الخربشة
تأمل القلم الذي أبى أن ينقاد له كالجواد الحرون الذي سمر قدميه في الأرض ،ثم أخذ الورقة بين أصابعه يريد تمزيقها ، فجأة رفعها تجاه المصباح الكهربائي كأنه يحاول قراءة شىء مكتوب بدون حبر ، مقنعا نفسه أن قلمة غدا شفافا، تراءت له أشكال مختلفة تحت نور المصباح ، أخذ قلمه ثانية و راح يتبع الخطوط دون وعي كطفل أعطي له رسم و طلب منه نقلة على ورقة شفافة..فتحت زوجته باب الغرفة ، حاملة فنجان القهوة العتيق..نظرت إلى الورقة وهي تضعه على الطاولة وقالت - ماهذه الرسوم ؟- ألم تنامي بعد ؟ قالها دون أن يرفع رأسه
-كيف أنام و ضرسي يؤلمني ؟
- ضعي فوقه قطنا مبللا بشىء من العطر
نظرت إليه و ابتسمت ففهم أنها لا تملك عطرا و هو يعرف ذلك جيدا ..تحركت شفتاه دون أن يقول شيئا ..فلاحظت حرجه فأكملت ملطفة الجو
-أصبحت رساما كاريكاتوريا
- ...
ما هذه الرسوم (خنزير ..ذئب ..أمواج متلاطمة ..كرة)
أوقفها بهوته عن الكلام ، كان ينقل رأسه بينها و بين الورقة ..خطوط متداخلة .. ءامتدت يده دون شعور إلى زر المصباح و أطفأه.. حاول اختراق الظلام ..بدت الورقة قطعة سوداء بلا حدود . سمع زوجته تقول
- ماذا تفعل ..أهو اتجاه جديد
رد آليا - بل هو الاتجاه السائد اليوم
و بعد صمت قصير أضاف بحرارة بادية
- ءانها الهولاكوية
-الهولاكوية ..ماذا تعني ؟
- في الشاطئ الآخر لؤلؤ ، و جسر فوق الأوراق..كان يحدث نفسه ، انتبه لذلك فوجه لها الكلام - أتعرفين فيم أفكر الآن ؟
-و من أين لي أن أعرف و أنت متلحف بهذا الظلام ؟
أشعل المصباح و نظر الى الخربشة التي حولتها زوجته الى مسميات ،ابتسم و هو يرددها في أعماقه ( خنزير..ذئب..موج..كرة..)تأمل أكداس الأوراق المتراصة فوق الطاولة و تمتم : لن أكون جاحظ العصر .
رمى بالقلم جانبا و أخذ يد نادية بين يديه و توجه الى غرفة النوم .
في الصباح استيقظ مبكرا و خرج ، و في المساء عاد و بين يديه كرة ترتفع ليستقبلها تارة برجله و أخرى برأسه.
مخلوفي ابوبكر
تعليق