حلم طائر
كان هذا التاجر ، الناجي الوحيد فى الحي من وباء عم المدينة ، وأتى على الكثيرين من أهلها 0 انتبه فجأة من سرحان ، فوجد رجلا أمامه مباشرة ، كاد يصطدم به ، توقف ، وراح يتأمله . كانت عينا الرجل تحملان بريقا عجيبا ، ولون بشرته له سواد لامع أيضا 0 عدل التاجر من هيئته ، وخطا مواصلا طريقه ، فاستوقفه الرجل :" ماذا بك يا أخي ؟ "0
تنهد التاجر ، وقال :" وما شأنك بي خل بيني وبين طريقي "0
تمسك به الرجل ، ألح في معرفة مابه ، وهو يسترضيه قائلا :" هون على نفسك ، كدت تطرحني أرضا00 يبدو أنك مهموم .. تعال نجلس فوق هذه الكومة "0
سحبه الرجل ، وجلسا معا فوق كومة من التراب ، وسرعان ما قال :" أنا رحالة لا أستقر فى مكان ، وعندي بعض من علوم ، أستطيع بها إسعادك وإدخال الفرحة والبهجة إلى قلبك "0
تلعثم التاجر محمد بن نور الدين ، بلع ريقه ، وقال :" خرجت من الوباء صحيحا ، وهذا أمر أحمد الله عليه ، خرجت صفر اليدين ..أحسد التجار على ما جمعوه من مال ، ونفائس لا حصر لها ، وكل ما أملك بيت آوى إليه "0
ضحك الرحالة ، وربت على كتفه ، قائلا :" سوف أجعلك أغنى الأغنياء 0
عزّم ، وزمزم ، اكتسى وجهه بعرق غزير ، ثم فجأة أصبحا فى بستان 00 بستان جميل ، تملؤه الأشجار 00أشجار العنب والمانجو ، والكمثرى ، والموز ، والتفاح ، وأطيار ترفرف ، تزقزق فى كل مكان ، وغدير ماء ينساب ، له صوت عذب جميل ، ورأى التاجر محمد بن نور الدين بستانيا يعتنى بالأشجار ، يعمل هنا وهناك ، وصبية وجواري هنا وهناك ، ثم رأى خمس سواق دائرة ، تدر الماء ، وحولها عشرون ثورا ، ورجال أشداء يحرسون البستان ، ورأى سريرا معلقا ، يتحرك مثل أرجوحة ، عليه فراش وثير ، من ريش نعام . قام التاجر ، وتمدد عليه ، وراح يقتطف من شجرة التفاح ، وهو مضطجع ، سعيد ، فرحان ، ثم هتف :" أهذه لي ؟ "0
أنكر عليه الرجل قوله قائلا :" كيف يكون لك ، ولم تدفع فيه درهما أو سحتوتا ؟ "0
كان التاجر محمد بن نور الدين قد نسى نفسه تماما ، فأفاق وهو يردد بسعادة غامرة :" وما تطلب فيه ؟ "0
فكر الرحالة طويلا ، ثم قال وهو يضحك :" نقول مائة ألف دينار "0
هنا خرج التاجر من سعادته المفاجئة ، بان عليه الحزن :" مائة ألف دينار ، وكل ما أملكه ألف دينار أول عن آخر "0
تحرك الرحالة ، وبش فى وجهه :" فلتجعلها عشرة ؟ "0
يجيب التاجر وهو ينسحب :" لو أملكها مابخلت بها على تلك الجنة الغناء "0
ثم تقدم من الرحالة ، راح يقبل ثيابه ، رجاه أن يقبل الألف دينار ، ويعطيه البستان . ظل على هذه الحال حتى وافق الرحالة أخيرا ، وحين مد يده ليجذب الألف دينار من جيبه ، صرخ التاجر :" دون كتابة عقد وشهود وقاض ؟ "0
بنفس الكياسة والاتزان قال الرحالة :" كما تريد ، عقد وقاض وشهود عدول "0
وبنفس القدرة أيضا ، كان الرحالة يهىء أمام التاجر ، قاضيا ، ورجلين ، يمرون من بعيد ، فجرى التاجر نحوهم ، وهو يهتف ، حتى أوقفهم ، وطلب من القاضي إعطاء الشرعية للعقد ، ووقع الشاهدان ، فأخرج الألف دينار ، وأعطاها للرجل ، الذي ودعه بمجرد أخذه المال ، واختفى فورا .
طارت الأحلام بالتاجر ، رفرف مع الطيور ، غرد كما تغرد البلابل والعصافير ، شرب من ماء الغدير ، أطلق الثيران هنا وهناك ، ودارت السواقي أسرع مما كانت ، وجرى الماء في البستان ، فانتعشت النسائم الطرية ، وهو يهتف :" أصبحت أغنى الأغنياء "0
ظل التاجر مأخوذا ، يتحرك فى بستانه كما يحب ، والبستان لاينتهى ، لا ينتهى ؛ فهو بلا حدود ، حتى أنهكه الفرح ، وأتعبه طول التجوال ، فنام 0
حين أشرق نور الصبح ، و ملأت شمس النهار الكون ، شعر التاجر بلسعة حرارتها ، فاستيقظ ، وطفق يفرك عينيه ، يتأمل ماحوله ، فأصابه الفزع والذعر ، دار حول نفسه ، لا يصدق ماحوله ، أين البستان ؟ أين الأطيار و السواقى الخمس ، والثيران ، أين ؟
وجد نفسه فى خلاء مقفرة ، ينام على كومة من تراب ، فلم يصدق ، ظل يهتف ، يتحرك ، حتى قابله أحد السائرين ، فسأله :" ألم يكن هنا بستان ؟ "0
تعجب الرجل ، وهمهم ، وهو يظن به الجنون :" أنا أسكن هذه الصحراء منذ سنين ، ولم أر هنا غير الرمل والسماء "0
صرخ التاجر محمد بن نور الدين :" لكن بستانا كان هنا ، وقد اشتريته ، وكتب العقد قاض ، وشهد عليه رجلان 00 هاهو العقد "0
هذه القصة من تراثنا العربى ، وقعت أحداثها خلال فترة حكم السلطان الكامل ناصر الدين محمد بن الملك العادل أبى بكر بن أيوب سنة 615هجرية
تعليق