كتب مصطفى بونيف
قهـــــوة ....وجريدة...وامـــــــــــراة..
القســــــم الأول
المغامرات الفكرية لا تأتيني إلا في المقهى ، وأمام هذا الصداع الفكري لا أملك سوى أن أكتب ، فحضور الفكرة يشبه حضور السفينة من رحلة بعيدة اعترتها فيها أمواج البحر وعواصف هوجاء ..ووصولها إلى المرفأ هو حدث هام ، يستحق أن أكون في كامل أناقتي الأدبية ، ...شيئ عجيب أن الكلمات تتساقط من رأسي لتقع على فنجان القهوة ثم أذوبها كما يذوب السكر بملعقة صغيرة لأرتشفها بهدوء الملائكة وثورة الغاضبين ...
أجلس على طاولتي حيث يسرقني فنجان صغير ، وأتوه في أعماقه كما تتوه الأسماك الصغيرة في البحار والمحيطات ، وأحاول الوصول إلى الكنز الدفين في أعماق هذا البحر الأسود ، فكل فنجان قهوة يحمل فكرة وقصيدة شعر ، إن القهوة هي صديقة الأدب مثلما هي عيون النساء ، وخفة الظباء ، وأجنحة العصافير ، والحمامات البيضاء ، وخرير المياه...
أرتشف وأبحث عن المتعة..متعة التفكير ، ومتعة العذاب ، ومتعة ألم إنجاب الكلمات !!!
المطر في الخارج يتساقط بغزارة ..رائحة المطر تزيد من المتعة أكثر وأكثر ، وأسحب أنفاسا قوية فتختلط في رأسي رائحة البن مع رائحة المطر ، فتكبر الدهشة وتنبت في خاطرتي ورود صفراء وحمراء ، وتحلق في عيوني عصافير بأجنحة خضراء ..هذا وقت الكتابة قد جاء في أبهى حلله ...ويطلق نادل المقهى موسيقى من الحاكي القديم ..ويخترق عزف العود طبلة أذني ليصنع عرسا أدبيا عظيما ، وتتراقص أمام عيني الكلمات كفاتنات القصور العباسية والأندلسية القديمة..تزداد الدهشة ، وتزيد معها شهوة الكتابة..أنظر حولي في المقهى فأجد نفسي جالسا في صالون أدبي عظيم ، عن يميني توفيق الحكيم ، ومي زيادة ، وعباس العقاد ، وعن شمالي إحسان عبد القدوس ونزار قباني وطه حسين ، وهناك يجلس فولتير وبلزاك ، وخليل جبران ...يحدث معي أشياء عجيبة في لحظات الكتابة..فأجد نفسي في بلاد العجائب مثلما يحدث في رواية الأديب لويس كارول " أليس في بلاد العجائب " ...ومثلما يحدث لدونكيخوته بطل رواية الأديب الإسباني سرفانتاس. يحدث معي كما يحدث للمتصوفة حين وصولهم إلى حالة التجلي ، فأمسك الخيال بيدي ، فأصافح وأسمع صوت من رحلوا من الأعلام...أناقشهم ، أسمع حكاياهم ، أبكي معهم وأضحك لجنونهم ، وأحاول صيد النجوم والكواكب معهم..ولا ينتهي الحلم إلا عندما يتوقف فنجان القهوة عن التفكير.
ما يخرج من هذا الفنجان الصغير مدهش حقا أكثر مما يخرج من قبعة الساحر ..فتطلع منها الحمائم البيضاء والأرانب الوديعة والعصافير الملونة..لكن الفنجان يتحول فجأة إلى محيط واسع لا تدرك له الأبصار نهاية ...
ثم أتأمل في سطور الجريدة النائمة أمامي على الطاولة ...فاقرؤها بعين كل هؤلاء الذين ذكرتهم ، فتزدحم رأسي بالأفكار ..ويبدأ الصداع حتى يكاد رأسي ينفرق إلى فرقتين...جريدة نائمة كأنها ميتة ..!!!
تتحدث عن حروب كثيرة ، عن خراب البيوت وعن الأوبئة ، تتحدث عن "انفلونزا الطيور " ، وعن سقوط بغداد ، تتحدث عن وصول الحشاشين إلى قصور الحكم ، وعن ناس جاؤوا من خلف الماعز ليجلسوا خلف المكاتب الحكومية ، تتحدث عن البدو الرحل الذين ضلوا طريقهم من البحث عن الكلأ والماء للبحث عن النفط والذهب ..تتحدث عن ثوار سابقين سرقوا أوطانهم ، وعن شهداء بعثوا من مدافنهم في الساحات ليأكلوا لحوم البشر ، تتحدث عن بلد فتحت فمها كالتنين لتلتهم أطفالها ، تتحدث عن الجراد واليهود والطاعون وكل أنواع الغزو القادم إلى الشرق ، تتحدث عن نبي جديد وكتاب سماوي جديد ينسخ كل الأديان والأنظمة القائمة ، دين أمريكي ودين أوروبي ، تتحدث عن صلاح الدين الذي كسر سيفه وأضرب عن الطعام ، تتحدث عن ضباط يأتون بدباباتهم على أضلاع الشعوب المكسرة ، ويدخلون قصور الحكم من المواسير والأنابيب ومن قنوات صرف المياه والصرف الصحي..ويلتصقون في اللحم كالجدري والبرص ..تتحدث عن علماء دين يشبهون قساوسة القرون الوسطى في أوروبا فيبيعون صكوك المغفرة ويتاجرون بالجنة وحور العين وأنهار العسل والحليب ..وجعلوا الحكام فوق العبادة وقاماتهم أطول من المآذن ..!!!!
أبحث بين السطور وخلف السطور وتحت السطور ..أبحث في الصفحات الخارجية والداخلية عن نبأ واحد يبعث بعض البهجة في قلبي ..أشعر أمام هذه الجريدة المنفى أنني في مجلس للعزاء والـتأبين ...وفي موجة الحزن... يرن في جيبي هاتفي المحمول كعصفور سجين ، أتأمل على شاشته لأقرأ رقم المتصل ..إنها قبلة مستعجلة ، قبلة لا تحتمل الانتظار من محبوبتي ، فأضحك كالسكران ..وأنغمس من جديد في بحر فنجان القهوة وفي بحر مأساة هذه الجريدة المتعبة كالموتى..!!!
المطر في الخارج في كل لحظة يزداد إيقاعا ورائحته تستفز أنفي للخروج والاغتسال بمياهه الباردة النقية الصافية .
أحزان كثيرة في قلبي ...أحزان تدفعني إلى الموت على صفحات الورق وبين الكتب...أفتش عن قلم الحبر التائه في جيبي ..أفتش عنه كقطة سوداء في الظلام..جيوبي تلتهم الأوراق والأقلام ....
أتبخر للحظات...أتحول فيها إلى هواء ، أتحول فيها إلى ضوء ...فكل كاتب هو في الحقيقة شبح كبير ، يقرأ خواطر العيون ، ويتكلم بكل لغات العيون والورود..
يزداد إيقاع المطر ، وترتفع معه دقات قلبي ..وأحتاج إلى السفر في أعماق الورق ، وأحتاج أن أمزق الرتابة .
أنا أكتب من أجل تحقيق المصالحة بين الانسان وعقله ، أنا أكتب من أجل تحقيق الوحدة بين القلب والعقل والروح والجسد ، أنا أكتب حتى يتوحد اللحم مع العظام ، ويتوحد القميص الأبيض مع الجلد ، أنا أكتب حتى تقوم دولة جديدة ، لا تاكل أطفالها حين تجوع ، ولا تمضغ لحوم النساء ، وترمي الفقراء والبسطاء للتماسيح الجائعة..أنا أكتب من أجل قيام ثورة فكرية حقيقة ، تخنق آخر الحكام بأمعاء آخر المفكرين الذين يمارسون الإرهاب الفكري ...أنا أكتب حتى نذهب إلى الحياة ضاحكين ، ونطعن هذا الموت الأزرق الذي توطن في صدورنا واغتال الشاعرية من قلوبنا الطيبة ...أنا أكتب حتى تتفجر هذه الجريدة بالأخبار السارة كما ترتفع السنابل من أرض كنا نحسبها جرداء.....آه يا فنجان القهوة يا أشبه الأشياء بعيون امرأة حسناء ..
وأمامي ترتفع امرأة بقامتها ، تنزع معطفها الأسود المبتل بمياه المطر ، ثم تستريح كسفينة متعبة على مقعدها ، تطلب فنجان قهوة وجريدة صباح...
لا شيئ في قاعة الشاي يلفت الانتباه سوى وجه هذه الأنثى الجميلة.
تعتريني الآن رغبة جامحة في رسم قصيدة شعر جديدة تكون في مستوى جمال وأناقة هذه السيدة ، ترتجف يدي نحو قلم الحبر ، ما الذي يمكن أن أكتبه عن امرأة ضارعة في التفكير خلف فنجان قهوة حلوة ..وجريدة ..امرأة تسافر في عينيها إذا تأملتها..
تبتسم في هدوء ، وتهمس في أذن النادل ..يمضي النادل مسرعا ..ليغير أسطوانة الحاكي ، القاعة هادئة في الداخل ، إنها سمفونية " بائعة الكبريت "..وصوت الأمطار يرتفع في الخارج ليحدث تناغما عجيبا ، يا له من جو كنائسي رائع.
استجمعت شجاعتي ، وكل قواي في محاورة النساء الجميلات ، وتقدمت نحوها كما يتقدم البوذي إلى النار بكل قداسة ووقار..
- هل من الممكن أن نتحاور قليلا ؟
- طبعا ، ولما لا ؟ تفضل بالجلوس .
- أنا مصطفى الذي يجلس دائما في الطاولة هناك.
فأجابت بفرنسية وبلهجة سكان مرسيليا : " أليس من العجيب أن يختصر المرء وطنه في طاولة بمقهى كهذا ؟".
فقلت لها بثقة العربي : نحن نختصر أوطاننا في أشياء محدودة دائما ، فمن الرجال من يجد وطنه في مكان عمله ، أو في سريره بالبيت ، ومن النساء من تختصر وطنها في علبة مكياج ، وشنطة يد صغيرة ، وهناك من يختصر حياته كلها في فنجان قهوة مثلما نفعل نحن الآن.
اعتدلت في جلستها ثم استرسلت قائلة : هل أنت فيلسوف أم شاعر ؟.
أسندت ظهري على المقعد ، حتى تعتدل الفكرة في رأسي جيدا ، ثم همست في أذنها " أنا فيلسوف عندما أكتب عن أي شيئ عدا المرأة ، وحينما أكتب عنها يجب أن أكون شاعرا ".
الفيلسوف والشاعر والمجنون كلهم مجانين..وكل مجنون منهم له نصيبه في ذلك..فالفيلسوف مجنون بفكره ، والشاعر مجنون بقلبه ، والمجنون مجنون بهما معا..
وبدبلوماسية المرأة الراقية سألتني : فيما كنت تنوي أن تحدثني أيها الشاعر والفيلسوف والمجنون ..؟
نظرت إليها مبتسما ..كقلبي الذي كان يشبه عصفورا قد أحضروا له عصفورته الجميلة داخل القفص ...وبثقة الشاعر سألتها : هل تفقهين لغة العيون ؟...في عيوني قد اختصرت كل الأوجاع ...ما يحدث معي هو ما يحدث تماما مع رسام رسم امرأة من وحي خياله ..على لوحة زيتية ...وفي الصباح ..صادف المرأة ...ألا يكون ذلك مدهشا ...؟؟
طأطأت رأسها بعد أن صدمتها فكرة ما ...ثم قالت : "هل أستطيع أن أفهم بأني كنت بطلة لإحدى قصائدك أيها الشاعر ؟"...
وفجأة شعرت بأن الأرض قد بدأت تأخذ شكلا آخر غير مستدير ..ربما مستطيل أو مربع ..بدأت أشعر بأن الكون قد بدأ يضيق ليأخذ مساحة جسدها الصارخ بالأنوثة والجمال ..وراحت قصائدي الواحدة تلو الأخرى تأخذ شكل الفراشات الكبيرة الملونة ..لتبشر بميلاد قصة حب ...شعرت لوهلة بأنني أجلس إلى زهرة كبيرة ...أو إلى آلهـــة للزهور ...لملمت شعرها المتناثر كشلال أسود على السكرية ..ثم همست : "ألست واحدة من بطلات قصائدك ؟"...
كانت كل قصيدة حب كتبتها ...تأخذ شكلها ...ملامحها ...أنوثتها ...
أجبتها بفلسفة التائه..." كل قصيدة حب كتبتها ...هي تشبهك ...كل قصيدة كتبتها ..هي مفصلة على مقياس جسمك ...وخصرك ...ورقبتك ...واتساع عينيك السوداوتين .."
همست مرة أخرى بثقة المرأة الجميلة في أذني " من الصعب أن أصدق كلام شاعر ، ولكنني بالـتأكيد...أحب كلامك .."
تحركت بمقعدي..وجلست إلى جانبها ...وسألتها " هل أنت فرنسية ؟"...وبسرعة بديهة أجابت .." وفي جرجرة ميلادي.."
طوال عمري كنت أعتقد أن رواية "روبنسون كروزو" للكاتب دانيال ديفو ...كانت عن المرأة والحب ...فالمرأة عندما يعشقها الرجل ، تصبح مثل الجزيرة المنفى بالنسبة له ...ولكي يتخلص من حبها ..عليه أن يصنع سفينة نجاته بنفسه ...وأفضل وقاية للرجل من الحب ..أن لا يركب البحر إطلاقا ....أي أن لا ينظر إلى عيني امرأة جميلة ...
أطلقت محبوبتي ضحكة فرنسية أنيقة ..لتقول " هل تعلم أن سكارليت أوهارا ، بطلة رواية "ذهب مع الريح " ..للكاتبة الأمريكية مارغريت ميتشل ...كانت من أصول فرنسية ؟"
قلت لها هامسا :" ومع ذلك فإن سكارليت ..لم تمنح للرجل الذي أحبها بصدق سوى الكراهية ...، يتهيأ لي أن الحب لو أخذ جنسية معينة ..لأخذ الجنسية الفرنسية ...ولو كان يجب عليه أن يتخذ صديقا لأتخذ الكاتب الفرنسي فيكتور هوجو كذلك ...فيكتور هوجو بشاعريته وأناقته ولحيته البيضاء ...يستحق أن يكون صديقا للحب..."
أطلفت محبوبتي قهقهة عالية وكأنها تذكرت نكتة ...ثم قالت " هل قرأت له رواية آخر يوم في حياة رجل محكوم عليه بالإعدام ....أعتقد أنك أصبحت هذا الرجل"...وواصلت قهقهتها العالية ...
....آخر يوم في حياة رجل محكوم عليه بالإعدام ....تلك الرواية التي لم يذكر فيها فيكتور هوجو اسم هذا الرجل ولا الجريمة التي اقترفها ...إنه الحب أليس كذلك...؟؟؟ يبدو لي أنك من عائلة نبيلة وارستقراطية ، أناقتك ..وعطرك ..ولغتك ..كلها توحي بأنك تسكنين قصرا فخما ، على واجهة البحر ...
حدقت في عيوني ..ثم في زجاج النافذة الذي بللته الأمطار وقالت " الحب الحقيقي في حياتنا ، هو الحب المستحيل ..هو أن تخلط دمك الشعبي والملون بحبر المطابع ، بدمائي الملكية ..هي أن تصنع الخسوف ..بتزاوج الشمس والقمر ..والعاشق الذي لا يحمل سيفا في يده ، ولا يجيد ركوب الخيل كالفرسان ليس جديرا أن يدخل عالم الحب ..."
قهـــــوة ....وجريدة...وامـــــــــــراة..
القســــــم الأول
المغامرات الفكرية لا تأتيني إلا في المقهى ، وأمام هذا الصداع الفكري لا أملك سوى أن أكتب ، فحضور الفكرة يشبه حضور السفينة من رحلة بعيدة اعترتها فيها أمواج البحر وعواصف هوجاء ..ووصولها إلى المرفأ هو حدث هام ، يستحق أن أكون في كامل أناقتي الأدبية ، ...شيئ عجيب أن الكلمات تتساقط من رأسي لتقع على فنجان القهوة ثم أذوبها كما يذوب السكر بملعقة صغيرة لأرتشفها بهدوء الملائكة وثورة الغاضبين ...
أجلس على طاولتي حيث يسرقني فنجان صغير ، وأتوه في أعماقه كما تتوه الأسماك الصغيرة في البحار والمحيطات ، وأحاول الوصول إلى الكنز الدفين في أعماق هذا البحر الأسود ، فكل فنجان قهوة يحمل فكرة وقصيدة شعر ، إن القهوة هي صديقة الأدب مثلما هي عيون النساء ، وخفة الظباء ، وأجنحة العصافير ، والحمامات البيضاء ، وخرير المياه...
أرتشف وأبحث عن المتعة..متعة التفكير ، ومتعة العذاب ، ومتعة ألم إنجاب الكلمات !!!
المطر في الخارج يتساقط بغزارة ..رائحة المطر تزيد من المتعة أكثر وأكثر ، وأسحب أنفاسا قوية فتختلط في رأسي رائحة البن مع رائحة المطر ، فتكبر الدهشة وتنبت في خاطرتي ورود صفراء وحمراء ، وتحلق في عيوني عصافير بأجنحة خضراء ..هذا وقت الكتابة قد جاء في أبهى حلله ...ويطلق نادل المقهى موسيقى من الحاكي القديم ..ويخترق عزف العود طبلة أذني ليصنع عرسا أدبيا عظيما ، وتتراقص أمام عيني الكلمات كفاتنات القصور العباسية والأندلسية القديمة..تزداد الدهشة ، وتزيد معها شهوة الكتابة..أنظر حولي في المقهى فأجد نفسي جالسا في صالون أدبي عظيم ، عن يميني توفيق الحكيم ، ومي زيادة ، وعباس العقاد ، وعن شمالي إحسان عبد القدوس ونزار قباني وطه حسين ، وهناك يجلس فولتير وبلزاك ، وخليل جبران ...يحدث معي أشياء عجيبة في لحظات الكتابة..فأجد نفسي في بلاد العجائب مثلما يحدث في رواية الأديب لويس كارول " أليس في بلاد العجائب " ...ومثلما يحدث لدونكيخوته بطل رواية الأديب الإسباني سرفانتاس. يحدث معي كما يحدث للمتصوفة حين وصولهم إلى حالة التجلي ، فأمسك الخيال بيدي ، فأصافح وأسمع صوت من رحلوا من الأعلام...أناقشهم ، أسمع حكاياهم ، أبكي معهم وأضحك لجنونهم ، وأحاول صيد النجوم والكواكب معهم..ولا ينتهي الحلم إلا عندما يتوقف فنجان القهوة عن التفكير.
ما يخرج من هذا الفنجان الصغير مدهش حقا أكثر مما يخرج من قبعة الساحر ..فتطلع منها الحمائم البيضاء والأرانب الوديعة والعصافير الملونة..لكن الفنجان يتحول فجأة إلى محيط واسع لا تدرك له الأبصار نهاية ...
ثم أتأمل في سطور الجريدة النائمة أمامي على الطاولة ...فاقرؤها بعين كل هؤلاء الذين ذكرتهم ، فتزدحم رأسي بالأفكار ..ويبدأ الصداع حتى يكاد رأسي ينفرق إلى فرقتين...جريدة نائمة كأنها ميتة ..!!!
تتحدث عن حروب كثيرة ، عن خراب البيوت وعن الأوبئة ، تتحدث عن "انفلونزا الطيور " ، وعن سقوط بغداد ، تتحدث عن وصول الحشاشين إلى قصور الحكم ، وعن ناس جاؤوا من خلف الماعز ليجلسوا خلف المكاتب الحكومية ، تتحدث عن البدو الرحل الذين ضلوا طريقهم من البحث عن الكلأ والماء للبحث عن النفط والذهب ..تتحدث عن ثوار سابقين سرقوا أوطانهم ، وعن شهداء بعثوا من مدافنهم في الساحات ليأكلوا لحوم البشر ، تتحدث عن بلد فتحت فمها كالتنين لتلتهم أطفالها ، تتحدث عن الجراد واليهود والطاعون وكل أنواع الغزو القادم إلى الشرق ، تتحدث عن نبي جديد وكتاب سماوي جديد ينسخ كل الأديان والأنظمة القائمة ، دين أمريكي ودين أوروبي ، تتحدث عن صلاح الدين الذي كسر سيفه وأضرب عن الطعام ، تتحدث عن ضباط يأتون بدباباتهم على أضلاع الشعوب المكسرة ، ويدخلون قصور الحكم من المواسير والأنابيب ومن قنوات صرف المياه والصرف الصحي..ويلتصقون في اللحم كالجدري والبرص ..تتحدث عن علماء دين يشبهون قساوسة القرون الوسطى في أوروبا فيبيعون صكوك المغفرة ويتاجرون بالجنة وحور العين وأنهار العسل والحليب ..وجعلوا الحكام فوق العبادة وقاماتهم أطول من المآذن ..!!!!
أبحث بين السطور وخلف السطور وتحت السطور ..أبحث في الصفحات الخارجية والداخلية عن نبأ واحد يبعث بعض البهجة في قلبي ..أشعر أمام هذه الجريدة المنفى أنني في مجلس للعزاء والـتأبين ...وفي موجة الحزن... يرن في جيبي هاتفي المحمول كعصفور سجين ، أتأمل على شاشته لأقرأ رقم المتصل ..إنها قبلة مستعجلة ، قبلة لا تحتمل الانتظار من محبوبتي ، فأضحك كالسكران ..وأنغمس من جديد في بحر فنجان القهوة وفي بحر مأساة هذه الجريدة المتعبة كالموتى..!!!
المطر في الخارج في كل لحظة يزداد إيقاعا ورائحته تستفز أنفي للخروج والاغتسال بمياهه الباردة النقية الصافية .
أحزان كثيرة في قلبي ...أحزان تدفعني إلى الموت على صفحات الورق وبين الكتب...أفتش عن قلم الحبر التائه في جيبي ..أفتش عنه كقطة سوداء في الظلام..جيوبي تلتهم الأوراق والأقلام ....
أتبخر للحظات...أتحول فيها إلى هواء ، أتحول فيها إلى ضوء ...فكل كاتب هو في الحقيقة شبح كبير ، يقرأ خواطر العيون ، ويتكلم بكل لغات العيون والورود..
يزداد إيقاع المطر ، وترتفع معه دقات قلبي ..وأحتاج إلى السفر في أعماق الورق ، وأحتاج أن أمزق الرتابة .
أنا أكتب من أجل تحقيق المصالحة بين الانسان وعقله ، أنا أكتب من أجل تحقيق الوحدة بين القلب والعقل والروح والجسد ، أنا أكتب حتى يتوحد اللحم مع العظام ، ويتوحد القميص الأبيض مع الجلد ، أنا أكتب حتى تقوم دولة جديدة ، لا تاكل أطفالها حين تجوع ، ولا تمضغ لحوم النساء ، وترمي الفقراء والبسطاء للتماسيح الجائعة..أنا أكتب من أجل قيام ثورة فكرية حقيقة ، تخنق آخر الحكام بأمعاء آخر المفكرين الذين يمارسون الإرهاب الفكري ...أنا أكتب حتى نذهب إلى الحياة ضاحكين ، ونطعن هذا الموت الأزرق الذي توطن في صدورنا واغتال الشاعرية من قلوبنا الطيبة ...أنا أكتب حتى تتفجر هذه الجريدة بالأخبار السارة كما ترتفع السنابل من أرض كنا نحسبها جرداء.....آه يا فنجان القهوة يا أشبه الأشياء بعيون امرأة حسناء ..
وأمامي ترتفع امرأة بقامتها ، تنزع معطفها الأسود المبتل بمياه المطر ، ثم تستريح كسفينة متعبة على مقعدها ، تطلب فنجان قهوة وجريدة صباح...
لا شيئ في قاعة الشاي يلفت الانتباه سوى وجه هذه الأنثى الجميلة.
تعتريني الآن رغبة جامحة في رسم قصيدة شعر جديدة تكون في مستوى جمال وأناقة هذه السيدة ، ترتجف يدي نحو قلم الحبر ، ما الذي يمكن أن أكتبه عن امرأة ضارعة في التفكير خلف فنجان قهوة حلوة ..وجريدة ..امرأة تسافر في عينيها إذا تأملتها..
تبتسم في هدوء ، وتهمس في أذن النادل ..يمضي النادل مسرعا ..ليغير أسطوانة الحاكي ، القاعة هادئة في الداخل ، إنها سمفونية " بائعة الكبريت "..وصوت الأمطار يرتفع في الخارج ليحدث تناغما عجيبا ، يا له من جو كنائسي رائع.
استجمعت شجاعتي ، وكل قواي في محاورة النساء الجميلات ، وتقدمت نحوها كما يتقدم البوذي إلى النار بكل قداسة ووقار..
- هل من الممكن أن نتحاور قليلا ؟
- طبعا ، ولما لا ؟ تفضل بالجلوس .
- أنا مصطفى الذي يجلس دائما في الطاولة هناك.
فأجابت بفرنسية وبلهجة سكان مرسيليا : " أليس من العجيب أن يختصر المرء وطنه في طاولة بمقهى كهذا ؟".
فقلت لها بثقة العربي : نحن نختصر أوطاننا في أشياء محدودة دائما ، فمن الرجال من يجد وطنه في مكان عمله ، أو في سريره بالبيت ، ومن النساء من تختصر وطنها في علبة مكياج ، وشنطة يد صغيرة ، وهناك من يختصر حياته كلها في فنجان قهوة مثلما نفعل نحن الآن.
اعتدلت في جلستها ثم استرسلت قائلة : هل أنت فيلسوف أم شاعر ؟.
أسندت ظهري على المقعد ، حتى تعتدل الفكرة في رأسي جيدا ، ثم همست في أذنها " أنا فيلسوف عندما أكتب عن أي شيئ عدا المرأة ، وحينما أكتب عنها يجب أن أكون شاعرا ".
الفيلسوف والشاعر والمجنون كلهم مجانين..وكل مجنون منهم له نصيبه في ذلك..فالفيلسوف مجنون بفكره ، والشاعر مجنون بقلبه ، والمجنون مجنون بهما معا..
وبدبلوماسية المرأة الراقية سألتني : فيما كنت تنوي أن تحدثني أيها الشاعر والفيلسوف والمجنون ..؟
نظرت إليها مبتسما ..كقلبي الذي كان يشبه عصفورا قد أحضروا له عصفورته الجميلة داخل القفص ...وبثقة الشاعر سألتها : هل تفقهين لغة العيون ؟...في عيوني قد اختصرت كل الأوجاع ...ما يحدث معي هو ما يحدث تماما مع رسام رسم امرأة من وحي خياله ..على لوحة زيتية ...وفي الصباح ..صادف المرأة ...ألا يكون ذلك مدهشا ...؟؟
طأطأت رأسها بعد أن صدمتها فكرة ما ...ثم قالت : "هل أستطيع أن أفهم بأني كنت بطلة لإحدى قصائدك أيها الشاعر ؟"...
وفجأة شعرت بأن الأرض قد بدأت تأخذ شكلا آخر غير مستدير ..ربما مستطيل أو مربع ..بدأت أشعر بأن الكون قد بدأ يضيق ليأخذ مساحة جسدها الصارخ بالأنوثة والجمال ..وراحت قصائدي الواحدة تلو الأخرى تأخذ شكل الفراشات الكبيرة الملونة ..لتبشر بميلاد قصة حب ...شعرت لوهلة بأنني أجلس إلى زهرة كبيرة ...أو إلى آلهـــة للزهور ...لملمت شعرها المتناثر كشلال أسود على السكرية ..ثم همست : "ألست واحدة من بطلات قصائدك ؟"...
كانت كل قصيدة حب كتبتها ...تأخذ شكلها ...ملامحها ...أنوثتها ...
أجبتها بفلسفة التائه..." كل قصيدة حب كتبتها ...هي تشبهك ...كل قصيدة كتبتها ..هي مفصلة على مقياس جسمك ...وخصرك ...ورقبتك ...واتساع عينيك السوداوتين .."
همست مرة أخرى بثقة المرأة الجميلة في أذني " من الصعب أن أصدق كلام شاعر ، ولكنني بالـتأكيد...أحب كلامك .."
تحركت بمقعدي..وجلست إلى جانبها ...وسألتها " هل أنت فرنسية ؟"...وبسرعة بديهة أجابت .." وفي جرجرة ميلادي.."
طوال عمري كنت أعتقد أن رواية "روبنسون كروزو" للكاتب دانيال ديفو ...كانت عن المرأة والحب ...فالمرأة عندما يعشقها الرجل ، تصبح مثل الجزيرة المنفى بالنسبة له ...ولكي يتخلص من حبها ..عليه أن يصنع سفينة نجاته بنفسه ...وأفضل وقاية للرجل من الحب ..أن لا يركب البحر إطلاقا ....أي أن لا ينظر إلى عيني امرأة جميلة ...
أطلقت محبوبتي ضحكة فرنسية أنيقة ..لتقول " هل تعلم أن سكارليت أوهارا ، بطلة رواية "ذهب مع الريح " ..للكاتبة الأمريكية مارغريت ميتشل ...كانت من أصول فرنسية ؟"
قلت لها هامسا :" ومع ذلك فإن سكارليت ..لم تمنح للرجل الذي أحبها بصدق سوى الكراهية ...، يتهيأ لي أن الحب لو أخذ جنسية معينة ..لأخذ الجنسية الفرنسية ...ولو كان يجب عليه أن يتخذ صديقا لأتخذ الكاتب الفرنسي فيكتور هوجو كذلك ...فيكتور هوجو بشاعريته وأناقته ولحيته البيضاء ...يستحق أن يكون صديقا للحب..."
أطلفت محبوبتي قهقهة عالية وكأنها تذكرت نكتة ...ثم قالت " هل قرأت له رواية آخر يوم في حياة رجل محكوم عليه بالإعدام ....أعتقد أنك أصبحت هذا الرجل"...وواصلت قهقهتها العالية ...
....آخر يوم في حياة رجل محكوم عليه بالإعدام ....تلك الرواية التي لم يذكر فيها فيكتور هوجو اسم هذا الرجل ولا الجريمة التي اقترفها ...إنه الحب أليس كذلك...؟؟؟ يبدو لي أنك من عائلة نبيلة وارستقراطية ، أناقتك ..وعطرك ..ولغتك ..كلها توحي بأنك تسكنين قصرا فخما ، على واجهة البحر ...
حدقت في عيوني ..ثم في زجاج النافذة الذي بللته الأمطار وقالت " الحب الحقيقي في حياتنا ، هو الحب المستحيل ..هو أن تخلط دمك الشعبي والملون بحبر المطابع ، بدمائي الملكية ..هي أن تصنع الخسوف ..بتزاوج الشمس والقمر ..والعاشق الذي لا يحمل سيفا في يده ، ولا يجيد ركوب الخيل كالفرسان ليس جديرا أن يدخل عالم الحب ..."
تعليق