ثلاثية مملكة العزلة(3) شهرذاد غفوته المؤجلة ...

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • أحمد ضحية
    أديب وكاتب
    • 10-05-2010
    • 121

    ثلاثية مملكة العزلة(3) شهرذاد غفوته المؤجلة ...

    [align=right]




    إلى الغرباء و المهمشين والفُقَرَا المهاجرية.

    أحمد ضحية


    القسم الأول :


    I



    تذوب كلمات أغنية الحب لن ينتظرك وتمتزج ,في الأصوات المنبعثة من المدونات السبعة, التي أورثها له دبك ,تذوب في صوت شهرزاد "الخارج" من البوح الأول قبل الألف ,ومن تموجات صوتها تبدأ شهرزاد تتشكل ,في غرفة شهريار. الذي يقترب منها من الخلف ,يحضنها.. يقبل عنقها ,فتقفز متمنعة .. ينظر إليها في إشتهاء ,ويأمرها بنبرة ملوكية تليق بجلالته : "تمددي . برهة صغيرة وتمضين إلى حال سبيلك ".
    ويمد شهريار يده حتى منحنى الساق ,يداعب بشرة شهرزاد العارية ,إلا من بوح ليال طوال مرتقبة . قالت :"سمعا وطاعة يا مولاي".. كانت متنازعة بمشاعر متناقضة ,وهي تنصاع لصوته الآمر ,الذي أرتعشت له ركبتاها رعشة خفيفة غير ملحوظة ,في الوقت ذاته كان شهريار, قد أستوثق أن عقدته لم ولن تحل أبدا!!.. كان عضوه لا يزال باردا لا يستجيب ,رغم محاولاته العديدة في إستثارته.. كان محبطا وقد تعمق داخله المزيد من الهلع الأميري المزمن. سحب يديه اللتين توقفتا ,عن مداعبة ساقي شهرزاد العاريين ,وتهيأ للإنكفاء على ذاته ,وفيما كانت شهرزاد ,لا تزال تخلع ما تبقى من ثيابها الداخلية,كان إنكفاءه على ذاته يزداد أكثر فأكثر..
    حدقت فيه شهرزاد بعينين حائرتين,وتساءلت عن الخطأ الذي يمكن تكون قد إرتكبته ,وأدى به إلى التراجع ..
    ما هو خطأها الذي بدل مزاجه ,وأدخله في هذه الحالة من الحزن العميق .. كانت مستعدة لتقبل كل رغباته فيها ,لكنه يدير لها ظهره الآن !..
    حرك شهريار لحظتها ساعديه ,في إنتظام متوتر,محاولا إستثارة عضوه المنطفيء بيديه ,اللتين يجاهد ألا تلحظ شهرزاد ,حركتهما الخفية .. كان يائسا ,محطما وحزينا ..أمرها بصوت منهك حاول إخفاءه :"إذهبي إلى حال سبيلك .. أنت حرة" ..
    إرتدت شهرزاد ثيابها في عجلة ,وقد تملكها رعب طغى على كل الأحاسيس المتنااقضة, التي كانت تهيمن عليها لحظتها ..إنفلتت خارجة ,فيما كان هو قد إنهار وفقد كل تماسكه المزعوم ,وأخذ يبحث عن قنينة السم ,الذي أحضره له أحد خواصه منذ شهور عدة,عثر عليها مختبئة,في مكان قصي من خزانة أوراقه . ختم على الوثيقة التي تنصب ولي عهده بعده,وتجرع السم دفعة واحدة . حلقت روحه سريعا . سريعا حلقت روحه الهائمة, التي لم تعرف السلام النفسي,إلا في هذه اللحظة التي كان تتناهى إليها فيها أصوات دفيئة,تغني أغنية بعيدة ,ستغنيها فتيات جميلات بعد مئات السنوات ,لم يكن يعرف رطانتهن ,لكن كان يسمع صوت شهرزاد, يتوسط أصواتهن فاخذت روحه تردد معهن :
    Cause you can't fight it
    don’t deny it
    Love is stronger than each other
    Show me baby
    what you're gonna do, do
    تتغلغل الأغنية في كيان الكلس ,خارجة من بوح هذه الأصوات, المنبعثة من المدونات السبعة,ومن كتاب ألف ليلة الذي أهدته إياه شهرزاد في أخر لقاء لهما , تخز الأغنية قلبه , فيشعر بقرصة خفيفة .. ليست ألما , ولا تشنجا أو إنفصاما . فقط , هذا المزيج من أغنيتها المحببة .. كتلة من إحساس غريب لا شبيه له!. مثل أول إتصال جسدي بين كائنين من عالمين مختلفين : عالم البلاد الكبيرة سحيق القدم , وعالمها الراهن . أو عالمها الراهن , وهذا العالم الجديد ,حيث يزرع الأطلسي الرهيب إضطرابه ,في الحياة والناس .
    الأصوات التي تختلط ببعضها البعض في ذاكرته , مدفوعة برائحة الشعراء .. تلك الرائحة الرطبة ,المزيج من رائحة النباتات العطنة ,والهواء الخانق .هذه الأصوات ذات الرائحة المنحازة للقرامطة ,الموالي,المعتزلة والخوارج المهمشين ,إلى آخره من الناس الغبش ,المعزولين في عتمة التاريخ ,وإنحناءاته الحرجة .. يتهشم تكاسله على هدب غفوة عصية, فيستفيق حالما بمكان آخر خال من "الفقرا" ..
    خال من أولئك الغرباء الذين تقاطروا على "مملكة العزلة" .. على "بلدة الأرباب" .. على "جلابي ود عربي" .. جاءوا "بدواياتهم" المعبأة ب"العمار"وألواحهم الخشبية,وأقلام البوص, ليخطوا أقدار الناس ..
    تقاطروا من كل فج .فهم مغرمين بالتقاطر! تفرقوا في "قِبل" الأرض الأربعة , فتعرفوا على نتف من كل شيء ,وجاءوا ليغيروا كل شيء !..
    أصواتهم تقطع الآن فيافي التاريخ .. سباسبه ووهاده .. تتوقف عند جانو قرمط ,تقرؤه السلام ,ثم ترحل لتمتزج في رائحة الشعراء..في اللافندر .. في بوح الكساندرا ذات مساء غريب ! فيستفيق الكلس .. يستفيق متوترا, على وقع الأصوات المشبعة بالروائح المتداخلة ..يفتح الباب .. يطل وجه الكساندرا ,يلفح خياشيمه برائحة اللافندر ,التي تطرد رائحة الشعراء ,المنبعثة من مدونات دبك ..
    كانت أغنية : love Ain’t gonna wait for you التي تغنيها مجموعة ال S’ clubلا تزال أصداءها تتردد خافتة , في فضاء ذاكرته :
    Your heartbeat's taking over
    And there's nowhere you can go
    And the love that you discover
    Is finally taking hold
    When it feels like the beginning
    And the story will unfold
    There's a time to take your chances
    Don't be scared of the unknown
    والكساندرا تخطو خطواتها الأولى ,في حياته العامرة بالشجن .. هذا الشجن الأليم, الذي خلفه الرحيل المفاجيء لغلوريا ,التي هجرت عالمه ,وتركته نهبا لإنتظار الحب ,الذي لن يأتي أبدا!!..
    منذها وهو يتحسس بمسامعه وأنفه عالم الشقة المجاورة .. يحاول أن يئد كل ذكرى لغلوريا ,فتطل الكساندرا من فتحة الباب .. تفاجئه , فهو لا يتوقعها أبدا .. تطل فيوقن أن المسافة بينه وبين عالم البلاد الكبيرة, ستمتد لسنوات أخرى , فيشتد توتره .. تتحطم غفواته المؤجلة عبر جدران شقة الكساندرا .
    فعبر الجدران من شقتها ,يتناهى إلى سمعه صوت فتح الباب وإغلاقه ..وقع خطى ثملة ,كخطى القطار, الذي ينهب ذاكرته متعثرا في تلافيفها ..القطار الذي تستعيد محطاته ,حكايا البلاد الكبيرة ,من أقصى مغيب الشمس في "دار الريح" ,إلى أقصى مشارقها في "دار صباح" ,ومن حدود "صعيدها", إلى منتهى "سافلها".. فيعرض باعة الحكايا المتجولون في المحطات, كل بضاعتهم من عوالم البلاد الكبيرة, التي حملتها مدونات دبك,والتي لم تحملها !.. فلا يرى في كل المعروض ,سوى شظايا لمرآة مهشمة , تتجمع تبعثراتها وتلتئم, لتشكل صورا مشروخة سرية وصامتة ,لكنها تفصح عن حكاياتها التي لا تنتهي !..
    لكنه لا يرى في هذه اللحظة بالذات,وفي هذه المرآة الصامتة السرية ,سوى غلوريا تسرح شعرها ..نافرة النهدين ..نحيلة الخصر . يتقدم نحوها فترمي بالفرشاة ,وتستسلم كخطيبة خجول مثل عذارى البلاد الكبيرة ,راغبة مثلهن في أن تكون محصنة ضد القلق الأنثوي الخفي!..
    أحيانا يتخيل الكلس "دبك" كشخصية من شخصيات مدوناته نفسها,يحاول أن يعثر على مكان إختباءه, مقلبا كل شخصيات المدونات,معريا كل الأفكار التي حملتها, وهو يكرر في توتر مكبوت : ترى أين يختبيء؟!.. أين يختبيء؟!..
    فتبرز شخصية "راجل الحرازة أم قد" ,ولسبب ما يشعر بأنها تناسبه ,مجردا من ثورته الفاشلة ,"كسلوك طريق القوم غير السالكة,بلا مدد" يمكنه من رؤية العالم "من العرش إلى الفرش" ..
    حكاية دبك ككل شخصيات مدوناته ,تلائم رحلة قطار يقطع البلاد الكبيرة ,من أقصاها إلى أدناها !..قطار يتنقل بين الأرباب وجلابي ودعربي, ومملكة العزلة البائدة . يغادره "فقرا" غرباء في كل محطة ,ليركب فقرا غرباء آخرون ,وجميعهم .. هؤلاء وأولئك يحلمون بنظام خارق ,يتخطى حدود المواهب الطبيعية..النظام نفسه الذي لطالما داعب خيال المقدس دالي, وجانو قرمط وأبو جريد ,وطمحت إلى تحقيقيه الديانات السرية العريقة!..
    هذه الفكرة القسرية التي آمن بها أولئك الناس الغبش ,الذين شكلوا النسيج الإجتماعي لجلابي ,والأرباب ومملكة العزلة البائدة ,قادت إلى المأساة الوجودية ,التي ستسم مسيرة الحياة في كل أنحاء البلاد الكبيرة ,هذه المأساة التي مفتاحها يكمن في كلمة سر وحيدة : الغرباء ,الفقرا ,المهاجرية.. فهي الكلمة نفسها وإن تغير رسمها, والتي تعني أولئك الشخوص المهضومين ,الذين لا ظل لهم !!..تماما كشخصيات مدونات دبك ,وإن تغيرت الأسماء والأزمان ,فمسك النبي هي بنت فدرالله وبنت مسيمس ,وفاطمة السمحة وأم حجل ,ما هم إلا غلوريا والكساندرا وديبي ,فلسبب ما لا يلغي هذا التعدد كون مأساة العالم واحدة ,لكنها متعددة الوجوه!..و لسبب ما يتبدى راجل الحرازة بقدرات تفوق قدرات يسوع الناصري ..وللسبب نفسه ,كثيرا ما تخيل الكلس أن راجل الحرازة ما هو إلا دبك !!..
    عندما يتأمل الكلس الآن كل الحكايا ,التي حملتها المدونات. كحكاية شهرزاد, التي أندست لسبب خفي بين الحكايا الأخرى, أو حكاية جانو قرمط أو أبو جريد ,يشعر أن كل هؤلاء وأولئك, هم راجل الحرازة نفسه ,ففي الروايات المتناقضة ,التي تناولت "ريحانة من سيرة راجل الحرازة", هذه السيرة , التي لا تخلو من متناقضات عصية على الفهم ,تجد ملامح هؤلاء وأولئك ..
    وبقدر ما كان راجل الحرازة ينتمي لفئة الغرباء, الذين غالبا ما يعكرون مجرى التاريخ,فينحنون به إنحناءات قد تودي بمجراه العام . بقدر ما كان فقيرا مربكا, إذ لا تخلو سيرته من سمات الأولياء"أهل الله الصالحين".. وبالطبع هذه السمات بالتحديد ,هي ما ظل دبك يفتقر إليه دون أدنى شك!! ..
    لم تشر أي من الروايات إلى الإسم الحقيقي لراجل الحرازة ,الذي ظل مجهولا حتى لحظة كتابة دبك لمدوناته في أحد الحمامات العامة بالسوق القديم ,إلا أن جميع الروايات التي أوردها دبك ,تتفق على أنه كان يخلط "العُشَّر" و"يفتله"و ينسجه "جبة",حتى أن أكتافه ظلت متقرحة, طيلة حياته من لبس جبة "العشر" ,دون أن تبرأ أبدا! .
    كما أنه إلى أن مات, لم يسكن سوى خلوته, التي كان يعتكف فيها أربعين نهارا وليلة ,لا يخرج خلالها لملاقاة "حيرانه" .. ولا يأكل خلالها ,إذ يكتفي بمضغ القرض وتجرع الماء الحاف.. وعندما يخرج من خلوته ,لا يجلس إلا تحت "الرويكيبة" ,ذات العريشة المتهتكة,الملحقة بالخلوة ,والتي "ترقرق" الشمس ,حتى أن البعض كان يرى أن من المناسب أن يكون إسمه "الفقير سيد الرويكيبة",بدلا عن"الفقير راجل الحرازة" !..
    وكانت "رويكيبته" هذه في كبد البلدة , التي ستعرف بعد مجيئه ب"قوز الحراز",إذ كانت قبل إقامته فيها بلا إسم تعرف به,رغم أنها توسطت طوال تاريخها موضعين معروفين, لكل أهالي دار الريح هما : "سهل أم زين" صاحبة "أنداية المريسة" الشهيرة و"فجيجة الحجر" التي في الحقيقة تخلو أرضها من كل انواع الحجارة ,فهي أرض طينية "قردود" .
    وفي رواية أخرى غير محققة ,تتناقض وهذه الرواية التي أوردها دبك- كان الكلس قد عثر عليها عند أحد باعة الحكايا ,في إحدى محطات قطار دار الريح النائية - أن راجل الحرازة هو الفقير "أب قبة خضراء",الذي قتله حيرانه عشاق موسيقاه وأشعاره العذبة ,والذي قبل أن يحل على بلدة قوز الحراز, وينتقي لخلوته ورويكيبته مكانا قصيا - صعيد "البِرْكة" التي ستعرف لاحقا ببركة ود أفطس - يجاور شجرة حراز ضخمة ,يتوسط جذعها السميك فتحة كبيرة ,كالفتحات التي يصنعها الناس العطاشى في أشجار التبلدي لحفظ الماء .
    عندما يتأمل الكلس حكاية راجل الحرازة, كموسيقي ماهر ,يتخيل نفسه الكرسني, وتتجسد حجب النور كموضوع لمعزوفات راجل الحرازة ,وكل الحيران كورس يغني, خلف الفقير أب قبة خضراء .. فتهديء هذه الخواطر من إحساسه الطاغ بفقد غلوريا ,التي غادرت عالمه ,مخلفة وراءها ركامات من العوالم تنهار تحت قدميه ,تتداعى كبيت عتيق, لم يتعهده أحد بالرعاية, منذ عشرات السنوات الماضية ..
    كان راجل الحرازة يربت على كتفه ويهمس بأغنية "الحب لن ينتظرك" , فيشعر أنه لن يضيع مع غلوريا أو دونها .. لن يقتله الحب ..ويطرأ عليه خاطر فيسأل الشيخ المتماهي في أغنية حبيسة :
    -ولماذا قتلوك ..
    فيرمقه الشيخ بنظرة عابرة,لا مبالية ..
    كان سبب قتل حيرانه له ,أن أحد الحيران رغب في طليقته ,فطلب يدها منه ,فكان رده :
    -لا تقرب البحر .ستغرق.
    ولم يرق للحوار العاشق هذا الرد المقتضب , فحشد أصفياءه ليلا, وهجم على الشيخ وهو نائم في رويكيبته وقتله.
    -المدونات تقول أن الحوار عشق مطلقتك الجميلة .هل رفضت لأنك كنت لا تزال مغرما بها كغرامي بغلوريا.
    وكأنه لم يسمع ما قاله الكلس .أخذ يعزف أغنية الحب لن ينتظرك ,ويردد بهمس :
    Love ain't gonna wait for you
    Don't run, don't hide
    Love ain't gonna wait for you
    It's so good, it's so right
    Love ain't gonna wait for you
    You know that it's true
    لم يكف عن العزف والغناء الهامس ..الذي صنع تموجات ملونة, ناعمة بطيئة في حركتها في فضاء الغرفة . تبدت التموجات عن الكرسني وهو "يَعرِض" على موسيقى الفقير .. كما تبدت في فضاء الغرفة ,عشرات النساء تحلقن حول الفقير راجل الحرازة ,يغنين خلفه .لاحت في وسطهن :الكساندرا, شهرزاد,ديبي,غلوريا وحجب النور,فدهم الكلس شعور غريب لم يألفه في نفسه من قبل, فاندفع يقبل النساء اللائي زهلن لبرهة ثم أنفجرن ضاحكات ,عانقهن والفقير يضحك بطريقة رهيبة ,كأنه يتحرر من عبء كبير! ..
    هناك أوقات يخيل للكلس فيها أنه يطلق لعواطفه العنان, دون أدنى قدر من التحكم ,وفي هذه اللحظة بالذات .. رغم أنغماسه في التقبيل والعناق ,كان الشعور الغريب الذي تملكه ,يجعله يحس بقدرة أسطورية على التحكم في مشاعره ,لكن دون خميلة أو مناخ رومانسي .. دون تاريخ مأزوم أو حكايات غامضة . كل شيء تم سريعا دون تعقيدات أو كوارث ,ليتبدد بذات السرعة ,فتعود الغرفة كما هي خالية إلا منه!! ..
    كأنه حلم عذب عابر ,لا يتكرر .. حلم خارق كتلك اللحظة الخارقة.. لحظة وارى الحيران راجل الحرازة الثرى ,فانفتحت طاقة من السماء ,ملقية ضوء أخضرا قويا ,فتح القبر الذي بدا كفلقتي نواة . كان النور الأخضر يحيط بما داخل القبر, ويرتفع إلى السماء, فتنغلق الفتحة ,ثم يختفي ويعود كل شيء طبيعيا ..
    اختفى النور الأخضر وأختفى معه جثمان الفقير راجل الحرازة . كانت المقبرة التي حفروها للتو مستوية ,كأنها لم تحفر من قبل, وقد نبتت فيها للتو شجيرة صبار, تغطت بنسيج العنكبوت .شيد الحيران في ذلك المكان ,قبة أطلقوا عليها "إسم القبة الخضراء" ..
    لكن رواية أخرى في السياق ذاته ,تزعم أن من قتل الفقير صاحب القبة الخضراء, هم سراريه وليس حيرانه ,وذلك لشدة غيرتهن عليه ,فقد كان مغرما بإنشاد قصائد الغزل وحب النساء ,حتى أنه جمع بين أختين, كانت كلاهما أجمل من الأخرى,وتجاوز عدد زوجاته الستة ,غير هاتين الأختين ,فضج الناس, واستفتوا في أمره فقرا الصعيد والسافل ودار صباح ,وكل الشيوخ "الواصلين" والغرباء, والحيران والمهاجرية وطوب الأرض, دون أن يجرؤ أحد على مواجهته, ,إلى أن تقدم حوار مهاجري غامض ,إشتهر بصلاحه .. حتى أنهم حكوا عنه, أنه كان : عندما يمشي ليملأ ركوته من الوادي الهادر ,تنفك الركوة من يده, وتمضي لتملأ نفسها بالماء وحدها ,دون حاجة لعونه .. تصب الماء داخلها, وتعود إليه.. تقفز إلى يده فيمسك بها ,وأحيانا يتركها تتبعه, إلى أن يصل خلوته, فتمثل بين يديه ليتوضأ !!.
    كان هذا الحوار الذي جاء خصيصا لردع الفقير صاحب القبة الخضراء, يعرف لغة الطير والحيوان ,ويعرف جميع الخطوط :لاتيني وسرياني وعبري ,نصحه حيران الشيخ قائلين :
    -تورين ما بيرتعن في بقر.
    لكنه لم ينتصح . فقد كان يظن أن صاحب القبة الخضراء سيرتدع له ,لذلك أمره بأن يفسخ عقد نساءه فلا يبق سوى على ثلاثة, وأن يُطلق إحدى الأختين . فنهره الشيخ ودعا عليه بفسخ الجلد ,فانفسخ جلده في الحال !!..
    بعض الرواة المتأخرين كدبك, يزعمون أنه لم يدع عليه بفسخ الجلد, وإنما دعا عليه بأن يكون باطنه مثل ظاهره ,فأصيب بالبرص,حتى أن ركوته أصبحت تعصى أوامره ,ذلك لأن الفقير صاحب القبة الخضراء ,كان قد أمرها بعدم طاعته ,فهو لودعا على ذلك الفقير المهاجري بطول العمر, لتذداد ذنوبه, لطال عمره ,آمرا بالمنكر ناهيا عن المعروف ,ف"ديك" صاحب القبة الخضراء كان دائما "يعوعي آخر الأدياك" كما أن "ثوران ليس بإمكانهما أن يرتعا في بقرة واحدة "!!..

    II
    الهلاليون أيضا كانوا مجرد فقرا مهاجرية غرباء ,أتاحت لهم ظروف معقدة, إعتلاء عرش دارصباح ,الذي لم يصلوه بالجيوش,التي عبرت بحر مالح وصحراء بيوضة وحدهما , فقبل ذلك كانت المصاهرة, قد جعلتهم يتسللون إلى أقنية السلطة .. فالهلاليين الهاربين من مشانق "مُضَر" ,على كامل إمتدادات الربع الخالي,قبل أن تدور على مضر الدوائر ,وتؤول مقاليد السلطة إلى بني هلال ,هربوا إلى دار صباح ..
    كانوا فقراء معدمين ومساكين ومطاردين ,أنحل البؤس أجسادهم التي لم تذق للراحة طعما, في حمى صراعات الفرق والملل والنحل, التي وظفتها مضر في صراعاتها لتصفية خصومها ,الذين ينافسونها على السلطة ..
    جاءوا إلى دار صباح نجاة بأعناقهم ,وأختلطوا بأهل دار صباح.. وسرعان ما أصبحو جزء من النسيج الإجتماعي, وتمكنوا من عقد تحالفات مهمة مع ذوي الشوكة, من أهل دار صباح .أفضت بهم هذه التحالفات ,إلى فرض كامل سيادتهم .. لحظتها كان وجودهم على هذه الأرض قد تأكد, ولم تعد لديهم صلة بتاريخهم ووطنهم القديم ,لذلك عندما عبر جيش بني هلال بحر مالح, تحت قيادة العاتي الهلالي ,واستولى على عرش دار صباح .. في الواقع استولى هذا الجيش على السلطة ونقلها داخل البيت الواحد, فيما يشبه تبادل أدوار الهيمنة ,فهو صراع هلالي-هلالي وإن لم يعترف بذلك الهلاليون الجدد..الوافدون عبر بحر مالح ..من نتائج هذا الصراع, أنه : أذِنَ بنقل بني هلال لكل أزمات دولتهم, في إمتدادات تخوم الربع الخالي إلى دار صباح, التي أصبحت تعاني الإنقسام والتشرزم! ..
    أبعد الكلس عينيه المتعبتين عن مدونات دبك ,أغلقهما لمدة ليست طويلة وفتحهما ,ثم أخذ يقلب الواشنطن بوست ..
    كان مزاجه غامضا ,فاخبار العالم والبلاد الكبيرة, لم تعد تثير شهيته بالقدر ذاته, الذي يفعل تاريخها المنسي ..خاصة أنه كلما ذادت مخاوف الناس من الإنفصالات ,بسبب نشاط الحركات المسلحة و"نيفاشا" ,كلما قلت – في الواقع – فرص حدوث هذه الإنفصالات .. لذلك لم يكن خائفا ,فهو متفائل ,على الرغم من أن التفاؤل ضد طبيعته ,وربما أنه يريد إيهام نفسه, بأن ما يمور تحت سطح البلاد الكبيرة من غليان, مهما تعاظم . ليس كافيا لتفتيتها .. وفي الحقيقة هو لا يعرف على الإطلاق, كيف توصل لهذا الإستنتاج الخائب !!..
    ربما أن عُرَى التماسك الصميمي العميق ,في مملكة العزلة ..هذا التماسك ,الذي شيده المقدس دالي بصبر وتؤدة ,فألقى بظلاله على كل أطراف البلاد الكبيرة ,هو ما يجعله يأنس لما أنس إليه من إستنتاج خائب ..
    فعندما يتأمل أحوال الغرباء الفقرا المهاجرية ,يلحظ ذلك التداخل الدقيق, بين معتقدات دار صباح الحالية ,وأفكار دالي البائدة في مملكة العزلة .. ما يشي بأن جذور الحالة الراهنة ,تكمن في الماضي البعيد للبلاد الكبيرة , وأن كل ما يحدث الآن ,بمثابة الإنعكاس لما حدث فعلا, في ذلك الماضي البعيد ..
    حتى هؤلاء الشيوخ البيانيين ,الذين هم نسخة معدلة عن الفقرا ,والذين هم خلف الكوارث والأزمات, التي تكاد تعصف بالبلاد الكبيرة .. حتى هؤلاء الأدعياء بفتاويهم العجيبة, وافتراضهم في أنفسهم سلطة حقيقية شرعية.. أفكارهم في الحقيقة هي إنعكاس شائه, لأفكار ومعتقدات أولئك الغرباء والفقرا المهاجرية, الذين غزوا مملكة العزلة ,مشيعين فيها قلقا لا تزال آثاره ,توتر دار الريح والصعيد والسافل ودار صباح ,فقد تبنو نوعا غريبا من المعتقدات والأفكار, المهددة للسلام النفسي والإجتماعي للأهالي البسطاء, أدت في نهاية المطاف إلى زوال الدولة ,التي أصبحت أثرا دارسا لا وجود له, إلا في مدونات دبك! ..
    كان الكلس يشعر بحضور دبك الدائم.. حضور غير مرئي ,يشعر به فقط في كل أنحاء الشقة ,حتى في الحمام, كان يشعر به موجودا إلى جانبه .. كان حضورا قلقا .. ربما كان لا يزال يشعر بذات ذلك الشعور . عندما كان طريدا مشردا مطلوبا للعسس ..
    في فترات غفواته المتقطعة كان يرى فيما يرى النائم, روح دبك تتنزه في فضاء الشقة .. تنتهك خصوصياتها .. فيحاول الكلس مغالبة النعاس, ليتفرغ لمراقبة دبك في صمت .
    دبك طيلة حياته كان يكره أن يكون موضوعا لمراقبة الآخرين ,والكلس يعرف ذلك جيدا ,ويستمتع بعلائم الإنزعاج التي تفصح عنها روح دبك ,من هذه المراقبة السرية ,التي تثير أحزانا وجراحاتا غائرة في نفسه, لم تشفها رحلته الطويلة في العالم الآخر, بين أرواح متزاحمة تبث ذكريات ماضيها ,الذي لا يخلو من سلام تام ..
    كانت أرواح لا تنتمي للبلاد الكبيرة .. لا تعرف كيف أنتقلت إلى الجانب الآخر من الهاوية, ولا كم مضى عليها وهي هائمة ,كل ما تتذكره طيوف لحياة أشبه بقوس قزح, دون توتر أو قلق, فتفسر ذلك بأنها ذات ماض لا يخلو من راحة البال ,والسلام النفسي..
    لكن من الجانب الآخر, كان أصدقاؤه الآخرون, هم تلك الأرواح المتنازعة ,كروح شهريار وشهرزاد .. كل روح منها تريد أن تحتل فضاء أكبر للحركة .. الحركة الإرتدادية الواسعة, التي- للمفارقة - تستقطب الحضور القوي لروح الأرباب ,كروح مهزومة ,لقائد ظلمه جنرالاته بخيانتهم له ,حتى قبل أن تطأ الجيوش المتحالفة تراب بلدة الأرباب ..
    كانت روح الأرباب في عالمها الآخر ,لا تزال تدافع عن كل السياسات ,التي لا يمكن تجنبها – كما يظن – وصاغت بلدة الأرباب على ذلك النحو المأساوي ..كان يثير حفيظة دبك بدفاعه عن الرقابة والرق والإستعلاء.. في الواقع الأرباب في دفاعه عن نظام بلدته, يستند على عدد كبير من المتناقضات ,التي لا يمكن أن تخطر على بال أحد ,بحيث يصعب تمييز الصواب من الخطأ, فيتمنى الكلس لو كان بإمكانه قتله مرة أخرى – وبالطبع هذا ليس ممكنا – فهو ميت بالفعل !!..
    حقده على الأرباب دفعه للبحث عن روح جانو قرمط ,وأبو جريد ,دون جدوى ..لم يعثر لهما على أثر بين كل الأرواح الهائمة ,وعندما بلغ منه اليأس كل مبلغ, إرتكن إلى قناعة أنهما كفقرا غرباء مهاجرية ,لابد أنهما لم يموتا مثله ومثل الأرباب, لذلك ليس لهما وجود بين كل هذه الأرواح الهائمة .. هذا الإستنتاج جعله يشعر بشيء من الراحة ,فقد أعطاه نوع من الأمل الغامض ,الذي ليس له تفسير محدد!..
    ربما كان تفسيره المقبول, أن وجودهما في هذا العالم ,سيشيع نوعا من التصورات الكفيلة بتحقيق السلام العام.وفي الحقيقة الكلس يرفض هذا الأمل الزائف رفضا قاطعا, بل ويعتقد أنهما سيشيعان – مرة أخرى – في التاريخ من الإرباك ,ما يكفي لبناء ملايين التصورات الخاطئة, التي ربما تؤول إلى نهاية التاريخ نفسه!..
    الأرواح الهائمة التي يسرح دبك ويمرح معها ,أشبه بشخصية واحدة متعددة الحيوات.. متباينة الأفكار ..عاشت عصور مختلفة ,وأصيبت بكل الامراض ,بدء بالطاعون والجدري وأنتهاء بالأيدز وانفلونزا الطيور .
    حاول الكلس طرد الحضور القوي لدبك من حياته ,حاول تجريد المدونات وتخليصها من سلطته الخفية ,ليغفو غفواته المؤجلة في سلام ,في اللحظة ذاتها , تدهمه رائحة الكساندرا ,تقتحم خياشيمه باللافندر الممزوج في أغنية الحب لن ينتظرك..
    في الوقت ذاته من عطلة نهاية اكل أسبوع يتكرر الشيء نفسه : المفتاح .. الباب ..الخطوات الثملة نافذة تفتح – جيران فضوليون مثله يحاولون التصنت – اللافندر وأغنية الحب لن ينتظرك وردفان متماوجان – ربما يكون مخطئا, لكن لا يمكنه أن يخطيء طقطقة السرير- والتنهدات العارمة, التي تشعل في كيانه النار ,تتناهى إليه لاهثة دافئة .. أنفاس بعيدة تعلق رائحتها, في فضاءات المساكن المجاورة..
    هذه الوقائع والأشياء, تهدد غفواته نهاية كل أسبوع ,تجعلها مؤجلة حتى بداية الاسبوع الجديد ,ففي نهاية كل أسبوع ,تشعل جارته الغامضة في ذاكرته البوح, فيتخيلها شهرزاده البعيدة, التي أخذها معه قطار البلاد الكبيرة ,ذات ظهيرة حارقة ,من أقصى حدود دار الريح إلى قلب دار صباح ..
    قطار لم يركبه الفقرا المهاجرية أو الغرباء ,لكن ركبه الفقراء, الذين لهم ذات الرائحة الليلية الرطبة . فقراء "يقرشون" الجمر دون أن ينكسروا أو ينحنوا , لا يملكون سوى أحلامهم .. عندما "ينده" أحدهم إسم أب قبة خضراء في السافل ,يستجيب له الأخير في دار الريح وقبته تقول : كع كع ..فنداء الفقراء كدعوة القدر..كأغنية الحب لن ينتظرك ...

    III
    إهتمامات الكلس بشئوون البلاد الكبيرة, تقلصت من المشاركة الفعلية في أي شيء ,إلى الإكتفاء بأن يكون في الصورة العامة لما يحدث ,من خلال متابعاته المتفرقة في الإنترنت والصحف والمجلات , وربما يقرا كتابا أو كتابين كل عدة أشهر ,يفعل ذلك بطريقة متحفظة متكتمة ,كأنه جزء من معلومات تخص النازية أو الشيوعية أو الأصولية ,هذه العقد التاريخية التي يجن لها جنون الأمريكان ,وتفضي بصاحبها إلى هلاك محقق ,رغم أنف الحريات والحقوق المدنية والحلم الأمريكي ..هذا الحلم الذي ليس له هوية, أو ملامح محددة يمكن الإمساك بها ,كديبي رفيقته في رحلة القطار ..
    فهي أو كائنا من كانت لم تكن لديها هوية محددة ,ليس لأنها تفتقر لهذه المهوبة, ولكن لأن الحياة العامة صاغتها – كما صاغت الجميع – على هذا النحو .. مع ديبي أطلق حبال الخيال ,لتتدلى إلى قاع بئر الحياة ,لا لتدلي بدلوها, بل لتحمل في دلوها الفارغ ,شيئا من الذكريات ,تنضاف إلى شقيقاتها الأخريات من ذكريات ..
    تنزها في المحطات العديدة, التي توقف فيها القطار ,وهما مهتاجان بالحنين, غارقان في لعبة الحكاوي الغريبة ,التي لا تخطر على بال ,والمفاجئة بما تنطوي عليه مما يفترض أنه أسرار .. أسرار ديبي .. يعودان إلى مقعديهما المتجاورين ,وعندما يمل ثرثراتها وأكاذيبها ,يتشاغل بقراءة الصحيفة التي لا تفارق يده ..
    سبعة أيام من النوم والمطر والمحطات والحكايات, والركاب المخمورين الثقلاء والريفيين العنصريين الخبثاء .. هكذا جرت الأمور .. ديبي تركت نفسها تمضي ,وهي تغني في تيار كوابيسها ودموعها, كل أغنيات الكونتري سايد والكاوبوي, لكنه ينبغي عليها الآن, أن تضع حدا لهذه الأغنيات, قبل أن يعثر عليها زوجها المدمن ,الذي لم يخطر على باله أبدا, أنها هربت منه وإلى الأبد, تبحث عن حبيب جديد , يبتدع لها طريقة للحب والموت, قبل أن تمنحه طفلا معاقا, كعادتها المزمنة قبل كل هرب..
    جارته الأسبانية الغامضة الكساندرا, التي عرف إسمها مصادفة عندما ناداها أحد الجيران, قبل أن تغيب في عربتها الفارهة , في تلك المرة اليتيمة والعابرة, التي لم يشاهد فيها سوى جانب من وجهها ,الذي غطته خصلات متمردة ,تتحدى ريح صباحات الاطلسي الباردة ,التي تشتد برودتها ,في هذا الجزء من العالم المسمى برينسس آن ..
    منذ غادرت غلوريا عالمه كان قد أهمل شقته.. تراكمت علب المعلبات الفارغة في المطبخ .. الملابس غير المغسولة مبعثرة في كل مكان ..الأغبرة تراكمت على كل شيء : النوافذ.. التماثيل الصغيرة.. اللوحات والصور .. الموكيت إتسخ بالآثار المتكررة لحذاءه الضخم ..الأشياء كلها داخل الشقة فقدت تدريجيا لمعانها ,وبريقها كان كالمحاصر بنوع غريب من الوحدة ..وحدة خلفتها غلوريا داخله,دون أن تأبه ,وربما لا تدري! .
    كان ينام ليلتين ونهار ,دون أن يفيق من تأثير الكحول ,وكل أشياؤه القصوى تتبعثر داخله .. تتبعثرعلى فراشه المنكوش . فقد أصبح ينام أينما وكيفما أتفق : في غرفة الجلوس , في المطبخ ,في غرفة السفرة.. في ... كان حاله أشبه بتلك الحال, التي أرقت الحكيمات والحكماء, مما أعترى مملكة العزلة من تشققات وشروخ, تشي بقرب تداعيها وأنهيارها, وتلاشيها إلى الأبد.. كان أشبه بالنتيجة العكسية ,التي أفضت إليها مدونات دبك ,التي بدلا عن أن تكشف ,عن هوية البلاد الكبيرة ,كشفت عن كم هي منبتة هذه البلاد ,كشيء ينهض في الريح ,دون جذور ,ترمي به الريح من مكان لآخر..
    أرهقه تأمل مدونات دبك فنام في الحمام , وهو يرى نفسه في مملكة منهارة ,هرب آخر أنبياءها بليل . وأفاق مسكونا بالخوف من الموت على هذه الحال, فقرر أن يسافر إلى أي مكان ,فربما تهدأ روحه المعذبة قليلا .وهكذا غادر كرنفال الفوضى الحزين في شقته ,إلى بلتيمور متوجها بالقطار إلى دالاس..
    وقتها لم يكن يلحظ وجود الكساندرا, التي بدأ حضورها الطاغ ,نهاية كل أسبوع . يتنامى كحضور غامض , يلهب الخيال ويشعل الخواطر.. فالكساندرا تكاد تكون غير متواجدة, خلال أيام الاسبوع الخمسة .. حضورها الطاغ في كل أنحاء المجمع السكني, رهين بليلتي الجمعة والسبت . يثير هذا الحضور في أعماقه ,حنينه المتهاوي لغلوريا ,التي إختفت من حياته ,في لحظة غامضة ,محملة بكل متناقضات مدونات دبك ..
    كان حضورها الشبحي المهيمن, تتنامى سطوته أكثر فأكثر, في عطلة نهاية كل أسبوع ,في الوقت ذاته المتأخر من ليلتي الجمعة والسبت : صوت المفتاح ,الباب,وقع الخطى المتعثرة ,اللافندر والأغنية الهامسة :
    I can't hold back what I'm thinking
    don’t you tell me that I'm dreaming
    you know that there's something you should do, do, do, do, do
    .. ثم التأوهات المثيرة والتياعات السرير ,التي تعذبه , فيحاول أن يغيب شيئا فشيئا في غفواته المؤجلة ,دون أن يبتل .. دون أن يتأوه وينادي شهرذاد من بوح المدونات العتيقة..
    "في المحطة التالية يا شهرزاد تعالي ,بكل الجنون تعالي وأجلسي قربي,أحضري معك النيل لنجلس على ضفافه معا ,تتدلى أقدامنا تداعب أسماكه الضاحكة ,أحضري معك بعضا من رمال كردفان والسناسنا الضاحكة ,وشيئا من خيوط قمر أربعتاشر في وديان دار الريح ,ولا تنسي شجر القنا, وصندل الردوم وقبضة من طين جروف النيل الأبيض .. تعالي بعالمك إلى هذه البراري الأمريكية الموحشة ,لتعطيها مذاقا مختلفا ,دافئا ,ومع ذلك ومهما فرحت, لا تنسي أن الحياة أشد قسوة من الموت وجحيم الآخرة .. ولا تصدقيني فأنا محض حبيب مهجور ,هدمت غلوريا عالمه وجعلته يهذي .. لكن تعالي لنخلق حياة اخرى في حياتنا.. حياة خالية من كوابيس هذا العالم الفظيع ,ورؤاه السماوية المنتهكة ..وتعالي بكل الحكايا تعالي .." ..
    كان يشعر بحنين جارف لا حد له .. حنين يزرعه كنجمة في السكك المظلمة ..الدروب غير المطروقة.. شوارع الليل البهيم, المحاصرة بالكلاب غير الصديقة, وزوار الفجر والمجرمين والمسطولين بالماريجوانا..
    حنين يزرعه كنجمة في عين لم تعرف النوم منذ وقت طويل ,تضيء كهف أهل الكهف في الآن نفسه, دون أن تفيق شهرزاد لتقتحم غفوته المؤجلة .. هذه الغفوة المحاصرة برغبات الغرباء الفقرا المهاجرية ,الذين عندما يتأمل أخبارهم ,يجدهم ك"الجلابة" أشبه بمفهوم متحول في الزمان والمكان, فهم رجال الدين وتجار الرقيق حينا ,وهم الشعراء, والغاوون حينا آخر ,هم قادة الجيوش الدموية ,والخونة الذي يرشدون جحافل الغزاة, ويقاتلون معهم ضد أبناء جلدتهم ,وهم ذاتهم تجار السوق الأسود ,وهم تلك الشخصيات, التي صنعتها الصدفة المحضة ,لتنطوي على كل ما أنطوى عليه ,الجلابة السابقون واللاحقون,من رؤى وتصورات توظف كل ما هو متاح ,من موارد روحية ومعنوية ,لتحقيق مصالحها المادية, عبرالهيمنة كقيمة في حد ذاتها ,لا كأداة مكروهة لإنجاز أي مشروع ,لتكون النتيجة في خاتمة المطاف : الفشل في تحقيق اي مشروع خيِّر,والمزيد المزيد من حروب الإبادة الأهلية الطاحنة ,فيصبح من الصعب على راجل الحرازة أم قد ذات نفسه ,بكل قدراته الخارقة ,التي تفوق قدرات يسوع الناصرة ,إنقاذ البلاد الكبيرة من مأساتها الوجودية, وحزنها الذي لا حد له ..
    وفي الواقع راجل الحرازة ام قد ,هو ذات نفسه ,جزء لا يتجزأ ,ومكونا أصيلا في نسيج هذه المآسي ,التي أخذت تتخطى دار الريح والبلاد الكبيرة, لتلقي بظلالها على الكون كله ..
    كان الكلس يهذي .. أو هو في الواقع يحلم بزمن لا يرغم فيه أحد على الرحيل ,إلى أي مكان ,وأي مكان هو المكان ذاته في إتجاهات الخريطة ,حيث يمكن للشمس أن تشرق من الإتجاه الذي يروقها ,أو تغرب عندما تريد ذلك ,وحيث يولد الناس من جديد كل يوم, بمزاج مسالم ,يانع ,وحيث الحياة مثل نداء حار مشترك, في أغنية واحدة يغنيها الآفرو أميركان..,بقايا الهنود الحمر..المهمشون في مشارق الأرض ومغاربها ..أغنية واحدة تحملها الرياح الكونية, بين الأماكن كلها ,وفي كل مكان هي الأغنية ذاتها, التي تحث على الحب ,فهو لا ينتظر ولا يتوجب علينا أن ندعه ينتظر ..
    تتأمله ديبي بدهشة وهي تقول :
    -أنت غير واقعي! ..لا مكان لك هنا !..
    ديبي كالميرم ,مغرمة بكل ما هو حسي ,طاغ ,يفرض سطوته عليها ,لا تحب الشعر وتكره الشعراء ,ولم يحدث أن قرأت حرفا واحدا يمت للتاريخ بصلة ,وجودها في هذه الحياة رغم كثافته, إلا أنه عابر كظل الضحى, ليس بإمكانه أن يقيم طويلا .. يخيل له أن هربها من زوجها بهذه الطريقة, شبيه بذلك الدور التآمري, الذي لعبته الميرم, بالتواطوء على خطة شطة للقضاء على دالي ..أتذكرون؟ ..
    تتداخل حكايته مع ديبي بعوالم المدونات وحكايات العمل ,والحكايات التي خلفها وراءه في البلاد الكبيرة ..
    ديبي \ ديبورا أو شهرزاد .. رفيقة رحلته في القطار, المنطلق من أقصى الساحل الشرقي إلى قلب الجنوب, لتواصل وحدها غربا .. ديبورا أو كما تحب أن يناديها المقربين ,بديبي أو ذات العيون الزرقاء ,أمثالها تجدهم في كل الأزمنة ,والأمكنة المقيمة و العابرة والغابرة والقادمة ,إنها نوع من النساء ,عندما تلتقيهن تدرك منذ اللحظة الأولى ,أنك لا محالة هالك كأنك في قلب البحر .. البحر يحيطك من كل جانب ,وأنت غريب. متعب. مسكون بالحب والجنون والمنفى ,والسفر الشاق عبر حكايات لا تنتهي ,وكل شيء حولك على حافة الإختناق ,وربما يقضى عليك إلى الأبد ,فأنت لست راجل الحرازة أم قد, أو الفقير "سيد الرويكيبة أب قبة خضراء" ,أو أيا كان إسمه السري ..
    أنت في التحليل النهائي : محض عاشق مهزوم ,حزين ووحيد .هجرتك غلوريا إلى غير رجعة : لماذا نساء هذه البلاد يهربن من أقدارهن؟ ..الإجابة لن تمنحك التعويض, عن كل المشاعر والإحساسات ,التي سكبتها بسخاء ..
    لم تكن ديبي بأي حال من الأحوال ,تمثل له أي شكل من أشكال التعويض المرتجى ,فهي نحيلة إلى درجة أنه يحس ,أنه لو أمسكها من وسطها ستنكسر ,لم تكن فارعة ممتلئة كشهرزاد.. كانت أشبه بقصبة مسوسة ,في مهب ريح الأطلسي المجنون ..
    تحطمت ديبي مرارا وتكرارا ,وجبرت كسورها ,لتنهض مرة أخرى, أشد قلقا وجنونا عن كل ما مضى .. أنجبت ديبي طفلها الأول من صديقها المدمن ,عندما كانت في السادسة عشرة ,وأنجبت للمرة الثانية من مدمن آخر طاعن في السن ,تزوجها وعاش معها حتى لحظة هروبها .قبل أسبوع فقط من لقاءها به ,في هذا القطار الذي يغادر ميريلاند متوجها إلى تكساس .. طفلي ديبي معاقان عقليا ,حتى أن أكبرهما كلما رأى بن لادن في التلفزيون يصرخ :
    -جيسس ,جيسس..
    وأحيانا يصحو في الهزيع الآخير من الليل وهو يبكي ,لأن جيسس مات أثناء نومه ,ولا أحد يستطيع إقناعه بعكس ذلك ,وديبي لا تدري ماذا يعني ب"أثناء نومه" سألت الكلس :
    -نوم من؟
    تردد قليلا :
    -ربما يعني نوم المسيح .. ربما يعني نومه هو شخصيا .. من أين لي أن أعلم كيف يفكر طفل معاق عقليا يا ديبي؟!..
    لكن هل طفل ديبي وحده هو المعاق عقليا ,ماذا عن عالم المدونات؟ ,ماذا عن هذا العالم البشع الذي نحيا فيه؟ .. ماذا ..
    صوت ديبي كصورة وجهه الظلالية ,المنعكسة على زجاج نافذة القطار . صوت ديبي الحاد وهي لا تكف عن الثرثرة ,يرجه رجا منذ غادر القطار بلتيمور .. والقطار يصل هريسبيرج والقطار يغادر كولومبس ,والقطار يتوغل في الغرب الأوسط ,مخلفا تنسي وراءه .. كالصورة الظلالية ,على زجاج نافذة القطار .
    يستعيد خواطره من أسر حكايا ديبي ,فتدهمه شهرزاد, وكل أطياف البلاد الكبيرة .. هنا.في هذه البلاد البعيدة ,أقاصي الدنيا ..هذه البلاد, التي لا يمكن أن تخطر طبيعة حياتها ,على بال الفقير سيد الرويكيبة ..
    يحاول الكلس التعرف على روحه المنقسمة ,فلا يشعر بنفسه سوى أنه غائب هنا, حاضر هناك ,حيث شهرزاد وكل الحكايا المدونة ,في كتب الليالي الطويلة ,والتي لا تكف تترى وإن طال الصباح ..
    تحكي شهرزاد ما سكتت عنه تواطؤات دبك ,يخرج صوتها من قاع المدونات .. يعدل و يحذف ويضيف .. يجيء صوتها من هدير الوديان ..العصافير .. طيور البَرِّية .. شجر المهوقني ,دناقل العسل ودلالينق المريسة .. من نافذة القطار يطل وجهها ,تحكي عن فقير غريب ,مرتحل ..
    دهمته المنية ليلا وليس معه سوى نساؤه ,اللائي لا يعرفن لهن إتجاها .. جهزنه واحترن في إتجاه القبلة ,ولم تطل حيرتهن ,إذ أشرقت الشمس ليلا .. خرجت من بوح عتمتها ,ممزقة اسداف الظلمة الحالكة .. فحفرن قبره قبالتها ,وما أن أكملن إهالة التراب ,حتى غابت الشمس مرة أخرى ,فقد كان الفقير المنتقل ,ثالث الخلفاء ,الذين أوقدوا نار عبد القادر الجيلاني في دار الريح والصعيد والسافل ,وأول الذين أوقدوها في دار صباح .. تسترسل شهرزاد :
    -سرق السكارى "عنزته" الوحيدة ..
    قاطعها :
    -كمعزة غاندي؟.
    -لا , لكن تشبهها! .
    ذبحوها وطبخوها وأكلوها, فأخذت تصرخ في بطونهم, التي كانت قد إنتفخت ,وأخذت تصدر ثغاء له دوي !..
    كان هذا الفقير عندما يتوضأ لأداء أحد الفروض ,يعود شابا يافعا فارعا ,وعندما يقيم الصلاة ,كان يطول ويستطيل حتى يتخطى رأسه عرش الخلوة ,ويخرق السماوات السبع ,فيسجد الملائكة معه ويركعون ,وما أن يُسلم حتى يعود شيخا طاعنا كما كان ,فهو أحد القلائل الذين جاءهم النبي الكريم(ص)بصحبة علي ليلقنانه الذكر ,وكان في كل مرة بعد أن يرحلا, يرى نفسه خارج جلبابه الملقى على "الككر" .. وروحه تخرج من بدنه , تتعلق بنجمة وحيدة كبيرة في السماء ,فيطير .. يخترق السماوات السبع .. يسمع صرير الأقلام, ثم يرجع .ومثل كل مرة يقع في جزيرة من جزائر المالح ,يلتقيه فيها الخضر .. يكسوه بالصوف, ويلقنه إسمين ثم يمشي معه خطوتين ,يجد نفسه بعدهما في غابة صغيرة, تنهض داخلها كنيسة عتيقة ,داخلها قساوسة ورهبان ,فيرطن معهم رطانة أعجمية .. يتركوا ترانيمهم وصلواتهم ,ليحاججوه فيغلبهم ,فيستسلمون ويسلمون ,ويعود هو هانئا .لا يدري كيف ومتى . فكل ما يذكره ,أنه وجد "رواسي" قاده إلى مركب ,ما أن وضع قدمه داخلها ,حتى رأى نفسه في خلوته ,وجلبابه ملقى في مكانه, الذي تركه فيه ,فتميع روحه وتدخل الجلباب ..
    هذا الفقير في بداية أمره, كان يعمل سقايا في أندايات المرايس ,ويسكن البرية الموحشة ,إلتقاه الخضر ذات حر غائظ ,وطلب منه أن يسقيه من خرجه ,الذي يريد أن يرق بماءه المريسة للمراسة . فسقاه . فدعا له الخضر بالإرتواء بالدين ,فأستغفر الله وتاب من لحظته .. وسلك طريق القوم ,فانجذب وغرق وسكر, ولبس الجبة "المرقعة"وفوقها رحط , علق عليه جرسين يمينا وشمالا ,وأخذ يزغرت كالنساء ,فتضرب له خادمته الدلوكة ,وهو يرطن و يهتف من بين زغاريده التي لم يفهم منها سامعيه سوى :
    "دقي الدلوكة * خادم الله الماك مملوكة " ..
    رغم أنهم حفظوا رطانته المموسقة, التي كانوا يغنونها ,دون أن يستطيع أحدهم فك لغز لغتها :
    Cause love ain't gonna wait for you
    Don't run, don't hide
    Love ain't gonna wait for you
    It's so good, it's so right
    Love ain't gonna wait for you
    You know that it's true
    وكان عندما يزغرت, يسمع ناس الفلوات البعيدة ,وعرب الصحراء زغاريده .. رفاقه الفاسقون المفلسون القدامى عشاق النساء , قالوا :" جنّ ما براه "..
    لكنهم مع ذلك, كانوا عندما لا يجدون ما يقيمون به أودهم, أو يمزون به مريستهم, يجيئونه شاكين :
    -نحنا جوعى وما عندنا لا شمار لا كزبرة ..
    فيجيبهم :
    -بهاراتكم علي لكن الضبيحة عليكم ..
    ويمد يده, وفي لمحة البرق يكون في بلاد النصارى, "يخرت" الفلفل والشمار أخضر. ويتبادل الحديث مع النصراني صاحب المزرعة, ويخبره أنه جاء من بلاد الإسلام , فيتشهد النصراني ويسلم..
    كان يزغرت إلى أن مات ,فإذا مر أحدهم على قبره زغرت القبر...

    IIII
    هبط الكلس إلى شوارع برينسس آن الليلية الرطبة ,التي لا تزال مختنقة بآثار البرد والمطر الثلجي كان يرغب في المشي .. فقط المشي دون توقف .. دون أن يلوي على شيء ..
    إجتاز سمرست آفنيو ,داس درجات الرصيف, الذي يتكسر عليه الثلج المباغت . الذي سرعان ما يحوله ملح التذويب ,إلى مياه سوداء داكنة ,تجرفها المصارف إلى نهر البكموك ..
    كانت ومضات الحنين المباغتة تتلاشى ,فيدهمه وسن ,يزرعه في عينيه ورأسه شبه المخدر,الصوت المنتظم لعجلات القطار, وهي تنهب السكك الحديدية .. تختفي بين طبقات وسنه المتردد برينسس آن, والمدونات ويتوقف الوسن عند لحظة واحدة ممتدة :
    لحظته وغلوريا وهما واقفان قبالة الأطلسي, يحدقان في ظل الهضاب البعيدة ,حيث ينتهي الأطلسي عند تخوم العالم القديم , فتعود الحمامة تحمل غصنا أخضر ,يعلن قرب الوصول إلى اليابسة ..
    أشباح متفرقة في الأرصفة الليلية لبرينسس آن ,يتفحصها في الظلمة : رجال مخمورون.. نساء ثملات .. مخدرون ومخدرات بالماريجوانا .. مصابيح الضفة الاخرى للبكموك, بعد الهاي وي رقم 13 ترتعش .. يتخيل الظلال ..الأضواء المرتعشة, التي تنعكس على الضفة الأخرى للبكموك ..أشباح الهنود الحمر تسبح في النهر ,تتقدم فيه دون حذر , وأشباح الزنوج "العبيد" الذين يعملون في المزارع حول البكموك ,تبتعد قليلا قليلا عن النهر..الأنهار تثير فيهم ذكريات مؤلمة ..الأنهار بنات صغيرات للأطلسي الرهيب, الذي تعبر فيه سفن الرقيق - والبنات الصغيرات النزقات سر آبائهن ..البكموك سر الاطلسي ,في هذا الجزء من شرق ميريلاند – تحط بهم هنا ليتسحبون إلى مزارعهم ,يتركون أشباح الهنود المتراقصة ,على صفحة نهر البكموك كأضواء مرتعشة لنجوم بعيدة أو قمر ذاوي ..
    أشباح الهنود الحمر تكف عن الرقص ,تطفح على سطح النهر ,مخروقة من أعلاها لأسفلها .مثقوبة بالبارود .. المشهد نفسه ,وفاطمة السمحة تتلقى طعنة الرجل الواحد, في ثمرة الفؤاد ,ليرحل بعدها جيش التحالف الرهيب,تاركا طفلتها تاجوج دون مصير مرتقب .. ما أسوأ أن تكون بلا مصير !.. كقلب وحيد محاصر بالذكريات, والمنافي وليال الشجن المنسية ,تباغتك. لتفتحك على نوع خاص من الحنين المؤذي ..
    هل كان دبك وهو يكتب مدوناته ,يدري ما الذي يفعله بالضبط ؟ هل كان يكتبها وفي خاطره شخص محدد, سيقرأها ذات يوم ,ويتوصل إلى نتيجة ما, فشل دبك نفسه, في التوصل إليها ..
    الطرقات المظلمة موحية ,ماذا لو طرق على الأبواب ,وأخرج كل النساء العازبات, وقادهن إلى البكموك ..إلى المزارع ليرقصن مع أشباح الهنود الحمر, والزنوج البائسين ..
    ماذا لو إحتال وفتح باب الشقة المجاورة ,ودخل يقوده نور الصالة ,الذي يرشح هادئا ومتهاديا في زوايا الشقة .. ماذا لو دفع باب غرفة نوم الكساندرا- أوكائنا من كانت- الموارب ,دفعا خفيفا وتمدد إلى جوارها عاريا .. يضغط على يدها ,يتحسس دفئها وينام ..غالبا ستصحو مزعورة ,وتتصل على البوليس ,لينتهي نهاية قاضية وبائسة وإلى الأبد,دون مدونات . دون دبك أو شهرزاد ولا يحزنون..
    هذا هو العالم الحقيقي ,الذي لا يمكن للمدونات تصوره .. عالم لن يتمكن فيه أبي جريد من زراعة أشرميه- هكذا بكل بساطة- في رحم مسك النبي ويمضي, دون أن يسأله أحد ..عالم لا يمكن لدبك فيه ,أن يتسبب لنينا في كل هذه اللوعة, دون أن تتخذ محكمة الأحوال الشخصية موقفا مناسبا ,يفضي بكل هراءاته و أحلامه الثورية – الأنانية في الحقيقة – إلى المزبلة .. فهذا شعب يحب رمي أي شيء في الزبالة ..عالم يصعب عليه تفهم أنماط سلوك ,كتلك التي تميزت بها أم حجل ,بنت مسيمس,السرة,قندل اليمن,أمونة ,الفنجري.هذه الشخصيات, التي لا شك أن دبك يعتقد أنها ,متجددة في الحياة اللامتناهية.. متجددة في الزمن والمكان ,وليست مجرد شخصيات بائسة .. حبيسة لعالم مدونات ملفقة.. ليست تاريخا كما تزعم عن نفسها ,فهي محض إسقاطات شخصية, لشخوص مهزومين كدبك أو الكلس ذات نفسه ..
    إذ من الصعب أن يتصور وجود"بلدة" كالأرباب ,على النحو الذي صاغته مدونات دبك ..هل فعلا كان لأبو جريد والأرباب نفسه,كل هذا الخيال المأساوي المرعب ..
    فإنتاج تصور كالأرباب يحتاج لطاقة خلاقة, شريرة . بقدر كبير ,يفوق خيال الفقرا .. طاقة قاسية بالدرجة الأولى ,تفتقر لتلك الحميمية والدفء, اللذان يشيعان في شخصيات مدونات دبك ,التي غالبا كتبت سيرة حياتها بنفسها ,وهكذا حددت للآخرين, الطريقة التي ينبغي عليهم أن يروها بها .. لذلك لو تم قلب صورة العاتي والدريب ,سيتم إكتشاف طبيعة مغايرة ,هي الأقرب لحقيقتهما المروعة ,إلى جانب أن العاتي, سيبدو - غالبا - أضعف من أن يقتحم بجيوشه دار صباح ..
    الوسن المزروع في حدقات العيون .. وسن هدهدة عجلات القطار . يدفعه للنوم عميقا , وعميقا ..
    يقترب القطار من حدود تكساس, فيمضي به الوسن في الوقت ذاته, إلى تخوم أحلام غامضة ..
    كان يحلم بصبيحة مشمسة في البلاد الكبيرة .. صبيحة ألفها منذ الطفولة .. حين كان يصحو على صوت أمه الدافيء ,الذي يزرع فيه حب هذا الصباح, النديان برياح الجنوب القلقة .. وجهها الصبوح يملؤه بالسكينة والحبور .. يشرب الشاي من يديها .. تعد له القهوة الحبشية ,وتودعه بدعاءها إلى العمل .. صبيحة يحن إليها حنينا جارفا .. حنينا مؤلما ومعذبا .. في مثل هذه الصبيحة ,يمضي بملابس خفيفة ,تلائم طقس البلاد الكبيرة الحارق ,و"مركوب" من جلد الماعز ,ربما لا يزال مشربا برحيق القرض .. يقطع شوارع السامراب شرق .. يركب الحافلة .. يصل المحطة الوسطى ,ويواصل إلى عمله بقدميه ,فيسمع من بعيد صوت أحد الأصدقاء , ينبثق من مكان ما . يستوقفه ليقرأ له قصته, أو قصيدته الأخيرة ,ثم يعرجان إلى محل التنباك ,ويمضي بعدها كلاهما في حال سبيله ..
    إنه الحنين إلى عالم حياته القديمة .. حنين لا يخلو من إغراءات البلاد الكبيرة, الفاتنة بمكرها وحيلها الغريبة !..
    كانت الأنوار مطفأة عندما أستيقظ .لا تلوح سوى إضاءات خافتة, تتماهى في صوت عجلات القطار المكتومة .. تتماهى في ستائر النوافذ الداكنة .. تتماهى في الزجاج السميك, والظلمة الكلية في الخارج .لا شيء في الداخل سوى التنهدات الخافتة ,مجهولة المصدر والشخير المتنامي, والرغبات المترددة أو الجريئة أو الحائرة ..
    وديبي غارقة في الكوابيس, التي يزيدها صوت عجلات القطار رهبة .. تتوقف حياتها عند الأسبوع الماضي..في اللحظة التي قررت فيها , التخلي عن طفليها وزوجها, والهرب من أقصى الساحل الشرقي, إلى أقصى الساحل الغربي .. سألها :
    -إلى أين تمضين؟
    -لوس أنجلس.
    -لكنها غالية جدا !.
    -ما يهمني فقط أن أبدأ حياة جديدة..بأي ثمن ...
    ديبي طيلة سنوات عمرها ,التي لم تتخطى منتصف العقد الثالث حتى الآن ,ظلت منشغلة بالحب والجنون ومتاعب الحمل والولادة ,وذكرى إغتصاب والدها لطفولتها المنتهكة .. خرجت ديبي إلى الحياة من رحم أسرة فككها الإدمان ولعب الورق .. فشكلت هذه الكوابيس حياتها البائسة ,حتى أنها لم تكمل تعليمها الأساسي..

    V
    ترى كيف كان دبك يفكر في الموت؟..هل تصور أنه سيموت يوما ما ,مخلفا وراءه كثير من الهراءات, التي سيورثها للكلس ,الذي تقديرا لسيرة جده سيطلق عليها "مدونات" أو مذكرات أو .. ترفقا .. لماذا يأتي الموت لكل شخوص هذه المدونات, عابرا وسريعا كأنتقال الفقرا؟..كرحيل مباغت ,وليس موتا مخيفا كموت .. الموت عند دبك أشبه بصديق ودود ,أشبه برحلة من مكان إلى مكان آخر .. رحلة ليست عسيرة كرحلة دقاش وود بندة . رحلة أشبه برحلة أبوخيرة ,بقوافله المتنقلة بين دار الريح ودار صباح ,أو إنتقال دبك نفسه ,من البلاد الكبيرة إلى بلاد اليانكي ..
    لسبب ما ,كان دبك لا يرغب في رسم صورة مخيفة للموت. ربما كان لديه إحساس خفي أن الحياة أقسى من الموت ,لذلك مدوناته ترسم للحياة صورة مزعجة, أشبه بالصورة التي يتوجب على الموت أن يكونها ..
    يمضي الكلس في تأملاته ,فتقفز إلى شفتيه اليابستين, تلك الأغنية الجرارية الحزينة . يرددها بهمس يكاد يكون غير مسموعا له هو نفسه ..أغنية بمثابة حياة كاملة ,حياة يحبها .. حياة الوادي والقمر والمطر والليل والشجر ,والحياة المتجددة التي دمرتها الحرب الأهلية الطاحنة, بين الموالي ,الخوارج ,القرامطة والمعتزلة, وكل الفقرا المهاجرية والغرباء المهمشين من جانب ,ومضر من جانب آخر .. حيث تخرج الآن من أعماق القبور, وهياكل الجثث والأغشية المنتهكة لبكارات العذراوات المغتصبات ,وبقايا المزارع والحيوانات والناس .. حيث يخرج من كل ذلك أغنية حزينة ,تتكرس في ذاكرته المنتهكة, كأحاديث لا تثمر ,عن الطفولة واليتم والمنفى ..أغنية يرددها أطفال المعسكرات على حدود تشاد, بأصواتهم الحادة المنهكة الأسيانة ,فيتردد صداها هنا في آخر الدنيا ,عند أبعد حدود العالم ,وحدود الكون المتسع ,فتلتقط ديبي الحكاية من شهرزاد ,لتحكي عن الكون المتسع ..
    تدخل شهرزاد في جبة الكون ,التي دخل فيها إبن العربي ,حيث لا يكون سوى الصدى للصوت السري الخفي : ما الذي في الجبة؟.. لا شيء سوى الصوت السري الخفي ,المنبعث من اللامكان واللازمان ,حيث تنبت شجرة في التو واللحظة ,لتظل أولئك الفقرا, الذين نال منهم التعب, دون أن يجدوا ظلا يستظلون به, يوم لا ظل سوى الظل السري ..
    يجيء إبن العربي من مكانه الخفي , في جبته الخضراء ,يمس الأرض الصحراوية القاحلة, بسيف القدرة وسيف الولاية , فتنبت خميلة ليس كمثلها خميلة .. وبعد أن ينال الفقرا الذين هداهم التعب قسطا من الراحة , يعطيهم إبن العربي سيف الولاية, والإذن بإيقاد نار البهاري في فجاج "القِبل" الأربعة ,فيتفرقون من ساعتهم كحواريين المسيح .. يحلون في الكون ويحل فيهم ,يتماهون في بعضهم وفيه ,ويصبحون كلا موحدا ,فقد سقاهم إبن العربي ,من بحر لم يشرب منه سواهم.. سقاهم "ترجمان العشاق" ..
    ومن نافذة القطار تلوح قبة خضراء ,فتهتف شهرزاد :
    -إنها قبة أبو رايات ..
    -ومن يكون هو الآخر..
    يسألها دون أن يكون مهتما فعلا للإجابة, التي يعرفها سلفا,ويعرف أكثر أن إجابتها, ستكون مختلفة عما يعرفه عن أب قبة خضراء .. قالت في حماس :
    -بعضهم يؤكد أنه الإبن البكر لراجل الحرازة أم قد ,أنجبه من جارية أعجمية ,جميع "الرطاطين" إرتبكو أمام رطانتها ,التي لم يسمعوا بها من قبل ,فجاءوا بها إليه فراطنها ,فوهبوها له ,فولدت أبو رايات, الذي شيَّخَّه فقراه, وهو لم يكمل الرضاع بعد ..
    في الليلة التي ولد فيها أبو رايات, كانت "الحالة" قد حلت على راجل الحرازة أم قد ,فشد ناقته ,حملّها كتبه ,وأردف طفله أبو رايات ,ومضى ضاربا السباسب والوهاد ..
    تعمق في الفيافي والفلوات ,حتى وصل قوز الحراز, أو ما أصبح يعرف عند الكثيرون, بالحرازة أم قد , حيث أختفى في فتحة الحرازة ,وكان بعض الفقرا القادمين من مالحة, بطريق الملح ,قد رأوا في الحرازة, درب أقدام طفل صغير على الرمل, يمشي من شجرة إلى أخرى ,بحثوا عنه ,وعندما وجدوه أخذوه معهم ..
    بعد عشرات السنوات, سيعود هذا الطفل نفسه إلى ذات الموضع, الذي أختفى فيه والده .يقيم فيه حاملا إسم والده .. كأن راجل الحرازة الأب, جدد نفسه في راجل الحرازة الإبن ,الذي يعرفه البعض بأبي رايات ..
    ولا تسكت شهرزاد عن الكلام غير المباح ,عند حلول الصباح ,إذ يتماهى صوتها ,في صدى أغنية أطفال المعسكرات . يندمج في الصدى المكتوم لعجلات القطار ..
    يقلب صفحات الواشنطن بوست ,ويقرأ مزيدا من الأخبار المكررة ,التي تناقلتها وسائل الأنباء المختلفة, في أنحاء عديدة من العالم : خبر عن إستقالة طاغية دار صباح ,عن قيادة جيش الإبادة الجماعية , وترشيحه لنفسه في أول إنتخابات رئاسية,تجرى في البلاد الكبيرة ,منذ ربع قرن .. المفارقة أنه كتب في برنامجه الإنتخابي عبارة : "إنتخبو القوي الأمين" ..
    -إنه شخص لا يختشي! ..
    كاتبه صديقه الوحيد من البلاد الكبيرة . وهو يضيف :
    -هل تصدق في كل لقاءاته ,يتحدث عن نفسه كنزيه ,في الوقت ذاته يقتل أتباعه الطلاب ,الذين يطالبونه بتسليم نفسه للعدالة الدولية ..
    كان خبر إعلان طاغية دار صباح لنفسه مرشحا للرئاسة, قد أثار حفيظة كافة المنظمات الحقوقية ,وأخرج إلى العلن كل المسكوتات عن المؤامرات الإنتخابية, والتوجهات العنصرية المشرعنة"ديموقراطويا" والتي تجري في الخفاء..
    مقال لأحد المخططين الإستراتيجيين,في السياسة الخارجية الأمريكية ,يعلن فيه مخاوفه عن تراجع وشيك للدور الامريكي في العالم ,ومخاوف بشأن مستقبل الحلم الأمريكي ,وانحسار إمبراطورية اليانكي والواسيب ,إلى حدود الدولة الوطنية ..
    وأعمدة كثيرة تنتقد سياسات بروفيسور أوباما ,وتؤكد أن أمريكا بحاجة "لسياسي قوي أمين" على شاكلة بوش وليس بروفيسورا في القانون !!....
    رفع عينيه عن الواشنطن بوست, وهو ينتهي مرة أخرى إلى التسليم ذاته, بما يعرفه عن البلاد الكبيرة ,ويتظاهر بجهله أو تجاهله ,إذ لا يريد رؤية البلاد الكبيرة, إلا من خلال شهرزاد غفواته المؤجلة : حميمة لكن ليس لديها أجوبة لأسئلتها المحيرة . فالأجوبة تجعلها تجتر أحزانها الأبدية ,وذلك لن يفيدها في شيء ,ففي نهاية المطاف, لن تنجو هي الأخرى من مصيرها المحتوم ,الذي زيفه مؤلفون ألف ليلة وليلة ,فشهرزاد لم تنجو في الليلة الأخيرة بعد الألف ,فعقدة شهريار دار صباح لم تكن قد حلت على الإطلاق .. لكن هكذا هم مؤلفوا التاريخ الرسمي , بإمكانهم تزوير أي حقائق ,تتعارض مع مصالحهم المادية والمعنوية ..
    عندما يدخل غرفته القصية كل مساء, ويبدأ في إحتساء كاساته ,كان يرى ديبورا تتسحب هي الأخرى ,عبر محطات القطار . تجثم على حافة الكأس .تسحب الدفء ويسري صوتها باردا كالصقيع .
    ديبي أشبه بلعنة مماثلة للكساندرا ,التي تجسم على أنفاسه باللافندر, والحب الذي لن ينتظر ..
    طوال الرحلة بالقطار, كان من النادر أن يتغشى ديبي الهدوء ,فسرعان ما يتبدل مزاجها نحو الأسوأ ,دون سبب واضح .. تزفر زفرات حارة عميقة أصبح يتوقعها, ولا يعرف مواقيتها, قبل أن ترميها بوجهه, الذي كالمنحوت على الصخر, دون تعبير محدد سوى تعاطف خفي .. هذه الزفرات التي يسعى جاهدا لتجنبها ,يحاول أن يجد لها تفسيرا محددا. دون جدوى ..

    VI
    الكساندرا شيوعية بالوراثة, ليس بالمعنى الماركسي المنهجي,فهو نوع من التشيع العاطفي العقدي,مثل ذلك النوع الذي يمارسه شيوعيين البلاد الكبيرة ..
    والدة الكساندرا برجوازية "متعفنة" ,على حد تعبير شيوعيين العالم الثالث ,وهي برجوازية متعفنة ,لأنها إبنة مسئول كبير في الدولة المكسيكية ,للمفارقة هذه البرجوازية"المتعفنة" وقعت في غرام شيوعي مكسيكي فقير- بالطبع غير متعفن مثلها - السبب الوحيد الذي جعله يصبح شيوعيا ,هو عقدة الظلم ,و الإحساس العميق بالغبن تجاه الأغنياء"غير الوطنيين طبعا", فالأغنياءغالبا هم رأسمالية غير وطنية,وجميعهم دون إستثناء ,كسبوا أموالهم, بطرق غير مشروعة !!.. ونتيجة لهذا المزيج من الغبائن والمفاهيم, طورد ولوحق وأعتقل وعذب ,فضغطت حبيبته البرجوازية على والدها ..
    ولأنه كبرجوازي فاسد,لكن يحب أسرته. و يرعى التقاليد العائلية المكسيكية العريقة ,تدخل بعلاقاته المعقدة, وتمكن من إطلاق سراح مشروط لحبيب إبنته,مقابل أن تتخلى عنه,و أن يتخلى عنها ..من جهة أخرى , لا يليق بهذه البرجوازية العذراء – عذريتها بالطبع مشكوك فيها ,فقد إنفرد بها هذا الشيوعي الفاشل الفقير, أكثر من مرة- أن تربط مصيرها بمصير طبقة تفتقر للأمل ..حبيبها الشيوعي الفقير, لم يصدق أنه تحرر من قبضة الجلادين ,فخطف أم الكساندرا وهرب,ضاربا عرض الحائط, بالوعود التي وعدها للبرجوازي الفاسد والد حبيبته – تكتيك طبعا- ..
    جاء إلى هنا ,حيث الأمل وحقوق الإنسان ,في معقل الرأسمالية المتعفنة ,عدوته اللدود!لكنه بالطبع لن يتجرأ على الحديث عن النقابات والإتحادات ,بل سيعمل طيلة حياته في محلات الفاست فوود ,ومحطات الوقود, دون أن يجرؤ على الحديث عن حقوق العمال ,بل سينكر أنه شيوعي حتى لا يأكله غول الرأسمالية المتعفنة ,وسيمضي إلى خيانة مبادئه العمالية أكثر فأكثر,فيرتدي الجينز ويأكل البيرقر ويشرب الكوكا كولا,وسيتعامل مع كل مستهلكات ومخرجات الرأسمالية البغيضة- كنوع من التأمين الحزبي - لذر الرماد في عيون الرأسمالية, التي يتنبأ لها سرا بالإنهيار الوشيك وفقا للديالكتيك ! .. في الحقيقة. أفصح أكثر من مرة لوالدة الكساندرا ,أن البيرقر لذيذ ,ويروقه تماما,كما أنه بات يفضل الكوكا كولا ,على الفودكا ذات نفسها..
    تسسللا إذن حدود المكسيك ,عبر شبكة معقدة من التهريب, برع الرفاق الشيوعيون في صنعها,فلديهم خبرة كبيرة في التأمين والتهريب,أفضت بهما هذه الشبكة المعقدة, إلى نفق حدودي بين الدولتين ,لحظتها كان الخوف والرعب الشيوعي والرأسمالي المشترك قد بلغ في نفسيهما ذروته ,فقاوماه بالتوحد ..
    في لحظة ما لا يعرف أحد حدود عمقها ,إستحالا إلى كتلة من التوحد الكلي ,تمكن فيها الشيوعي الفقير من زرع الكساندرا ,في رحم البرجوازية المكسيكية ,التي ككل النساء تعبد أساطير الحب ..وتقيم الدنيا وتقعدها لأجلها .. فأسطورة الحب عند النساء تدفعهن للرمي بالمقدسات ,دون أن يلقين بالا لمزاعم السلطات الاكليريكية ,بأن أفكار الضلال الإبليسية قد تمكنت منهن .. بل يفعلن ما هو أسوأ : يقعن في غرام شيوعيين مغبونين فاشلين ومتسخين الملابس, لا يستحمون لأيام عديدة تفوح منهم رائحة الشعراء,لكن للأمانة يجيدون النضال عبر الهتاف الغنائي ..
    دراما الزواج الشيوعي – البرجوازي المقدس الذي ربط بين والدي الكساندرا ,ستبقى مكونا عاطفيا أصيلا ,يصنع منها شخصية مزعجة, رغم محاولاتها الدؤوبة, في أن تبدو متحضرة ولطيفة .. وفي الحقيقة الكساندرا تتكلم الأسبانية, بلهجة أمريكية أكاديمية رفيعة,وتتصور أن على الكلس أن يبدي دائما نوعا من الإندهاش تجاه حكاياتها, التي هي في الواقع ,حكايات بائسة لاقيمة لها..
    عزاءه أنه لا يهتم سوى لجمالها الأنثوي البديع ..فأيا كانت حكاياتها ,فهي لا تعدو أن تكون سوى ,إبنة ذلك النفق الحدودي ,فمن هناك بدأت تتكون ,رغم أنف بوليس الهجرة وحراس الحدود ,ومن هناك جاءت إلى العالم الجديد, لتولد وتعيش في الحلم الأمريكي, بكل ألقها ,كمديرة مبيعات برجوازية أصيلة ,في شركة تقاتل بكل السبل لإنقاذ نفسها من الإفلاس ,بسبب الأزمة الإقتصادية الطاحنة, التي يسعى بروفيسور أوباما جاهدا لتحديها,دون جدوى ..
    هو و الكساندرا,كانا شبه غارقين في ظلمة الصالة ,دون أن يفكر أحدهما في إضاءة النور ..الإضاءة المتسللة من أنوار الشارع, تجعلهما يبدوان كشبحين يقفان قبالة بعضهما ..
    تجلس الكساندرا ,تغوص في اللاف سييت ,وتهمس : "الحب لن ينتظرك"..
    فيرمى بجسمه المتداع على الصوفا وهو يقول بطريقة عابرة :
    -فضلا,أشعلي المدفأة إلى أقصى حد ممكن ..
    لم تحرك ساكنا ,فنهض يشعل المدفأة بنفسه ..ثم أنكب على المدونات, التي كان قد أهملها مؤخرا ,إنكب على ملاحظات شخصية بخط دبك ,تخللت هوامش المدونات ,حول ما إذا كانت التفاصيل, التي يسردها عن حكايا البلاد الكبيرة ,وكل هذه الشخصيات ,التي هي في الحقيقة شخصيات بائسة ,ما إذا كانت هذه المدونات بحاجة لكل هذه التفاصيل ,لتؤكد مدى البؤس الإنساني في ذلك الجزء من العالم, المسمى دار الريح ,أم لا ,ففهم هؤلاء و أولئك المأساويين سواء كانوا فقرا أو ملوك ,يتوقف على إعطاء أنفسنا فرصة للتأمل في الافكار العامة .. البانوراما .. الشرائح التاريخية ,لنتمكن من شق دروب جديدة للمشاعر, لتشارك هذه الشخصيات بؤسها العام .. وربما أن كل الأمر خدعة ,وليس ثمة بؤس في الواقع ,سوى بؤسه هو شخصيا ,الكلس ..الذي يريد إسقاطه على جداريات التاريخ ,أو مدونات دبك .حتى لا يعود هناك تاريخ أو مدونات ,بل شيئا آخر يرضي نزعته الشريرة كمهاجر مأزوم, تقطعت به السبل إلى البلاد الكبيرة ..
    رغم إشعاله المدفأة إلى أقصى حد ممكن ,إلا أن الشقة كانت لا تزال باردة بردا مزعجا ,دفع الكساندرا لتندس في السرير .. كانت قد إنتظرت الحب طويلا, ثم أنطوت على نفسها ,ونامت وهي تقول من خلال نعاسها :
    -عاصفة ثلجية في الطريق ..أخاف أن أنام في بيتي وأنا أترقبها ,أشعر هنا بأمان أكثر..
    ألقى بنظره خلال النافذة ,كأنه يستقرأ الطقس ,فهو لا يثق كثيرا في تنبؤات مراكز الإستشعار .. لم يتوصل إلى شيء ,فعاد منصرفا إلى مدوناته مرة أخرى .. ليلوح في عتمة المدونات ,القليل من وجه غلوريا , كظل خفي داخل ظلال الأوراق . المزيد من وجهها يضيء ببطء, وهي ترد بيدها خصلة نافرة, تغطي العين والخد .يتبدل الوجه في الظلمة, فيلوح محله وجه الكساندرا ,الذي سرعان ما يغيب في شخيرها ,مفسحا لوجه مسك النبي ,شهرزاد,فاطمة السمحة ,أمونة ,بنت فدرالله,بنت مسيمسوأم حجل ..
    تتبدل الوجوه سريعا ,كالهاربة بحثا عن النجاة, في عالم ظلال المدونات.. تختفي مبادرات الحب ,فيما يشبه البرود ,فالحب الحقيقي ,يتجمد في لحظة المبادرة فقط .. يتحنط, لتتخلد هذه اللحظة وحدها دون أي تفاصيل ..تضيع التفاصيل ..
    ما الذي بقى من تفاصيل علاقة مسك النبي بأبي جريد ؟.. لا شيء سوى التنهدات والأنات الذاوية.. كل سيرة حياتها البرية مع صيد الخلا. على ضفاف الوديان ,وفي البراري الغامضة ضاعت .. فقط لحظة المبادرة ..القلق المزمن .عش القمرية والفراشات المحلقة, في لحظة المبادرة ..هذا كل ما تبقي..
    ترى من كانا حقا "أبو جريد ومسك النبي" ؟من أين أتيا ؟ أين عاشا قبل ذلك ؟ ..الأسئلة تحترق في نار المدونات, التي تنطوي على أكثر مما تفصح ,فلا يبين أثر للأشرمين ,المحمولين على أجنحة الحمائم ,يغادران دار الريح إلى الأبد ,فتغادر الحمائم بعدها ,كامل حدود البلاد الكبيرة ..

    VII
    ديبي بكوابيسها وأوهامها أو دون ذلك ,هي غريبة الأطوار في تكوينها ,فلا شيء في هذه الدنيا يجعلها تحس بغبطة وسرور عظيمين ,مثل الحديث عن تصميمات الثياب الداخلية ,خاصة السراويل والمنهدات ,وعلاقتهما بالإغراء والمتعة ,والتماهي أقصى حدود الحياة .. ولذلك كان يطيب لها الحديث بصدق منقطع النظير ,عن تجاربها الجنسية العديدة ,والرجال الذين ألتقتهم منذ زمان بعيد ,ولا تزال تحن إليهم ..
    هذا النوع من الأحاديث يريحها, وهو الوحيد الذي تتناوله بصدق وصراحة ,عدا ذلك يستطيع الكلس أن يزعم ,أنها كاذبة كبيرة كشهرزاد ,وهو على أي حال يحب النساء الكاذبات, فهن كالشعراء الجيدين ..
    في كل يوم من أيام رحلتهما بالقطار, كانت لها كذبة جديدة ,عن حياتها المأساوية, وفشل زواجها وهزيمتها الأسرية ,وطفلها الذي يعتقد أن بن لادن ,هو المسيح شخصيا ,فيبكي في الهزيع الأخير من الليل – إنه يشك أن تكون متزوجة حقا! ولها طفلين معاقين كما زعمت!! .. يشك في كل حكاياتها ,وفي كل ما يحيط بها ,شكه في شهرزاد غفواته المؤجلة ..إنها محض باحثة عن ذاتها ,خارج سياق الذات !– أعتاد حكاياتها, فكان عندما يمل ثرثراتها ,كل ما يفعله هو الإنكفاء على الواشنطن بوست, أو أيا كان إسم الصحيفة التي بين يديه .. ينكب بعينيه على السطور ,دون أن يشعر بأنه فعلا يقرأ شيئا ..
    لم يكن يرى بين السطور سوى شهرزاد .. فالصحيفة تصبح لحظتها ألف ليلة وليلة ,تدفعه دفعا للغوص في الحكايا ,فيتناهى صوت ديبي متنائيا ,متلاشيا كأصداء بعيدة ..وتنام .. فيغفو هو الآخر ثم يفيق .
    في الواقع ما يجعله يفيق من غفواته المؤجلة, ليس شيئا آخرا, سوى أنه لا يستطيع النوم, بسبب بعض الأصوات ,التي تختلط ببعضها البعض, ممتزجة في رأسه بالريح العنيفة, والقطار يمضي بسرعته الرهيبة تلك ..
    تردد أمام إنكفاءة ديبي ,عدل من إنحناءاته ,وهو يتفرسها للمرة الأولى . تتخلل خياشيمه برائحتها . تلك الرائحة الأشبه بالروائح الليلية الدبقة, في ليال الصيف الحارة ,ذات الرطوبة العالية ..الرائحة المزيج من رائحة النباتات العطنة ,والعرق الزنخ والهواء الخانق .الرائحة التي تذكره بجانو قرمط ,الموالي ,المعتزلة ,الخوارج وكل المهمشين, الذين حلموا بالعدل والحرية ,في عالم مفتون بالبؤس والطغيان ..
    رائحتها تشبه رائحتهم تماما .. ربما أن بعضهم ليست له هذه الرائحة العطنة, الغائرة في التاريخ .. ربما .. فتح النافذة نصف فتحة للتهوية دون جدوى .. الشعراء خصوصا ليس بإمكانهم ,التوقف عن إصدار مثل هذه الرائحة ,الشعراء لكي يكفوا عن إصدار هذه الرائحة ,يتوجب عليهم مغادرة أحزانهم الأزلية ,إلى فضاءات ممطرة, تغسلهم بفيضاناتها .. تغمرهم كما غمرت قوم نوح .. غسلتهم في الحقيقة ,بعد أن إنتظرت طويلا أمام مضاربهم ,دون أن ينتبهوا لها ,فقد كانوا هائمين في غفواتهم المؤجلة . جميعهم دفعة واحدة ,في غفوة واحدة ,عميقة. حالت دون أن ينتبهو للطوفان ,دون أن يدركوا أنهم في قلب غفوتهم تلك, يشاهدون حلما واحدا مؤجلا هو الآخر .. وكان الماء وقتها قد بلغ الحناجر .وصل أعماق حروفهم .خلخل كلماتهم وبعثر أجراس قوافيها ,أكاذيبها ,موسيقاها ..أغرق كل المعاني والأخيلة والصور ,ورمى بتشبيهات البلاغة ,في رائحة العطن المبتل في الطوفان ..
    لحظتها فقط أفاقوا . ربما لحق بعضهم بنوح .ربما لا.وفي كل الأحوال ,ثمة معلقة جميلة سينحتها أحد الناجين على قمة جبل نوح ,وهو يلفظ أنفاسه الآخيرة ,مخلدا هذا الطوفان العظيم . لكن شعراء مداهنين يتآمرون في اليابسة .. يتجاهلون الطوفان ذات نفسه ,يتجاهلون الحمامة ذات نفسها.الحمامة التي دلتهم إلى اليابسة ,فيخلدون نوحا, ويكتفون بذكر الطيور ,العصافير ,الزرازير والطوفان ذات نفسه ذكرا عابرا..الطوفان والحمامة هما بطلا حكاية الخلق الثاني ..كبطولة إبليس في قصة الخلق الأول .الطوفان والحمامة يرتبطان بتلك الرائحة : هل شم أحدكم رائحة نباتات معونة النيل ,أو "قفص" الدجاج ,أو عش الحمام ؟!.. ليس بإمكان الشعراء التوقف عن إصدار تلك الرائحة ,رائحة التاريخ ,المزيج من رائحة النباتات العطنة, والرطوبة العالية . لن يتمكن الشعراء من الكف عن إصدارها ,وإن شمروا قوافيهم وسراويلهم, ومشوا عرايا في لجج بحور الفراهيدي اليابسة ,مشية بلقيس على صرح سليمان الممرد ..
    ألم يكن الفقير سيد الرويكيبة شاعرا فحلا ,تمكن ببيت من الشعر من إقناع العذراء ,التي رفضت قبوله بعلا ..
    كانت قد رفضت المشاط وأخذت تبكي ,فتقدم منها .قبلها على رأسها وهو ينشد ويغني ويرقص ويزغرد : " يا دي العروس البكاية * غاروا عليك أهل الراية * جعلوك قصبة وشاية " ..فضحكت العروس ورضيت , فأخذها معه قاصدا الحج ,مع حيرانه المقربين ,فانقطعت بهم السبل في الصحراء ,فخاف الحيران وسربو ا مخاوفهم :
    -يابا الفقير الريح "تخلفت" علينا ,خايفين فوات الحج ..
    فرد عليهم :
    -أبشروا بالخير , البارح رأيت النبي ,عندما أختليت .. مرقت روحي من جسمي, وعرجت على السماوات , فسمعت الخطاب الإلهي ,وخاطبتني الملائكة . نعم رأيته . رأيت النبي (ص) وجبريل يمينه ,والصحابي الجني شمهروش قاضي الجان يساره .. حملني جبريل صاعدا بي ,أسأله أن يرجعني عند كل سماء فلا يرضى ,إلى أن دخلنا البيت المعمور ,فولاني على مكة ,ثم المدينة ,فمضيت إلى الرسول (ص) ,الذي كان مختليا ساعتها ,فمنعني الحجاب من الدخول عليه . فانتهرهم ,ودخلت عليه فوجدته مستقبلا القبلة, إلى جواره الخضر عليه السلام , وعلي إبن أبي طالب وبلال الحبشي, و الفقيرعبد القادر الجيلاني, و الفقرا خلفاء "القبل" الأربعة, ثم وجدت نفسي في عرض البحر ,أحمل ياقوتة حمراء ,مثل نقاوة النحاس ,والنبي قاعد في رأس مركب, وجبريل ماسك الصاري, وأنتم يا فقرا تركضون من هذا إلى هذا, وتقرقرون تمسحون عن أشداقكم زبد الضحك ..
    ولم يلبث الحيران إلا هنيهة, حتى وجدوا أنفسهم في مدينة الرسول الكريم (ص), حيث جاءهم الأغا ,وأخبرهم أن النبي (ص) أمره بإكرامهم, وأن أهل الحرمين عن بكرة أبيهم ,يعتقدون في الفقير سيد الرويكيبة, وقد سلكوا عليه طريق القوم .

    VIII
    أحد كتاب الواشنطن بوست يكتب ساخرا, أن طاغية دار صباح, بعد أن هدد شعبه بالتنكيل و تقطيع الأوصال ,وعد شعبه مرتعد الفرائص ,بإنجاز الأعمال الطيبة, وأنه سيكون نزيها وشريفا وعادلا, لن تعبر شفاهه أي أكذوبة أو غيبة أو نميمة أو أي تلميح ,حتى إذا أستحقه خصومه الكفار وأعداء الدين والجلابة,والأهم من كل ذلك, أنه بعد الآن ,لا يأبه لمن يشرب العرقي أو المريسة , أو البنقو . و لن يجلد أو يسجن أحد لمثل هذه الأسباب,إذا تم إنتخابه ,فهذا سيكون أول مرسوم دستوري له .. ويضحك كاتب الواشنطن بوست مستخدما لغته الرفيعة - بالطبع لشدة جهله بأحوال وحالات البلاد الكبيرة - محللا أن الامر ليس "فهلوة" إنتخابات للحصول على أصوات "الناخبين", فهو أمر يتعلق ببناء الشعب ,هذا الكائن المزعج, الذي ارهقه فقرا السياسيين .. الأمر يتعلق بالسكان الاصليين, الذين لا يعرفون لهم وطنا آخر غير البلاد الكبيرة , إذ ليس لهم أي إمتدادات خارجها ,تجنح نحو مصر المؤمنة أو تركيا المنفصمة أوروبيا ,أو إمتدادات الربع الخالي أو شمال أفريقيا .. الأمر يتعلق بهؤلاء الذين يخضعون لمنطقهم الخاص , الذي يسمح لهم فيما يسمح – للأسف - بالنكوص عما قرروا أن يكونوه أو يفعلوه , ولهذا السبب بالذات تفتتت حركات المقاومة المسلحة في دار الريح أميبيا , ومع ذلك قادتها عُمِّي البصيرة, يسخرون من ظل الله في الأرض, ومن نواياه الحسنة, المدعومة مباشرة من الذات الإلهية ,دون وساطة جال الدين و الأنبياء والفقرا وعترتهم , مع أنه كان بحكم المؤكد, أن طاغية دار صباح, سيلفظ أنفاسه الأخيرة ذات يوم ,في إحدى الزنازين الكئيبة بلاهاي, دون أن يخطر على باله ترديد الشهادة , ستوثق حينها محكمة لاهاي والميديا العالمية, والشعراء الفضوليين أقواله واحتجاجاته الأخيرة, ضد كل الآلهة التي خذلته خذلانا مبينا :
    -لماذا تركتم الحصان وحيدا , وقد فعل ما فعل لإرضاء قداستكم ؟!..
    سيودع هذا العالم كئيبا حزينا وبائسا ومنهارا ,وسيكون العالم تعيسا من دونه – كما يظن – دون أن تتأجل غفوته الأخيرة , وكل الشهرزادات اللائي ورثهن بوضع اليد, بعد مقتل أزواجهن في ظروف غامضة ,سيكفن عن حكي أي حكاية. سوى حكاية وحيدة, عن مريض ممسوس, صاحب كرامات إنتخابية ..
    كان المطر قد توقف لدى وصولهما دالاس, وكانا قد قررا مواصلة رحلتهما بالبص .إشترى تذكرة لفينيكس ,وأشترت تذكرة للوس أنجلوس , في البص نفسه ..
    بتوقف المطر كفت عن إصدار تلك الرائحة ,المزيج من الروائح الليلية والنباتات العطنة والهواء الخانق .فكان سعيدا برفقتها للمرة الأولى منذ ألتقاها في بلتيمور.عرض عليها أن يقضيا ليلتهما في فندق ويمض كل إلى حال سبيله صباحا ,فةافقت دون تردد ..
    في غرفة الفندق الصغير ,كانت قد خلعت تنورتها وارتدتها أكثر من مرة ,في إنفعال واضح.. جلست بعدها على أحد المقاعد . شبكت يديها وأنتظرت تترقب خطواته .. على الرغم من ظروف هربها كانت تشعر بهذه اللحظة ,كإحدى اللحظات القليلة المميزة في حياتها . بما أمتلأت به من مغامرة لا منطق لها سوى الرغبة العفوية ..أطل وجهه يفتح الباب .انب عليها بكل جسمه ,كانكبابه على مذكرات دبك..
    تحت السماء المكشوفة التي تظلل الميناء البري, الذي سارا فيه يقومان بجولة سريعة دون ان يتعرضا لخطر البلل ,كانت بعض الأرصفة لا تزال مغمورة بالمياه ,وبعض الحجارة مغطاة بوحل طازج ,يصدر رائحة ناعمة ,لكنها مع ذلك محايدة . رائحة ليست كريهة كرائحة الدبق, الذي تحمله معونة النيل, أو أغصان الأشجار المتساقطة ,في وديان أزوم وسجلو والله مرقا وبلبل دارمنقرة وفوربرنقا ...

    القسم الثاني :

    I
    على الرغم من أن الكساندرا مسكونة بتاريخ أبويها ,إلا أنها في الواقع على عكس ما كانت تدعي ,فقد وضعت منذ وقت بعيد ,حدا حاسما بين الماركسية ومصالحها ,كرأسمالية عتيدة ,حتى أنها – كالماركسية تماما ,لا تحترم الفقراء فتحرمهم تفجيرطاقاتهم, وتمنحهم الحد الأدنى نيابة عنهم ,وتعتقد أن كون المرء ماركسيا, فهو يخاطر بتحويل الفقراء إلى جلادين – بالطبع لأسباب عاطفية تستثنى والدها ,إذ تعتقد أن عقله مفتوح ,فهو يشرب الكوكا كولا ويأكل البيرقر لتأكيد موضوعيته – مغضوب عليهم , وهذا يهدد السلام النفسي, لهؤلاء الفقراء وإلى الأبد .من جهة أخرى, ليس ثمة عاقل يرقب في حرمان نفسه متع الحياة القصيرة, قبل أن ينتقل بصورة حاسمة إلى ضفتها المجهولة الأخرى , حيث لا يدري ما الذي ينتظره بالضبط , فلماذا يضحي بمتع الحياة ؟.
    الشيوعيون – وليس الماركسيون – هم الوجه الآخر للفقرا المهاجرية الغرباء !!..يرغبون في إقناعنا بصورة عن الإنسان, لا يمكن أن تتحقق إلا في الكوابيس والأحلام المزعجة .أنهم يريدون أن يحملوننا في مركب يمخر بنا عباب البحر ,في الوقت الذي نحن فيه ,في بيوتنا نشاهد مآسي العالم ,على شاشات تلفزيوناتنا العتيقة .. إذن من هم أولئك الذين على ظهر المركب ؟!..
    تحت ظلال الأوك.. في حديقة حيوانات سالسبري ,لطالما جلس وغلوريا, يتبادلان الأحاديث الناعمة, ويضحكان بأفواه ممتلئة ب"البب كورن" ..تتبدى غلوريا إمرأة رائعة كمغنيات كازينوهات أوشن سيتي .كأنه يراها للمرة الأولى .
    مرات عديدة تلك التي كان يشعر فيها ,كأنه يراها للمرة الأولى .. غلوريا تختلف عن الكساندرا كثيرا , فهي لم تشيد مثلها عالما أسطوريا زجاجيا, تنظر من خلاله, لعالم أبويها فيما يشبه الحنين ,الذي يعيشه المنبتون لتأكيد ذواتهم غير المؤكدة ,وحاجتهم لخصوصية مفتقدة ,مزعومة أو متوهمة ..أو هي حقيقية بالفعل! .. هذا الحنين الذي يشعله الشعور بالإنبتات عن الوطن الأم ..
    لكن غلوريا تهتم بالباراسايكولوجي ,ودراسات الفونومينولوجيا ,لذلك لم يكن غريبا ,أن تبدي نوعا من الإهتمام ,بمدونات دبك عن الفقرا ,كما أنها تعتقد, أن هذا الجزء بالتحديد ,لهو جزء من حنينها الخاص , أو ما ظلت تسميه "بالشيء الذي أبحث عنه " .. وبطبيعة الحال أيا كانت الطريقة التي تفكر بها ,هي بعيدة كل البعد عن أن تدرك, حقيقة عوالم معقدة كعوالم هؤلاء الفقرا ..
    وبعد كل هذا الوقت ,الكلس نفسه لا يستطيع الجزم, بمعرفته التامة لهذه العوالم الغامضة, التي أورثها له دبك , وكل ما يستطيع أن ينصح به الآخرين في شأنها ,هو كلام عام خجول, قد يكون مهما كما يتصورمحدثه , لكنه قطعا لن يفيده في أي شيء ,كما أنه ليس ثمة عاقل ,يرقب في الإصابة بمثل هذه الفيروسات, التي تعج بها مدونات دبك ,الذي لم يكن في الواقع يؤمن حقا بما ظل يدافع عنه ,وخاض في سبيله صراعا مميتا . كما أنه لوبقي حيا , أو لم يغادر البلاد الكبيرة لوجد نفسه محرجا جدا .. إزاء اسئلة محيرة حول مدى صواب أفكاره , وهل أن الآخرون "المهمشون" موضوع دفاعه, يعتقدون فيما يعتقد ..أم أنهم يفتقرون للإيمان بأي شيء, سوى عوالم الفقرا المهاجرية والغرباء, كقوى محركة لتاريخ البلاد الكبير, وفاعلة في هذا التاريخ, صاغت حياة الناس على ما هي عليه الآن..
    حركة وحيدة متبقية على رقعة الشطرنج .. حركة واحدة فقط لا يمكن القيام بها , إلا إذا قررنا إنهاء اللعبة .هذه النقلة الأخيرة , ظل الفقرا المهاجرية على الدوام يتجنبونها ,لأنها ببساطة تعني :"كش فقير مهاجري" .. وهذا يعني ببساطة موت طاغية دار صباح في كل العصور والأزمان, منذ سالف الذكر الأرباب, حتى اللحظة الراهنة التي تتنازع فيها الأحزاب ..
    إذن المشكلة هي الموت ,الكلس نفسه مؤخرا أصبح مسكونا بهذا الموت ,لا يدري أين سيموت ولا كيف .. كل ما يعلمه أنه يتوجب عليه الإستمرار, في عيش حياته هنا أو هناك .. ليس على طريقة إنتقال الفقرا المهاجرية ,الذين ببساطة لا يتقبلون فكرة الموت ,ويتصورون أنه أسوأ من الحياة ,لا العكس ..
    في الوقت نفسه لا يريدون أن يقتنعوا بأن الإنسان, هو ما هو عليه فعلا ,ولا نملك شيئا إزاء هذا الأمر ,فالإنسان يأكل ويشرب , ويشتهي النساء ويزني ,ويحتسي الخمر ويدخن الماريجوانا أو الحشيش, ويرتكب السبعة دون ذمتها ,ومع ذلك يدخل في رحمة الله ,التي وسعت كل شيء ,فماذا نحن فاعلون فيه! ,علينا أن نتقبله هكذا, حتى إذا أضاف إلى خطاياه "ذمتها"..
    رجال الدين والفقرا المهاجرية والغرباء والمهمشون ,يندرجون تحت تصنيف الإنسان ..كذلك القوادون والمومسات ..أصحاب السوابق ودهاقنة التعذيب في بيوت الاشباح .. بنات الرصيف والمحتالين ,الذين "يلبسون البسطاء الطواقي" ,الأصدقاء والأعداء جميعهم دون فرز ..كل هؤلاء يندرجون, إلا طاغية دار صباح فتصنيفه مختلف ,على الرغم من أنه ليس بالإمكان إستثناء أحد, حتى لو صب الإنك المذاب في فرج شهرذاد ..

    II
    في تلك الظهيرة الغائظة من آخر أيام زيارته, لمسقط رأس أبيه ,ودعه عمه إلى محطة القطار في نيالا.كان في طريقه إلى دار صباح ,بعد غياب أربعة أشهر ,تجول فيها كعادته في كل أنحاء دار الريح ,زار حتى تلك النقوش التي على جدر كهوف عين فرح ,ولأول مرة يشعر أنها لا تكفي كنقوش, لتخليد أحوال الناس والمكان ,فالنقش على الصخر يحميه الصخر نفسه ,لكن لا فائدة من النقش طالما ان أحدا لا يقرأه ,أو لا يتمكن من فك رموزه, لقراءاته وفهم فحواه ,هكذا تمحي أحوال المكان والناس ,فتتناهشهم الحروب ,ويؤولون إلى معسكرات النزوح واللجوء ,فهم ليسوا محميين إلا إذا فكوا أسرار لغتهم ..حروفها وتلك النقوش المحمية ,التي تكشف عن هويتهم وأحلامهم المؤجلة ..
    إلى جواره في القطار جلست شهرزاد : سمراء نحيلة باسمة الوجه,تحمل في يديها ألف ليلة وليلة بخجل,كأنه ليس كتابها الذي ألفته بحكاياتها, ومواجدها وتوجداتها .كانت شهرزاد أضعف من أن تقوى على السفر ,في مثل هذا القطار ,الذي يختلف عن كل قطارات الدنيا ,بالنسبة له – في ظروف غير هذه الظروف - السفر في مثل هذا القطار "محنة" أكثر مما هو نزهة محببة .. لكن في الواقع حيث يوجد قطار مثل هذا القطار, يوجد حزن كبير خفي ,كالحزن الذي تنطوي عليه أغنيات الجراري ,فيجعل العربان المساكين يتبعون مواشيهم ,لا يلوون على شيء .إنه نوع مجنون وغريب من الحزن ,يدفعه إلى تسلق نفسه في هذه اللحظة بالذات .. فيصعد ويصعد .. يصعد عله يرى الأب الذي في السماوات ,أو الأنبياء القدامى والمقدسين ,يمدون أياديهم يشدون على يديه ,فقط يشدون على يديه ,وعندما يتركونه وحيدا ,يتمنى لو رفعوه معهم إلى حيث تغيب الحياة ,في حياة أخرى مغايرة لمعناها, في هذا الكون الرهيب, المثقل بالهزائم والكوارث,والذي يجعل من الحياة على سطح هذا الكوكب, شيئا محفوفا بالمخاطرة..
    عبر نافذة القطار لا تمر صور يمكن للذاكرة تمجيدها ..فقط الأراض الزراعية الشاسعة, والعشش الفقيرة والمحطات المتنائية, التي تتخللها شجيرات القضيم والسنا سنا وأشجار الأبنوس والتبلدي و.. والرمال الساحرة. ليس ثمة آثار مقدسة لقديسين ,ربما أضرحة خفية متفرقة هنا وهناك ..أضرحة لأولياء ..أو مقابر شهيرة لعلية قوم على طريقة الجراري الحزين ,لكن ليسوا نجوم مجتمع بالمعنى الذي تعرفه دارصباح ..
    هنا ليس ثمة أثر حضاري خلفه الأتراك أو الإنجليز ,أو أثر أعمق ببقايا يونانية أو هيلينية .. لكن مما لا شك فيه, ثمة روح هرمسية أو غنوصية هائمة ..ضلت طريقها من بلاد الهند والسند وفارس إلى هذه الأصقاع القاحلة ..روح خفية تلهم الفقرا المهاجرية والغرباء ..روح تبدو كإنطواء سري غير معلن ,متماهيا في مركبات الحزن والأسى واللوعة ..فقط محض معنى دارسا ولا شيء آخر ..لكنه معنى, يخلف في النفس أثرا عميقا, لا يمكن مجابهته ..معنى كالذي واجههه الفقير المهاجري, الذي حلم برؤية العالم من العرش إلى الفرش,فقرر لقاء أبي جريد ,مع أنه لم يحدث له أن رآه ..كان فقيرا طموحا يحلم برؤية ما في عقول الناس ,فخرج باحثا عن أبي جريد ,وعندما عثر عليه, لم يسمح له الحجاب الجريديون بلقاءه ,فخرج غاضبا قاصدا الانحاء البعيدة من دار الريح, لسلوك طريق القوم على يدي راجل الحرازة ام قد ..
    مشى بجمله لأيام وليال بين السباسب والوهاد, إلى أن رمته المقادير في مكان ليس فيه شجر أو بشر ,وهو يمشي في تلك البرية على تلك الحال ,من أول النهار إلى قرب الزوال ,رأى "راكوبة" كبيرة فقصدها ,عله يجد أحدا يرشده ,فوجد مسجدا كبيرا ,فيه "رحل" تمر ورجلا عريانا لم يبادله الحديث أبدا..
    فلما دخل وقت الظهر, جاءت العرايا نساء ورجالا ,من كل فجاج الصحراء ,وكل واحد منهم قد أخذ قبضة , من جراب معلق في سقف المسجد . فلما دخل وقت الصلاة ,حضر راجل الحرازة أم قد وصلى بهم ..
    كان الفقير مأخوذا ,تتناهشه الدهشة ,فمكث إلى وقت العشاء ,فجاءه أحد العرايا وأعطاه كسرة بملاح "خدرة" ,فأكل منها ثم مسح عليها بيده, فصارت أحلى من العسل ..وهنا أشار إليه راجل الحرازة : " قم" .. فرأى الفقير دروبا كثيرة مثل دروب النمل ,و كان أحد هذه الدروب يقابل ضوء نار ,فأخبره الشيخ : "ذلك الضوء هو ما خلفته وراءك ".. فعاد الفقير المهاجري راجعا من توه .وعندما وصل الحرازة أم قد قال له الفقرا :
    -ابو جريد يطلبك ..
    وعندما مثل بين يديه كان متفاجئا ومأخوذا :
    -أنت راجل الحرازة نفسه ..لقد تركتك في الصحراء!! ..
    -نعم إلتقينا في جامع الدراويش العرايا .. ذهبت لأصلي بهم ..
    المعان الغامضة غالبا ما تكون لأشياء أمامنا, نراها كل يوم دون أن ننتبه إليها, أو نتوقف عندها ..مثل هذه المعان, هي ما جعلت الفقير المهاجري عند خروجه من مقابلة أبي جريد ,يختلي بنفسه متدثرا بالشملة ,معتكفا لا يأكل سوى القرض ولا يشرب سوى الماء الحاف ,إذا ضربته بعصا حديد لما ألتفت إليك ..
    كان قد حصل له إنقباض من الناس ومن كل شيء حوله ,فقد أصبح يرى ما في العقول ,فيأسى لهذه الحياة الأشد قسوة من الموت .. كان قد إكتشف الحقيقة التي كانت ماثلة أمامه طوال الوقت ..كم هي مخيفة هذه الأفكار التي في عقول الناس, ولكم هم سيئون ,لذلك كم هو بائس هذا العالم ..لكن لم يكن ثمة طريق للرجوع ..
    الحكايات التي يتبادلها ركاب القطار الفقراء البؤساء ,الذين يحملون معهم دواجنهم ومواشيهم وحقائب الصفيح الكبيرة, وسحارات الخشب ولا يتخيلون على الإطلاق ,أنهم يوما ما سيقدر لهم ركوب الطائرة أو البحر , مغتربين أو مهاجرين عبر بحر مالح ,أو عبر سماء حاضرة دار صباح .. هؤلاء الحزانى الطيبون تلوح وجوههم ,كل وجوههم في وجه شهرزاد ,التي يطل لحظتها من عينيها, فرح خفي ,كالحزن الذي تنطوي عليه أغنيات الجراري الأسيانة ..
    منذ أن حل القطار بالضعين ,لم تهدأ حركة الناس ,في هذه المدينة المقفرة الكئيبة, ببيوتها الواطئة الضيقة ,التي يعيش فيها أبناء الشعب ماضيهم دون حاضر أو مستقبل ,كأغلب مدن دار الريح .الشيء الوحيد الذي يميز الجميع, أنهم يعيشون جنبا إلى جنب :علية قوم وشيوخ وعوام .. ترى ما الذي يمكن أن تقوله حاضرة دارصباح ,التي عما قريب لن يكون فيها سوى الأحياء الخاصة ,والخاصة جدا بحدائقها الأشد خصوصية ,حدائقها المحروسة بالكلاب المتوحشة ..حدائقها التي لن يستطع العامة المرور قربها ,دون أن يتأذون من الكلاب المتوحشة! ..
    وعلى أية حال لن يستطع أحد من العامة ,أن يعيش في مثل هذه الأماكن المرعبة ,فالعامة غير معتادون على التعايش مع الكلاب ..نباح الكلاب "يرفع ضغطهم", ويثير جنونهم ويجعلهم موتورين .. نباح الكلاب جعل نصف العامة من قبل, يبيعون بيوتهم ويغتربون, أو يهاجرون إلى بقاع الارض المختلفة ,الآن ليس نباحا شريرا فحسب ,بل يصحبه عض وحشي ,ينتقي العوام بحذق ..هل سمع أحدكم أن كلبا متوحشا ,عض سياسي كاذب ككل السياسيين ,ويخطط منذ الآن لحكم العالم,أو صحفيا مرتزقا ,أدمن التعيش على فتات البلاط الجمهوري ,أو كاتبا متواطئا ,غاية أحلامه تسويق وتبرير ممارسات الطغاة .. الكلاب المتوحشة لا تعض سوى الشعراء والعوام ,فهي لا تكره سوى الشعب ..لذلك سيغادر من تبقى من الشعب ,دون ان يأبه لزحف الطامحون الزائفون, الذين أدمنوا هدم البيوت الواطئة ,ولن تكون هناك سوى البيوت الخاصة, المزينة بالحدائق التي يملك أغلبها طواغيت دار صباح ..متواطئيها ومرتزقتها وعلمائها "الشرعيون" وسياسييها الأدعياء ..لا عوام بعد الآن .. عاش الشعب ..

    III
    كانت السماء تمطر ثلجها, وشوارع برينسس آن تكاد تخلو من مارتها المألوفين ,الذين يعرفهم البوليس جميعهم ,فهي بلدة صغيرة,ليس فيها سوى شارع واحد و "ترافيك لايت" واحد وعربات سكانها جميعا طاعنة في السن ,كعربته الشيفي ,فهم فقراء ,حتى أن صديقه الذي يكاتبه سخر منه :
    -يبدو أنك مغرم بالحياة وسط المهمشين أينما ذهبت!..
    -إنه قدري .لا أدري أين يذهب هؤلاء "غير المهمشين" الذين نسمع عنهم..
    في هذا الوقت نفسه ,كانت طائرات دار صباح , تقصف القرى والحلال ,ومخيمات اللاجئين في دار الريح ..ورصاص الجنجويد يحصد الشيوخ والنساء والأطفال .. كان يسمع في هذه اللحظة بالذات ,صرخات الجرحى والنساء المغتصبات ,فيستيقظ مبللا بالعرق ,في شقته الغارقة في صمتها الليلي الكئيب ..
    لولا رداءة الطقس في هذا الجزء من العالم ,والذي لا يدع لأحد مجالا للراحة ,لولا ذلك لكانت برينسس آن بلدة رائعة حقا ,فهي لا تخلو من الجميلات كالكساندرا ,بل تشهد مؤخرا هجرة مريبة ,من جميلات الولايات المختلفة ,لكن لكم هو قصير زمن الهوى ..لطالما كانت الدورة الشهرية لغلوريا تبدأ كل شهر,في مثل هذه الساعة من الليل الكئيب .. يندلع الدفق ,الذي يجدد خصبها الأنثوي ,ويوقظ مكامن الدفء ببطء شديد ..
    كان الضوء الشاحب البارد الكامن في شقته, أقرب إلى لون الليل نفسه ,يرشح من الصالة عابرا السلم إلى غرفة نومه ..
    كان ضوء غريبا يلقي بنفسه من أسفل إلى أعلا ,حاملا معه طيوف أثاث الصالة :أشباح أواني المطبخ ,ظلال السفرة ,ضبابية الحمام ,وبوح الغرفة الخالية الأخرى ,التي تفصل بين غرفة نومه, وشقة الكساندرا المجاورة ,التي لا تكف عن التوجع ..
    شعر بصداع قوي , فتناول قرصين من التايلينول , ونام نوما متقطعا, إسيقظ خلاله عدة مرات, مهاجما بأحلام مبتسرة ,يرى فيها غلوريا تستحم في سهل كبير, والهنود الحمرمتحلقين حولها ,يرقصون رقصة الخصب ,وأشعة الشمس المنعكسة على الرمل, تصنع طيوفا سرابية كأرواح هائمة .كان يرى نفسه يغرق في هذه السهول ,فيتشبث بريشة سقطت سهوا من رأس أحد الهنود,تفلت الريشة من يده فيصحو ..
    وعندما تدهمه غفوة أخرى, يرى راجل الحرازة, مقبورا .فينبش قبره – لم يكن القبر خاليا ,كما حاولت مدونات دبك إيهامه – ينزع عنه ثياب الموت ,يجده هيكلا منخورا كغيره من الهياكل ,هيكلا متجردا كان ذات يوم مكسوا باللحم ,ويرتدي جبة مرقعة ,ويمارس هواياته ورغباته ككل الناس ..حتى أنه يضحك ويغضب مثلهم ..ضعيفا وهشا مثلهم!! ..
    يتداخل وجهه بوجه ديبي...بوجه شهرذاد ,التي أنهكتها الحكايات, فغرقت في نوم عميق ..يميل رأسها فيسنده بكتفه برفق,يتأمل وجهها الحالم النائم – هل تنام الوجوه ؟– ..
    كان القطار لا يزال في الضعين ,تلاحقه روائح المهمشين ..
    المهمشين تلاحق روائحهم القطارات .. يحاول إغلاق أنفه ,لا يريد أن يشم رائحة جلودهم, التي أحرقت هنا ,في هذا المكان بالتحديد,وربما في هذا القطار نفسه .. هذه الروائح التي أعتقد مهمشون آخرون أنها نتنة.فأحرقوهم عن بكرة أبيهم ,بعد أن حاصروا بخيولهم القطار ..تحولت روائحهم ,إلى شبح رائحة عميقة ..نافذة تخرج من أعماق السكة الحديد ,كلما مر قطار دار الريح والصعيد بالضعين ..
    ورغم مرور كل تلك السنوات, لازال هناك من يزعم, أن روائح الزنوج والمهمشين سيئة للغاية, ولا تطاق ,كرائحة كل العبيد و"الفروخ والفرخات", عبر التاريخ ..دائما شبيهة برائحة الحيوانات البرية ,وأسوأ من رائحة البصل والتوم..
    هؤلاء المهمشين الذين تتناهب أجسادهم الكلاب المتوحشة ,لا ذنب لهم سوى أنهم فقراء, لم ينالوا حظا كافيا من التعليم ,أو ليس لهم منه نصيب مطلقا ,فهم محض فقراء ,قادمون من بوادي وفيافي وغفار ,ينهب الطغاة ثرواتها ,مثلما يثقلون بالضرائب على كواهل المهمشين الآخرين ,القادمين من بيوت الطين والقش ,الذين يولدون ويموتون في الأزقة والحواري الضيقة ,فهم كغيرهم من المهمشين عموما ,مزارعين سخرة ,يحفرون الآبار ويرعوون البهائم ,وأيا كان مقدار ما يبذلون من جهد ,لا يحصلون على إحتياجاتهم وأحتياجات أطفالهم الأساسية,لذلك رائحتهم كريهة ,كرائحة الشعراء,حتى لو لم يكتب هؤلاء الشعراء بيتا واحدا!..
    هذه الرائحة هي رائحة المعتزلة,الخوارج والقرامطة نفسها ..فهم مثل هؤلاء, محض بدو أقحاح ,شكلوا القوة الضاربة لجيش الغزوات تحت قيادة مضر ,أو موالي لا تزال تطاردهم ذكريات الإسترقاق ..ذات الرائحة رائحتهم ..رائحة العطن الدبق في ليالي الصيف المكتومة ,التي ستشكل آيدلوجيا التمرد على الرائحة السائدة في دار صباح ,رائحة مضر ..حيث لا يتوجب بعد ذلك إحراق الشعراء ,والمهمشين. أو إطلاق الكلاب المتوحشة عليهم ,ليضطروا لمغادرة البلاد الكبيرة ,إلى وطن جديد بإمكانهم أن يحصلوا فيه على العلاج, والثياب والكتب المدرسية لأطفالهم .. وطن يستطيع أطفالهم ,أن يجدوا فيه الحماية الكافية ضد تقطيع أوصالهم البريئة..
    ترى هل خطرت مثل هذه الأمور, على بال شهرزاد وهي تحكي لشهريار, الذي "تمدينت" الدولة في عهده ,فأصبحت الكازينوهات والملاهي وعلب الليل في كل مكان , ماهو الوطن ؟..ما هو المنفى؟..
    والقطار لا يخلو من الحكايات ..كان صوت أحد البدو المهمشين ,يحكي لأحد الذين يجاورونه, عن موضع مر عبر نافذة القطار :
    -أنه ضريح الحرازة أم قد.
    ثمة حكايات عديدة نسجت حول الحرازة .. منها أن الفقير سيد الرويكيبة, في أخريات أيامه قد تحول إلى شجرة حراز ,والفوهة الكبيرة التي إنفتحت في ساق هذه الحرازة ,هي فتحة الركوة التي كان يحملها ,عندما دهمته حالة التحول ..
    -ظننته ضريح الفقير أبورايات..
    -لا صدقني أنه للفقير سيد الرويكيبة..
    لم تكن تلك هي المرة الأولى, التي يتحول أو ينتقل فيها راجل الحرازة ,ثم يعود مرة أخرى, لأسباب غامضة مجهولة لا يعرفها أحد ,فكل ما كان يعلمه الحيران, أن الفقير راجل الحرازة ذاته بلحمه وشحمه ,هو أبو جريد نفسه الذي شيد بلدة الأرباب ,من الدم والدموع .إلى أن مات على يد الأرباب بسم أبي الدرق ..
    وقبل أن يغيبه الأرباب الماكر المخادع, أعماق الأرض. عند عرديبة الدود ,كانت روحه التي تبعها جسمه قد حطت رحالها هنا ,في هذا الموضع الذي مر عبر نافذة القطار .والذي كان فلاة لا يسكنها إنس ولا جان ,ولا أحد يعرف كيف أو متى جاء الناس وسكنوها ,فكل ما حدث هو أن بلدة قوز الحراز, تكونت فجأة ,يقودها عمدة أعمى هارب من سطوة الأرباب ..ذكريات حياته البائسة في بلدة الأرباب شحنته بروح العصيان والتمرد ,إذ لم يكن يرغب أن يعيش ,مأساة حياته في الأرباب مرة أخرى ,ولذلك كان يبذل كل السبل لمقاومة سلطة راجل الحرازة, الذي كان يعلم في قرارة نفسه ,أنه ليس سوى أبي جريد المقتول بسم أبي الدرق ,فيتنامى داخله الشك :لكنه قابل للقتل بالسم فكيف يكون وليا صالحا ؟..أولم يكن المسيح قابلا للقتل؟.. كان العمدة الأعمى إذن متنازعا, وهو يحس تلك السلطة الغامضة ,عميقة التأثير التي تجسدت في راجل الحرازة ..
    كان متنازعا بين كون الأرباب مستبد ماكر ,ويسقط ذات الإحساس على أبي جريد ,غاضا الطرف عن كون راجل الحرازة, وليا طاهرا يشفي الأكمه والأبرص, ويحي الموتى ويمنح ببركته الفقراء والعقر, زينة الحياة الدنيا ..
    قبل أن ينتقل راجل الحرازة بأيام قليلة ,كان قد إخترق رؤى العمدة الأعمى في المنام ,وأخبره أن النبي الكريم(ص) يبلغه سلامه ,ويأمره ببناء ضريح ,في غابة الحراز .فرد عليه العمد في الحلم :
    -أختاني يا زول أنا كافر ..
    لكنه ما أن عاود النوم ,حتى جاءه الرسول الكريم (ص) بنفسه, وكرر له الأمر ,فقطع نومه وقام من توه إلى غابة الحراز, "كبر" شجرها وبنى مقاما للولي الطاهر ,الفقير راجل الحرازة,أصبح معروفا بضريح الحرازة أم قد ..وغادر العمدة بعد ذلك مباشرة عائدا إلى بلدة الأرباب,إلى طائفته القديمة : طائفة العميان,واثقا تماما ,أن تورين ليس بإمكانهما أن يرتعا في البقر نفسه ...
    خفتت أصوات العوام في القطار ..إنطفأت المصابيح التي داخله ..عدل من وضع رأس شهرزاد على كتفه مرة أخرى ونام ,ولم يفق إلا على ضجيج الباعة في الرهد أب دكنة ..
    كانت المحطة مبللة وزلقة ,ولا تزال بعض النجيمات البعيدة ,ترسل نداءاتها الأخيرة, قبل أن تغيبها شمس الصباح ,ليلوح في أفق السماء, قوس قزح يتشكل ببطء ..
    النساء اللواتي يحملن الطواقي والمناديل ,التي طرزت عليها القلوب والسهام والورود الملونة, يسعين بإستماتة لبيع بضاعتهن, للمهمشين المفلسين ..كن حاضرات بإصرار ,في حال ثبت العكس وأدخل أحدهم يده في جيبه المليء بالثقوب, ليخرج جذلانا خاليا ,قديما. ورثه سالفا عن سالف ..
    ثمة سحابة من عصافير الخريف المهاجرة ,هزت أجنحتها, لتحط على أشجار الرهد ,لتستريح من رحلتها الليلية الطويلة ,قبل أن تواصل المسير ..
    والجميع يشرعون أنوفهم يتحسسون تلك الرائحة, التي تطارد القطار .تلك الرائحة ,التي لا تزال عالقة في البلل العام ,الذي تحمل ذاكرته أصوات النار, وهي تاكل اللحم ,تحرق العظام ,فلا تبقى سوى الرائحة الخفية ..رائحة المهمشين. التي لا يتحسسها الآن سوى الحمام ,فيطير صوابه منها ..يهتاج يرفرف بأجنحته ويطير ..
    يطير حتى يتلاشى في الفضاء السحيق ,خلف السحب ..يصبح الرهد أب دكنة ,بلدة خالية من الحمام,ويصبح إسم هذا العام "سنة الحمام" ..
    بعد أيام تتناقل كل وكالات الأنباء, أنه في ذلك اليوم طاش صواب الحمام ..كل حمام البلاد الكبيرة طاش صوابه ,فطار وطار ..غاب خلف الأفق الرحيب ..كل البلادة الكبيرة الآن, خالية من الحمام ومن إنفلونزا الطيور ..فالبلاد الكبيرة مكانا موحشا ,يعذب الطيور فتلوذ بالفرار ..
    البحارة ..بحارة البحر المالح والسماكة ..سماكة النيل .أكدوا أيضا أن الطيور ,كل الطيور إختفت من الشواطيء , حتى أنهم عندما يضيعون في الضباب ,لا يجدون ما يدلهم على اليابسة .. كيف يطيب للمهمشين العيش, في بلاد تخلو من الحمام ..

    IIII
    تزامنت مع موجات الثلج ريح عاصفة, أسقطت الأشجار. وتسببت في قطع الكهرباء ,عن ما يزيد على المليون ونصف, في مدن متفرقة على الساحل الشرقي, من جيرسي سيتي إلى مانشيستر ومين .. معدل الثلج المتراكم في نيويورك وحدها بلغ 80 بوصة ..كانت الطبيعة غاضبة ..غاضبة جدا ,ما زرع خوفا رهيبا في نفوس الأهالي ,فأخذوا يرسمون علامة الصليب على صدورهم, طوال مدة تساقط الثلج وهم يتمتمون :"جيسس" ..
    تلت موجات الثلج العاصفة, أمطار وابلة ,أجبرت الناس والحيوانات على الإختباء مرة أخرى ..لا أحد بشرا او غير بشر, يرغب في البلل ,الكثيرون يكرهون البلل ,أكثر من كراهيتهم للبرد ,حتى أن البعض يكره الإغتسال والحمام ,يحبون أن يكونوا جافين كالقطط ..الإنسان لا يرضيه شيء ,فهو غاضب إن أصابه الثلج وغاضب إن أصابه المطر...
    بسبب هيمنة حضور غلوريا داخله ,مدفوعة برغبته في الدفء,في مثل هذا الطقس المتنازع بين الثلج والمطر ,خشى أن تعتريه حالة من الجذب, كتلك التي تعتري الدراويش ..فالحب حالة جذب لا يمكن التحكم فيها ,رغم مراقبته الدؤوبة لجيشاناته وحنينه إليها ..هذه الرقابة التي لم تفض إلى أي نتيجة مرجوة ,ما يجعله يتساءل عن الوقت الطويل, الذي مر عليه وهو يجعل من نفسه الحاضرة, مرآة لمراقبة ذاته الأخرى ,مازجا خلال هذه الرقابة, عواطفه تجاه الكساندرا في طيف شهرزاد, في الحضور القوي لغلوريا ..وحين يصيبه الأعياء يهرب إلى عالم المدونات ,يسجن, نفسه دون إحساس بالحاجة للتحرر ,من كل هذه العوالم المرهقة..كاتبه صديقه الوحيد :
    -كلمة السر هي الإيمان ..أنت بحاجة للإيمان..
    فلم يدر كيف يرد عليه ,فقد صدمه هذا التشخيص لما يمر به ,هو الذي لطالما أعتقد أنه مؤمن طيب القلب ,وليس هناك ما يمنع من أن يدخل الجنة ..مع ذلك كشفت له نصيحة صديقه بأن هناك من يهتم لأمره حقا ,في هذا العالم الموبؤ ,وأوحى له ذلك بموقف قوى الطبيعة, من البشر ,فهي تدمرهم بالزلازل والفيضانات, والسيول والأمطار, أو تحرقهم بنار مصدرها عقب سيجارة, رماه أحد المخدرين او المخمورين المهملين, في غابة تحيط بإحدى البلدات المسالمة ,توسع الريح مدى أشتعالها لآلاف الهكتارات الخضراء ..أو أن يكف المطر عن السقوط ,على أرض جافة قاحلة ,يعتمد أهلها المساكين عليه كل الإعتماد في معاشهم ..
    ترى ما الذي يخطر على بال الطبيعة عندما تفعل ما تفعل!! .. ومع ذلك تظل هي الأم التي تأبه لآلام أبناءها ..هل يشك أحدكم في محبة الام لإبنها ,فلماذا نغضب إذن عندما تعاقبنا ..في الحب لابد من العقاب و التضحية أحيانا ..إنه الدرس الأول, الذي تحاول الطبيعة تعليمه للبشر ,منذ ملايين السنوات ..
    طرقت الكساندرا المسكونة بالرعب على بابه بعنف ,عندما حدثت هزة أرضية أهتزت لها البناية من أسفل إلى أعلا ,ثم توقفت الهزة الأرضية القصيرة بذات سرعة حدوثها كأن شيئا لم يكن ..
    كان الجيران في كل المجمع السكني لا زالوا يصرخون ,وثريا السقف لا تزال تتأرجح فوق رأسيهما تأرجحات بطيئة أخيرة ..
    الآن وقد سيطر كل ذلك الخوف الرهيب ,بدت العبارات التي تعيد كل شيء للعقاب الإلهي, بسبب البعد عن الكنيسة تتنامى ..حتى أن الكساندرا لملمت ثيابها منكمشة على ذاتها ,تخشى العودة لشقتها ,فيخصها الله بعقابه دونا عن عباده المخطئين جميعهم ..لم تكن هي وحدها المهجسة بسؤال : هل ستموت وتصبح مثل تلك الجثث, تحت أنقاض بورت أو برينس هاييتي ,أو تلك البقايا المتعفنة, التي تمخضت عن تسونامي, فوجدت فيها الكنيسة ضالتها, لإستقطاب مزيد من الرعايا الحائرين, اللذين لا يدركون بعد ,أنه ليس بالضرورة كي تفلت من الضياع, أن تسلك الطريق المستقيم .إذ ليس ثمة قوانين عامة أو خاصة ,يجنب إتباعها الإنسان من الضياع ..لم يكن ثمة أحد لم يتملكه الخوف ,خاصة أن عواصف الثلج التي بدأت تتجمع في الأفق ,جمعت معها كل حكايا الإنجيل والتوراة ,منذ الطوفان الأول مرورا ببابل المسكينة ..إذن نشط رجال اللاهوت في مشارق الأرض ومغاربها يمهدون لقيام الساعة .. يعمقون من مخاوف الناس وأوهامهم أكثر فأكثر ,لينفسح المجال لتجليات روحية ثاوية في أعماق بعيدة . بعيدة جدا...
    كانت الكساندرا متقرفصة على نفسها تتابع الطقس وقد طار كل أثر للفودكا من رأسها .كانت في عينيها نظرة غريبة . ضائعة في أفكارها .لحظتها أحس أنها أبتعدت عنه كثيرا ..فانسحب من الصالة عائدا إلى غرفته, يلعن قوى الطبيعة المدمرة ..

    V
    عندما يتأمل وقائع ثورة دبك الفاشلة ,يخطر على باله, أنه يتوجب على أحدهم ,أن يحصي عدد الثورات, والإنتفاضات والهبات الشعبية ,وبالمقابل إحصاء عدد الإنقلابات العسكرية الناجحة ,والأخرى الفاشلة ,وعدد القتلى ,في كل التحركات الشعبية والعسكرية, منذ غادرت آخر فصائل المصريين والإمبراطورية, التي غربت عنها الشمس ,وحتى هذه اللحظة. التي تشي بتحلل البلاد الكبيرة, إلى مكوناتها الأولى : محض دويلات, أسوأ حالا من دويلات ملوك الطوائف ..
    إنه نوع من الهواية العبثية, فليس ثمة معنى يمكن أن يخرج به مثل هذا الإحصاء ,فالنتيجة الواضحة وضوح الشمس دون أي إحصاء ,أن كل التضحيات الجسام, لم تمنع حدوث هذا الفشل الكبير ,الذي يمنع الناس من القبول ببعضهم ..
    الشيء نفسه عندما ينظر لحكاية فقير أبو جريد, الذي كان يحلم برؤية ما في عقول الناس ,فعندما رأى ما في عقولهم ,لم يمنعه ذلك من رفضهم, والإنطواء على نفسه بعيدا عنهم ..ذلك الفقير كان إبنا لرجل مجذوب, منالدراويش العرايا ,يسرح مع الصيد وعلى كتفه هدهد, وشعر عانته يغطي عريه كله ..
    كان في بداية أمره رجلا فاسقا ,منشغلا بالنساء والبيع والشراء ,ترك الصلاة ومشط رأسه ,فقام عليه الجذب ,فدخل الخلوة ومسح رأسه بالرماد و "معطه" وغرق فغاب عقله ..
    وهو في هذا الغياب ,قصدته إمرأة عاقر وزوجها ,وكانت "قاطعة"من الحيض,لذا أخذت تلطخ فخذيها مطلع كل شهر قمري, بدم فرخ حمام ,وكانت قد ملأت قدحين بالفطير و القمح والدجاج ..
    عندما وصلاه هي وزوجها, وقبل أن يطلبا منه إعطاءهما "الجنا" بادرهما بالقول :"أدخلو وأرقدوا في عنقريبي ده"..فأنكر عليه الحيران مقالته ,فلم يلتفت إليهم ,وأكتفى بأن أمسك "مرق" النخل اليابس, الذي يسند عرش الخلوة ,فاخضر المرق وأثمر لساعته رطبا يانعا..
    كان للدرويش العريان أسلوب عجيب في تدريس القرآن ,فعندما يفرغ من صلاة الصبح ,يدخل ليقرأ القرآن ,فياتيه طلبة العقائد فيدرسهم إلى وقت الظهر ,ثم يصلي بهم وعندما ينصرفوا ,يبدأ في قراءة أوراده حتى يدخل عليه العصر ,فيجيئه طلبة التجويد, فيدرسهم حتى يدخل العصر فيصلي بهم وينصرفوا ,فيتفرغ لأوراده مرة أخرى, حتى يدخل المغرب,فيجيئه طلبة الفقه,فيدرسهم حتى يدخل العشاء ,فيصلي بهم وينصرفوا ,فيبدأ في قراءة القرآن مقيما الليل ,حتى يقترب الصبح فيصلي الرغيبة ..
    وفي كل جمعة بعد الصلاة, يجلس وسط حيرانه ,ليمرون عليه إثنين إثنين, يراجع معهما ما خطياه على لوحيهما , من سور القرآن التي حفظاها ,وكلما فرغ من إثنين يأمرهما بمسح ما كتباه وكتابة الأيات التي تلي, لا يتوقف إلا بين أوقات الصلاة,إلى أن يحين العشاء ,فيصلي بهم ,ويتركهم بعد ذلك يدرسون انفسهم بأنفسهم ..ويدخل خلوته متنفلا ,حتى يدخل صبح السبت ..
    كان يحكم وينهي ويأمر ويكتب"الحجبات" ,حتى سوس ظهره وأنكسر,فلما مات ووضع الفقرا الطوب على قبره ,جاء أحد الفقرا الغامضين, من مكان لا يعرفه أحد..فكشف القبر ,فلم يرى أحد فيه شيئا, فعقدت الدهشة ألسنة الحيران,في اللحظة ذاتها "ندهه" صاحب بهيمة مسروقة ,كان سارقها قد ذبحها وطبخها وأكل منها, وجاء متوسطا الحيران المذهولين أمام القبر الخالي,فأخذت البهيمة تثغو في بطنه ,وتصدر صوتا كوقع أظلاف الحملان على الأرض الصلدة, وهي تتقافز مرعوبة من ذئب متلصص..

    VI
    كان الوقت مساء عندما وصل القطار كوستي ,أرادت شهرزاد أن تواصل رحلتها إلى الخرطوم بالبص, فعرض عليها أن يقضيا الليلة معا في بيتهما, الذي كان المؤجر قد أخلاه مؤخرا, على ان يرحلا صباحا .. فوافقت بعد تردد خجول ..
    فتح المخزن .أخرج بعض أدوات المطبخ وسريرين.كان البيت متسخا ,فعملا على تنظيف المطبخ وغرفة النوم والصالة.خلال كل ذلك وهما يعيدان ترتيب الأشياء ما امكن ,كانت تحكم ثيابها على جسمها ,وعرق بارد يتصبب منها بين آن وأخر ,كلما التقت نظراتهما. وهما يرتبان الصالة أقترب منها من الخلف ,أحست به يطوقها.فانفعلت :
    -لا تلمسني ..
    وأنكمشت على ذاتها أكثر فاكثر..
    -تعرق جسمي كثيرا ,وأشعر بتعب السفر الطويل .سأنام في الغرفة ويمكنك أن تنام هنا..
    تأمل وجهها المتردد قليلا ثم قال :
    -لا تفكري في هذا يا شهرزاد .لابد أنك جائعة مثلي .لنتعشى أولا ثم خذي حماما دافئا , ستشعرين بعده بالراحة . وإن شئت خذي حماما ثم نتعشى ..
    قالت في إستسلام :
    -لا زلنا غرباء عن بعضنا ..
    -الحب لا ينتظر يا شهرزاد ..
    كانت مرتبكة وعاجزة حقا ,فلاذت بالصمت . فعلى الرغم من كل شيء, كانت تفكر في أن مثل هذه اللحظات المسروقة من عمر الزمن ,قد لا تتكرر أبدا ...فتحت الماء . تركته يتدفق على رأسها بحنو ,ويسيل متخللا كل فجواتها بروية وبطء شديدين.
    كان الماء يعري عريها أكثر فأكثر. يسيل متخللا بشرتها في عذوبة . يفرك نهديها . يدنو من فخذيها. يطرد إحساس الرحلة الطويلة, لقطار دار الريح.فتتحفز بالترقب الخفي لشهريار, الذي ينتظر في الجانب الآخر من الباب . ترى كيف يفكر فيها .إذا رآها هكذا والماء يتشهاها بكل هذه النعومة والدلال, فتشعر عند هذا الخاطر بالخجل ,كعذراء تتعرى للمرة الأولى أمام فارسها الوحيد..
    كان قلبها يخفق في حياء وإرتباك ,وجسدها ينتفض لملامسات متخيلة . ملامسات مرتقبة. فتتتوتر..
    أغلقت الدش وخرجت من الحمام, والماء لازال يتدحرج على جسدها في حبات متفرقة . أطل وجهه خلف باب الحمام. كمزعورة متفاجئة غطت صدرها وعضوها بيديها ,وتراجعت بمؤخرتها إلى جدار الحمام ..
    -لا تنظر إليّ هكذا ..
    كانت هذه هي المرة الأولى في حياتها, التي يراها فيها رجل عارية , وأي رجل . محض غريب . رفيق سفر طويل ,لا تعرف عنه ما يكفي.
    -إذهب. دعني أرتدي ملابسي ..
    قالت بصوت مستسلم مشحون بالقلق والإرتباك ..
    -جففي نفسك فقط ..
    ومد لها منشفة . لفت صلبها وتناولت منشفة أخرى, غطت بها صدرها ,فيما توجه الكلس إلى المطبخ يكمل إعداد العشاء ..
    بعد العشاء تركت مناشفها تنزلق ببطء ,وهي تندس تحت غطاء السرير . أخيرا تعرت بشجاعة . فقد قررت أن تخوض غمار الليلة الأولى قبل الألف دون تراجع ..
    والآن بعد إنقضاء كل هذه السنوات ,يطل وجهها مندسا في حكايات القطار ,والمحطات تعبر جواره ,محطة تلو الأخرى. وفي كل محطة يدهمه شيئا من الحنين ,الذي خلفه طيف ضحكة خافتة, أو إختلاجة شفاه جافة, لم تلامس في حياتها سوى الكلمات الخجولة ..
    النقيض تماما من الأحاسيس ,هو ما يحسه الآن ,فبقدر ما تعاطف مع ديبي كطفلة مزعورة, تبحث عن ركن آمن تلوذ به ضد ضغط الحياة ,المتعاظم على كيانها كله. بقدر ما يتناهشه الآن الحنين إلى شهرزاد, بطيفها الذي عبر سريعا. لكنه خلف أثرا عميقا خالدا, لا تمحوه السنوات..
    أثرا لم تتمكن غلوريا من محوه ,كما لم تتمكن ديبي.. وكذلك لن تتمكن الكساندرا من إلغاءه .. الكساندرا وديبي تتشابهان ,كلتاهما تتنآيان إزاء سطوة حضور شهرزاد, الذي ليس له مثيل ,ويتنآى معه كل حضور آخر,فلا يلوح سوى طيف شهرزاد, في مساء بعيد ,متماهيا في الأفق الغارب, ملقيا بإبتسامة خجولة ,على كل المحطات والمدن النائية ..
    إذن هو الحنين إليها الآن ,الحنين إلى شهرزاد البلاد الكبيرة ,الفارعة كنخلها ,الفاتنة كسحرها ..يجلس قربها في القطار ..في أي قطار عندما يجلس, فإنما هو يجلس مجاورا شهرزاد .. دائما هي في المقعد المجاور ,ودائما تتبادل معه الأحاديث العابرة ,ومن ثم يصبحان هما الصديقان القديمان اللذان فرقتهما الأقدار, في زمان بعيد .وألتقيا الآن وبكل الحميمية, يستعيدان كل الماضي دفعة واحدة, يجددان روحيهما المنهكتان ,من طول الحل والترحال ..
    بعد أن غادرا كوستي في تلك الصبيحة البعيدة ,هاتفها بعد إسبوع ,من وصولهما الخرطوم ,تحدثا طويلا ,قالا كل ما لم يتمكنا من قوله ,في القطار أو تلك الليلة الأخيرة, التي قضياها معا ,وأخبرها أنه سيغادر البلاد الكبيرة :
    -هل تهاجرين معي ؟
    -لو هاجرت معك لن تكتمل حكاياتي ,وسيموت كل ما حكيته من حكايا ..
    وهكذا أنتهى كل شيء سريعا مثلما بدأ سريعا ..
    في غفواته المؤجلة ,يستعيد الآن شوارع مدينته ,التي تلوح شاحبة في ظلال المغيب . يتجول في شحوبها وحيدا . كل شيء تغير . بعض الأصدقاء ماتوا. بعضهم ينتظر . بعضهم هاجر أو إغترب ,أو إنقطعت أخباره أو تقطعت به السبل. بعضهم تغير, فكل شيء يتغير . شهرزاد نفسها ليست بمنأى عن التغير – حركة التاريخ كما يزعم الديالكتيكيون – ربما هي الآن زوجة مترهلة ,مثقلة بالعيال, وهموم الحياة اليومية ,ومخاوف أن يباغتها أو يباغت أحد اطفالها كلب متوحش .. ربما هي الآن كفت عن الحكي ,نفد صبرها بعد كل هذه الليالي الطويلة ,فاخذت تعد خطة بديلة, تتخلص فيها نهائيا من شهريار ,وهكذا تبدأ في دراسة كل أنواع السموم القاتلة ,إلى أن تجد ضالتها – ربما – في سم أبو الدرق,وهكذا تُلحق شهريار ب"أمات طه"..
    العربات أصبحت تحمل في مؤخرتها, عبارات لا تشبه العبارات القديمة ,التي على شاكلة"عذاب السنين" و"حصاد الغربة" و"قالوا ما ممكن تسافر" .. أزيلت هذه العبارات بمرسوم دستوري , يقضي على صاحبها بأشد العقوبات ,وحلت محلها في دولة الإيمان ,عبارات بديلة مثل"البراق" "الهدهد" "البلقاء".. ليس هذا فحسب إذ خطت على محلات المرطبات والأطعمة, عبارات مثل "شرابا طهورا","السلسبيل","التسنيم","المن والسلوى",إلخ.. لحق التغيير حتى أسماء الأحياء والشوارع نفسها ,كان الشارع الذي يفضي إلى بيتهم, يحمل إسم عبد الفضيل ألماظ ,أصبح إسمه الآن معاذ بن جبل ..
    إذا غبت عن البلاد الكبيرة طويلا, لن تتمكن من الوصول إلى بيتكم ,دون أن تسال أهل مكة ليدلونك على دارك .. فالمعالم التي حول دارك تغيرت كلها ,ولم يعد أي شيء هو ذاته ..
    الأزقة أيضا لم تعد هي الأزقة ذاتها ,التي كان يقطعها في غدواته وروحاته ,متحفزا من ظهور مباغت لكلب ضال ,جائع ..
    أمه كانت تنتظر عودته من العمل أو السينما بقلق .. كانت دائمة الخوف عليه ,أنه نوع من الخوف المزمن تزرعه الديكتاتوريات في الأمهات خصوصا !..يجد عشاؤه قرب سريره في الحوش الكبير ,جوار شجرة الليمون , قريبا من شجرة الحناء.. يتعشى وينام ..كل شيء تغير الآن ..هو حبيس جدران هذه الشقة الضيقة ,حيث لا حوش كبير ,لا حبيبة سمراء , تلتصق بالذاكرة ,وتخلد نفسها فيها , وتبقى أبدا كما هي دون أن تشيخ ..
    حبيبة تخلد نفسها في رحلة قطار ,يمضي من أقصى دار الريح ,إلى قلب دار صباح .. حبيبة يمكنه أن يتبادل معها أحاديث أخرى غير الطقس ,أو الإعجاب المتبادل بالثياب, والأحذية ,وطريقة تصفيف الشعر ..
    يشتاق لأحاديث دافئة كالإستواء .. تلقائية كانسياب النيل . حميمة كأرض البلاد الكبيرة . أحاديث نابعة من القلب ,لا تعلبها الرقميات ,رحبة كالسماء الزرقاء, في ليالي الصيف . أحاديث تسري في الزمن والمكان ,سريان عجلات القطار ,على السكة الحديد . تقطع المسافات . وعندما تتوقف في المحطة الأخيرة, لا تكف شهرزاد عن الكلام غير المباح ,فدائما ثمة حكايات بكر, لا يقتلها البرد ,بل تزيدها شمس الإستواء إشتعالا ,حكايات ترسو في جنون النيل العظيم ,عندما تتكسر عليه أضواء النجوم والقمر, و يتبدى كل شيء ناعما ورحبا ,بعيدا عن جبروت الأطلسي العنيف ,منبع القراصنة والغزاة المستكشفين وتجار الرقيق ..مصدر المنافي السحيقة القيعان ..
    حكايات من نوع خاص لا يوجد في حطام السفن المجهولة, والغامضة ,فهي حكايات الشمس وأمطار الصيف والنيل والقمر ,الذي يستعيد ضوءه في البوح ,كل الغفوات المؤجلة ..
    يستعيده من بوح غفوته صوت طرق متوتر على باب شقته ,نهض متوترا .فتح الباب . لفحت وجهه برائحة اللافندر .ازاحته الكساندرا بكتفها من عتبة الباب ,وهي تقول بدلال :
    -ألا ترحب بجارتك؟
    كانت أصداء الأغنية Love Ain’t wait for you لا تزال تأتي خافتة عبر الجدران :
    So baby hold me bring me closer
    be the one I give my all
    there’s no waiting a minute longer
    to finally give your heart
    فالحب لن ينتظر أحدا .. أنه الحب ذاته ذاك الذي دفع راجل الحرازة أم قد, يرد المرأة المطلقة ثلاثا إلى زوجها ,دون أن يأبه لمن أنكروا عليه ذلك ,حتى أن أحد الفقرا أغتاظ فهاج فيه :
    -عايز تسوي جميع الناس أولاد زنا؟
    فرد عليه الفقير راجل الحرازة أم قد :
    -أسأل أمك .
    فوسوست نفس الفقير ,وأخذ فكره يضرب أخماسا في أسداس ,فذهب من توه يسأل أمه, التي أخبرته أن والده ,قبل مولده بسنوات عدة ,كان قد طلقها ثلاثا ,فمكثت عزباء ثمانية سنوات ,دون أن يطرق بابها رجل ليتزوجها ,فأرجعها راجل الحرازة لطليقها ,الذي كان وقتها قد إنتوى الحج ,وعندما أمره راجل الحرازة برد زوجته ,ردها ودخل عليها ,وأراد أن يمضي فيما أنتوى, فقالت له :
    -أنت طرقت البلد وأنا طاهرة ,وأخشى أن يقدر لي الله حملا, وأنت لست هنا . فينهش الناس لحمي بغيابك ,فخذني معك ..وكنت بالفعل قد حملت بك ..
    أنه الحب الذي لا ينتظر ,هو ما جعل راجل الحرازة يفعل ما فعل, فقد كان يدرك أنهما لا يزالان يحبان بعضهما .. أنه الحب ذاته ,الذي جعل راجل الحرازة نفسه, يشيد خلوته في منتصف المسافة ,بين داري زوجتيه .. حتى لا يؤثر القريبة على البعيدة ,إنه الحب ما يجعل حضور غلوريا حضورا لا ينتهي ,كحضور شهرزاد,الذي يهدد حتى قيلولاته ,بطيف الأحاديث الدافئة ,التي تغوص بعيدا بعيدا بين أوراق مدونات دبك السبعة, وكتاب ألف ليلة العتيق, الذي أهدته له في آخر لقاء جمعهما وهي تؤكد :"إنها النسخة الأصلية الوحيدة" ..في ذلك اليوم الأخير ,كان طيف تلميحاتها يخفي أكثر مما يصرح . يلح على ذاكرته الآن كطارق ليل ,تقطعت به السبل ,ومع ذلك تجنب لقاءها بعد ذلك اللقاء ,رغم مهاتفاتها العديدة.لا يدري لماذا تجنب لقاءها, إلى أن غادر البلاد الكبيرة ..ترى أكان خائفا من شيء ما ترتب على ذلك اللقاء الحميمي الذي جمعهما ,خائفا من مفاجأة ليست في الحسبان .. بعد إنقضاء كل هذه السنوات, لا يدري كيف يجيب على سؤال تجنبه لقاءها فيما تلى من أيام..والآن بعد أن هجرت غلوريا عالمه ,تحاول الكساندرا أن تخطو في هذا العالم الموحش ,خطواتها الأولى وربما تحاول إحتلاله .. بصوت الباب الذي يفتح ويغلق ,ورائحة اللافندر التي تتسرب مسام الجدار بالخدر اللذيذ ,لدى تسلل الغناء البعيد :
    Cause love ain't gonna wait for you
    Don't run, don't hide
    Love ain't gonna wait for you
    It's so good, it's so right
    Love ain't gonna wait for you
    You know that it's true
    Love ain't gonna wait for you
    إعترفت الكساندرا بعد وقت طويل, بأنها كانت تشعر به يترقبها خلف الجدران, تشعر بمتابعته لحركة الباب, ورائحة اللافندر وأغنية الحب لن ينتظرك..لكنه كان بالفعل كشهريار ينتظر شيئا مجهولا غامضا ,الفرق بينهما, أنه لم يتخذ قرارا بشأن هذا المجهول الغامض..كل ما فعله هو إنتظار غفوات مؤجلة, بإحساس تتناهبه الذكريات . قالت الكساندرا أن إحساسا غامضا بالتواصل معه, كان يهيمن على كيانها كله .. كانت تتخيله إلى أن رأته في ذلك اليوم ,الذي عرف فيه إسمها للمرة الأولى, وهي تغيب داخل سيارتها الفارهة ,تلفح خصلاتها المتمردة جانب وجهها المضيء ..كانت لحظة خاطفة لكنها كافية لتدرك فيه فارسها المنتظر ..
    VII
    أمضى يوما شاقا ,إذ توجب عليه ترتيب شقته وتنظيف كل شيء ,بعد أن عانت الإهمال طويلا ..كان يتنقل بين غرفتيه والمطبخ والصالة والحمام ,يحاول حسم هذه الفوضى ,ووضع كل شيء في مكانه المناسب..
    كان يرغب لا في ترتيب شقته فحسب ,بل ترتيب ذاته المبعثرة أيضا ,فقد مل أن يكون عالقا في الذكريات, ومدونات دبك ,وكتاب ألف لية, الذي لا فرق يذكر بينه وبين مدونات دبك, فكلاهما في الحقيقة يفتقر للقيمة, ومشكوك تماما في صحته ودقته.. يريد ان يتحرر الآن من هذه الأوهام التي علق بها طويلا ,ويتصور أن لا شيء سيحرره سوى الحب ..
    مرر أصابعه على قطع الأثاث ,التي بدت له نظيفة لأول مرة, منذ وقت طويل .وأخذ ينظر في كل ركن من أركان البيت للمرة الأخيرة,ثم جلس منهكا وهو يشعر بالكساندرا,تلعب معه لعبة أشبه بلعبة القط والفأر,فيما كانت هي شاردة لا تكاد ترفع بصرها عن قناة الطقس ..أصبحت مسكونة بمعرفة أخبار الطقس .شبكت يديها وانتظرته يقاطع المذيع بتعليق عابر فلم يفعل و لم يحرك ساكنا ...كانت الكساندرا منفعلة ,لكنها في الوقت نفسه لا تأبه ..
    اخيرا تحرك من جلسته الهادئة ,مد إليها زراعين مفتوحتين,فسحبت نفسها للوراء وهي تقول بكل كيانها : "لا تلمسني..ليس الآن "..سربت إليه إحساسها الخفي دون أن تنطق بكلمة ,لم يكن يتصور أن عاصفة الثلج يمكن أن تؤثر عليها إلى هذه الدرجة ..أن تجعلها أشبه بالعاجزة تماما عن الإستمرار في الحياة, التي أعتادتها وألفتها ..كان يمني نفسه بان يستحما معا ,هذه الليلة المميزة التي طهى فيها طعاما جيدا ..ظل طيلة النهار يتخيل جسمها الذي أشتاقه كثيرا ..فهو منذ ايام يتخيلها ممدة إلى جواره .أعد نفسه لهذا اليوم جيدا ,حتى انه أشترى أفخر أنواع التكيلا ,وأعد بنفسه أجنحة دجاج لا تقاوم ,وهو في المطبخ يعد العشاء لم يكن يرى البوتجاز او أواني المطبخ أو أي شيء .يرى شيئا واحدا فقط : الكساندرا متمددة إلى جواره عارية,دون شرشف يغطيهما ,ولو ظهر الموت شخصيا لحظتها لما التفتا إليه .لتركه ياخذه بعيدا , بعيدا .عاريا هكذا .نديا ومنفتحا على الكون وكل قوى الطبيعة ,التي يمتص لحظتها قدرتها التدميرية .يحولها غلى حب شفيف .يزرعه في رحم الكساندرا الظاميء...
    من بين تلافيف إحساسها بالضياع جاء صوتها مرة أخرى :
    - هل سنموت ..بدى مندهشا لأنها شملته معها بالسؤال فأشاح بوجهه ..
    الوقت يمضي ببطء ,والمطر الكثيف لا يتوقف, ومن المؤكد أن كل سكان المجمع السكني,لم يتركوا قريبا في أحد الولايات البعيدة إلا و إتصلوا به ,ليسربوا له مخاوفهم ,ويثرثرون معه حول كوارث الطبيعة التي لا تتوقف ..
    تحسن الطقس في برينسس آن قليلا ,ولكن الساحل الشرقي كله ,كان لا يزال يعاني رعبه الخاص ,لا تبارح خاطره تلال الثلج ,التي لا يزال شيئا منها متكوما, بعد أن أذاب المطر معظمه .. وبتحسن الطقس بدأت الكساندرا تعود إلى طبيعتها ,كأنها تشعر أن كل المخاطر التي كانت متوقعة قد تبددت .. ذاب الجزء الأكبر من الثلج ,وغلوريا تتوهج كشمعة يذيبها الدفء ..الذي يشيعه الإحساس الربيعي ,الذي يوحي به صوت خرير الثلج الذائب ,وهو يكمل رحلته عبر المصارف, إلى نهر البكموك ..البكموك نفسه كان مثل غلوريا .. مثله ,ينتظر الربيع بشغف .. ينتظر الأشجار التي على ضفتيه تورق, وتخضر الأزهار اليايسة وتزهر,فتمتليء البلدة.. كل البلدة بالألوان التي يتخللها طقسا بديعا غائما, لا يخلو من الامطار بين آن وآخر ..
    شعرت غلوريا ببلل دافيء .. شعر الكلس بذات البلل..
    VIII
    يقاوم عوالم المدنات وهي تستعيده إليها دون جدوى ..يصر على التماهي في اللافندر , وكلمات الأغنية :
    Cause love ain't gonna wait for you
    Don't run, don't hide
    Love ain't gonna wait for you
    It's so good, it's so right
    Love ain't gonna wait for you
    You know that it's true
    تهيمن على مسامعه ..فيشعر بإحساس متواطيء .غريب. تثيره في نفسه هذه المدونات ..ويخطر على باله, أن دبك لابد أنه دونها, أثناء الأوقات التي يتوجب عليه ,أن يختلي بنفسه في الحمام ,تماما كما فعل مؤلفو ألف ليلة وليلة ,الشيء ذاته الذي يفعله المراهقين بجدران الأحياء, وهم يكتبون بالفحم أو الطبشير"أحب فلانة" ,أو"فلان الفلاني يحب فلانة الفلانية", فالحب ضمن محرمات المجتمع وقتها – ترى هل غيرت البلاد الكبيرة موقفها من الحب؟- لكن ما هو اسوأ ,هو ما يكتب داخل حمامات الطلاب والحمامات العامة,من بذاءات تشمل كل شيء, بدءً بالدين والجنس والسياسة ,وإنتهاء بالعلاقات المثلية ..
    إنه الخوف المزمن, ما يجعل الناس يبتكرون أساليب تبدأ بالمنشور والبيان السياسي, الذي يوزع خفية. أو الشعارات المناهضة بالبوهية الحمراء, على جدران المدينة, وتنتهي بالكتابة على الجدران الداخلية للحمامامات العامة..عندما تنظر للبلاد الكبيرة من هذه الزاوية, تكتشف أنها محاطة بشبكة من الممارسات السرية البديلة للمواجهة ,شبكة متينة تستمد متانتها من الحياة الإجتماعية والسياسية السرية ,كيف يمكن للتغيير أن يحدث دون مواجهة ؟..
    هل كان راجل الحرازة رجل مواجهات ومجابهات ؟شغله هذا السؤال كثيرا ,فقرأ الروايات المختلفة حول سيرته ,وكل رواية تفضي إلى لاشيء مكرر..
    الروايات الشائعة والنادرة حول سيرة راجل الحرازة, متناقضة ومن بين ابرز الروايات, المتناقضة والأكثر أهمية, في تقديرات الكلس. تلك الرواية التي تشير في جانب منها, أنه منح الدرجة "الكونية" ,بأنه إذا قال لشيء كن يكون ,إلى جانب حصوله قبيل إنتقاله الآخير بقليل ,على الدرجة القبطانية ,التي هي قيادة سفينة الكون ..
    ذات الرواية تشير, إلى أن عدم ظهوره في أي مكان, بعد إنتقاله الأخير, ذلك ان ربه خيره بين البقاء في الدنيا, أو الإنتقال إلى جواره .الرواية نفسها تؤكد, أنه كان صاحب فراسة ونجابة, وكاتبا مجيدا لا يضارعه سوى الأروام والفرس والهنود في جمال الخط .
    قضى الفقير راجل الحرازة أخريات أيامه, معتكفا. متقنعا بثوب "زراق" لا يكشف رأسه حتى وافته المنية ,فلما كشفوا عن رأسه ,وجدوه جمجمة صماء .خالية من فتحات الأذنين والعينين والأنف والفم ..فقط جمجمة كحجر مدور أصم ,أشبه في خصائصه بالحجر الأسود . منذها أمتدت سطوته ,التي رأسها في دار الريح وذنبها في دار صباح ..
    X
    عندما خطت الكساندرا خطواتها الأولى ,في حياته العامرة بالشجن ,في هذا الوقت المتأخر من الليل ,أشرق وجهه بنوع غريب من الإشراق ,فاض على كل زوايا الشقة, التي بوغتت وغرقت في طيوف كل الحبيبات البعيدات ,اللائي شكل منهن طيف الكساندرا طيفا واحدا, يحجب كل ما عداه ..لم يعد ثمة نور سوى نورها ,في الحقيقة ظِلٌ من نورها..
    فتحت الكساندرا باب الثلاجة تبحث عن بيرة باردة ..
    -لا أملك سوى "الليكر" : فودكا ..سميرنوف ..
    -أحب ذلك ..
    كان يتبع مؤخرتها وهو يتأمل جسمها الفارع ..عنقها الطويل والشامة التي قرب "مهوى القرط".. فكر,"كأسبانية"يناسبها هذا التعبير :"مهوى القرط"كثيرا . خطرت على باله لحظتها الأندلس وأوهام الفردوس المفقود ..
    إذا كان من الصعب علينا فهم إغريق العصور القديمة ورومانهم, الذين كانوا يعتقدون أنهم يتحركون وسط آلهة ,ويعيشون في كل مكان وفي كل لحظة تحت رعاية هؤلاء الآلهة الوسيمين,سواء كان ذلك تحت ظل شجرة أو عند نبع ماء, أو في القلب الكثيف الصاخب لغابة, أو على ضفاف البحر, أو لحظة المضاجعة للحبيبة,في امكنة لا تخطر على البال ,كافتراش زبد الموج,ليختلط مع الزبد الدافيء الذي يفرزه العاشقان .. هذه العوالم , شبيهة بعوالم الفقرا . إذا صعب علينا فهم ذلك , فمن الصعب أيضا فهم إحساس الخسارة, الذي يقف خلف الفردوس المفقود ..كيف تحس بخسارة شيء ليس لك إبتداء ؟..
    من الجهة الأخرى :التصور المربك الذي يقدمه الإسلام للمسيحيين عن اللاهوت المقدس ,فإذا كان لا شك في عذرية مريم ,فعيسى هو كلمة الله وروح منه ,وبهذا التوصيف هو ليس إبنا لله .. لكن بإمكانه أن يحيي الموتى ويشفي الأكمه والأبرص والأعمى ,وهذا امر مربك للاهوت المسيحي ,إذ كيف يفعل جيسس كل هذه الامور وهو ليس إبنا لله .. وإذا حاولت دحض ألوهية المسيح , برغم كل هذه المعجزات ,فإنك تلغي عالما بكامله ,عالم الفقرا ..
    إنتزعته الكساندرا من تأملاته السرية :
    -لا تقف كالصنم قل شيئا ..
    إنه أول لقاء لهما .. إنقضى هكذا ودودا .حاولا فيه تلمس حدود تخوميهما ,ثم لملمت الكساندرا أزيال ثوبها ,ومضت إلى شقتها المجاورة ..
    بعد بضعة أيام كانت الكساندرا ممدة إلى جواره في السرير , تغني معه الاغنية ذاتها التي ارقته طويلا,كما أرقت الفقرا من قبل :
    You can't hide it
    Don't deny it
    Love is stronger than each other
    Show me baby
    What you're gonna do, do

    أحمد ضحية
    برينسس آن – ميريلاند
    2009-2010
    [/align]
    التعديل الأخير تم بواسطة أحمد ضحية; الساعة 01-06-2010, 17:10.
    [mark=#FFFFCC]
    الحزن لا يتخير الدمع ثيابا
    كي يسمى في القواميس بكاء ..
    الصادق الرضي
    [/mark]
  • آسيا رحاحليه
    أديب وكاتب
    • 08-09-2009
    • 7182

    #2
    لمحة فقط جعلتني أعتقد أنها رواية جديرة بأن تُقرأ..
    سأعود لأقرأ على مراحل ..
    تحيّتي.
    يظن الناس بي خيرا و إنّي
    لشرّ الناس إن لم تعف عنّي

    تعليق

    • أحمد ضحية
      أديب وكاتب
      • 10-05-2010
      • 121

      #3
      المشاركة الأصلية بواسطة آسيا رحاحليه مشاهدة المشاركة
      لمحة فقط جعلتني أعتقد أنها رواية جديرة بأن تُقرأ..
      سأعود لأقرأ على مراحل ..
      تحيّتي.
      تحياتي الأخت آسيا
      في إنتظار قراءتك المبدعة..
      خالص تقديري
      [mark=#FFFFCC]
      الحزن لا يتخير الدمع ثيابا
      كي يسمى في القواميس بكاء ..
      الصادق الرضي
      [/mark]

      تعليق

      • أحمد ضحية
        أديب وكاتب
        • 10-05-2010
        • 121

        #4
        up................................................ ..
        [mark=#FFFFCC]
        الحزن لا يتخير الدمع ثيابا
        كي يسمى في القواميس بكاء ..
        الصادق الرضي
        [/mark]

        تعليق

        يعمل...
        X