمونة ,بقوة اللحظة تحاصرها . تتخلل شرمتي فخذيها , بعنفوان طيف غامض الملامح, يأتيها في الصباحات الباكرة , قبل أن تتسلل خيوط الفجر الأولى , لتنعكس على قبة الفكي الأرباب , فتملأ دروب البلدة .,وأزقتها وحواريها ..
    لذلك عندما رأت الحوار المهاجري ,رأت فيه ملامح ذلك الطيف الغامض ,الذي يزورها في منامها., ويجعلها تصحو في البواكير الباردة: متعرقة. ساخنة, كالخارجة من فرن .. يحمل مروره رائحة القمبيل والجميز.ويحلق بها, خافقا كجناحي السمندل , فتغيب في رعشته ..
    منذ رأته غادرها وقارها .,وتمنعها الذي عرفت به ..
    أومأ لها .فأومأت له. وصارا يلتقيان في المفترق الأشرم للوادي الأوسط . يتوغلها بهمسه, ويحتلها محاطا بنكهة غامضة , مصحوبة بهديل القماري والسمندل .فتفتح عينيها .. يختفي الوادي والسمندل والجميز والقمبيل , ولا ترى سوى عرديبة الدود شاهقة , في منتصف المسافة بين السر والجهر ., والشك واليقين ..
    تنبعث كطيف يتوحد في جسمه الفارع, الذي يدب فيها كله شيئا فشيئا . مخترقا شرمتها اليسرى . فتسحب ساقيها وتغيب في زمان ومكان آخرين . خارج حدود بلدة الأرباب . فلا ترى سوى طيور الجنة الملونة, والسمندل يتبختر أمامها كطاؤوس .. ترمي بنفسها في الماء . وهي تراه .. حبيبها , يشهق ميتا , فتكفنه الحوريات بكسوة من ريش الطاؤوس , وشيئا فشيئا .,يستحيل إلى جميزة ضخمة.. جميزة أضخم من عرديبة الدود والحرازة أم قد .
    كان التحول التاريخي .,الذي شهدته البلاد الكبيرة, إلى شكل مختلف من الهيمنة .,عن تلك الهيمنة- التي كانت في السلطنة الزرقاء أو ممالك دار الريح البائدة, ,أو تلك الدولة المسخ ,التي نشأت في دار صباح وقررت إستعمار مصر والحبشة,بل طمحت لمد نفوذها حتى ليبيا السنوسيين, أو حتى جلابي ود عربي, الممتدة كمفهوم متحول في الزمن والمكان-هذه التحولات التاريخية, أنتجت نموذجا مشوها سريع التبدد والزوال, في البلاد الكبيرة, ,في كل المراحل المتعاقبة,وصولا للحظة إعلان دبك لثورته الفاشلة ,و بعد أن تمكن البيض ذوي الدماء الزرقاء من الاستيلاء .,على دار صباح والهيمنة على العقول إلى أجل غير مسمى , أو بعد خروجهم, وإفساحهم المجال ,لدار صباح لتكرس لذات المعادلة.. لدولة موحدة محتشدة الموارد ,متمركزة في دار صباح, والتي شكلوها من عناصر دولة تتسم بالفناء , تنطوي على تجاريب التبدد والزوال في ممالك البلاد الكبيرة قاطبة,منأقصى شمالها إلى أقصى جنوبها وم أقصى غربها إلى أقصى شرقها ,عبر تاريخها المديد .
    وهكذا جاءت التجربة الجديدة., لعمد ومشايخ وزعماء طوائف دار صباح , بمثابة شبكة من السياسات التي ترتبط بقضية الهوية .وعندما حاول أبو جريد إختراق هذه الشبكة ,جعلت منه دار صباح فزاعة للطيور ,أو خيالا للمآتة , كانت قد شوهته على نحو ممسوخ , وهكذا ظل الصراع والصراع المضاد ,هو ما يحكم العلاقات البينية ,التي كانت تؤكد على الدوام, أن شبكة العلاقات التي تمت صياغتها في دار صباح, تنهض في الإنتهازية بدلا عن الحقيقة , وشكل ذلك., أساسا مشتركا ,تقاسمته مع دار صباح ,كل من دار الريح والصعيد والسافل, وفيما بعد ,مثل مرتكزا نهضت عليه بلدة الأرباب .,التي كان مؤسسها يتوقع زيادة في الإهتمام بهوامش حاضرته وصدوعاتها . الإهتمام بتلك البقع المبهمة والملتبسة , حيث تبدو قوة الأرباب كنظام هيمنة : مهتزة لا رسوخ فيها ..
    تلك الهوامش الظليلة ,حيث تطمح دار صباح لنفوذها في صمت , فإذا ما كان من المتعذر إختراق دار صباح ,فان من الممكن إنتهاكها لحظيا على الأقل . وهو ما كانت حملات الغزو التي تقوم بها بلدة الأرباب رغم مشكلاتها الخفية: تحاول أن تقوله لدار الريح والصعيد والسافل ..انه من الممكن سبر النظام - الدار صباحي- وجسه, بحثا عن تلك النقاط الحساسة للألم- هذه المناطق التي يعرفها الأرباب في دولته جيدا - حيث تبدي سلطة الهلاليون علائم الإنحلال والتداعي ..
    لكن مع تكرار الغزوات تأكد تماما للأرباب, أن عدم وجود مركز يعني عدم وجود هوامش أيضا , بالتالي إدراك كئيب للتواطؤ بين المركز والهامش , والقوة والإنحلال , وللعبة القط والفأر الجارية خلسة بينهما , بالتالي لا معنى للإحتفاء بكل ما هو هامشي ,بوصفه إيجابي ,فما هو هامشي وفقا لتجربة دار الريح ودار صباح ينطوي على انتهازية مقيتة .

    iiii
    كانت فاطمة السمحة منطوية على نفسها , كحوصلة داخل شرنقة .,من حكايا أم حجل ونبؤاتها , وذكريات أيامها الخوالي . كان كل يوم يمضي من حياتها ,بمثابة سنوات طويلة ,من حكايا تغذيها بطيوف غامضة , مصبوغة بالحنين والحمّى , تسبقها نكهات من روائح أشجار مجهولة , لا مثيل لها .,بين روائح أشجار الوادي . وتدهمها الحكايا بالرؤى الملونة, التي تأخذ شكل فارس يأخذ بمجامع قلبها .
    وكانت قوة الروائح ونفاذها , يشتدان بمرور الوقت, الذي تشعر به خاطفا كلمح البصر , وكلما كبرت فاطمة قليلا . كان طيف الفارس يدخل, في هالة من الضوء .تبدأ في الإنقشاع عنه تدريجيا . وما أن تكاد ملامحه تبين , حتى يختفي مرة أخرى .
    وعندما أكتملت أنوثة فاطمة., وأخذت الجدة لا تستر إلا بارزا , كان قد سبق هذا الإكتمال, تغيرا في عاداتها , تبعه تغيرا في مناخ الوادي وطبيعته .
    إذ ثارت الوديان والشعاب الكثيرة , التي تغذي أودية بلدة الأرباب الثلاثة . في تلك الليلة ,التي أكتشفت فيها فاطمة., لأول مرة دما بين فخذيها . وتحسست صدرها , فوجدته ممتلئا .,ومتألما على غير العادة ..
    في تلك الليلة .,كانت الوديان تدمر كل ما حولها , إلى حد أن قطعت الطريق بين الأرباب والبلدات الأخرى , ولم تترك حتى الطريق, المؤدي إلى الأرباب من دار الريح والصعيد والسافل ودار صباح ..
    إنمحى دريب الريح بغضبة المياه الهائجة ,كأنه لم يكن موجودا يوما . إذن شكل بلوغ فاطمة - نضج الأنوثة - نقطة تحول مركزية ,استوقفت حتى الأرباب ذاته كثيرا . فقد إستشعر., كما أستشعر الجميع ,من غضبة الوادي .,مخاوف لا حصر لها , فقد تحول بلوغ فاطمة إلى كابوس,يجسم الذعر والهواجس والظنون ..
    وعندما أنجلى الموقف , ولملم الناس شتات أفكارهم , وهم يتفقدون بعضهم البعض , متغاضين عن غباينهم وعداواتهم . كان لحظتها الألم في صدر فاطمة قد توقف , وقل دم دورتها ,ولم يعد يسيل فائرا كما الأمس . وكانت الشمس قد أشرقت .,وبدت بلدة الأرباب خضراء ممتلئة بالفراشات وطيور الجنة الملونة على غير العادة..
    كأن ما جرى لم يحدث على الإطلاق , فتغيرت هواجس الأرباب إلى نبؤة جميلة , وابتسم وهو يزور فاطمة , وظل مبتسما حتى خرج منها . كان مبتسما طيلة اليوم , على غير عادته .
    كان جسم فاطمة قد بدى نافرا كغزال ,فصارت للجدة عادة يومية .,ففي كل مساء عندما تفرغ فاطمة من لهوها ومرحها ,وتعلن الدار مجيئها . تأخذها الجدة إلى ركن قصي .. بعيدا عن نظر الخدم , تفك عنها كنفوسها., وتبدأ في تفتيشها . تتلمس أشرميها , وتغور أصابعها عميقا .,تتحسس مواطن القلق والتوتر الأزليين .حتى تطمئن ويهدأ بالها فتتركها .
    في البدء كانت فاطمة ترفض الخضوع للتفتيش , ثم أخذت تقبل على مضض , وهي في ضيق شديد , فكانت الجدة تحكي لها ,عن فارس يدهم خلوتها .,ويفتت وحدتها .,ويحيل وحشتها إلى جمر لا ينطفيء , ولا يتركها إلا و هي مفلوقة القلب., كحبة فول قسمها نقر الطير .
    فتسخر منها فاطمة . فهي كانت على رغم إحساسها بالخدر الذي يعتريها , لحظة تتسلل إلى منامها تلك الروائح مجهولة المنشأ , معلنة عن اقتراب فارسها الغامض . على الرغم من هذا الخدر,الذي يسكن كل خلية في جسمها , تقاوم وتغذي نفسها .,بمزيج من الشعور المضاد والرفض .
    كانت فاطمة تخبيء في داخلها ناسكة , زاهدة في الرجال . تعتزل حتى ذلك الإحساس .,الذي تشعر به .,وهي تغسل أشرميها في الوادي . فما أن تلامس كفها ذلك الموطن ,حتى يسري فيها شعور غامض , لا تدري كنهه , فتقاومه بالإنقباض .,وهي تمسك الأشرمين بسبابتيها وإبهاميها , كأنها تعاقب فتى صغير بشده من خديه .
    ورغم إدراك الجدة .,لطبع فاطمة السمحة الوحشي, إلا أنها كانت تدرك, فيما يشبه النبوءات الخفية, أن مآلها لا محالة إلى إستسلام , عندما يحين الوقت , الذي تكاد ترى إقترابه, رؤية العين العادلة .
    فكانت تحذرها بتلك الحكايات - التي يبدو أن مردودها كان عكسيا - إذ ملأت خيال فاطمة ,وعبأته بالروائح المجهولة., والطيوف الغامضة , والمشاعر المتداخلة , المربكة . والأحاسيس الملتبسة , التي أخذت تشعر بها , إزاء الفتيان .,الذين يلاحقونها منذ لحظة خروجها من الدار , حتى عودتها مرة أخرى .
    كانوا يلاحقونها وهي تستحم في الوادي , مختبئين خلف أشجار القمبيل والقنا والجميز . كانت تحس بوجودهم الغامض الطاغي , الخفي ولا تراهم . يلاحقونها في كل مكان , حتى في الطريق إلى الحقل . وما أن تلتفت خلفها, حتى يتبخرون في الهواء , فلا تجد شيئا . لكنها تشعر بهم يختبئون .,في تلك الأكمة .,أو خلف هذا الجذع الملقى , أو تلك الجميزة على شط الوادي .. حتى باتت تشك في الطيور حولها , تشعر بالعصافير والقماري وطائر السمندل , يتجسسون عليها , يتحسسون بهديلهم وزقزقتهم وغنائهم, تكويرات جسمها المتحفز , فتقذفهم برشاش الماء, أو حفنات الرمل المبتل .غاضبة , ولا تعود تواصل إستحمامها, إلا بعد أن تطير الطيور مفزوعة .
    فتنة الفتيان بفاطمة السمحة ,مردها جمالها الأخاذ., الذي أخذ بألبابهم , وصرع أفئدتهم . مردها .,صوتها الساحر الذي انتزع دهشتهم , من محجريها . وجعل قلوبهم تنتفض ..
    كانت فتنتها كالموت الأحمر - تحيل أحلامهم .,إلى نوع من الوجع., والإشتياق .الممزوج في الشقاء .,والعذاب والألم - فيتقلبون مضطربين في أسرتهم ,وهم يهمهمون بلغات عدة , لا يذكرون منها شيئا عندما يفيقون من النوم .
    تجرأ بعضهم واقترب منها فصدته بقسوة . لم تلن أبدا , فقد كانت قوية الشكيمة , قوة جمالها "الجني" ..
    في الليالي المقمرة , عندما تخرج فاطمة إلى الوادي, كانت تحس بخطى مختلفة تتبعها, و غير تلك الخطى . خطى ذات جرس خاص : مزيج من هديل اليمام والسمندل .,وخرير الماء في الماء .. مزيج من رائحة القمبيل ونكهة السعات البّري .. مزيج من ضربات قلبها .,وطيف فارسها الخفي الذي لم تراه , إلى أن تكشفت لها تلك الخطى, عند إكتمال البدر في أحد الليالي الماطرة عن ود النمير , الذي كانت قد سمعت عنه كثيرا , مثلما سمع عنها .
    فود النمير كان مثلها . فتى وسيما , متقوقعا في ذاته ,و لا يأبه لنساء البلدة وفتياتها , اللواتي لطالما ارتمين عند قدميه , يرجين وصاله . وظللن يلاحقنه أينما مضى . الأمر الذي كان يدفعه للإختباء في تلك المخابيء السرية , منهمكا في تعذيب معتقليه , أو الخروج بعيدا عن البلدة , متخطيا وديانها الثلاثة, إلى حيث لا يكسر أحد طوق عزلته ..
    ورغم الجمال الفتان لفاطمة , الذي لطالما طرق سمعه , لم تحدثه نفسه أبدا ,بالترصد لها ورؤيتها . إلى أن رآها في ذلك اليوم البعيد مصادفة , فتبعها مسلوبا ..
    هو الذي لم يظن أبدا, أن تدهم وحدته أنثى., فتحدث فيه كل هذه البلبلة و الإرتباك . وتطلق جنونا مخزونا في أعماقه , لم يكن يعلم عنه شيئا , فقد كان قد تحصن منذ وقت بعيد., بالسياج الذي شيدته حول وجدانه بنت مسيمس , بحكاياتها المعذبة عن أمه مرج البحرين , التي أحبت ابن العمدة الكبير , في غفوة من غفوات عقلها . غفوة كانت كافية لأن تصيبها بالألم ..
    إذ لم تدر أن ابن العمدة .,إنما أحبها فقط إنتقاما لدم أبيه القتيل . إذ سرعان ما هجرها وهرب, تاركا البلدة .,دون أن يقع له أحد على أثر . تركها وهي حبلى بود النمير . نسي كل الحكايا التي بذلها لها وهرب " كان يقول لي :
    -يا فلذة كبدي , وجرح فؤادي . يا مليكتي وقمر دنيتي"..
    تقول مرج البحرين , فيتقطر الدمع غزيرا .,من عيني بنت مسيمس . تمسح بالخرق الباردة جسمها الملتهب , بحمى الهجر , تحاول مواساتها . لكن كانت نيران الهجر قد تآكلتها , فلم تلبث أن ماتت محسورة .
    هذه الحكاية وحكايات أخرى .,سيجت وجدان ود النمير., فلم يقع في براثن عدوه الحب أبدا . عدوه الذي قتل أمه .,في ريعان صباها . وجعله يتيما دون أم أو أب . سوى الأرباب بمشاعره الغامضة , التي لطالما أحس بها تبعث على الخوف., أكثر مما تبعث على الإرتياح .
    ولذلك عندما رأى وليدته الصغيرة تاجوج, إشتد بكاؤه وحرص على إسترداد أمها .,مهما كلفه الأمر .
    فكان يقف قبالة الوادي كل يوم , ممعنا بصره , مواجها ذلك الموضع الذي غرقت فيه فاطمة . يحدق في المياه المترامية .,بين القمبيل والقنا والجميز , الذي يحد الوادي من كل جانب . حتى يلتقي عرديبة الدود . حيث يطلق هناك سراحه , فيرتد بصره لتتغور عينيه مرة أخرى في المدى , إلى الجهة الأخرى., من "وجنات" بلدة الأرباب . يمزق بعينيه الغسق المكفهر , وخياشيمه تتماهى فيه , يزفران معا أشعة الشمس الهاربة . في إنتظار فاطمة السمحة .
    فيشهق , أصبحت لديه أحلام مختلفة عن أحلام بلدة الأرباب , أحلام جديدة بأن يجد فاطمة ويمضي معها ليعيشان وطفلتهما تاجوج بعيدا عن الأرباب .
    وهكذا .. ظل كل يوم يقف قبالة الوادي , ينتظر بصبر على شطه , حذاء الشجرة ممتلئة الجذع , شجرة الجميز التي اتكأا عليها .,واستلقيا تحتها , في ذلك اليوم البعيد ..
    لزم مكمنه لأيام وأسابيع وشهور., إلى أن خرجت فاطمة من الموضع ,الذي وقعت فيه من الوادي .,عند الغسق تماما , والشمس توشك., أن تلم أخر خيوط تنورتها الذهبية , الزاهية . فمد المرآة بسرعة , بمواجهة وجه فاطمة , التي ما أن نظرت إليها .,حتى أغمى عليها , فسبح يرفعها من الماء ...
    عندما أفاقت فاطمة , قطبت وجهها , وكان ود النمير يقبلها وهو يبكي بكاء مرا , حفرت دموعه الرمل., وسالت جداولا., لتمتزج مع مياه الوادي .

    v
    عندما تزوج ود النمير من فاطمة السمحة, كان حبه لها قد أخذ يتنامى., أضعافا أضعافا يوما بعد يوم , كان حبا عظيما يقترب من العبادة . وكان لا يزال ملاحقا بتلك اللحظة, التي رمت فيها بنفسها ,في الماء.فتوقف بصر ذاكرته., في جسمها البديع .,الذي لم يره أبدا.. حتى وهما مستلقيان تحت شجرة الجميز , في ذلك المساء البعيد . فقد كانت فاطمة., حريصة على ستر ما برز من جسمها .. هذا الإخفاء لمحاسنها .,جعله مشغول الفكر .
    حتى أن حلقه كان دائم الطقطقة والإحتلاب , كلما نظر إليها .,وتخيل ما تخفيه., تحت هذه الثياب .
    كان في وحدته الناعمة وهو معها , يتخيل عريها , ملمس أشرميها , نعومتهما , فتجوس أصابعه أدغالا.. تتسللها ببطء , لتندس في مواطن دافئة , تفوح برائحة المسك والقمبيل .,والقرنفل والزنجبيل والقرفة .. مزيجا مخدرا .,يجعل رعشا ته الهائمة., لا تتوقف عند حد , فتمضي, وتمضي ..و .. حتى يتقطر منه الدم .
    وهو لا يزال يذكر بحثه عنها ,في كل الديار : الصعيد والسافل .. دار الريح ودار صباح ,عبر الشعاب بين وديان البلدة.. الطرق الصخرية التي حفرتها الإرادة الصلبة للأرباب , ومواطنيه العابرين بين الجبال والسهوب., والانهيارات .,التي تتشظى عبر أشكال من خرافة القوى التاريخية .,التي تقف خلف كل., أحزان ومواجد البلاد الكبيرة ..
    القوى التاريخية التي تتصور دار صباح إنها تمثلها .. هكذا مضى يساءل عنها الطير والشجر., والزمن المخفي بعناية., في ذاكرة اليوم والمكان.. مضى يبحث عنها في كل مكان به واد ,من الصعيد إلى السافل حتى دار صباح ودار الريح وأودية الأرباب الثلاثة .وعندما وجدها أخذ يحس بها , بابا من اللظى .,كلما ناما معا متصالبين ...
    عرى فاطمة .,حصنا منيعا لم يستطع تجريده , فظلت رؤية جسدها في الكنفوس على صلبها ,والمئزر على نهديها , شغلا شاغلا حرمه النوم .
    كان يتوقها عارية من كل سوء. ينعكس ضوء النهار على جسدها , وينكسر عند عجيزتها , يرتد عند نهديها , ويتغور عميقا., ليرجع كالصدى ليصدمه , ويستعيده ,إلى تلك الحالة من الحمى .,التي تركز فيها تفكيره .
    جسم فاطمة وأشرميها . ركزا حياته . كل حياته في نقطة واحدة , ظل يقاومها , كما تقاوم محاولاته تجريدها . إلى أن نطق بحدة وقد طفح به الكيل :
    -أريدك أن تمشي متجردة أمامي . إنها رغبتي الوحيدة., التي دونها أموت .
    فأبت فاطمة وقالت :
    -إذا أجبت إلى طلبك , فماذا تفعل في المقابل لي ؟..
    قال:
    - كل ما تريدين ؟..
    قالت :
    - اقسم على ذلك .
    فاقسم لها , فتجردت فاطمة., ومشت أمامه ذهابا وإيابا .
    كانا عند الوادي , تحت شجرة الجميز ذاتها ..
    مشت فاطمة أمامه ذهابا وإيابا .. عزفت أشجار القمبيل , وشجيرات السعات .,وأشجار الجميز الهرمة , حفيفا ناعما , وأطلقت عبيرها . .
    مشت فاطمة ذهابا وإيابا .. أصبحت السماء , كل السماء بلون الغروب , ورزاز لطيف يلامس أرض الوادي ,دون غيم . كأنه معلقا في الهواء , وكان ود النمير ينظر إلى صدرها المتحفز , المجنون . وعجيزتها الفاتنة . يتحسس ببصره أشرميها ويدخل في حالة .,من الجذب كالدراويش , في حضرة الأرباب . خرير الجدول ومهرجان الفراش , وإحتفاء الشجر والطير ., كل ذلك , كأنما توحد في صرخة واحدة :
    - كفى ...
    توقف تيار الزمن , ولملمت فاطمة كنفوسها ومئزرها , وران الصمت على كل شيء . حتى الوادي ما عاد له صوت .
    قال ود النمير :
    - الآن أطلبي ما تشائين .
    فردت عليه وهي تزم شفتيها بحزم :
    - طلقني في الحال .
    لم يكن ما جرى بين فاطمة وود النمير , هو أول العلاقات التي تنهض في غمار التاريخ , فتذروها رياحه العاتية , وتعصف بها إلى قيعانه . فهو أمر معتاد , مثل كل الأمور .,التي تحدث في بلدة الأرباب , وذلك لأنها بلدة مسمومة الروح , في جوهرها . غير راسخة , كالرمال المتحركة , تخنق من يمشي عليها . أو هي كالأرض الزلقة , التي يصاب بالكسور., أو الرضوض كل من يطأها , أو يتحرك فيها . ولذلك وسمت الأرباب .,حياة سكانها بالهشاشة والرقة , حتى أن البصمة يمكن أن ترى واضحة .,في كل شيء يلمس فيها .
    ومن هنا كانت حياة الناس .,وعلاقاتهم الحميمة, وإرادة تمتعهم بالجمال., وإستيعاب هذه الإرادة /الرغبة , موضع إلتباس ...
    إذ ينهض كل ذلك في سطح تراب البلدة , دون أن يمد جذوره .,إلى أعماق الرمل , وصولا إلى طبقات الأرض , حيث الجانب الآخر من البلدة . إذ أن الأرباب كانت مجرد طيف , إنعكاس لبلدة أخرى , في عالم آخر . عالم متعال , كأنها محض صدى لصوت خفي .وربما كان ذاك بالتحديد., سبب أزمتها التاريخية والوجودية .
    وما كانت الأرباب بهذه الهشاشة , إلا لأن مؤسسيها أبو جريد و الأرباب , دون أن يدريا -ربما كانا يدريان- شيداها في الزعزعة , وعدم الاستقرار , الأمر الذي أفضى بالناس ., الذين جاءوها من "القبل الأربعة " بالحنين إلى تلك القبل الأربعة., التي جاءوا منها , رغم أنهم يجدون كل المتع التي يحلمون بها., في الأرباب . لكن خوفهم الدائم -ربما - من عيون ود النمير .,والجثث التي يجدونها ملقاة خارج البلدة , أو تحت عرديبة الدود., وهي تحمل من آثار التعذيب ما تحمل .. والخازوق الذي يهيمن على ذاكرتهم , حتى يشعرون بآلام بشعة في مؤخراتهم . هذه الأشياء وأشياء أخرى , ربما كانت هي .,ما يقف وراء شعورهم, بأنهم لا ينتمون إلى هذا المكان , فينهض الحنين داخلهم , حيث يرون وطنهم المفتقد , في طفولاتهم الهاربة . يمنحهم الدفء والحماية .,من كوابيس الأرباب . وبالطبع كان هذا الوطن الذي يلتمسونه لا وجود له , فهو إفتراضي , مجرد تصور ذهني , استلهموه من تاريخ لا ينتمون له , ولا يعرفون عنه شيئا , فهو ليس تاريخ أسلافهم , أنه مجرد تاريخ تم نقله إليهم .,عن طريق التواتر , جيلا بعد جيل .ومع ذلك يلتمسون فيه ., في أوقات الوحدة والبرد القارص., الذي ينهض في هشيم علاقاتهم . الدفء والحماية. التي لم تتمكن الطوائف التي شيد الأرباب., على أساسها مجتمع البلدة أن تمنحهم إياه .
    فالأرباب كان لا يفتأ يقسم البلدة إلى العديد من الطوائف , حتى جعل - أخيرا الطوائف الظِّّل للطوائف الأساسية- طائفة للحدادين , وطائفة للجند , وطائفة الحيران , وطائفة الغرباء وطائفة الفقرا وطائفة المزارعين - وعندما رفض الصيادون., أن يكونوا طائفة واحدة ,مع المزارعين وجانيي الثمار , قمعهم الأرباب , وأعتبر أن ذلك تمرد , فوجد الصيادون ,في اليوم التالي لإحتجاجهم , قيادتهم كلها "مخوزقة" تحت عرديبة الدود ..
    لم يكن الأرباب يأبه لرغبة أحد , فقد كان الرجل ظلا لله ,في أرض البلدة . يفعل بأهلها ما يشاء . كما فعل مع الصيادين , رغم وجهة نظرهم الوجيهة . إذ كانوا يرون ضرورة وجود طائفة تخصهم وحدهم , وذلك لإختلاف نشاطهم عن المزارعين , وجانيي الثمار , والعاملين بالبستنة عموما . الذين يتعدى نشاطهم ذلك, إلى نصب دناقل العسل في الأشجار .. لكن الأرباب أُلّهم بحل المسألة : خوزقة قيادتهم تحت عرديبة الدود .
    كل أموال تلك الطوائف .,تأتي إلى بيت مال البلدة , فلا يأخذ أي شخص إلا قدر حاجته,مهما كان مقدار المال الذي أودعه,أو المجهود الذي بذله . فالأرباب ,كان مهموما جدا بمركزة الموارد , في سبيل استقرار البلدة,وإمتداداتها الهامشية .
    جعل الأرباب من أصفيائه العميان, طائفة للعمد والشيوخ , يعين على رأسها من يشاء . فقد كان الرجل مطلق اليد .,وجبارا عتيا . ولم يغفل أمر الاهتمام بالأدب., فجعل هناك طائفة., من المتأدبين , وفقا لمنهج أبو جريد . وكان هؤلاء هم ذاتهم., الذين يقع على عاتقهم., أمر التعليم .
    وكان لكل طائفة , من هذه الطوائف., قانونها الخاص. فهي محكومة بما يشبه الفدرالية – في تقدير الكلس - التي صاغها الأرباب ذات نفسه , ولذلك لا تلجأ إليه ,في مشكلاتها البينية الصغيرة , ولا يتدخل الأرباب, إلا في مشكلاتها الكبيرة الشائكة, والعويصة . وقضاياها المعقدة المتشابكة , التي تعجز عن حلها وحدها ,دون الإستعانة بحكمته البارعة.
    كانت طائفة المتأدبين, وبائعات المريسة في بلدة الأرباب ,من أكثر الطوائف ذات الحظوة والنشاط , إذ أعطاها الأرباب عناية خاصة , ومنحها إمتيازات., لم تحظى بها أي طائفة من الطوائف الأخرى . إذ كان يسمح لهاتين الطائفتين., عند توريدهما للمال., بالإحتفاظ بشيء يسير منه., للترفيه به عن نفوسهم .,فيما يرونه مناسبا .
    ثمة طائفتين معزولتين عن المجتمع , لكنهما تجدان العناية الكافية من طائفة الحكماء , فهما من أكبر طوائف بلدة الأرباب., والحواضر التابعة لها . هما طائفتي النساء المطلقات ,والأرامل وطائفة الرجال المجانين . وهما الطائفتين اللتين إنضمت إليهما فاطمة السمحة وود النمير مؤخرا.
    لكن فاطمة السمحة كانت معزولة حتى عن طائفتها . تعيش نفيها الوجودي, على ذكريات ماضية , محمولة على سواعد الفراشات المحترقة , بنار لا توصيف لها . نار غامضة . غامضة ومبهمة فحسب , فهي نار تحرق ولا تقتل , تحرق ولا تأكل ..
    عندما تفيق فاطمة لنفسها , خارجة من ألسنة هذه النار المتأججة , تلاعب طفلتها الصغيرة تاجوج, علها تنسى كل ما مر بها , تحدق في وجه تاجوج, فتنساب أمام عينيها أخيلة وصور, متداخلة , لا تنبيء بخير . فتنقبض نفسها , ويرتجف قلبها , وجسمها يرتعش كالمقرورة , ببرد الشتاء المجنون . الذي يحرق أشجار الوادي با"لزيفة" ..
    ولم تكن فاطمة وحدها التي تعيش مثل هذا العذاب . فقد كان ود النمير متآكلا بالندم , يشعر بالحسرة كالصديد ,تملأ جسمه قروحا ودمامل , تنفتح ولا يخرج منها قيح , فتظل تعذبه بالنقحان ..
    كأن لعنة سوداء أصابته وشوهت وسامته , وجعلته لا مفطور الفؤاد فحسب - من فراق فاطمة له- بل من إحساسه أيضا., ببلوغه النهايات .
    إنقشعت عن خواطره كل تلك الأحلام المجيدة , بالمضي مع فاطمة والطفلة الصغيرة ,للعيش بعيدا عن بلدة الأرباب . لكن تلك الرؤى الملعونة, التي حاصرته وجعلته يجبر فاطمة على التجرد , جردته هي الأخرى من هذه الأحلام . فقد كل شيء وصار مذهولا , مسكونا بالوحدة والوحشة والحزن الأبدي ..
    حاول إقناع فاطمة بالعدول عن رغبتها في الطلاق , لكن فاطمة - رأسها وألف سيف - أصرت أن يبر بوعده ..
    كانت عنيدة كالفرس "المكادي" . يابسة كالحجر الصّوان . وكان رقيق الفؤاد عذب المشاعر, لا يحتمل الصدمة ومشاهد الأسى واللوعة – هل يتساءل الكلس هذا هو ود النمير حقا !!- ود لو عاد الزمن إلى الوراء , ليتمكن من مقاومة تلك الرغبة , فلا يدع فاطمة تتجرد أمامه , وضوء النهار يسقط على تضاريس جسدها المتناسق., بكل ما أوتي الضوء من فجاجة . يتسلل منعرجاته , فجاجه , وتحفزاته . يا لذلك الجنون الذي أودى به - يا لهذا العذاب الذي ليس كمثله عذاب- ..
    كأن تلك الأمطار التي هطلت 40 عاما على الجد الأول لأبو جريد .,وهو بعد محض طين صلصال , تهطل عليه الآن .. أمطار الحزن تهطل عليه الآن., لا أربعين عاما فحسب , بل منذ تلك اللحظة, التي هطلت فيها على أبو جريد , وهو بعد مجرد فكرة .,في خاطر الغيب , لم يتكون كتصور كامل , ثم جسم من لحم ودم اسمه : ود النمير . منذ لحظة الخاطر تلك في تفكير الجد , يشعر ود النمير., أن أمطار الحزن تعجنه وتصوغه , كفكرة للأسى, وموضوع للألم والعذاب .
    مضى ود النمير للأرباب كي يتوسط له عند فاطمة , حتى تقبل وتعود إليه . مضى إلى بنت مسيمس . خاطب روح الجد أبو جريد , والجد الأول في "الحضرات" . لكن كل ذلك لم يجدي نفعا مع فاطمة السمحة . حتى طوب الأرض نفسه .,ونجوم السما وطيور السمندل ودعا ش الوادي ,والقماري وأشجار الجميز , عجزت كلها عن إقناع فاطمة بالعدول., عن قرارها . فأعتزل ود النمير الناس, ولم يعد يذهب إلى عمله ليعتقل أحدا أو يعذب أحدا . اعتزل اعتزالا لا يشبه عزلته السابقة , قبل أن يتعرف فاطمة ,ويغرم بها . دخل في نوع غريب من العزلة , ليس له اسم سوى : الجنون ..
    عزلة جعلته في همس البلدة ,محض عبارة راثية وآسية :
    - ود النمير جنّ ..
    فقد كان يمضي في دروب البلدة., وشوارعها منكفئا على نفسه , يلتقط الحجارة والأغصان الجافة.,وبقايا الجلود .وهو يحادث نفسه., بصوت يسمعه كل المارة :
    - أنا مكتول بفاطمة السمحة . رجعوا لي فاطمة السمحة ..
    حاول الأرباب تحت ضغوط بنت مسيمس .,مداواته - وأنطلقت وقتها شائعة أن الأرباب., أطلق عليه واحدة من أسوأ لعناته الزرقاء , وذاك هو السبب الحقيقي لجنونه , لا ترك فاطمة له .,كما أعتقد هو شخصيا .,وكما روج الزعيم الجديد لطائفة العميان., بترتيب خاص من الأرباب, وأكد بعض الخبثاء: أن الأرباب لم يشأ مداواته , فهو لا يفشل في علاج احد - هكذا ملأ الهمس بيوت البلدة وشوارعها . أكد الأرباب :
    -أن علاجه ليس بيدي . ليس أمامه سوى استرداد فاطمة .,طوعا أو الموت .
    -
    vii
    كانت فاطمة .,في لحظات وحدتها الكثيفة , تستعيد ذكريات تبدو لها قريبة , بقدر ما هي بعيدة , حيث تتكثف تلك اللحظة بالذات أمام ناظريها - كأنها تراها الآن رؤية العين- اللحظة التي دفعها فيها ود النمير بقسوة , وبكت وهي ترمي بنفسها في الوادي العميق اللهفة , لتتلقفها ذراعي أمونة أمها , وصديقاتها الحوريات . يسبحن بها بعيدا عن مفرق الوادي , قريبا من شط عرديبة الدود , على البر الغربي .
    لتحملها أمونة بعد ذلك., إلى بيتها المخبأ .,في عرين الوحوش بعناية .. في قلب دغل من أشجار القنا والجميز , في مكان غير مطروق. فبلدة الأرباب كانت تخشى هذا المكان., الذي عرفته بعرين الوحوش .,وأرض الجن الكافر , ولم يجرؤ أحدا من الأهالي لهذا السبب .,على الإقتراب منه أبدا - بعد عشرات السنوات القادمة .,سيكتشف بعض الأثاريون والمؤرخون الخواجات , مخطوطة بهذا المكان , هي من الآثار التي تركها أبو جريد , عندما كان في أول عهده مع مسك النبي , حيث يعتزل في هذا المكان., ليقيم طقوسه , وحيدا يعاني أفكاره الكبيرة - ستجد أمونة هذه المخطوطة., التي لا تفهم منها شيئا , لكنها مع ذلك .,تحفظها بعناية فائقة , وتعيدها إلى مخبأها .,إلى أن تقع في يد الأثاريين والمؤرخين مصادفة , ككل شيء يحدث في البلاد الكبيرة .

    vii
    كانت أمونة قد إكتشفت منذ وقت بعيد ,أن هذا المكان ليس عرينا للوحوش والجن ,كما يدعي الأهالي . إذ وجدته أكثر الأماكن أمانا .,وبعدا عن الأنظار , فشيدت فيه كوخا من القنا والقصب , لم يدخله أحد سواها .
    بقيت فاطمة مع أمونة ,في وحدة لا تخلو من الألوان الزاهية , والروائح الغامضة ,والأحاسيس المخدرة .,التي توحي بها أرض"عرين الوحوش", ولم تكن تخرج سوى في الليالي المقمرة . تتنكر , وتذهب إلى البلدة., لتسمع ما يدور من همس: عن ود النمير وفاطمة السمحة .
    وتأتي لفاطمة بالأخبار , إلى أن تمكنت من إقناعها بالظهور ,عند الغسق حتى تتمكن., من العودة إلى حبيبها , فهي ليست مثلها منذورة للوحدة والوحشة., في عرين الوحوش .
    ولم تمض سوى فترة قصيرة , منذ عادت فاطمة إلى بلدة الأرباب., حتى جرى بينها وود النمير ما أدى لطلاقها وجنونه .
    كان الأرباب , بعد أن قال كلماته الأخيرة .,حول عجزه .,عن شفاء ود النمير .قد اعتزل الناس ,على نحو غامض ومريب ..
    وظل أهالي البلدة لعدة أيام ,يتساءلون عن سر اعتزاله , حينما شاهدوه بعيدا , فترددوا في الاقتراب منه .,وقلق خفي ينتابهم على نحو مفاجيء ,إلى أن حسموا أمرهم., وأخذوا يقتربون منه ببطء شديد .
    كان سبب قلقهم: أن العزلة لم تشمل الأرباب فحسب , إذ فجأة أختفت العيون , وطائفة العميان , وبدا واضحا أن جو من الاضطراب, قد ساد في أوساط الجند . لكن لم يكن ثمة., من يقول لهم عما يجري , فالجميع لا يعرفون شيئا , كأن الأمر سرا خطيرا . ولذلك تعاظم إحساسهم باعتزال الأرباب , فلأول مرة منذ تاريخ تأسيس البلدة وحواضرها , لم يسد مثل هذا المناخ, الذي ينذر بإقتراب خطر وشيك .. خطر يحسونه ولا يعلمون عنه شيئا .
    كانوا قد اقتربوا من الأرباب الذي كان يقف وحيدا كصنم .,تحت عرديبة الدود, وقفوا حوله .,دون أن يجرؤ احد على محادثته .. لساعات طوال ظلوا واقفين...
    خيم جو من التوتر والإضطراب , عندما عانقت أشعة الشمس الغاربة ,بلدة الأرباب وبدت وسط الأجمة كشمعة مشتعلة ,وهم في وقفتهم الطويلة تلك, بدا لهم الزمن بطيئا .,كأنه لا ينقضي , إلى أن أطلت أولى خيوط الفجر .,دون أن يتزحزح الأرباب من مكانه ,ودون أن يجرؤ احدهم على سؤاله, أو مغادرة المكان ..
    إلى أن اشتعلت نيران عظيمة بالفعل, في كل أركان البلدة .فراح الجميع يهيم على وجهه .,على غير هدى , وهو في حالة من الهياج ..
    كانت الجيوش المتحالفة تدهم بلدة الأرباب , وبدت البلدة كشمعة مشتعلة...
    خوزق تحالف الهلاليون الأرباب تحت عرديبة الدود , بعد أن اقتلعوا عينيه من رأسه., وأحرقوا قبته , التي كانت ترقد فيها تاجوج., دون أن يأبهوا للصرخات الثكلى لأمها ,وهي تحاول إنقاذها ,وأحرقوا عرديبة الدود, بعد أن إجتثوها من عروقها .وردموا الأودية الثلاثة , ولم يبقوا على شيء حيّ, بمنجاة من القتل والحرق ,سوى النساء..
    أصبحت فجأة أرض البلدة جرداء , ساخنة , يتساقط الرماد على ترابها المسود .كأنها لم تكن خضراء يوما . تم كل ذلك بسرعة مدهشة ,كأن الجيوش المتحالفة .,لم تكن تحارب وحدها . كأن جنودا من الجن تقتل وتحرق معهم .

    x
    وهناك عند منتهى دريب الريح , حيث ضريح الفقيرة العجوز., مسك النبي ومقامها , أوقفوا حشودهم لتقسيم الأسيرات, بين جيوشهم المتحالفة. فاختلفوا على فاطمة السمحة, لجمالها الفتان .,الذي لم يرو مثيلا له أبدا ..
    كان كل فريق منهم يريدها لنفسه , حتى كادوا., أن يسفكوا دماء بعضهم البعض . لكن كان لعمدتا الصعيد والسافل., رأي مختلف :
    -فاطمة ليست من نصيب أحد .
    كانا قد طعنا فاطمة بحربتيهما في الفؤاد , طعنة رجل واحد . فعلا هرج الجند ومرجهم . وتعالى عويل النساء الأسيرات .
    لكن ..
    وعلى نحو مباغت . خيم على الجميع الصمت , وهم يرون فاطمة, تنهض من جديد كطائر السمندل .,ترفرف بذراعيها وتحلق عاليا في الفضاء , تكمل دورة كاملة حولهم , ودمائها تنقط في الوجوه التي ألجمتها الدهشة , وقد إنتزع الخوف عيون الجميع من محجريها , كانوا يتتبعونها بأبصارهم, إلى أن اختفت في عمق الفضاء الرحيب .
    عندما حاولوا استرداد رباطة جأشهم , ونظروا إلى الموضع., الذي كانت فيه فاطمة ملقاة., موشحة بنزيف,جرح طعن عمدتا الصعيد والسافل , رأوها موجودة في موضعها , كأنها لم تكن تحلق قبل قليل ..
    سألوا بعضهم البعض, ودعكوا عيونهم "علهم نائمين " ..
    بدى لهم الأمر برمته غريبا !!!!...
    إندثرت بلدة الأرباب., التي أبدا لم تكن في يوم من الأيام .,مكانا دافئا يأوي إلى حضنه الأهالي .
    فهي بلدة مضعضعة, شيدت من الدم والدموع ,والأوهام والغربة والحنين, إلى وطن متوهم خلف البحر الملون.
    وبعد عشرات السنين, ستنهض مكان الأرباب بلدة أخرى , تستمد أسباب وجودها., من ذاكرة المكان . حيث كانت الأرباب يوما .
    القاهرة
    يناير 2006
    التعديل الأخير تم بواسطة أحمد ضحية; الساعة 13-05-2010, 12:35.
    [mark=#FFFFCC]
    الحزن لا يتخير الدمع ثيابا
    كي يسمى في القواميس بكاء ..
    الصادق الرضي
    [/mark]
  • أحمد ضحية
    أديب وكاتب
    • 10-05-2010
    • 121

    #2
    up................................................ .......
    [mark=#FFFFCC]
    الحزن لا يتخير الدمع ثيابا
    كي يسمى في القواميس بكاء ..
    الصادق الرضي
    [/mark]

    تعليق

    يعمل...
    X