اللعبة

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • نورالدين بوصباع
    عضو الملتقى
    • 24-07-2009
    • 37

    اللعبة

    [align=center]

    اللعبـة

    [/align]
    [align=justify]
    " لا نتوقف عن اللعب لأننا كبرنا؛ إننا نكبر لأننا توقفنا عن اللعب."
    ثم يا صاحبي ما دمت مؤمنا برأيك، شغوفا بالموت كي يحيا العالم في بحبوحة السعادة، لا تكترث بالآخرين وبما يرمونك به من أرذل الأوصاف، اغلق أذنيك بهسيس الريح، على فكرة، حرية المرء لا تقاس بطول الطريق، ولا تُقدر بهبات المطر، اُشطب من قاموسك الجامد كل الكلمات التي لا تليق بمقام الآلة، وكل المعاني التي فقدت ألقـها بانتصار..آه لا أحد ينتصر على أحد إلا بالدسيـسة..من وراء زجاج المقهى حيث ملتقى الطرق وتقاطع الأفكار..وأنت جالس تحتسي قهوتك السوداء وتتصفح جريدتك المفضلة، لا ترتبك أو تختلط الأمور في ذهنك فالحروب القذرة لن تنتهي، وويلات المجاعة ستظل كابوسا يحدق بالإنسانية، وأما ما يُؤرقُ جفونك ويقض مضجعك العمل فلن تجود به جريدة،كن متيقنا أنك لن تتحمل نفسك، ستتمنى لو انسلخت عن جسدك، عن عالمك، لكن سترثي حالك بنظرات مكسورة وتنهدات ملتاعة اجترحتها من أعماقك فتمد يدك وهي ترتعش إلى كأسك المزاجية لُتطفئ لهيب النار التي تلتهم دواخلك، تريث قليلا، لا تشتر السرج واللجام قبل الفرس أو تشتري السمك في البحر فلكل أوانه!..اللعب بالنار مزحة..افترض نفسك أنك البحر أو الكون أو مجاهل صحراء مقفرة أتستحلي أن تُغرق نفسك في أغوارك المضطرمة، أو أن تطبق بكفيك الباردتين على روحك الطاهرة لتتخلص من.. أو أن تتيه في خيالاتك لتظفر بجرعة ماء، أعرف أنك تنفر من الأحاديث عير حديث الصمت، تشغل رأسك الصغير في تأملاتك الشاردة، وتظل تشبك خيوط الخيال بالحقيقة ثم لا تلبث أن تفكهما حين تستعصي اللعبة على النهاية..أ هو اللعب الذي لا ينتهي أم اللعبة! أحيانا لما يضمنا البحر ويغرقنا الغروب وراء الشفق الأحمر أُحاول جرك للحديث عن البحر، ربما نتصيد معا من أحشائه سمكة أو تلتقط أيدينا من كنوزه لؤلؤة، لكن أُصاب بخيبة حين تُدر وجهك عني، وتسرح في صمـت رهيب، أعرف أنك لم تصمت لأنك تكره الكلام، ولكن لأن الكلام لا يطاوعك على البوح عن الضياع والوحشة، ولأن الناس الذين يحيطون بك لا يحبون أن تحدثهم عن الهزائم والفشل ويقلقهم كثيرا عشقك الجنوني للحلول، واشتعال صدرك بالغيرة والحسد..قد يبدو لك كلامي غـير مفهوم، ربما لأنك لم تتعود على سماع آراء الآخرين أو لأن طبعك الفظ واعتزازك بذاتك يجعلانك تترفع وتتجاهل الآخرين..لست أدري! و حتى لو دريت لن تنفع معك حيلة ! ستتطلع إلي بلوم زائغ النظرات، وكأنك تجهل ماذا بإمكانك أن تفعل كي تتخلص من حيرتك، لتحملني أنا الألم والخيبة، وكل ما جنيت من حماقات..وحين أهم أن أشرح لـك مـن أنت! ماذا تفعل لتصبح إنسانا! كنت تجيبني وفي حلـقك غـصة لا أعرف كيف تصـعد من أعماقك " هذا ما أفعله" ثم تصمت..
    * * *
    بطريقة مبعثرة في رسم الأحلام، ونفخ الروح في عالم الأموات، ولملمة الصور الجامدة في قاع الذاكرة أقضي جزءا من يومي أو جله، أكاد لا أصدق هذا العبث الذي يحتويني، ولا أستطيع منه فكاكا، مرة أراه أمامي في هيئة صديق يصطحبني على طول الطريق وعلى امتداد الفصول، أجد في حديثه كثيرا من العزاء، وقليلا من القلق، وفي أحيان أُخرى ينقلب عدوا شرسا لا يرحم، ترتج الأرض من تحت قدميه، ومعها كل الكواكب والأفكار، والقيم النبيلة، وحين أُحاول أن أضعه في الصورة الحقيقية لشخصه كان يرفع عينيه إلي وقد استبد به الغضب ثم يتكلم " من أنت حتى تسألني من أنا! ثم إذا كنت لا تستطيع أن تتحملني فمن الأفضل لك أن تدعني وشأني"فكأنه يختبر ردة فعلي، يُريد أن يمتحن قوتي على الصمود، وكيف أتصرف أمام استفزازه،كنت أصمت وأروح أفرك يدي:
    -" لا،لا...لم يتسنى لي الوقت لأعرف من أنا!"
    -" الوقت عدو الإنسان، لا تترك الوقت يتملكك"هكذا كان يُجيبني ثم يولي لي ظهره وينصرف..وأبقى وحيدا والحيرة تُشاطرني العذاب، الأرق والاضطراب..وهنيهة تُداهمني الوساوس، وتكبر أمام عيني المصيبة، ما هذا الجبل الضخم الذي وقع على رأسي ! وهذه الصحراء المقفرة التي أغرقني في رمالها! الطريق نحو الحافة لن تكون سهلة، في كل خطوة يخطوها الإنسان عقبة، وردة شائكة، امرأة لا تشبه أية امرأة، وزمن يُعيد عقاربه إلى الوراء، وأنا وسط هذه الدوامة القاتلة أبحث عن نفسي بين خليط السُّلالات..ألست من طينة البشر! أملك عقلا ولسانا كـباقي بني آدم! ..عقلا أشق به موج البحر، ولسانا أتذوق به طعم الغياب..غياب يمزق الأحشاء و يئد جموح الشهوة، وأنا الحاضر الغائب بأي وجهٍ ألقاك يا صاحبي لتأخذ بيدي إلى نبع الضوء الهارب من وجوه الناس المظلمة، أو تزف إلي إكليلا من أزهار القرنفل والياسمين، لا تخف! لست صديقا ثقيلا كي تتبرم من رُفقتي، الأصدقاء في الهم قوة وسند كلما تخلصوا من أنانيتهم أصبحوا أكثر قُدرة على المواجهة والتحدي، وأنت وحدك من تُحيي في روحي الأرض الجرداء دون سواك من الأصدقاء، أجد فيك ما افتقدت.الوفاء..العزاء..حين تتكلم أجد في كلامك سر العالم، وأرى بأم عيني كم هو العالم مقرفا لا يطاق! كم هو ضيق رغم اتساعه! الناس فيه محشورون، مخنوقون، يائسون، لكنهم قانعون، راضون بكل ما يقع عليهم من أقدار، الغيوم السوداء تهرش رؤوسهم بالفتنة، والمطر البارد يفور سخاء باللذة لمَّا يُغرقهم في الدماء، وفي الأوحال، وفي حـمى السـياسة، لكن ما يستحوذ على لبي، ويُشوش الصورة في ذاكرتي حين تجلس أمامي مُنتصبا في جلستك، وتتطلع إلي بفضول " يجب أن تعرف من أنت! ماذا تفعل كي تصبح إنسانا! " كنت أصمت قليلا، وأرفع رأسي حتى إذا ما وقعت عيني في عينيه " هذا ما أفعله" ثم أغرق من جديد في صمتي المعهود...

    * * *

    لا أنا ولا أنت نعرف من نحن! يقف كل واحد منا على طرف نقيض من الآخر، أنت شغوف بالموت، وأنا مستهام بالحياة، ففي كل مرة تجمعنا الدهشة، ويشب في صدورنا الحنين نجلس لنتجاذب أطراف الحديث عن المؤامرة..مؤامرة قتل الإنسان.كنت تبتسم بامتعاض قائلا:
    -" وماذا بقي من الإنسان!"
    -" بعض الفتات"
    -" انظر، الإنسانية غسلوها وكفنوها"
    -" ليتهم احترموا حُرمتها حتى موعد الدفن!"
    -" العزاء الوحيد للإنسان هو البكاء"
    -" البكاء!"
    وحين صمت ولم ترد:
    -" البكاء ضرب من الهوس لا أقل ولا أكثر..الناس يبكون ثم ماذا بعد! تعود الأمور إلى حالها..لو كان البكاء دواء لغرق العالم في طوفان الدموع"
    -" دموع! الدموع أن تسيل أنهارا، أو تسقط أمطارا، لن تُنبث زهرة!"
    -" لكن قل لي ماذا بوسع الناس أن يصنعوا؟!"
    -" ببساطة أن يعرفوا من هم ! وماذا يفعلون ليصبحوا أناس"
    -" هذا ما أفعله أنا! وما يجب أن تفعله أنت وكل الناس..لنلعب جميعا لعبة تنسينا قسوة الموت"


    نورالدين بوصباع-تيفلت/المغرب

    [/align]
  • ربيع عقب الباب
    مستشار أدبي
    طائر النورس
    • 29-07-2008
    • 25792

    #2
    لا نتوقف عن اللعب لأننا كبرنا؛ إننا نكبر لأننا توقفنا عن اللعب !!
    هو منولوج طويل تحكم فى مسار القص
    و تبني حالة من الحزن الشفيف ، الواسع الرحابة ، بداية من الأنا ، و انسحابا إلى رقعة أوسع .. أو هي رسالة تحاول بقدر من العقل و التعقل و المشاعر أن تجد إجابات لأسئلة كثيرة

    أحتاج لقراءتها مرة أخري

    لي عودة

    محبتي
    sigpic

    تعليق

    • دريسي مولاي عبد الرحمان
      أديب وكاتب
      • 23-08-2008
      • 1049

      #3
      المبدع القدير نور الدين بوصباع...
      عندما يحمل المرء في دواخله سؤال الموت,فان ذلك يمنحه قدرا كبيرا من الرفعة واحساسا مميزا بالفخر والكبرياء...وفرصة سانحة لكتابة قصة رائعة...
      اللعبة هي حكمة الصمت...فرصة لاعادة تأثيث أسئلة الوجود...
      تقبل مروري وخالص تقديري.

      تعليق

      • صالحة غرس الله
        عضو الملتقى
        • 09-05-2010
        • 79

        #4
        وما الحياة الدنيا إلا لعب ولهو
        لعبة كبيرة نتقمص أدوارنا فيها
        بعضها قسرا والبعض الآخر عن طواعية
        خطاب الذات للذات خطابا وجوديا مليئا بالحيرة
        لأكون صريحة أعد مثل هذه الأعمال خواطر وليست قصصا
        وإن كنت لا أحب الدخول في نقاشات عقيمة حول الأجناس الأدبية
        أعجبني في النص حضور الصديق بكل ما يحويه الرمز من المعاني
        احترامي

        تعليق

        يعمل...
        X