عقدة نفسية
ملاحظة : المكتوب بين مزدوجين باللّون الأزرق ، صوت من خارج النّص كما الصدى ، لا علاقة له بالنّص ، ربّما إن حاولت غناءه (أو ما شابه) يلتحم مع النّص !!
تجربة أرجو أن لا تُعقّد النّص و تكون متعة أدبيّة موسيقيّة من نوع خاص
أذكر بعد هبوب الرّياح من "وادي الملوك" ، شحذنا السيوف و الأظافر، حلّقنا بأحلامنا فوق السّحاب ، نغني مع عبد الحليم ، و نقرأ لكتّاب كبار، لم ينسوا تذكيرنا يوما بـ "سلامة المسيرة".
أذكر منهم توفيق الحكيم و"عودة الرّوح"... أوّاهُ يا روحي ... أوّاهُ .. .افتخرنا به كعظيم يؤرخ "للثورة" ، نُفلسفها فنقول : "يرصدُ التّغيّرات الاجتماعية" !!
ليشنق الرّوس أنفسهم ، أذلّونا بمكسيم جوركي ، ها هو خاصتنا ، "فيلسوف الثورة" ، يعيد لنا الرّوح... يرصد دبيبها تحت الجلد ، في خلايانا و أعمق...
مرّت الأيّام ، الحلم يكبرُ و يكبرُ حتى صار يلامسُ النّجوم ، طال جوع السّمك في المتوسّط ، " الظافر" و "القاهر" تحولا لقصب سكر ، ننقش في النّهارعلى سيقانه قائمة أمانينا ، في الليل "نمصمصه" تحت ضوء القمر ...( مَر .. مَر .. مَر) .. مرمريّ القمر .. مسكينٌ ينافس سراج بيتنا القديم ، يُحضّر لعرسٍ شهرزاديّ أجمل من الحكايا ، لعريس أجمل من شهريار .. أجمَل .. (مَل .. مَل..مل) ايييه يا شهريارنا .. ايييييه... مَلّ القمر ، مَل..
بينما كنّا فوق الغيمة "ندلّي" أرجلنا من على حافتها فوق القمم ، يصدح العندليب "خلّي السلاح صاحي" ، فتصبح ابتسامتنا زرقاء صافية بعرض السماء .. سعداء كطفل يحلم بحضن من النّجوم ، ( وجوم .. وجومْ ) تجمعه الجدّة حين يخيّم الليل ، و يطبع شهريار قبلته السحريّة على الجبين.
لكن الساحرة الشريرة ، عجوز الغرب الشمطاء ، نفخت نفخة واحدة ، كأن الملائكة نفخت في السور (جور.. جور) ، تمزّقت الغيمة أشلاء ، هوينا .. أذكر صراخنا و هلعنا ، نحاول التّشبّث بقصب السكر ، ضاع كما الحلم؟ كان يحمل أمانينا ، "نمصمصُ" حلاوتها .. ما أحلاك ياقصب السكر .. آآآ يا "ظافر" يا ابن "القاهر" ما أحلاك ... ما أحلاك .. ما أحلاك (هلاك .. هلاك .. هلاك) ... "بُم" صوت ارتطامنا بالأرض...
انهار كلّ شيء ، نحاول النهوض ، دوار عنيف يجتاح رؤوسنا ، نفقد الطريق و النّور ، نصطدم بعضنا برؤوس بعض (عض..عض) ، كلّ يمسك رأسه ، يصيح ، يدور ، يصطدم بالآخر ، نولول ، يعلو النّحيب ... الصراخ و الذكريات و أشلاء أحلام و بعض النّجوم ... و لا سبيل (جيل .. بعد جيل)
رحل شهريار ، و ما زال حلم العرس الشهرزاديّ يداعب الذكريات ، لكنّ القمر انسحب ، انكمش، لم يعد يطلّ من نافذة بيتنا القديم ، على الغبار سراجنا ، بَردَ كلّ شيء ، صار فاترا بلا روح (قروح.. قروح)
قررنا إقامة العرس ، لعلّ الحياة تدبّ بأشلائنا ثانية ، تزيّنت شهرزاد ، بيضاء كالثلج ، بوجنتين تفاحتين حمراوتين شاميّتين ، تنتظر شهريار الجميل ..
لم يأتِ ... لم تقبل البديل ..
اصطفّ الرجال أمامها لتختار مَن تشاء ، لكنّها ذرفت دمعتين ، طأطات رأسها و انكمشت ، أصغر ، ثم أصغر ثم أصغر إلى أن اختفت في حدقات "أبو الهول" . هل ذوت حقأ؟ أم هو الحلم فينا ذوى ، (نوى...نوى...نوى)
وضعتُ يداي في جيوب بنطالي الذي لم يكن من الجينز الأمريكي بعد ، درت في عواصم العرب : بيروت تتدرّب و تحمّر ، تتوهّج ، تشرف على الاحتراق .. احترقت ... سقطت .. ذوت ... انتصر الوطن على الوطن ، و مارسيل خليفة انهزم... (هَمْ ..هم ..هم)
الشام تلوب في "ضِيع الغوطة" ، تبكي الخيانة ، ثمّ تشتمُ ، تتوعّد ، تأكل كرزا شاميّا و فستقتين ، تعود تلوب وحيدة ...
يسكب لي بائع الشّراب كأس ليمون باردة في بادية الشام ، أراها كمن بها المخاض من قرون ، و لا يأتي الوليد ، تتوعّد ، تبحث عن ظلّ ، يسطع تحت الشمس ثلج قاسيون ، تجري نحوه لكنّه السراب ( يباب ..آب..آب..آب) تذرف دمعتين و تأكل مشمشة شامية و يأتي المخاض (تضاد .. ضاض... ضاض).. تلوب ولا شيء يأتي...
بغداد ساهرة على بوّابة الوطن الشرقية تحرسها، يغدق عليها الملوك و الأمراء (هراء ... راء...راء) : زهه يا غلام ، ثمّ زهه يا غلام ، تنتفخ و تلعن الصّفوية ، تَعِد بتحرير القدس ، فالتّحرير آت .. آتٍ لا بدّ آت ، تردّدها حتى غالبها النّعاس في حضن السياب تحت شرفة راح ينآى عنها القمر .
المتنبي فوق الرّصيف ، يتّكئ على سيفه ، يبحث بين الكتب المستعملة عن دواوينه و أشعاره (عاره..عاره).
عمّان تطهّر الغابات ، مزهوة بتحرّرها من عصابات اللاجئين ، تعقد اجتماعات طارئة و مطوّلة لتوسيع مخّططاتها العمرانية و جسورها المُعلّقة .. ما زالت معلّقة من شعرها ، تحاول ملامسة الأرض برؤوس أصابع أقدامها ، لتهبط قليلا ، تتخلّص من العلو الذي كالنّقمة يصاحبها ليل نهار ، فمن على جبالها تحجب السّماء ... و الشمس و البحر و الهواء ، فلا ترى إلا فلسطين ، كـأنّها دست في أنفها دسّا.. ("لِسّا... لِسّا..لِسّا" ) ما هذا العقاب ؟!! ، صعب و محزن مكان فراشها ، أما آنَ لها التّرجل عن هذا العلو لترتاح لحظة من رؤية الضحيّة ؟(حيّة .. حيّة..حيّة ).. تولول ليل نهار .. طعم الخريف في عمّان تحت لساني، و صوت أوراق الشجر ولولة .. نواح المادة يُشعل الصمت .. صمت ..صمت ..
نامي .. نامي .. يحرسك الإله .. (آآآآه.... آآآه )
.. نامت على هدهداتها كلّ العواصم .. تتمطى في الظل ، طويلٌ .. طوييييييلٌ هذا الظل.
أضجرُ ... حائر ، قلق ، حزين ..
مسحت دمعتين عن ذقني التي ابيضّت بعد كلّ هذه السنين ..( أنين .. أنين... أنين)
لا أملك – مثل أبناء جيلي – إلاّ بنطالي الذي ما انفكّ رجال السلاطين يشدّونه للأسفل ... أمسكته بيدي .
يوم "النّفخة" ، هويت مع من هوى ، في العجلة و الندامة ، لم أرتدِ ملابسي الدّاخلية ، يا للفضيحة !! ماذا سيفعل بنا هؤلاء الرّجال إن شدوا البنطال؟؟!! (طال... طال)
احترتُ ، درتُ ، قعدت .. قمت .. سقطُ ، لاحظني صديقي توفيق الحكيم ، من على أرصفة بيروت ، دقائق قبل أن تصبح رمادا ، عند باعة الكتب (الذين كانوا)، بيده كما أذكر "عودة الوعي".
- أين الرّوح يا صديقي؟
- .....
- آه ... آه .. يا ربّي ماذا يُريد ؟؟ أتسمع ما يقول ؟؟ يقول " عودة الرّوح" كانت خزعبلات و انحناءات للعاصفة !
انحناءات .. ؟ و الذي كان آت ؟؟
- في جيب السادات ..
- أيضا آت ؟؟
- مع عودة الوعي آت ، لكن دعه الآن ينزع بنطالك ، و اكتفي بالوعي الذي عاد ، ستصبح قادرا على تجاهل الأمر و كأنّ شيئا لم يكن ، بعد جيل أو اثنين ، سر رافعا جبينك ، فقد انتصرنا و عبرنا ، و الآن عاد الوعي ، فانعم بالتّفاح و حبوب الأسبرين و حريّة الأحزاب ، بعد أن قتلها جمال ... (مال .. مال)
- لم نقتل .. قٌتلنا
- قتلها
- قُتلنا
- قتلها
- و بنطالي..؟؟
- صفقة ... تأخذ و تعطي
- يا و يلاه أين الرّوح؟؟ أين الثورة ؟؟ أين مكسيم جوركي؟؟ أين طلال رحمه ، يا طلال .. رحمة الله عليك يا طلال ، قال لي يومها بمرارة : بصق في وجهنا توفيق الحكيم مرّتين ، جلد جيلنا مرّتين ، مرّة بروحه التي سحبها من عروقنا ، و مرّة بوعيه الذي شدّ به بناطيلنا ، فهو مع القائم و هو مع النّائم .
- اسكت لا تستحضر الأرواح !
يا شهريار .. يا شهريار صرنا بلا روح و بلا وعي ودون بنطال ، انكشفت م.... و صار جرح الشرف عميقا لا يندمل ... صدى .. صدى .. صدى
دويٌّ في وادي الملوك .. . تعبتُ ، قرّرت النّوم...(عوم ..عوم) ، اكتفيت بين نومتين بالتحصين .. لأني ملدوغٌ و الملدوغ يخاف من "جرّت الحبل" ، أرتدي ثلاث طبقات من الملابس الدّاخلية ، ثم بنطالا من الجينز الأمريكي الأصلي السّميك الخشن ، أشدّه بحزام جلديّ عريض ، ثم أجلس أمام التّلفاز...(فاز ..فاز..فاز) لا أخرج إلاّ لقضاء حاجة ، أقوم أوّلا بجولة استطلاعية من ثقوب الأبواب و النوافذ ، للتّأكد من خلو المكان من رجال السلاطين ، المتسلّطون على بنطالي.
هكذا أصبت بعقدة نفسية ، لم يهتدِ لعلاجها أحد ، أجلس في البيت مُحصّنا ، أسير في الشارع متظاهرا بوضع يديّ في جيبيّ ، الحقيقة أنّني أمسك بنطالي ، أقبض عليه بقوة.
أجلس للمائدة كذلك ، ماتت أمّي بعد أن يأست من إقناعي بالزّواج ، لا للينها و لا لتعزيرها رضخت ، و لا حين حشّدت كلّ نساء الحارة على أمل أن أوافق ، لم تحصل منّي على شيء ، كانت كلّ مرّة تنتهي جولة الإقناع ببكائها على شبابي الذي يضيع (بيع...بيع..بيع) ، حين أصرخ بهستيريا : كيف سأخلع بنطالي؟؟ كيف؟؟ أتدركين إلى أي هاوية تدفعينني
فتقول : كيف يفعل باقي الرّجال ؟
- لا أحد يفعل ، كلّهم كذابون .. تنتابني عاصفة من القهقهة الدّامعة ، أعدموا رجولتنا منذ زمن بعيد (عيد..عيد..عيد) ، و أنت يا عجوزتي ما زلت تصدقين؟!
- يزيد صراخها ، يا معتوه ، من أين كل هؤلاء الأطفال ؟
تزداد قهقهتي .. و الله يا عجوزتي أنت لا تعلمين شيئا ، هؤلاء يأتي بهم مالك الحزين من بلاد الواق واق... أمازحها ، أمدّ يدي مفرودة كما الجناح (ناح..ناح..ناح) أمام وجهها و أردّد : واق..واق.. واق ..واق
تقول : يا أبله و النساء ..؟ ماذا تفعل إذاً؟
أشعر بالحزن عميقا و فجائيا ، أتمتم : كاذبات مُتسترات كاظمات ..واهمات بلا رجال..
تدفعني للخارج و تغلق دوني الباب. تطردني من مأمني .. أشعر بالخوف الشّديد ، أقرّر الهرب ، أتخطى الأزقة التي تلتف حول عنقي ، أفرّ من الجدران التي تحاصرني ، أعدوا في الشوارع ممسكا بنطالي.. نفس الشّوارع التي كنت أعرفها ، نفس المدن و العواصم من أيام شهريار و القمر .. لكنّ الأرصفة خاوية ، اختفت الكتب عنها ، استبدلت بالصّحف و أنواع الخضروات.. باعة الكتب تقلّصوا ، أبحث عن عناوين كانت تستهوينا ، لم أجد شيئا سوى فنون الطبخ .. ما أكثر فنّاني الطبخ ، تفسير الأحلام ، كيف تصبح غنيّا ، كيف تصبح مديرا ناجحا ، كيف تقود مؤسستك ، كيف تصبح زعيما ، الحياة الزوجية ، الحياة الجنسية ، الزوج الناجح ، الزوجة الناجحة .. لم يصدّقوني عندما قلت واق.. واق..واق..
الطبخ و الجنس و الأحلام ، ينكشف الحرمان ، هؤلاء مصابون بالجوع و الفقر و العجزالجنسي و الاضطهاد ، تأكدت من أنّني أمسك بنطالي بإحكام ، سمعت قلبي يطرق خلف ضلوعي مُسرعا ، تلفّت يمينا و يسارا .. يا إلهي الآن انتبهت .. الرّجال كلّ الرّجال يسيرون دون نصف ملابسهم و سراويلهم الخلفي .. مقدّماتهم مغطاة ، و مؤخراتهم مكشوفة ، جاهزون... بلا مقاومة ، و أنا أمسك بنطالي ؟؟!! تسارع قلبي ، عدوت من غير هدى هاربا أصرخ : استسلام .. استسلام..استسلام
(نام ..نام ..نام)
حكيم
تجربة أرجو أن لا تُعقّد النّص و تكون متعة أدبيّة موسيقيّة من نوع خاص
أذكر بعد هبوب الرّياح من "وادي الملوك" ، شحذنا السيوف و الأظافر، حلّقنا بأحلامنا فوق السّحاب ، نغني مع عبد الحليم ، و نقرأ لكتّاب كبار، لم ينسوا تذكيرنا يوما بـ "سلامة المسيرة".
أذكر منهم توفيق الحكيم و"عودة الرّوح"... أوّاهُ يا روحي ... أوّاهُ .. .افتخرنا به كعظيم يؤرخ "للثورة" ، نُفلسفها فنقول : "يرصدُ التّغيّرات الاجتماعية" !!
ليشنق الرّوس أنفسهم ، أذلّونا بمكسيم جوركي ، ها هو خاصتنا ، "فيلسوف الثورة" ، يعيد لنا الرّوح... يرصد دبيبها تحت الجلد ، في خلايانا و أعمق...
مرّت الأيّام ، الحلم يكبرُ و يكبرُ حتى صار يلامسُ النّجوم ، طال جوع السّمك في المتوسّط ، " الظافر" و "القاهر" تحولا لقصب سكر ، ننقش في النّهارعلى سيقانه قائمة أمانينا ، في الليل "نمصمصه" تحت ضوء القمر ...( مَر .. مَر .. مَر) .. مرمريّ القمر .. مسكينٌ ينافس سراج بيتنا القديم ، يُحضّر لعرسٍ شهرزاديّ أجمل من الحكايا ، لعريس أجمل من شهريار .. أجمَل .. (مَل .. مَل..مل) ايييه يا شهريارنا .. ايييييه... مَلّ القمر ، مَل..
بينما كنّا فوق الغيمة "ندلّي" أرجلنا من على حافتها فوق القمم ، يصدح العندليب "خلّي السلاح صاحي" ، فتصبح ابتسامتنا زرقاء صافية بعرض السماء .. سعداء كطفل يحلم بحضن من النّجوم ، ( وجوم .. وجومْ ) تجمعه الجدّة حين يخيّم الليل ، و يطبع شهريار قبلته السحريّة على الجبين.
لكن الساحرة الشريرة ، عجوز الغرب الشمطاء ، نفخت نفخة واحدة ، كأن الملائكة نفخت في السور (جور.. جور) ، تمزّقت الغيمة أشلاء ، هوينا .. أذكر صراخنا و هلعنا ، نحاول التّشبّث بقصب السكر ، ضاع كما الحلم؟ كان يحمل أمانينا ، "نمصمصُ" حلاوتها .. ما أحلاك ياقصب السكر .. آآآ يا "ظافر" يا ابن "القاهر" ما أحلاك ... ما أحلاك .. ما أحلاك (هلاك .. هلاك .. هلاك) ... "بُم" صوت ارتطامنا بالأرض...
انهار كلّ شيء ، نحاول النهوض ، دوار عنيف يجتاح رؤوسنا ، نفقد الطريق و النّور ، نصطدم بعضنا برؤوس بعض (عض..عض) ، كلّ يمسك رأسه ، يصيح ، يدور ، يصطدم بالآخر ، نولول ، يعلو النّحيب ... الصراخ و الذكريات و أشلاء أحلام و بعض النّجوم ... و لا سبيل (جيل .. بعد جيل)
رحل شهريار ، و ما زال حلم العرس الشهرزاديّ يداعب الذكريات ، لكنّ القمر انسحب ، انكمش، لم يعد يطلّ من نافذة بيتنا القديم ، على الغبار سراجنا ، بَردَ كلّ شيء ، صار فاترا بلا روح (قروح.. قروح)
قررنا إقامة العرس ، لعلّ الحياة تدبّ بأشلائنا ثانية ، تزيّنت شهرزاد ، بيضاء كالثلج ، بوجنتين تفاحتين حمراوتين شاميّتين ، تنتظر شهريار الجميل ..
لم يأتِ ... لم تقبل البديل ..
اصطفّ الرجال أمامها لتختار مَن تشاء ، لكنّها ذرفت دمعتين ، طأطات رأسها و انكمشت ، أصغر ، ثم أصغر ثم أصغر إلى أن اختفت في حدقات "أبو الهول" . هل ذوت حقأ؟ أم هو الحلم فينا ذوى ، (نوى...نوى...نوى)
وضعتُ يداي في جيوب بنطالي الذي لم يكن من الجينز الأمريكي بعد ، درت في عواصم العرب : بيروت تتدرّب و تحمّر ، تتوهّج ، تشرف على الاحتراق .. احترقت ... سقطت .. ذوت ... انتصر الوطن على الوطن ، و مارسيل خليفة انهزم... (هَمْ ..هم ..هم)
الشام تلوب في "ضِيع الغوطة" ، تبكي الخيانة ، ثمّ تشتمُ ، تتوعّد ، تأكل كرزا شاميّا و فستقتين ، تعود تلوب وحيدة ...
يسكب لي بائع الشّراب كأس ليمون باردة في بادية الشام ، أراها كمن بها المخاض من قرون ، و لا يأتي الوليد ، تتوعّد ، تبحث عن ظلّ ، يسطع تحت الشمس ثلج قاسيون ، تجري نحوه لكنّه السراب ( يباب ..آب..آب..آب) تذرف دمعتين و تأكل مشمشة شامية و يأتي المخاض (تضاد .. ضاض... ضاض).. تلوب ولا شيء يأتي...
بغداد ساهرة على بوّابة الوطن الشرقية تحرسها، يغدق عليها الملوك و الأمراء (هراء ... راء...راء) : زهه يا غلام ، ثمّ زهه يا غلام ، تنتفخ و تلعن الصّفوية ، تَعِد بتحرير القدس ، فالتّحرير آت .. آتٍ لا بدّ آت ، تردّدها حتى غالبها النّعاس في حضن السياب تحت شرفة راح ينآى عنها القمر .
المتنبي فوق الرّصيف ، يتّكئ على سيفه ، يبحث بين الكتب المستعملة عن دواوينه و أشعاره (عاره..عاره).
عمّان تطهّر الغابات ، مزهوة بتحرّرها من عصابات اللاجئين ، تعقد اجتماعات طارئة و مطوّلة لتوسيع مخّططاتها العمرانية و جسورها المُعلّقة .. ما زالت معلّقة من شعرها ، تحاول ملامسة الأرض برؤوس أصابع أقدامها ، لتهبط قليلا ، تتخلّص من العلو الذي كالنّقمة يصاحبها ليل نهار ، فمن على جبالها تحجب السّماء ... و الشمس و البحر و الهواء ، فلا ترى إلا فلسطين ، كـأنّها دست في أنفها دسّا.. ("لِسّا... لِسّا..لِسّا" ) ما هذا العقاب ؟!! ، صعب و محزن مكان فراشها ، أما آنَ لها التّرجل عن هذا العلو لترتاح لحظة من رؤية الضحيّة ؟(حيّة .. حيّة..حيّة ).. تولول ليل نهار .. طعم الخريف في عمّان تحت لساني، و صوت أوراق الشجر ولولة .. نواح المادة يُشعل الصمت .. صمت ..صمت ..
نامي .. نامي .. يحرسك الإله .. (آآآآه.... آآآه )
.. نامت على هدهداتها كلّ العواصم .. تتمطى في الظل ، طويلٌ .. طوييييييلٌ هذا الظل.
أضجرُ ... حائر ، قلق ، حزين ..
مسحت دمعتين عن ذقني التي ابيضّت بعد كلّ هذه السنين ..( أنين .. أنين... أنين)
لا أملك – مثل أبناء جيلي – إلاّ بنطالي الذي ما انفكّ رجال السلاطين يشدّونه للأسفل ... أمسكته بيدي .
يوم "النّفخة" ، هويت مع من هوى ، في العجلة و الندامة ، لم أرتدِ ملابسي الدّاخلية ، يا للفضيحة !! ماذا سيفعل بنا هؤلاء الرّجال إن شدوا البنطال؟؟!! (طال... طال)
احترتُ ، درتُ ، قعدت .. قمت .. سقطُ ، لاحظني صديقي توفيق الحكيم ، من على أرصفة بيروت ، دقائق قبل أن تصبح رمادا ، عند باعة الكتب (الذين كانوا)، بيده كما أذكر "عودة الوعي".
- أين الرّوح يا صديقي؟
- .....
- آه ... آه .. يا ربّي ماذا يُريد ؟؟ أتسمع ما يقول ؟؟ يقول " عودة الرّوح" كانت خزعبلات و انحناءات للعاصفة !
انحناءات .. ؟ و الذي كان آت ؟؟
- في جيب السادات ..
- أيضا آت ؟؟
- مع عودة الوعي آت ، لكن دعه الآن ينزع بنطالك ، و اكتفي بالوعي الذي عاد ، ستصبح قادرا على تجاهل الأمر و كأنّ شيئا لم يكن ، بعد جيل أو اثنين ، سر رافعا جبينك ، فقد انتصرنا و عبرنا ، و الآن عاد الوعي ، فانعم بالتّفاح و حبوب الأسبرين و حريّة الأحزاب ، بعد أن قتلها جمال ... (مال .. مال)
- لم نقتل .. قٌتلنا
- قتلها
- قُتلنا
- قتلها
- و بنطالي..؟؟
- صفقة ... تأخذ و تعطي
- يا و يلاه أين الرّوح؟؟ أين الثورة ؟؟ أين مكسيم جوركي؟؟ أين طلال رحمه ، يا طلال .. رحمة الله عليك يا طلال ، قال لي يومها بمرارة : بصق في وجهنا توفيق الحكيم مرّتين ، جلد جيلنا مرّتين ، مرّة بروحه التي سحبها من عروقنا ، و مرّة بوعيه الذي شدّ به بناطيلنا ، فهو مع القائم و هو مع النّائم .
- اسكت لا تستحضر الأرواح !
يا شهريار .. يا شهريار صرنا بلا روح و بلا وعي ودون بنطال ، انكشفت م.... و صار جرح الشرف عميقا لا يندمل ... صدى .. صدى .. صدى
دويٌّ في وادي الملوك .. . تعبتُ ، قرّرت النّوم...(عوم ..عوم) ، اكتفيت بين نومتين بالتحصين .. لأني ملدوغٌ و الملدوغ يخاف من "جرّت الحبل" ، أرتدي ثلاث طبقات من الملابس الدّاخلية ، ثم بنطالا من الجينز الأمريكي الأصلي السّميك الخشن ، أشدّه بحزام جلديّ عريض ، ثم أجلس أمام التّلفاز...(فاز ..فاز..فاز) لا أخرج إلاّ لقضاء حاجة ، أقوم أوّلا بجولة استطلاعية من ثقوب الأبواب و النوافذ ، للتّأكد من خلو المكان من رجال السلاطين ، المتسلّطون على بنطالي.
هكذا أصبت بعقدة نفسية ، لم يهتدِ لعلاجها أحد ، أجلس في البيت مُحصّنا ، أسير في الشارع متظاهرا بوضع يديّ في جيبيّ ، الحقيقة أنّني أمسك بنطالي ، أقبض عليه بقوة.
أجلس للمائدة كذلك ، ماتت أمّي بعد أن يأست من إقناعي بالزّواج ، لا للينها و لا لتعزيرها رضخت ، و لا حين حشّدت كلّ نساء الحارة على أمل أن أوافق ، لم تحصل منّي على شيء ، كانت كلّ مرّة تنتهي جولة الإقناع ببكائها على شبابي الذي يضيع (بيع...بيع..بيع) ، حين أصرخ بهستيريا : كيف سأخلع بنطالي؟؟ كيف؟؟ أتدركين إلى أي هاوية تدفعينني
فتقول : كيف يفعل باقي الرّجال ؟
- لا أحد يفعل ، كلّهم كذابون .. تنتابني عاصفة من القهقهة الدّامعة ، أعدموا رجولتنا منذ زمن بعيد (عيد..عيد..عيد) ، و أنت يا عجوزتي ما زلت تصدقين؟!
- يزيد صراخها ، يا معتوه ، من أين كل هؤلاء الأطفال ؟
تزداد قهقهتي .. و الله يا عجوزتي أنت لا تعلمين شيئا ، هؤلاء يأتي بهم مالك الحزين من بلاد الواق واق... أمازحها ، أمدّ يدي مفرودة كما الجناح (ناح..ناح..ناح) أمام وجهها و أردّد : واق..واق.. واق ..واق
تقول : يا أبله و النساء ..؟ ماذا تفعل إذاً؟
أشعر بالحزن عميقا و فجائيا ، أتمتم : كاذبات مُتسترات كاظمات ..واهمات بلا رجال..
تدفعني للخارج و تغلق دوني الباب. تطردني من مأمني .. أشعر بالخوف الشّديد ، أقرّر الهرب ، أتخطى الأزقة التي تلتف حول عنقي ، أفرّ من الجدران التي تحاصرني ، أعدوا في الشوارع ممسكا بنطالي.. نفس الشّوارع التي كنت أعرفها ، نفس المدن و العواصم من أيام شهريار و القمر .. لكنّ الأرصفة خاوية ، اختفت الكتب عنها ، استبدلت بالصّحف و أنواع الخضروات.. باعة الكتب تقلّصوا ، أبحث عن عناوين كانت تستهوينا ، لم أجد شيئا سوى فنون الطبخ .. ما أكثر فنّاني الطبخ ، تفسير الأحلام ، كيف تصبح غنيّا ، كيف تصبح مديرا ناجحا ، كيف تقود مؤسستك ، كيف تصبح زعيما ، الحياة الزوجية ، الحياة الجنسية ، الزوج الناجح ، الزوجة الناجحة .. لم يصدّقوني عندما قلت واق.. واق..واق..
الطبخ و الجنس و الأحلام ، ينكشف الحرمان ، هؤلاء مصابون بالجوع و الفقر و العجزالجنسي و الاضطهاد ، تأكدت من أنّني أمسك بنطالي بإحكام ، سمعت قلبي يطرق خلف ضلوعي مُسرعا ، تلفّت يمينا و يسارا .. يا إلهي الآن انتبهت .. الرّجال كلّ الرّجال يسيرون دون نصف ملابسهم و سراويلهم الخلفي .. مقدّماتهم مغطاة ، و مؤخراتهم مكشوفة ، جاهزون... بلا مقاومة ، و أنا أمسك بنطالي ؟؟!! تسارع قلبي ، عدوت من غير هدى هاربا أصرخ : استسلام .. استسلام..استسلام
(نام ..نام ..نام)
حكيم
تعليق