[align=justify]
الفرح الحزين
الفرحة ترفرف بأجنحتها الجميلة ، و ألوانها الزاهية ، فوق منزل السيد حمد، سمع كل شيء في الحي زغاريد الفرح ، تنطلق صداحة ، وتملأ الفضاء حبوراً ، سمعتها مئذنة المسجد القريب ، وأسراب الحمام ، وأشجار الزينة في الشوارع ، حتى القطط تناهى الى سمعها هذا الحدث السار . عقود الأضواء تزين واجهة المنزل والفراشات تمارس هوايتها الأزلية بالرقص على أنغام الزغاريد احتفاءً بالأضواء المبهرة ، بعد أعوام من الانتظار ، عروس من هذا البيت العفيف ستزف الليلة المقبلة .
شهد وعهد الفتاتان الوحيدتان بين سبعة من الأخوة ، فارق السن بينهما ضئيل .. سنتين فقط ، الكبرى في العشرين من عمرها ، تقضي ليلتها الأخيرة في منزل الطفولة ، وقد هبت عليها رياح البهجة وامتزجت سعادتها بحياء الحرائر ، فزادتها هذه الحال حسناً الى حسنها . آخر المعازيم انصرافاً هي الخالة ريم ، التي تخرج بعد أن اطمأنت على اكتمال التجهيزات لحفلة الغد .
الساعة الواحدة بعد منتصف الليل ، حينما آوى كل الى فراشه ، الأختان تجلسان على سريريهما متقابلتين .. مطرقتين ، لا تستطيع أيٌ منهما أن تنظر في عيني الأخرى ، ولا يفصل بينهما الا متر واحد ، بدت الغرفة المكونة من سريرين ، ودولاب مشترك ، خاوية موحشة ، لا أحد فيها . تطل الأم من الباب، ثم تتقدم باسمة وهي تقول بحنان :
- الساعة الواحدة .. الم تنمن بعد ..
الصمت ولا شيء غيره هو سيّد الموقف ، ثم تردف مازحة :
- ماذا فعلت ؟ لأستحق هذا التجاهل ..
ترفع عهد رأسها ببطء .. تختلس النظر لأختها الكبرى ، ثم يلتقي نظرها بنظر أمها ، وتنفجر باكية ، فتجاوبها العروس ويعلوا نحيبها . تقاوم الأم رغبتها القوية بالانخراط في موجة البكاء ، لكن رقة مشاعرها تخذلها ، فتتحدّر دموعها بصمت ، وتأخذ بيد العروس ثم تجلس بين الأختين محتضنة رأسيهما وهي تربت على ظهريهما بهدوء .
بعد برهه ، تستعيد الأم توازنها ، وتأخذ في الحديث عن أنهم مقبلون على ليلة طالما انتظروها ، وأن البكاء ليس تصرفاً مقبولاً في أوقات الأفراح ، كانت تشعر بإحساس الفتاتين بالفراق المقبل ، لكنها تتجاهل هذا الشعور وتستمر في محاولة تهدئة هذه الأجواء العاطفية المشحونة ، رويداً .. رويداً يسيطر العقل على الموقف ، فتغور الدموع وتسكن أصوات النحيب المكبوت .
تقترح الصغرى ، أن يقمن بإلصاق سريريهما بجانب بعضهما البعض ، يبدو أن الجميع كانوا في انتظار هذا الاقتراح ، فشرعوا بالتنفيذ على الفور ، احتضنت شهد شقيقتها ، واستقبلت الاثنتان قبلات حارة من أمهما الرءوم ، التي تأكدت من تغطيتهما ، وهي تردد البسملة وتدعو بأذكار النوم المأثورة ، ثم غادرت بهدوء .
تدخل الأم غرفتها ، فتجد الأب يقرأ كعادته على ضوء الاباجورة ، تعلوا سرير النوم الوثير ، وتتنهد ، ثم تصرح له بمشاعرها قائلة :
- عهد تمر بحالة نفسية صعبة ..
كأن الأب لم يسمع ، فهو لايزال منهمكاً في القراءة ، تضيف الأم :
- الحقيقة .. بدأت أخاف عليها ..
يضع الكتاب جانباً ويرد بهدوء :
- أتفهّم شعورها بقرب فراق شقيقتها .. فالبنات يرتبطن عاطفياً بشكل أوثق ..
- لماذا؟
- ذلك لأن بيئتهن محدودة بالعيش مع بعضهن ، في المنزل والمدرسة ، وعند زيارات الأقارب .. لا يُفَرّقهن الا الموت أو الزواج ..
- يالهفي على بُنَيّتي .. من ألم الفراق ..
- الفراق صعب ، ولكن يخففه أمل اللقاء ، كما أن نعمة النسيان تؤتي ثمارها بمرور الوقت ..
- ما كان اشد حزنها هذا المساء !
- الحزن هو الشئ الوحيد الذي يبدأ كبيراً ثم يصغر شيئاً فشيئاً .. حتى يتلاشى ..
بعد عصر اليوم الخميس 28 أغسطس 2008 م ، هاهي العروس في أبهى صورة ، فقد غادرتها خبيرة التجميل للتو ، بعد أن حمّلتها بالزينة ، هبّت على شهد رياح الفرح المختلط بالخجل ، فزادتها حسناً الى حسنها ، وأخذت تتلقّى التهاني من إخوانها وخالاتها ، في حين طغى البشر والسرور على وجوه الجميع ، وأضفت رائحة العطور الصارخة ، وأصوات الزغاريد التي تنبعث من جهاز التسجيل على الجو بهجة عظيمة .. لكن عهد لم تكن هنا !
خنقتها العبرة فهرولت لغرفتها ، حتى لا تفسد هذا الجو الرائع ، أغلقت الباب جيداً ثم أطلقت لدموعها العنان ، حتى إذا سكبت من الدموع ما يجعلها تتماسك من جديد ، أخذت تقلب نظرها في الغرفة ، التي ضمتها وشقيقتها طوال العشر سنوات الأخيرة ، بدت لها هذه الغرفة غريبة موحشة .. لا تطاق ، على تلك الطاولة قرأن ما لايحصى من الكتب ، وتبادلن آلاف النكات ، فضحكن لها من الأعماق ، ونشأ بينهما ما لايحصى من الخلافات ، التي كانت لا تلبث أن تنتهي فتبقى مادة للضحك والتندر .
أخذتها الذكريات و الأماني بعيداً ، سقى الله أياماً قضيناها سويّاً .. هذه الليلة التي لا أعرف كيف أصفها ، تعتبر نقطة مفصلية في حياتي ، ستخرج شهد الى مملكتها الجديدة وستتركني لوحدي ، كم أتمنى لها التوفيق ، و أدعو لها من أعماق قلبي ، ولكن .. كم سأفتقدها ، كيف سأبيت ليلتي بدونها ؟ يالحسرتي على فراقها ، وهل من لقاء دائم ، بعد هذا الفراق ، ليس على الله بعزيز أن يبعث لي زوجاً .. أي زوج ، المهم أن يأخذني الى الشقة المجاورة لشقتها ، فنعود الى العيش سويّاً .
تنهض عهد ثم تخطو باتجاه الدولاب المشترك ، فتفتح القسم الخاص بشقيقتها شهد ، وتنظر الى ملابسها القديمة وأشياءها الخاصة ، تحتضن الملابس وتتشمم رائحتها ، في حين تبدأ سحب الحزن في التراكم ، وتبدأ الدموع في الهطول من جديد . تعود الى طاولتها الدراسية ، وتتناول ورقة وقلم ، ثم تبدأ في الكتابة : الكونُ يُظلم في عَينيّ ..
في قاعة الأفراح ، بهرت شهد جميع الحضور، بجمالها الطبيعي ، فوالدتها لم تسمح لخبيرة التجميل ، بإضافة أي مساحيق إصطناعية على وجه العروس ، فهي امرأة محافظة ، و تثق بلا حدود في جمال ابنتها الفطري ، أنظار الحاضرات .. وكشافات الأضواء التي تغشى وجه العروس ، جعلت دماء الخجل ، تطفو على سطح وجنتيها الناعمتين ، فكانت فتنة الحفل ونجمته الرائعة ، أخذت المغنية تزيد في سرعة إيقاع الطبول ، استبشاراً بقرب إطلالة العريس ، وهي تردد الأهازيج المبهجة ، التي تتخللها الزغاريد من وقت لآخر ، في مزيج يجعل القلوب ترقص طرباً .
تقدّم العريس حسن بخطوات رشيقة ، وابتسامة هادئة ، محاولاً تجاهل الارتباك ، الذي فرضه وجودة وحيداً في صالة تعج بالنساء ، وروائح العطور ، في حين امتلأت المنصة بأخواته وعماته وخالاته ،اللواتي يرقصن ، ويقذفن بباقات الزهور عليه ، في نشوة وسعادة غامرتين ، والآن .. هاهو يقف بجوار عروسه ويلقي إليها بتحية رقيقة ، منعها الحياء من الرد عليها ، يسلّم ويتقبل التهاني من قريباته ، اللواتي أخذن يتوافدن للتعبير له عن فرحتهن الغامرة .
يأخذ العريس بيد عروسه ، ويسيران جنباً الى جنب ، يخطوان ببطء خطواتهما الأولى ، الى عش الزوجية الجديد ، وسط هالة من الأهل والبخور والموسيقى المبهجة ، حانت من شهد التفاته ، فلم تر أحد من المدعوات على كثرتهن ، وقعت عيناها على وجه شقيقتها ، وهي تتوارى في آخر الصالة ، و تمسح عينيها بمنديل أبيض ، تقاوم رغبة شديدة في الجري إليها واحتضانها ، لكن هذه النظرة تركت أثراً لايمحى ، أثراً جعل العريس يتوجس خيفة من وجوم عروسه .
بعد ساعة ، أخذت الأوهام والظنون السيئة تحوم في رأس حسن ، فقد غزاه الاكتئاب في ليلة العمر ، و أخذ يحدّث نفسه ، مالسبب في كآبة هذه العروس ؟ حتى ابتسامتها صفراء باهته .. يبدو أنها تخشى أمراً على وشك الانكشاف ! فلا يمكن أن تكون هذه الحالة من الخجل ، تبّاً لفتيات هذا الزمان .. لايكاد الرجل يجد فيهن زوجة عفيفة ، لابد أن هناك سبب ما .. مؤسف على الأرجح ، و إلا فما الذي يدعوها الى هذا الشرود .
يكمن السر في تلك الورقة .. التي وجدتها تختلس النظر إليها ، وما ان رأتني حتى دستها في حقيبتها ، لابد أنها رسالة من أحدهم ، إذا صدقت ظنوني .. فماذا سأفعل بها ؟ أأقتلها أم أرسلها الى بيت أهلها ؟ ما أتعس حظي ، وما أقل الخيارات أمامي ، ثم لمعت عيناه ببريق الغيرة القاتلة وهو يعقد رأيه ، بل اُشبعها ضرباً ثم اُرسلها إليهم غير مأسوفاً عليها .
أطلّ برأسه من باب دورة المياه الملحقة بالجناح الفندقي ، رآى تلك الرسالة بين يديها ، نسي نفسه ، فهجم عليها ، وخطف الرسالة من يدها ، وهو يستشيط غضباً ، ذهب نظره الى مكان توقيع المرسل ، قراءه .. فسكت عنه الغضب ، وأخذت نبضات قلبه تتباطأ باتجاه المعدّل الطبيعي ، التفت الى عروسه وهو يتضاءل خجلاً وقال :
- أنا آسف .. هل تسمحين لي بقراءتها ..
ردت بتلعثم :
- أجل ..
استلقى على الأريكة .. وأخذ يقرأ :
( الكون يُظلم في عيني .. نعم يا أخيّه ، فكل الأشياء حولي تعزيني على فراقك ، غرقتنا ، رف الكتب ، أدوات الرسم ، أرجاء البيت ، وأطلال السعادة التي تختنق ، كلها كئيبة ، تنادي كل إحساس بالفقد ، حزينة لخروجك ، وابتعادك عنها ، حاولت مراراً أن أتماسك ، واحدث هذه الأشياء عن سعادتك المقبلة ، وبأنك ستعودين لزيارتنا ، لكنها ردت على بسخرية ، كيف .. كيف لتلك الأيام المليحة أن تعود ، فبعث شجاها شجاي وعدت الى البكاء ، لحى الله هذه الدنيا ، فليس بها فرحٌ صافي ، في أسعد أيام حياتك ، التي هي حياتي ، تتناوبني هذه المشاعر البغيضة ، وأحس بالاختناق ، أفكر ماذا يمكنني أن افعل ؟ كيف استطيع إنقاذك من براهن هذا العريس ، الذي داهم حياتنا ، وفرّق جمعنا ، فتح قلبي وانتزعك بيديه من أعماقه .. قطّع شراييني ، وترك فراغاً شاسعاً ، لم يعد لي قلب .. فقد كنت تسكتينه ، إني أجد فؤادي فارغاً .
ويح قلبي ، كل من حولي ينغمسون في نهر السعادة ، وأنا الوحيدة التي انحدر في سراديب الأشجان ، ويطغى على مشاعري إحساس فضيع بالحرمان . اعذريني يا أُخيتي لم أستطع أن أقوم بواجب التهنئة ، فدموعي ستفضحني ، و تفسد أجواء الفرح ، الذي طالما إنتظرناه جميعاً ، نعم كنت انتظر هذا اليوم ، وادعوا لك بالتوفيق من كل قلبي ، ولكن عند اقتراب الموعد ، لم أعد أحتمل .. كل مشاعر الفرح تتهاوى ، تحت وطأة أقدام الفراق الثقيلة .. التي تقترب مني ، ولاحول لي ولاقوه على دفعها، فهذا الفراق عملاق ضخم قاس ، ودفاعاتي أمامه لاشئ ، أنه يجتاحني بمشاعره البغيضة ولا قدرة لي على المقاومة ، آه ثم آه .. من ألم الفراق ، أجده الآن .. أصعب شعور في الحياة ، لا يضاهيه ألم ، ولا يشبهه وصف ، تخالطت وتشابكت مشاعر الحزن بالفرح في مزيج غريب ، لم ينتابني طوال حياتي .
سامحيني .. فكلما رفعت نظري إليك ، لا أرى فستانك الجميل ، ولا تسريحة شعرك ، ولا ابتسامتك الرائعة ، لا أرى شيئاً من ذلك ، بل تلوح في آفاق الذكريات ، أيامنا السابقة ، مراتع البراءة ، وملاعب الصبا ، سقى الله تلك الأيام التي عشنا فيها سوياً نتقاسم الأفراح .. والآلام ، لانخشى الانفصال ، لم أشعر بقيمة هاتيك الأيام .. الا بقرب فقدها ، تخطر لي مواقفنا الطريفة ، كم مرةِ بدأنا بخصام ، الا أنها سويعات ، ثم تعود الأمور الى سابق عهدها ، نتذاكر أسباب الخلاف ، ثم نهزاء من سذاجتنا ، كم سأفتقد تلك اللحظات ، التي مررنا بها .
الآن انتهى كل شئ وأصبحت لك مملكتك الخاصّة ، يالحسرتي حين أبيت هذه الليلة بدونك ، أكتبت أبيت ؟ يالسخرية القلم .. كيف يبيت من فقد قلبه ؟ و لوّعته الدنيا بفراق شطره ! يالها من ليلة عصيبة .. سرمدية . أي أُخيّة ، لا أعلم .. كيف سيطيب لي العيش بعدك ؟ لكن ثقي أنني أخط هذا البوح بدموعي ، وفؤادي يلهج بالدعاء لك بالتوفيق والسعادة ، الوداع .. الوداع ياحياتي .
أختك / عهد )
عاد الى نفسه ، هكذا الأمر إذن .. يالحقارة ظنوني ! ثم فكّر وقدّر ، كيف لي أن أكفّر لها عمّا فعلت ؟ يلتفت إليها وعيناه تلمع إصراراً ، ويهتف :
- عزيزتي شهد .. أعدك وعداً صادقاً ، بأن تبقي على اتصال دائم بشقيقتك ، مهما كلفني هذا التواصل .
[/align]
الفرح الحزين
الفرحة ترفرف بأجنحتها الجميلة ، و ألوانها الزاهية ، فوق منزل السيد حمد، سمع كل شيء في الحي زغاريد الفرح ، تنطلق صداحة ، وتملأ الفضاء حبوراً ، سمعتها مئذنة المسجد القريب ، وأسراب الحمام ، وأشجار الزينة في الشوارع ، حتى القطط تناهى الى سمعها هذا الحدث السار . عقود الأضواء تزين واجهة المنزل والفراشات تمارس هوايتها الأزلية بالرقص على أنغام الزغاريد احتفاءً بالأضواء المبهرة ، بعد أعوام من الانتظار ، عروس من هذا البيت العفيف ستزف الليلة المقبلة .
شهد وعهد الفتاتان الوحيدتان بين سبعة من الأخوة ، فارق السن بينهما ضئيل .. سنتين فقط ، الكبرى في العشرين من عمرها ، تقضي ليلتها الأخيرة في منزل الطفولة ، وقد هبت عليها رياح البهجة وامتزجت سعادتها بحياء الحرائر ، فزادتها هذه الحال حسناً الى حسنها . آخر المعازيم انصرافاً هي الخالة ريم ، التي تخرج بعد أن اطمأنت على اكتمال التجهيزات لحفلة الغد .
الساعة الواحدة بعد منتصف الليل ، حينما آوى كل الى فراشه ، الأختان تجلسان على سريريهما متقابلتين .. مطرقتين ، لا تستطيع أيٌ منهما أن تنظر في عيني الأخرى ، ولا يفصل بينهما الا متر واحد ، بدت الغرفة المكونة من سريرين ، ودولاب مشترك ، خاوية موحشة ، لا أحد فيها . تطل الأم من الباب، ثم تتقدم باسمة وهي تقول بحنان :
- الساعة الواحدة .. الم تنمن بعد ..
الصمت ولا شيء غيره هو سيّد الموقف ، ثم تردف مازحة :
- ماذا فعلت ؟ لأستحق هذا التجاهل ..
ترفع عهد رأسها ببطء .. تختلس النظر لأختها الكبرى ، ثم يلتقي نظرها بنظر أمها ، وتنفجر باكية ، فتجاوبها العروس ويعلوا نحيبها . تقاوم الأم رغبتها القوية بالانخراط في موجة البكاء ، لكن رقة مشاعرها تخذلها ، فتتحدّر دموعها بصمت ، وتأخذ بيد العروس ثم تجلس بين الأختين محتضنة رأسيهما وهي تربت على ظهريهما بهدوء .
بعد برهه ، تستعيد الأم توازنها ، وتأخذ في الحديث عن أنهم مقبلون على ليلة طالما انتظروها ، وأن البكاء ليس تصرفاً مقبولاً في أوقات الأفراح ، كانت تشعر بإحساس الفتاتين بالفراق المقبل ، لكنها تتجاهل هذا الشعور وتستمر في محاولة تهدئة هذه الأجواء العاطفية المشحونة ، رويداً .. رويداً يسيطر العقل على الموقف ، فتغور الدموع وتسكن أصوات النحيب المكبوت .
تقترح الصغرى ، أن يقمن بإلصاق سريريهما بجانب بعضهما البعض ، يبدو أن الجميع كانوا في انتظار هذا الاقتراح ، فشرعوا بالتنفيذ على الفور ، احتضنت شهد شقيقتها ، واستقبلت الاثنتان قبلات حارة من أمهما الرءوم ، التي تأكدت من تغطيتهما ، وهي تردد البسملة وتدعو بأذكار النوم المأثورة ، ثم غادرت بهدوء .
تدخل الأم غرفتها ، فتجد الأب يقرأ كعادته على ضوء الاباجورة ، تعلوا سرير النوم الوثير ، وتتنهد ، ثم تصرح له بمشاعرها قائلة :
- عهد تمر بحالة نفسية صعبة ..
كأن الأب لم يسمع ، فهو لايزال منهمكاً في القراءة ، تضيف الأم :
- الحقيقة .. بدأت أخاف عليها ..
يضع الكتاب جانباً ويرد بهدوء :
- أتفهّم شعورها بقرب فراق شقيقتها .. فالبنات يرتبطن عاطفياً بشكل أوثق ..
- لماذا؟
- ذلك لأن بيئتهن محدودة بالعيش مع بعضهن ، في المنزل والمدرسة ، وعند زيارات الأقارب .. لا يُفَرّقهن الا الموت أو الزواج ..
- يالهفي على بُنَيّتي .. من ألم الفراق ..
- الفراق صعب ، ولكن يخففه أمل اللقاء ، كما أن نعمة النسيان تؤتي ثمارها بمرور الوقت ..
- ما كان اشد حزنها هذا المساء !
- الحزن هو الشئ الوحيد الذي يبدأ كبيراً ثم يصغر شيئاً فشيئاً .. حتى يتلاشى ..
بعد عصر اليوم الخميس 28 أغسطس 2008 م ، هاهي العروس في أبهى صورة ، فقد غادرتها خبيرة التجميل للتو ، بعد أن حمّلتها بالزينة ، هبّت على شهد رياح الفرح المختلط بالخجل ، فزادتها حسناً الى حسنها ، وأخذت تتلقّى التهاني من إخوانها وخالاتها ، في حين طغى البشر والسرور على وجوه الجميع ، وأضفت رائحة العطور الصارخة ، وأصوات الزغاريد التي تنبعث من جهاز التسجيل على الجو بهجة عظيمة .. لكن عهد لم تكن هنا !
خنقتها العبرة فهرولت لغرفتها ، حتى لا تفسد هذا الجو الرائع ، أغلقت الباب جيداً ثم أطلقت لدموعها العنان ، حتى إذا سكبت من الدموع ما يجعلها تتماسك من جديد ، أخذت تقلب نظرها في الغرفة ، التي ضمتها وشقيقتها طوال العشر سنوات الأخيرة ، بدت لها هذه الغرفة غريبة موحشة .. لا تطاق ، على تلك الطاولة قرأن ما لايحصى من الكتب ، وتبادلن آلاف النكات ، فضحكن لها من الأعماق ، ونشأ بينهما ما لايحصى من الخلافات ، التي كانت لا تلبث أن تنتهي فتبقى مادة للضحك والتندر .
أخذتها الذكريات و الأماني بعيداً ، سقى الله أياماً قضيناها سويّاً .. هذه الليلة التي لا أعرف كيف أصفها ، تعتبر نقطة مفصلية في حياتي ، ستخرج شهد الى مملكتها الجديدة وستتركني لوحدي ، كم أتمنى لها التوفيق ، و أدعو لها من أعماق قلبي ، ولكن .. كم سأفتقدها ، كيف سأبيت ليلتي بدونها ؟ يالحسرتي على فراقها ، وهل من لقاء دائم ، بعد هذا الفراق ، ليس على الله بعزيز أن يبعث لي زوجاً .. أي زوج ، المهم أن يأخذني الى الشقة المجاورة لشقتها ، فنعود الى العيش سويّاً .
تنهض عهد ثم تخطو باتجاه الدولاب المشترك ، فتفتح القسم الخاص بشقيقتها شهد ، وتنظر الى ملابسها القديمة وأشياءها الخاصة ، تحتضن الملابس وتتشمم رائحتها ، في حين تبدأ سحب الحزن في التراكم ، وتبدأ الدموع في الهطول من جديد . تعود الى طاولتها الدراسية ، وتتناول ورقة وقلم ، ثم تبدأ في الكتابة : الكونُ يُظلم في عَينيّ ..
في قاعة الأفراح ، بهرت شهد جميع الحضور، بجمالها الطبيعي ، فوالدتها لم تسمح لخبيرة التجميل ، بإضافة أي مساحيق إصطناعية على وجه العروس ، فهي امرأة محافظة ، و تثق بلا حدود في جمال ابنتها الفطري ، أنظار الحاضرات .. وكشافات الأضواء التي تغشى وجه العروس ، جعلت دماء الخجل ، تطفو على سطح وجنتيها الناعمتين ، فكانت فتنة الحفل ونجمته الرائعة ، أخذت المغنية تزيد في سرعة إيقاع الطبول ، استبشاراً بقرب إطلالة العريس ، وهي تردد الأهازيج المبهجة ، التي تتخللها الزغاريد من وقت لآخر ، في مزيج يجعل القلوب ترقص طرباً .
تقدّم العريس حسن بخطوات رشيقة ، وابتسامة هادئة ، محاولاً تجاهل الارتباك ، الذي فرضه وجودة وحيداً في صالة تعج بالنساء ، وروائح العطور ، في حين امتلأت المنصة بأخواته وعماته وخالاته ،اللواتي يرقصن ، ويقذفن بباقات الزهور عليه ، في نشوة وسعادة غامرتين ، والآن .. هاهو يقف بجوار عروسه ويلقي إليها بتحية رقيقة ، منعها الحياء من الرد عليها ، يسلّم ويتقبل التهاني من قريباته ، اللواتي أخذن يتوافدن للتعبير له عن فرحتهن الغامرة .
يأخذ العريس بيد عروسه ، ويسيران جنباً الى جنب ، يخطوان ببطء خطواتهما الأولى ، الى عش الزوجية الجديد ، وسط هالة من الأهل والبخور والموسيقى المبهجة ، حانت من شهد التفاته ، فلم تر أحد من المدعوات على كثرتهن ، وقعت عيناها على وجه شقيقتها ، وهي تتوارى في آخر الصالة ، و تمسح عينيها بمنديل أبيض ، تقاوم رغبة شديدة في الجري إليها واحتضانها ، لكن هذه النظرة تركت أثراً لايمحى ، أثراً جعل العريس يتوجس خيفة من وجوم عروسه .
بعد ساعة ، أخذت الأوهام والظنون السيئة تحوم في رأس حسن ، فقد غزاه الاكتئاب في ليلة العمر ، و أخذ يحدّث نفسه ، مالسبب في كآبة هذه العروس ؟ حتى ابتسامتها صفراء باهته .. يبدو أنها تخشى أمراً على وشك الانكشاف ! فلا يمكن أن تكون هذه الحالة من الخجل ، تبّاً لفتيات هذا الزمان .. لايكاد الرجل يجد فيهن زوجة عفيفة ، لابد أن هناك سبب ما .. مؤسف على الأرجح ، و إلا فما الذي يدعوها الى هذا الشرود .
يكمن السر في تلك الورقة .. التي وجدتها تختلس النظر إليها ، وما ان رأتني حتى دستها في حقيبتها ، لابد أنها رسالة من أحدهم ، إذا صدقت ظنوني .. فماذا سأفعل بها ؟ أأقتلها أم أرسلها الى بيت أهلها ؟ ما أتعس حظي ، وما أقل الخيارات أمامي ، ثم لمعت عيناه ببريق الغيرة القاتلة وهو يعقد رأيه ، بل اُشبعها ضرباً ثم اُرسلها إليهم غير مأسوفاً عليها .
أطلّ برأسه من باب دورة المياه الملحقة بالجناح الفندقي ، رآى تلك الرسالة بين يديها ، نسي نفسه ، فهجم عليها ، وخطف الرسالة من يدها ، وهو يستشيط غضباً ، ذهب نظره الى مكان توقيع المرسل ، قراءه .. فسكت عنه الغضب ، وأخذت نبضات قلبه تتباطأ باتجاه المعدّل الطبيعي ، التفت الى عروسه وهو يتضاءل خجلاً وقال :
- أنا آسف .. هل تسمحين لي بقراءتها ..
ردت بتلعثم :
- أجل ..
استلقى على الأريكة .. وأخذ يقرأ :
( الكون يُظلم في عيني .. نعم يا أخيّه ، فكل الأشياء حولي تعزيني على فراقك ، غرقتنا ، رف الكتب ، أدوات الرسم ، أرجاء البيت ، وأطلال السعادة التي تختنق ، كلها كئيبة ، تنادي كل إحساس بالفقد ، حزينة لخروجك ، وابتعادك عنها ، حاولت مراراً أن أتماسك ، واحدث هذه الأشياء عن سعادتك المقبلة ، وبأنك ستعودين لزيارتنا ، لكنها ردت على بسخرية ، كيف .. كيف لتلك الأيام المليحة أن تعود ، فبعث شجاها شجاي وعدت الى البكاء ، لحى الله هذه الدنيا ، فليس بها فرحٌ صافي ، في أسعد أيام حياتك ، التي هي حياتي ، تتناوبني هذه المشاعر البغيضة ، وأحس بالاختناق ، أفكر ماذا يمكنني أن افعل ؟ كيف استطيع إنقاذك من براهن هذا العريس ، الذي داهم حياتنا ، وفرّق جمعنا ، فتح قلبي وانتزعك بيديه من أعماقه .. قطّع شراييني ، وترك فراغاً شاسعاً ، لم يعد لي قلب .. فقد كنت تسكتينه ، إني أجد فؤادي فارغاً .
ويح قلبي ، كل من حولي ينغمسون في نهر السعادة ، وأنا الوحيدة التي انحدر في سراديب الأشجان ، ويطغى على مشاعري إحساس فضيع بالحرمان . اعذريني يا أُخيتي لم أستطع أن أقوم بواجب التهنئة ، فدموعي ستفضحني ، و تفسد أجواء الفرح ، الذي طالما إنتظرناه جميعاً ، نعم كنت انتظر هذا اليوم ، وادعوا لك بالتوفيق من كل قلبي ، ولكن عند اقتراب الموعد ، لم أعد أحتمل .. كل مشاعر الفرح تتهاوى ، تحت وطأة أقدام الفراق الثقيلة .. التي تقترب مني ، ولاحول لي ولاقوه على دفعها، فهذا الفراق عملاق ضخم قاس ، ودفاعاتي أمامه لاشئ ، أنه يجتاحني بمشاعره البغيضة ولا قدرة لي على المقاومة ، آه ثم آه .. من ألم الفراق ، أجده الآن .. أصعب شعور في الحياة ، لا يضاهيه ألم ، ولا يشبهه وصف ، تخالطت وتشابكت مشاعر الحزن بالفرح في مزيج غريب ، لم ينتابني طوال حياتي .
سامحيني .. فكلما رفعت نظري إليك ، لا أرى فستانك الجميل ، ولا تسريحة شعرك ، ولا ابتسامتك الرائعة ، لا أرى شيئاً من ذلك ، بل تلوح في آفاق الذكريات ، أيامنا السابقة ، مراتع البراءة ، وملاعب الصبا ، سقى الله تلك الأيام التي عشنا فيها سوياً نتقاسم الأفراح .. والآلام ، لانخشى الانفصال ، لم أشعر بقيمة هاتيك الأيام .. الا بقرب فقدها ، تخطر لي مواقفنا الطريفة ، كم مرةِ بدأنا بخصام ، الا أنها سويعات ، ثم تعود الأمور الى سابق عهدها ، نتذاكر أسباب الخلاف ، ثم نهزاء من سذاجتنا ، كم سأفتقد تلك اللحظات ، التي مررنا بها .
الآن انتهى كل شئ وأصبحت لك مملكتك الخاصّة ، يالحسرتي حين أبيت هذه الليلة بدونك ، أكتبت أبيت ؟ يالسخرية القلم .. كيف يبيت من فقد قلبه ؟ و لوّعته الدنيا بفراق شطره ! يالها من ليلة عصيبة .. سرمدية . أي أُخيّة ، لا أعلم .. كيف سيطيب لي العيش بعدك ؟ لكن ثقي أنني أخط هذا البوح بدموعي ، وفؤادي يلهج بالدعاء لك بالتوفيق والسعادة ، الوداع .. الوداع ياحياتي .
أختك / عهد )
عاد الى نفسه ، هكذا الأمر إذن .. يالحقارة ظنوني ! ثم فكّر وقدّر ، كيف لي أن أكفّر لها عمّا فعلت ؟ يلتفت إليها وعيناه تلمع إصراراً ، ويهتف :
- عزيزتي شهد .. أعدك وعداً صادقاً ، بأن تبقي على اتصال دائم بشقيقتك ، مهما كلفني هذا التواصل .
[/align]
تعليق