حُفنةٌ من ضبابْ..
- أنا؟ أنا لن أتزوّج إلاّ رجلا أحبّه !
أقولها بنبرة واثقة , شامخة , كأنّي بطلة أصوّر مشهدا سينمائيا :
تُربّت 'لمياء' على كتفي بحنان كأنّما تعزّيني :
- إذن عزيزتي , خذي بنصيحتي ,و إفسحي من الآن مكانا في فراشك.. للعنوسة!
و نضحك ثلاثتنا- لمياء و كريمه و أنا- نضحك ملء الشباب و الأحلام , و نحن نعبر بهو الكلية الرّحب, جيئة و ذهابا ,في انتظار ظهور النتيجة النهائية .
'لمياء' أعقل واحدة فينا . كانت تحسّ بعقلها ,و كنت , رومانسية و حالمة حتى النخاع ,أفكّر بقلبي .لم أستطع أن أستوعب كيفَ لرجلٍ أن يقاسمني عمري بايامه و لياليه دون أن تكون الروح مرآة للروح , ودون أن يدقّ قلب أحدنا في صدر الآخر .
- سأروي لك قصة – تواصل لمياء - يحكى أنّه كان بين الحبّ و الزّمن عداوة شديدة . وفي يوم قرّرا أن يتّفقا و يتعايشا ,فوضع الزمن شرطا واحدا للحب لكي يحافظ له على حياته ..أتدرين ما هو ؟.
- لا .
- أن لا يغيّر الحب إسمه من حب إلى زواج .
و تسألها 'كريمه' ساخرة :
-أين قرأتِ هذا يا حكيمة زمانك ؟
تجيبها لمياء :
- لم يقله أحد قبلي . هذا من إبداعي !
و نضحك ثلاثتنا ,ملء الشباب و الأحلام .
كان هذا من إثنتي عشرة سنة .
* * *
تزوجت 'لمياء' بعد التخرّج مباشرة وأنجبت و سافرت مع زوجها إلى فرنسا . و تزوّجت كريمه أيضا , و بقيتُ أنا مستمسكة بقناعتي أرفض خطّابا يتزاحمون على بابي ..و أصبحتْ " لا أحبّه " مملّة , لا تقنع أحدا..سواي . بعض القناعات تترسّب في الأعماق لتصبح إيمانا راسخا يصعب التخلّي عنه بل إننا نستغرب كيف لا يشاطرنا غيرنا ذلك الإيمان.
وكلما قرع أذنيّ عتاب أهلي :
- يا مغفّلة . و ترفضين هذه الفرصة أيضا ؟.إنه رجل رائع .
أجيب بتعنّت :
- لا أريد رجلا رائعا .أريد رجلا أحبه!
أذكر أني رفضت ' سي عبد الحميد' الرجل الثري ,صاحب أكبر محلات الأقمشة في المدينة,يومها صاحت بي أمي غاضبة :
- لا أحبّه ! لا أحبّه! ..متى تكفّين عن ترديد هاته الأغنية ؟ يوما ما سوف تندمين .
ولكني لم أيأس , و بقيت أنتظر بزوغ فجرالحب .
* * *
و أخيرا..
سطعت شمس الحب في سماء عمري .
وقعت عليه عيناي, وهتف قلبي .." إنّه هو..هو !". تسمّرتُ في مكاني أحدّق في وجهه, وانتابني شعور غامض بأني أعرفه منذ الأزل و أنه كان معي , يسبح في دمي ,في زمان ما و مكان ما.
إلتحق بالشركة للعمل معنا,و صادف أنّ مكتبه كان مقابلا لمكتبي تماما .و كانت النظرة فالإبتسامة ,فالكلام الذي أسفر عن ميول و اهتمامات و أفكار مشتركة ,ثم جاءت اللّقاءات لتنسج الأيام قصة حب رائعة. أمسكتُ بخيوط الشمس و سبحت في فضاءات لازوردية ساحرة لا يفتحها أمامنا سوى الحب. فجّر حبّه في شراييني ينابيع الفرح, فأقبلتُ على الحياة بنهم وسعادة . رأيت الدنيا من خلال عينيه ,و حين يحضنني و أخبّئ رأسي في صدره كنت أحس بالأمان و أزداد يقينا بأن الحب لا يستحق أن نموت من أجله فقط, بل أيضا..أن نعيش من أجله.
خطّطنا لرحلة العمر..تكلّمنا في تفاصيل التفاصيل ..منزلنا , أثاثه , عطلنا أين سوف نقضيها, أسماء أولادنا , عددهم , و استدرجَنا الخيال إلى عوالم تفيض سحرا و روعة . ثم جاءه عقد عمل في فرنسا لمدة سنة فشجّعته , و في المطار ودّعته بدمعة و وعد بانتظاره و لو إلى آخر العمر .
بقينا على اتّصال دائم . يهاتفني كل يوم . يهمس بصوت حزين باكٍ "إنّها باريس , بلد الجن و الملائكة و لكني تعيسٌ جدا. أجمل عواصم الدنيا قفرٌ حين لا تكونين معي , حبيبتي . " و أطمئنه بأنّ صيفا سيأتي يشهد عرسنا و سيمحو اللّقاء كل آثار الغربة و البعاد.
و لكن الصيف الذي حلمت به لم يأت أبدا .
* * *
لم أكن بحاجة إلى ذكاء خارق لأكتشف أنّ غيوما داكنة تتكاثر بسرعة لتحجب نور الشمس الذي أستضيء به ..بدأ الفتور من جانبه و أخذت المسافة تتمدّد و رأيته يبعد كل يوم خطوات .
ثم جاءتني منه رسالة لتؤكّد الشك الذي عصف بقلبي . ذكر ترّهات لم تقنعني عن التزاماتٍ و مشاكل و تجارة والده, و كتب هراءً لم أجد له مترادفات في قاموس الحب الذي آمنت به, و ختم رسالته ب" أحبك كثيرا و لكن أرجوك لا تنتظريني .أنت تستحقين الأفضل ."
رأيتُ العالم ينهار من حولي .تصدّع قلبي و احترقت ضلوعي , و أخذت الحياة في عينيّ شكل الموت .مرضتُ و لزمتُ الفراش أسابيعا . بكيت أنهارا من الدمع , و من خلال دموعي كنت أرى بهو الكليّة الرحب, وأرانا ملتفات حول 'لمياء' و هي' تحاضر ' :
-ليس هناك حب سعيد, صدّقوني . حسنا . لتخبرني إحداكن عن قصة حب عظيمة واحدة انتهت بالزواج ؟
و تقول الفتاة الحالمة التي تفكّر بقلبها :
- إذن .سوف تكون قصّتي أنا هي الأولى .
قصّتك ؟ أيتها البلهاء الغبية , يا آخر النساء المغفّلات ! هي ذي قصّتك تهوي بك من سابع سماء إلى قعر الجحيم .
اعتقدت أنني سأموت .و مرّت أشهر عرفت فيها طعم الوجع .و طال النّزع بقلبي و لكني لم أمت .
* * *
لملمت شتات أحلامي وبقايا كرامة مطعونة , و وقفت على قدميّ من جديد تاركة للأيام مهمة تضميد الجراح .
و ماذا بعد ؟ هل كرهته ؟ هل كفرت بالحب ؟ أبدا .إنّما أحزنني أني تمسّكت بحلم زئبقيّ وأني في الأخير لم أقبض سوى على حفنة من ضباب . و عتبتُ عليك يا قلبي لأنك لم ترض الإعتراف برجل سواه ..رجل بدأ الكون في عينيّ به و انتهى معه . أم تراه ذنبي لأني لم أمنحك فرصة المحاولة ؟
" الأغبياء فقط لا يتغيّرون " . أيكون هذا صحيحا ؟ أكان غباءً أني آمنت بالحب ؟ أغباءً أني ضيّعت فرص زواج اعتبرها الجميع لا تُعوّض و اعتبرتها ضربا من العبث ..؟
أغرقت نفسي في العمل, ورحت أجرّ خلفي أياما باهتة جافة ممتلئة بالفراغ و الخيبة و قلبا مشبعا بالآه و الحزن.
كنت أرى السنين تقفز مسرعة و تتكوّم خلفي, و ورقات العمر تتساقط الواحدة تلو الأخرى.
بدأت ُأحسّ بوطأة الإنحدار.. و انتبهت ذات مساء ,فإذا بي أقف على مشارف الأربعين .
غريبة !..يُفترض أن تسلّق الهرم أشقّ علينا من نزوله و لكن كان النزول رهيبا, قاتلا, ربما لأنه صحبته إلتفاتات كثيرة منّي إلى الماضي و تساءلات أرهقت روحي : لماذا و كيف و هل يُعقل ؟
ولم يذو جمالي تماما و لكني لم أعد ألمح في العيون بريق الإعجاب و اللّهفة و " يا الله !إنها جميلة! " كنت أحسّها تتحوّل شيئا فشيئا إلى " كم كانت جميلة ! "
ما عاد الخطّاب يتزاحمون على بابي, بل مرّت سنوات دون أن يقف ببابي أحد .لم يكن الأمر مشكلة بالنسبة لي و لكنه أصبح هاجسا يؤرق الجميع من حولي . كيف لا و أناالإستثناء في العائلة .أصغر البنات سنا متزوجة منذ سنوات و أمّ لعددٍ لا أدريه من الأطفال.
غيّرت مكان العمل في محاولة منّي لتجديد العمر و تحريك مياه حياتي الراكدة . لا فائدة . فشلت في إنشاء صداقات جديدة.. كأنّ سياجا شائكا يقف بيني و بين الآخرين. كأني أنتمي إلى عالم غير الذي يحيطني .
بدأ الجفاف يفغر فاه و يبتلعني ,ببطء, و لكن بقسوة و وحشية. و تلك النوافذ التي كنت من خلالها أتواصل مع العالم, لمحتها تنغلق في وجهي ,واحدةً واحدة.. ' كريمه ' انشغلت عني بأبناءها و متاعبهم . تباعدت زياراتنا و قلّت مكالماتنا . تقلّص محيط معارفي و هي ذي الوحدة تحكم قبضتها على النفس و تغلق كل كوّة كان يمكن أن يصلني منها النور و الأمل .
* * *
و هذا المساء.
عدت من العمل منهكة . حركة غريبة في البيت .تجمّع غير عادٍ لأفراد العائلة .
أخذتني زوجة أخي جانبا وأسرّت لي أن صديقا لأخي يطلبني للزواج .رجلٌ في الخمسين , توفّت زوجته منذ مدّة تاركة له إبنا و بنتين .ظروفه المادية ممتازة و أخلاقه أيضا .
و تهمس زوجة أخي في أذني :
- فكّري بسرعة . هذه آخر تذكرة لآخر قطار .الأمر لك .إقبليها أو افترشي رصيف العنوسة إلى الأبد .
دخلت ُغرفتي .أغلقت الباب خلفي و جلست إلى مرآتي. .حاولت أن أفكّر فتداخلت في ذهني صور من الماضي وخيالات من المستقبل , و تقافز أمامي شبح الشيخوخة و الوحدة و الندم.. تركيبة كفيلة بأن تجعلني أقف على شفا الجنون .إقتربت بوجهي من المرآة .نظرت في عينيّ .لم أستطع أن أركّز في القطار الأخير و التذكرة . كنت أفتّش في أحداقي عنّي, عن فتاة جميلة, رومانسية و حالمة , كانت يوما تردّد بنبرة شامخة واثقة أنها لن تتزوّج أبدا سوى من رجل تحبّه .
تعليق