كان يقود السيارة المتجهة إلى العاصمة التي تبعد عن البلدة النائية التي نساها البشر مسافة خمسمائة كيلومتر، عيناه مغروزتين في الطريق الذي يظنه لا ينتهي أبدا، ينظر مرة على مرة في صقال المرآة العاكسة للسيارة، يتفقد ذاك الجسد المنهك الذي يطوّقه الألم، ثم يغير وجهة بصره لعينين حائرتين حزينتين حبستا الدمع في مقلتيها، ثم لا يلبث يمسح على وجهه بكف يده طاردا النعاس عنه.
في المقعد إلى جانبه صديقه الحميم الذي أبى إلا مرافقته مشوار طريقه، أما الجسد الذي لا يتحرك ففي المقعد الخلفي، الجسد المترّهل الضعيف الذي يبدو كخشبة، لم يصدر ذاك الجسد أنينا مذ بدأ مشوار السفر، يعلم بهاتين العينين الحزينتين اللتين تراقبانه والقلب الذي يخفق كطائر بجناح مكسور، قلب مجرّح مدمى، يعلم هذا الجسد أن في تأوهه يتهدّم الكثير من حامل هاتين العينين ولذلك امتنع عن التشكي و التأوه وأخفى ملامح الألم علّه يخفف من معاناته مهما كان ويل جهنم يجري داخله.
كان الطريق إلى المستشفى شاقا مجهدا، ومع هذا قاوم الجسد المتعب المشقة وتحمّل هذا السكّين المقطّع لبدنه وهذه الإبر الغارسة للسم في روحه.
دخلت السيارة العاصمة في ساعة مبكرة وقبل بزوغ شمس النهار، اتجهوا صوب المستشفى؛ ازدحام الطريق جعله يختار السير ليلا، وحالة هذا الجسد تستدعي الإسراع.
دخل المستشفى مثقلا بالتفكير فيما يخبأه القدر لجوهرة روحه، يحمل في يده ظرفا بريديا كبير الحجم أصفرا مغلقا وبه ختم، اتجه صوب مكتب الاستعلامات، وجّهه العون إلى مكتب المصلحة ودّله على رقم الباب.
طرق الباب طرقا خفيفا ثم سلّم على الجميع بصوت متهدّج، خانه صوته حتى عند إلقاء التحية؛ كان الطبيب الجرّاح بالمكتب برفقة معاونيه؛ أذن له بالجلوس وأخذ منه الغلاف البريدي.
راح يتفحصه بدقة ويقرأ الذي كتب إليه في ورقة مستقلة، وسأله عن أحوال الجسد المنهك الذي تركه في السيارة وعن وعثاء السفر، أجابه بشفتين استعارهما من الصبر أن ذاك الجسد ينتظر العملية ليتخلص من معاناته وأي معاناة.
طلب الطبيب من طاقمه نقل الجسد المنهك من السيارة على الكرسي المتحرك إلى مصلحته ليكشف عليه ومن ثم إجراء التحليلات اللازمة واستكمال الإجراءات الوقائية قبل العملية المبرمجة من شهر تقريبا.
كان الطبيب في غرفة العمليات مع معاونيه يجري عمليته على هذا الجسد الملائكي ويتفحص هذا الوجه المليح و الحسرة تملئ قلبه، إنها مشيئة الله.
خرج الطبيب من غرفة العمليات مباشرة وجده في انتظاره بوجه حائر معذب قلق مرتجف كورقة خريف، يرغم ذاته على الابتسام، يفرضها على محياه، يغرس تباشير الأمل التي لم تغادر إرادته يوما، توجّه إلى الجراح وقبل أن ينبس ببنت شفة سبقه الطبيب الجراّح بالكلام:
ــ لا تقلق كل شيء تمام، نجحت العملية، بعد أيام يمكنها أن تعود لسابق عهدها، دائما هناك أمل ما دام هناك لحظة من حياة.
ــ الحمد لله، شكرا جزيلا سيدي.
ــ رزقك الله بابنة رائعة الجمال، لكنها مشيئة الله، تأكد النقص يوجد في ذواتنا وأنفسنا وشخصيتنا التي تخوننا، أما الجسد والدم مهما خاننا فوفائنا للروح ما بقى عرق ينبض، وما دام العطاء في أعماقنا عنوانا.
ــ شكرا لك سيدي مجددا، وشكرا لرفعك معنوياتي.
ــ العفو، على فكرة ما اسمها؟
ــ لينة، اسمها لينة سيدي.
انصرف الجراح بعدما ربت على كتفه متضامنا معه، موحيا إليه بالتجلد والتشجع وفي هذه المواقف بالذات التي يفقد الرجل رباطة جأشه.
لم يعتبر تلك المواساة عزاء البتة بل وجدها لفتة طيبة من الطبيب الذي يحمل قلبا أبيضا مثل المئزر الذي يرتديه.
لم يُسمح له بمحاولة دخوله الغرفة لرؤية الجسد المنهك فالتعليمات تمنعه وتحول بينه وبين رغبته في الاطلاع على صحتها، وإلى أن تستفيق من تخديرها بقى على مقلاة الانتظار يغلي في زيت الوقت.
بقى وصديقه عبد الله في العاصمة إلى يوم غد، وداخل السيارة التي ركنها في موقف للسيارات ظلا صامتين و الحزن ثالثهما، لم يغفيا في النوم إلا دقائق، البرد يلسعهما في هذه الليلة الجليدية لم يعرف النوم طريقه لأجفانه إلى الصباح.
استفاقت لينة من تخديرها، وبأعصاب من حديد وبشجاعة يفتقدها كثير من الرجال نظرت إلى يمينها، وتحديدا إلى كتفها الذي لا يحمل ذراعها، بكت برغم محاولتها التصبر رضا بمشيئة الله لكن غلبتها الدموع واستحوذت عليها مشاعر الإنسان الأنثى.
كان وقت الزيارة يقترب وهي تترقب طلة أبيها كما ترقبت أم موسى ابنها لمّا ألقته في البحر، وسمعت وقع حذائه فعرفته من بين عشرات الأقدام.
دخل يخفي جرحه في قلبه ويبتسم لجوهرة قلبه التي لطالما منحته الضياء والرغبة على العيش؛ هي أيضا ابتسمت تخفي ألمها الذي يؤلمه و يخفيه، تحسّ ذلك فهي لا تتألم لنفسها بالقدر الذي تتألم لأجله.
وقالت له: إنها إرادة الله يا أبتي.
ــ نعم يا ابنتي إنها إرادة الله، كثيرون من هم في مثل سنك، وفي نفس حالتك و حياتهم مستمرة، إن النقص الحقيقي داخل أنفسنا ذاك الذي يشين أخلاقنا و وذواتنا.
كانت أيام عصيبة على قلب لينة وهي داخل الغرفة مع بعض المرضى الذين تستمد منهم صبرها وقوّتها، خاصة ذاك الطفل الصغير أيمن الذي بجانبها والذي حفّته بحنان فيّاض، وبرعاية استثنائية جعلته يشعر أنه يعرفها و عاش معها حتى انه يشعر انه يقاسمها شيئا ما، لقد خففّت من معاناته، فعلت ذلك لتمنحه الكثير من القوة وتبعد عنه شبح الوحدة رغبة منها في مواساة كل من في الغرفة بهذا الطفل القادم إلى الحياة والحامل مرضا الله وحده يعلم دوائه، حاولت إلهائهم عن جرحهم ما دامت فيهم وفلحت في ذلك.
المعافاة في البدن نعمة يغفل عنها كثير من الناس، وما دامت عند الأصحاء فلا يراها إلا هؤلاء المرضى؛ إنهم ينظرون لكل من يملك يدين ولا يشعر بقيمتهما في الفعل، ينظرون إلى كل معافى في بدنه ولا يتألم لمن حوله أو تأخذه الرأفة والشفقة بهم.
رأت لينة في بعض الوجوه داخل المستشفى من أطباء و ممرضين الامتعاض و الاكتئاب، هالها كيف يغفل هؤلاء عن نعمة قد تسلب منهم في أي لحظة بخاصة وهم يعيشونها وأرزاقهم معلّقة بداء هؤلاء، أليست هذه مفارقة أن يكون رزق ابن آدم من ألم الآخرين، هؤلاء الذين قبلوا تخفيف الألم و المعاناة لا شك هم يملكون من الشجاعة الكثير و يبدو أنهم ورثوا هذه القسوة أثناء العمل، في الحقيقة هم يكتسبونها لأجل تخليص الآخر من معاناته واجتثاث الألم من مصدره و إطلاق صراح الروح التي تأسرها الأعضاء؛ الجسد وحده من يأذن بالتحول في الإنسان ويخون، ووحدها الروح من تطلب الغفران والتوبة وتقدم الندم، الجسد وحده يشيخ و يهيأ صاحبه للرحيل ولا يقدّم له البدائل في الانفلات، إنه يقدّم له خيارين لا ثالث لهما التغير من محيط وحياة عادية إلى محيط آخر وحياة أخرى مختلفة وغير عادية، هكذا كانت تحاور ذاتها النقية التي يملأها البياض.
لاحظت الأطباء و الممرضين بلون مآزرهم من أبيض و أخضر وقرنتها برمزية لون السلام و الراحة والأمان، ثم علّقت ليسوا كلهم بالذي نراه ما داموا بنو بشر.
كانت تنتظر في هذه الأيام معاينة الطبيب لها رغبة منها و شوق في الخروج من هذا الجحيم الذي يطوّقّها برغم أنها اعتادت على هذا المرض الخطير من يوم اكتشفته بعد سقوط ثلاجة المطبخ على كتفها حين كانت تمسح غبارها، وكان المقدّر أن تحوّلت كدمة إلى هذا المرض الذي تدعو الله دائما أن يبعده عن عباده.
لم يتحول هاجس مرضها إلى ضغط نفسي لها بقدر ما تحولت صورة أبيها إلى خناجر وكحول يصّب على قلبها العذاب كلما رأت حالته و حزنه، يتخطفها الألم فتنقبض روحها، يد الأسى تسد أنفاسها وهي ترى محياه يذوب ويذبل يوما بعد يوم وقد قتله التفكير في مستقبل ابنته التي لا تتعدى العشرين ربيعا.
لمّا عاينها الطبيب صارحها بالحقيقة و لأنه رأى فيها الشابة المؤمنة بقدرها، أخبرها أنها تحتاج إلى علاج مكثف، وهذا الذي يحيل بينها وبين رجوعها إلى البلدة، لقد حملت مشقة أخرى لوالدها الذي ضيّع عمله مصدر رزق كل العائلة؛ استعطفت الطبيب أن يتركها تعود ما دامت إرادة الله وقدره يصيبها و لن يخطئها، لكنه رفض طلبها بدعوة الحذر مع القدر.
كانت حالتها تسوء يوما بعد يوم وبمنتهى النزاهة و الصراحة كلّم الطبيب أباها وشخّص له حالتها، الله وحده يعلم ساعة نفسها الأخير ومتى تستوفي لحظات وجودها.
كانت تعلم الذي يدور في ذهن الطبيب وفي ذهن أبيها و الممرضين، كانت تجيبهم بلغة بديعة على نحو استثنائي تبث في الوجود براءة ويقين الإيمان وفناء الجسد بصورة أو بأخرى، ومتعة الروح في الصبر على الألم، حتى الألم له فلسفته و صوفيته إن خالطه عبير الحب للمقدّر حين يفر من مناط الرغبة.
قالت لأبيها الحزين المكتئب:
ــ وماذا إن مت؟ لقد مات من كان قبلي، وأنتم أحياء تستمر بكم الحياة و تستمر لحظاتكم إلى أن يقدر لكم السبب من الله.
يصمت والدها منبهرا لهذه الشجاعة التي تبديها أمامه كأنها تحثه على التصديق بما سمع، وتهيّئه ليوم وفاتها، تذكّره بحكاية كانت قرأتها في الصغر، تذكره بالقصة التي جلبها لها والتي تحكي عن دودة القز:
ــ تذكر يا أبي القصة الجميلة التي أهديتها لي يوم تفوقت في المدرسة، كانت أول سنة لي أتعلم فيها الحروف.
ــ أذكر
ــ الفراشة ذات اللون الأبيض المائل للصفرة التي كانت دودة.
ــ نعم، اليرقة التي لا تأكل إلا أوراق التوت.
ــ كانت تغزل الحرير الطبيعي ولا تكترث بما تقوله لها دودة الأرض.
ــ نعم، دودة الأرض التي كانت تسخر منها ومن بني جنسها وتقول سيضعك التاجر في ماء ساخن لتموتي مع العذارى داخلها، ثم يفك خيوطك لينسج منك خيوطا حريرية تصنع بها أثواب الملوك و الأمراء.
ــ نعم، قالت لها ابتلع ورق التوت لأفرز السائل من رأسي فيتحول إلى خيوط حريرية بفضل مغازلي الدقيقة على شفاهي العالية؛ وهذه وظيفة خلقني الله لأجل إكمالها على أحسن الأحوال.
ــ قالت دودة الأرض يبدو انك مفتونة بجمالك فضعتي في هوى الحسن، وأنت الهالكة وتعلمين...
ــ نعم يا أبتي أكمل.
ــ لم تأبه لما تقوله دودة الأرض و قالت لها لا وقت لدي أضيّعه في الجدال...
ــ أكمل يا أبتي.
بدأت دموعه تنحدر على محياه متلألئة، ثم انخرط مجهشا في بكاء سمع له صوت، رقت له كل القلوب، مما دفع بلينة إلى البكاء مثله وقالت:
ــ أكمل يا أبتي واحكيها كما كنت تقرأها لي وأنا صغيرة أجلس على ركبتيك.
ــ نعم، قالت لها هذا دوري في الحياة أؤديه مع علمي أني سأموت في ماء ساخن.
ــ قالت دودة الأرض، تصنعين شرنقة الحرير لأجل أن يخنقك بماء ساخن؟
ــ نعم إنها التضحية فلو انفلّت من نظر الإنسان أطير و أعيش يوما واحدا ثم أموت.
ــ قالت لها أراك فرحة بهذا اليوم فقط من الحياة.
زاد بكائه أكثر وتصلبت لينة أمامه:
ــ أكمل يا أبتي
ــ قالت لها ربما القدر سيمنحني العيش.
ــ مرت أيام وأخذ التاجر الشرنقات ولم يرى بعضها، كانت من بينهم شرنقتنا التي لقيت دودة الأرض مرة أخرى ونادتها قائلة:" ما رأيك في الجمال الذي منحه الله لهذه الفراشة بعدما كانت شرنقة، لقد كنت تلك التي تجادلينها."
ــ قالت دودة الأرض سبحان الله نحن من جنس واحد لكن أنت دودة حوّلك الله لفراشة جميلة لتموت اليوم وأنا أضل في حياتي التعيسة أخرق الأرض أو أكون طعما لصنارة الصياد.
ــ لا أنت تعملين عملا مهما في الحياة تجعلين الأرض تخصب، مثلي أنا احمل الطلع للأزهار وأزاوجها وألقحها فتستمر الحياة بي، بعدها أموت، لقد اغتنمت يوما و تشبثت بالحياة.
ازداد صوت نحيبه، أخذ ابنته في أحضانه، قالت له بعدما مسحت الدموع من عينيه بيدها الوحيدة:
ــ هكذا أنا سأغتنم الأيام المتبقية من عمري كما هذه الفراشة.
كان كل يوم يمر تزداد صحتها تدهورا، كثرت زيارة العائلة و الأقارب وترجاهم الطبيب وأمرهم أن لا يتعبوها بالكلام؛ إلا أنها تتحدث و تسأل عن أحوال كل من يزورها وتبدي لهم شجاعة ما بعدها شجاعة، فكلمة الحمد لله على شفاهها لا تفارقها و ابتسامتها لا تنقطع أبدا برغم الألم الذي يعتصرها، طلبت من أمها أن تحظر لها قيراطها وحليّها، تزينت وكأنها ستزف عروسا إلى بيت الزوجية، مما زاد في دهشة كل من حولها، اثنان فقط عرفا ما كان بداخلها من شعور تترقبه و تراه و لا يراه غيرها، الوحيدان اللذان يتفّهمان الموقف.
أشتد عليها المرض وكلما أشتد أكثر تزداد صبرا بقراءتها للقرآن الكريم ونظرها الذي لا يفارق النافذة حيث السماء الزرقاء، وكلما سمعت نحيب أمها أو إحدى أخواتها الزائرات أمرتها بالسكوت حتى لا تفسد عليها خلوتها.
كان أبوها يكلّمها و هي تقول له:
ــ أنصت يا أبتي، الله يكلمني، يقول لي لا تخافي ولا تجزعي.
ــ أنصت يا أبتي، وانظر ألا ترى هذه الملائكة التي تحفني، قد آن وقت الإنعتاق، ومهما غبت عن ناظرك ستراني، انظر فقط لما وراء البصر بقلبك فإنك تستطيع أن تراني.
ثم عرّجت روحها إلى السماء.
في المقعد إلى جانبه صديقه الحميم الذي أبى إلا مرافقته مشوار طريقه، أما الجسد الذي لا يتحرك ففي المقعد الخلفي، الجسد المترّهل الضعيف الذي يبدو كخشبة، لم يصدر ذاك الجسد أنينا مذ بدأ مشوار السفر، يعلم بهاتين العينين الحزينتين اللتين تراقبانه والقلب الذي يخفق كطائر بجناح مكسور، قلب مجرّح مدمى، يعلم هذا الجسد أن في تأوهه يتهدّم الكثير من حامل هاتين العينين ولذلك امتنع عن التشكي و التأوه وأخفى ملامح الألم علّه يخفف من معاناته مهما كان ويل جهنم يجري داخله.
كان الطريق إلى المستشفى شاقا مجهدا، ومع هذا قاوم الجسد المتعب المشقة وتحمّل هذا السكّين المقطّع لبدنه وهذه الإبر الغارسة للسم في روحه.
دخلت السيارة العاصمة في ساعة مبكرة وقبل بزوغ شمس النهار، اتجهوا صوب المستشفى؛ ازدحام الطريق جعله يختار السير ليلا، وحالة هذا الجسد تستدعي الإسراع.
دخل المستشفى مثقلا بالتفكير فيما يخبأه القدر لجوهرة روحه، يحمل في يده ظرفا بريديا كبير الحجم أصفرا مغلقا وبه ختم، اتجه صوب مكتب الاستعلامات، وجّهه العون إلى مكتب المصلحة ودّله على رقم الباب.
طرق الباب طرقا خفيفا ثم سلّم على الجميع بصوت متهدّج، خانه صوته حتى عند إلقاء التحية؛ كان الطبيب الجرّاح بالمكتب برفقة معاونيه؛ أذن له بالجلوس وأخذ منه الغلاف البريدي.
راح يتفحصه بدقة ويقرأ الذي كتب إليه في ورقة مستقلة، وسأله عن أحوال الجسد المنهك الذي تركه في السيارة وعن وعثاء السفر، أجابه بشفتين استعارهما من الصبر أن ذاك الجسد ينتظر العملية ليتخلص من معاناته وأي معاناة.
طلب الطبيب من طاقمه نقل الجسد المنهك من السيارة على الكرسي المتحرك إلى مصلحته ليكشف عليه ومن ثم إجراء التحليلات اللازمة واستكمال الإجراءات الوقائية قبل العملية المبرمجة من شهر تقريبا.
كان الطبيب في غرفة العمليات مع معاونيه يجري عمليته على هذا الجسد الملائكي ويتفحص هذا الوجه المليح و الحسرة تملئ قلبه، إنها مشيئة الله.
خرج الطبيب من غرفة العمليات مباشرة وجده في انتظاره بوجه حائر معذب قلق مرتجف كورقة خريف، يرغم ذاته على الابتسام، يفرضها على محياه، يغرس تباشير الأمل التي لم تغادر إرادته يوما، توجّه إلى الجراح وقبل أن ينبس ببنت شفة سبقه الطبيب الجراّح بالكلام:
ــ لا تقلق كل شيء تمام، نجحت العملية، بعد أيام يمكنها أن تعود لسابق عهدها، دائما هناك أمل ما دام هناك لحظة من حياة.
ــ الحمد لله، شكرا جزيلا سيدي.
ــ رزقك الله بابنة رائعة الجمال، لكنها مشيئة الله، تأكد النقص يوجد في ذواتنا وأنفسنا وشخصيتنا التي تخوننا، أما الجسد والدم مهما خاننا فوفائنا للروح ما بقى عرق ينبض، وما دام العطاء في أعماقنا عنوانا.
ــ شكرا لك سيدي مجددا، وشكرا لرفعك معنوياتي.
ــ العفو، على فكرة ما اسمها؟
ــ لينة، اسمها لينة سيدي.
انصرف الجراح بعدما ربت على كتفه متضامنا معه، موحيا إليه بالتجلد والتشجع وفي هذه المواقف بالذات التي يفقد الرجل رباطة جأشه.
لم يعتبر تلك المواساة عزاء البتة بل وجدها لفتة طيبة من الطبيب الذي يحمل قلبا أبيضا مثل المئزر الذي يرتديه.
لم يُسمح له بمحاولة دخوله الغرفة لرؤية الجسد المنهك فالتعليمات تمنعه وتحول بينه وبين رغبته في الاطلاع على صحتها، وإلى أن تستفيق من تخديرها بقى على مقلاة الانتظار يغلي في زيت الوقت.
بقى وصديقه عبد الله في العاصمة إلى يوم غد، وداخل السيارة التي ركنها في موقف للسيارات ظلا صامتين و الحزن ثالثهما، لم يغفيا في النوم إلا دقائق، البرد يلسعهما في هذه الليلة الجليدية لم يعرف النوم طريقه لأجفانه إلى الصباح.
استفاقت لينة من تخديرها، وبأعصاب من حديد وبشجاعة يفتقدها كثير من الرجال نظرت إلى يمينها، وتحديدا إلى كتفها الذي لا يحمل ذراعها، بكت برغم محاولتها التصبر رضا بمشيئة الله لكن غلبتها الدموع واستحوذت عليها مشاعر الإنسان الأنثى.
كان وقت الزيارة يقترب وهي تترقب طلة أبيها كما ترقبت أم موسى ابنها لمّا ألقته في البحر، وسمعت وقع حذائه فعرفته من بين عشرات الأقدام.
دخل يخفي جرحه في قلبه ويبتسم لجوهرة قلبه التي لطالما منحته الضياء والرغبة على العيش؛ هي أيضا ابتسمت تخفي ألمها الذي يؤلمه و يخفيه، تحسّ ذلك فهي لا تتألم لنفسها بالقدر الذي تتألم لأجله.
وقالت له: إنها إرادة الله يا أبتي.
ــ نعم يا ابنتي إنها إرادة الله، كثيرون من هم في مثل سنك، وفي نفس حالتك و حياتهم مستمرة، إن النقص الحقيقي داخل أنفسنا ذاك الذي يشين أخلاقنا و وذواتنا.
كانت أيام عصيبة على قلب لينة وهي داخل الغرفة مع بعض المرضى الذين تستمد منهم صبرها وقوّتها، خاصة ذاك الطفل الصغير أيمن الذي بجانبها والذي حفّته بحنان فيّاض، وبرعاية استثنائية جعلته يشعر أنه يعرفها و عاش معها حتى انه يشعر انه يقاسمها شيئا ما، لقد خففّت من معاناته، فعلت ذلك لتمنحه الكثير من القوة وتبعد عنه شبح الوحدة رغبة منها في مواساة كل من في الغرفة بهذا الطفل القادم إلى الحياة والحامل مرضا الله وحده يعلم دوائه، حاولت إلهائهم عن جرحهم ما دامت فيهم وفلحت في ذلك.
المعافاة في البدن نعمة يغفل عنها كثير من الناس، وما دامت عند الأصحاء فلا يراها إلا هؤلاء المرضى؛ إنهم ينظرون لكل من يملك يدين ولا يشعر بقيمتهما في الفعل، ينظرون إلى كل معافى في بدنه ولا يتألم لمن حوله أو تأخذه الرأفة والشفقة بهم.
رأت لينة في بعض الوجوه داخل المستشفى من أطباء و ممرضين الامتعاض و الاكتئاب، هالها كيف يغفل هؤلاء عن نعمة قد تسلب منهم في أي لحظة بخاصة وهم يعيشونها وأرزاقهم معلّقة بداء هؤلاء، أليست هذه مفارقة أن يكون رزق ابن آدم من ألم الآخرين، هؤلاء الذين قبلوا تخفيف الألم و المعاناة لا شك هم يملكون من الشجاعة الكثير و يبدو أنهم ورثوا هذه القسوة أثناء العمل، في الحقيقة هم يكتسبونها لأجل تخليص الآخر من معاناته واجتثاث الألم من مصدره و إطلاق صراح الروح التي تأسرها الأعضاء؛ الجسد وحده من يأذن بالتحول في الإنسان ويخون، ووحدها الروح من تطلب الغفران والتوبة وتقدم الندم، الجسد وحده يشيخ و يهيأ صاحبه للرحيل ولا يقدّم له البدائل في الانفلات، إنه يقدّم له خيارين لا ثالث لهما التغير من محيط وحياة عادية إلى محيط آخر وحياة أخرى مختلفة وغير عادية، هكذا كانت تحاور ذاتها النقية التي يملأها البياض.
لاحظت الأطباء و الممرضين بلون مآزرهم من أبيض و أخضر وقرنتها برمزية لون السلام و الراحة والأمان، ثم علّقت ليسوا كلهم بالذي نراه ما داموا بنو بشر.
كانت تنتظر في هذه الأيام معاينة الطبيب لها رغبة منها و شوق في الخروج من هذا الجحيم الذي يطوّقّها برغم أنها اعتادت على هذا المرض الخطير من يوم اكتشفته بعد سقوط ثلاجة المطبخ على كتفها حين كانت تمسح غبارها، وكان المقدّر أن تحوّلت كدمة إلى هذا المرض الذي تدعو الله دائما أن يبعده عن عباده.
لم يتحول هاجس مرضها إلى ضغط نفسي لها بقدر ما تحولت صورة أبيها إلى خناجر وكحول يصّب على قلبها العذاب كلما رأت حالته و حزنه، يتخطفها الألم فتنقبض روحها، يد الأسى تسد أنفاسها وهي ترى محياه يذوب ويذبل يوما بعد يوم وقد قتله التفكير في مستقبل ابنته التي لا تتعدى العشرين ربيعا.
لمّا عاينها الطبيب صارحها بالحقيقة و لأنه رأى فيها الشابة المؤمنة بقدرها، أخبرها أنها تحتاج إلى علاج مكثف، وهذا الذي يحيل بينها وبين رجوعها إلى البلدة، لقد حملت مشقة أخرى لوالدها الذي ضيّع عمله مصدر رزق كل العائلة؛ استعطفت الطبيب أن يتركها تعود ما دامت إرادة الله وقدره يصيبها و لن يخطئها، لكنه رفض طلبها بدعوة الحذر مع القدر.
كانت حالتها تسوء يوما بعد يوم وبمنتهى النزاهة و الصراحة كلّم الطبيب أباها وشخّص له حالتها، الله وحده يعلم ساعة نفسها الأخير ومتى تستوفي لحظات وجودها.
كانت تعلم الذي يدور في ذهن الطبيب وفي ذهن أبيها و الممرضين، كانت تجيبهم بلغة بديعة على نحو استثنائي تبث في الوجود براءة ويقين الإيمان وفناء الجسد بصورة أو بأخرى، ومتعة الروح في الصبر على الألم، حتى الألم له فلسفته و صوفيته إن خالطه عبير الحب للمقدّر حين يفر من مناط الرغبة.
قالت لأبيها الحزين المكتئب:
ــ وماذا إن مت؟ لقد مات من كان قبلي، وأنتم أحياء تستمر بكم الحياة و تستمر لحظاتكم إلى أن يقدر لكم السبب من الله.
يصمت والدها منبهرا لهذه الشجاعة التي تبديها أمامه كأنها تحثه على التصديق بما سمع، وتهيّئه ليوم وفاتها، تذكّره بحكاية كانت قرأتها في الصغر، تذكره بالقصة التي جلبها لها والتي تحكي عن دودة القز:
ــ تذكر يا أبي القصة الجميلة التي أهديتها لي يوم تفوقت في المدرسة، كانت أول سنة لي أتعلم فيها الحروف.
ــ أذكر
ــ الفراشة ذات اللون الأبيض المائل للصفرة التي كانت دودة.
ــ نعم، اليرقة التي لا تأكل إلا أوراق التوت.
ــ كانت تغزل الحرير الطبيعي ولا تكترث بما تقوله لها دودة الأرض.
ــ نعم، دودة الأرض التي كانت تسخر منها ومن بني جنسها وتقول سيضعك التاجر في ماء ساخن لتموتي مع العذارى داخلها، ثم يفك خيوطك لينسج منك خيوطا حريرية تصنع بها أثواب الملوك و الأمراء.
ــ نعم، قالت لها ابتلع ورق التوت لأفرز السائل من رأسي فيتحول إلى خيوط حريرية بفضل مغازلي الدقيقة على شفاهي العالية؛ وهذه وظيفة خلقني الله لأجل إكمالها على أحسن الأحوال.
ــ قالت دودة الأرض يبدو انك مفتونة بجمالك فضعتي في هوى الحسن، وأنت الهالكة وتعلمين...
ــ نعم يا أبتي أكمل.
ــ لم تأبه لما تقوله دودة الأرض و قالت لها لا وقت لدي أضيّعه في الجدال...
ــ أكمل يا أبتي.
بدأت دموعه تنحدر على محياه متلألئة، ثم انخرط مجهشا في بكاء سمع له صوت، رقت له كل القلوب، مما دفع بلينة إلى البكاء مثله وقالت:
ــ أكمل يا أبتي واحكيها كما كنت تقرأها لي وأنا صغيرة أجلس على ركبتيك.
ــ نعم، قالت لها هذا دوري في الحياة أؤديه مع علمي أني سأموت في ماء ساخن.
ــ قالت دودة الأرض، تصنعين شرنقة الحرير لأجل أن يخنقك بماء ساخن؟
ــ نعم إنها التضحية فلو انفلّت من نظر الإنسان أطير و أعيش يوما واحدا ثم أموت.
ــ قالت لها أراك فرحة بهذا اليوم فقط من الحياة.
زاد بكائه أكثر وتصلبت لينة أمامه:
ــ أكمل يا أبتي
ــ قالت لها ربما القدر سيمنحني العيش.
ــ مرت أيام وأخذ التاجر الشرنقات ولم يرى بعضها، كانت من بينهم شرنقتنا التي لقيت دودة الأرض مرة أخرى ونادتها قائلة:" ما رأيك في الجمال الذي منحه الله لهذه الفراشة بعدما كانت شرنقة، لقد كنت تلك التي تجادلينها."
ــ قالت دودة الأرض سبحان الله نحن من جنس واحد لكن أنت دودة حوّلك الله لفراشة جميلة لتموت اليوم وأنا أضل في حياتي التعيسة أخرق الأرض أو أكون طعما لصنارة الصياد.
ــ لا أنت تعملين عملا مهما في الحياة تجعلين الأرض تخصب، مثلي أنا احمل الطلع للأزهار وأزاوجها وألقحها فتستمر الحياة بي، بعدها أموت، لقد اغتنمت يوما و تشبثت بالحياة.
ازداد صوت نحيبه، أخذ ابنته في أحضانه، قالت له بعدما مسحت الدموع من عينيه بيدها الوحيدة:
ــ هكذا أنا سأغتنم الأيام المتبقية من عمري كما هذه الفراشة.
كان كل يوم يمر تزداد صحتها تدهورا، كثرت زيارة العائلة و الأقارب وترجاهم الطبيب وأمرهم أن لا يتعبوها بالكلام؛ إلا أنها تتحدث و تسأل عن أحوال كل من يزورها وتبدي لهم شجاعة ما بعدها شجاعة، فكلمة الحمد لله على شفاهها لا تفارقها و ابتسامتها لا تنقطع أبدا برغم الألم الذي يعتصرها، طلبت من أمها أن تحظر لها قيراطها وحليّها، تزينت وكأنها ستزف عروسا إلى بيت الزوجية، مما زاد في دهشة كل من حولها، اثنان فقط عرفا ما كان بداخلها من شعور تترقبه و تراه و لا يراه غيرها، الوحيدان اللذان يتفّهمان الموقف.
أشتد عليها المرض وكلما أشتد أكثر تزداد صبرا بقراءتها للقرآن الكريم ونظرها الذي لا يفارق النافذة حيث السماء الزرقاء، وكلما سمعت نحيب أمها أو إحدى أخواتها الزائرات أمرتها بالسكوت حتى لا تفسد عليها خلوتها.
كان أبوها يكلّمها و هي تقول له:
ــ أنصت يا أبتي، الله يكلمني، يقول لي لا تخافي ولا تجزعي.
ــ أنصت يا أبتي، وانظر ألا ترى هذه الملائكة التي تحفني، قد آن وقت الإنعتاق، ومهما غبت عن ناظرك ستراني، انظر فقط لما وراء البصر بقلبك فإنك تستطيع أن تراني.
ثم عرّجت روحها إلى السماء.
تعليق