بـيـداغـوجـيـا الصلـع

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • نورالدين شكردة
    عضو الملتقى
    • 30-01-2010
    • 46

    بـيـداغـوجـيـا الصلـع

    بيداغوجيا الصلع

    أمسك الجيلالي خصلة شعر تتدلى من مؤخرة رأسه و حاول تثبيتها بعناية بالغة على المساحة الجرداء التي طالها صلع تاريخي وراثي ..أبت بعض الزغيبات الانصياع و الخضوع لمخطط الجيلالي الترقيعي فوجد المسكين نفسه مضطرا لاستعمال مقاربة البصاق العجيبة.. لس راحة يده مرارا و تكرارا و مررها برفق على الزغيبات المتمردة.. فاستسلمت منصاعة منقادة ساترة صلعة من أعظم الصلعات التي عرفتها البشرية ..
    وضع حتى و إن كان قد أقنع الجيلالي و حقق له نزرا من التوازن و الاستقرار النفسي.. غير أن التدليس كان جليا و الزحمة و الرياح كانتا له بالمرصاد لفضح انجراف لم ينفع معه لا أدوية و لا أعشاب ولا فقهاء ولا مشعوذون ...
    -“لا أعرف لماذا كلما وجدت نفسي مرغما على لس راحة يدي إلا واستحضرت مرغما بنود المخطط الاستعجالي و كل المشاريع الإصلاحية التي تناوبت على المدرسة المغربية ترتيقا و ترقيعا وحتى بعض ذكريات مراهقتي الطائشة...“ تساءل الجيلالي مضطربا و هو يضع راحتي يديه على زغيبات شعره المتطايرة ساترا تصحرا أخطأ مكانه الطبيعي. هو لا يريد أن يعترف بالصلع و لا يتردد في اقتناء شتى أنواع و أصناف الطواقي و الطرابيش... كما أنه بات يفكر جديا في الخضوع لعملية زرع شعر.. و يعترض بشدة على كل من يقترح عليه قص كل الزغب المتبقي العالق بالفوذين و الناظرين و مؤخرة الرأس و التعاطي مع الحياة بمنطق أصلع و جرأة - قرعاء-... مطامحه السياسية تمنعه من ذلك.. هو يعلم أن جل الزعماء السياسيين لا زالوا يحتفظون بشعورهم و بالتالي بكراسيهم...
    -“تركيب باروكة شعر مستعار خطة كانت ستعفيني من وجع الضمير.. لكن مع من ؟ مع قوم بمقدورهم تمييز جلد اليمام من جلد الحمام...لقد تأخرت في وضع الباروكة.. نعم كانت ستكون خطة ناجحة لوكنت قد أقدمت على هذا الأمر يوم بدأت زغيباتي تتطاير و تنط كما تنط حبات الذرة المقلية..“ تحسر الجيلالي مبتهلا من العلي القدير أن يخفف من شدة هبوب رياحه وأن يصيب كل المارة بالعمى..
    هو الموظف الحديث التعيين بديوان وزير التعليم يحز في نفسه كثيرا أنه الأصلع الوحيد.. و لا زميل واحد يتقاسم و إياه نظرات الموظفات و الموظفين القاسية .. و لا أصلع آخر يشاطره الهم و يتبادل وإياه آخر التجارب و الوصفات ...
    .أغلق مكتبه من ورائه...تأمل بعض مسودات الخطب والمشاريع و الأوراش التي هيأها لأجندة عمل الوزير و همهم غاضبا:
    -“لا أحد يعلم أكثر مني أن النظرية غير التطبيق.. و أن جل مشاريع الإصلاح تصل إلى حدود أبواب المدارس و المؤسسات و تقف هنالك إلى حين خروج آلاف العلل و المحن و المشاكل والإكراهات ...“
    انتفض من مكانه مضطربا بعدما انعكست صورة صلعته على سطح مكتبه الصقيل.. تدارى في غرفة جانبية و غير بذلته الكلاسيكية بأخرى رياضية صاحبها بقبعة راقية غير أنه سرعان ما ارتكس و انتكس بعدما احتلت توحيمته صدارة المشهد و صارت مركز ثقل هندامه الجديد وشخصيته الغريبة...
    الإعلاء والتعويض و التنفيس و العصاب حالات نفسية صارت تلازم يوميات الجيلالي ومشاعره.. مثله مثل الوزارة التي صار الإخفاء والإلهاء والارتجال و التعتيم و التبرير أسلوب و منطق عمل تتعايش معه وتسير به همها التربوي اليومي المتراكم...
    -“هذا الجيلالي من تلك الوزارة ... أصلع يداري صلعته داخل مؤسسة تائهة تداري سوء تسييرها“ اعترف الجيلالي و هو يعيد ارتداء بذلة عمله الرسمية...
    لقد وصل به عدم التوازن يوما إلى درجة صباغة صلعته بقلم أسود قاتم و قص حزمة من شعر زوجته – حنان – أمضى أزيد من ثلاث ساعات و هو يلصقها زغبة زغبة بغراء صيني قوي على امتداد انجراف صلعته المصبوغة ...
    أمضى بعدها أسبوعا بأحد المصحات محاولا إرجاع ضغط دمه لمستواه العادي ...و أسبوعا ثانيا متحملا خلاله آلام نتف تلك الزغبات الاصطناعية زغبة زغبة ...
    -“لم أكن أعلم بتاتا أنه يجدر بالمرء أن ينتظر مدة معانيا كي يتعافي من ورطة إصلاحات خاطئة ..كم اتمنى أن أستيقظ يوما و أجد شعري و قد عاد لجميل عهده وقت كنت أبلغ من العمر أربع سنوات و خصلات شعري تنسدل على كتفي و جبهتي كحصان عربي أصيل ...“
    عاد ليفرش مسودات مشاريع الوزارة الموكولة له أمامه.. ترآى له الصلع في كل الجمل و الأفكار ... و ظهرت له آثار الصباغة و الباروكة و الغرس في كل المشاريع والمخططات ..
    -“سبحان الله ... عجيب هو أمر هذا الإنسان ...أصلع يرفض الاعتراف بصلعه...أنا بصل أقرع و ما علي سوى التعايش مع حالتي بحلم و سلم وذكاء و تقبل صلعتي كما هي ...لاأحد يفقه في أسرار صلعتي مثلي ... بصلعتي هذه أنا قادر على أن أبدع أكثر مما بوسعي فعله لو زرعت شعرا أو داريت أو واريت أو لونت.. نعم من الصلع يجب أن أنطلق...ولأراهن على حنان عسى أن تغدق علي بجيل أشعث.....
    التعديل الأخير تم بواسطة نورالدين شكردة; الساعة 28-05-2010, 21:47.
  • رضا الزواوي
    نائب رئيس ملتقى النقد الأدبي
    • 25-10-2009
    • 575

    #2
    كنت سأذهب للنوم، لمحت اسمك الجميل يزين واجهة المنتدى؛ فعدت لأصافحك عبر نصك الرائق بسلاسته، بطرافته، بغزارة معانيه رغم "صلعة" الجلالي!
    أخي المبدع الرائع نور الدين
    أراك كاتب رواية سيمتع ذي الذائقة الباحثة عن التميز...
    لي عودة.
    دمت بخير،
    مع تحياتي.
    رضا
    [frame="15 98"]
    لقد زادني حبّـا لنفسي أنني***بغيض إلى كل امرئ غير طائل
    وأنّي شقيّ باللئــام ولا ترى***شـقيّـا بهـم إلا كـريم الشـمـائل!

    [/frame]

    تعليق

    • فوزي سليم بيترو
      مستشار أدبي
      • 03-06-2009
      • 10949

      #3
      [align=center]
      أستاذ نور الدين
      سرد ساخر بمنتهى الحلاوة
      لقد تعاطفت مع صاحبنا الأصلع
      من بداية السرد حتى نهايته
      سؤال برئ :
      هل أنت منهم ؟

      تحياتي ومحبتي
      فوزي بيترو
      [/align]

      تعليق

      • نورالدين شكردة
        عضو الملتقى
        • 30-01-2010
        • 46

        #4
        المشاركة الأصلية بواسطة رضا الزواوي مشاهدة المشاركة
        كنت سأذهب للنوم، لمحت اسمك الجميل يزين واجهة المنتدى؛ فعدت لأصافحك عبر نصك الرائق بسلاسته، بطرافته، بغزارة معانيه رغم "صلعة" الجلالي!
        أخي المبدع الرائع نور الدين
        أراك كاتب رواية سيمتع ذي الذائقة الباحثة عن التميز...
        لي عودة.
        دمت بخير،
        مع تحياتي.
        رضا
        العزيز رضا الزواوي ـ رقنت الاسموتمعنت كثيرا في الحروف حتى لا أعيد الزلة إياها ـ
        والله العظيم اشتقت لردودك وللغتك السامقة ولتعابيرك البليغة...
        سعدت كثيرا بطلتك هنا وبعباراتك المثلجة
        لاعدمنا كرمك أيها الكريم
        لك الود والتقدير حتى ترضى

        تعليق

        • نورالدين شكردة
          عضو الملتقى
          • 30-01-2010
          • 46

          #5
          المشاركة الأصلية بواسطة فوزي سليم بيترو مشاهدة المشاركة
          [align=center]
          أستاذ نور الدين
          سرد ساخر بمنتهى الحلاوة
          لقد تعاطفت مع صاحبنا الأصلع
          من بداية السرد حتى نهايته
          سؤال برئ :
          هل أنت منهم ؟

          تحياتي ومحبتي
          فوزي بيترو
          [/align]
          المتألق فوزي سليم أسعدني مرورك البهي وعباراتك الناصعة نصاعة أجمل وانقى الأسنان المرصوصة المتراصة ....
          حقيقة وجوابا على سؤالك البريء فأخوك بين المنزلتين ...يعني سائر في طريق الانجراف والتصحر وإن كانت الوتيرة تنبئ أن أمامي عشر سنوات أخرى للاستمتاع والانطلاق دون طرابيش وطواقي لإخفاء بيداغوجيتي..
          ألف شكر على كرم المرور والقراءة الطيبة
          لاعدمنا أريحيتكم الادبية المتدفقة
          لك التقدير والمنى

          تعليق

          • رضا الزواوي
            نائب رئيس ملتقى النقد الأدبي
            • 25-10-2009
            • 575

            #6
            هذه قصة نواة لرواية.
            ما لفت انتباهي هو ذكاء القاص حيث تعرض لجملة من القضايا انطلاقا من صلعة "الجيلالي"
            فالجيلالي ليس شخصية عابرة في القصة، وليس بطلا كما تعودنا على الأبطال في القصص المتداولة، إنما هو بؤرة ضوء، فالبياض الذي قد يضطرك لإعفاء جفنيك من العمل للحظات ناتج عن اجتماع طيف من الألوان لا يمكن لسواد شعر أي "رئيس" أن يستضيفه!
            دعنا نضع أكفنا على صلعة الجيلالي:
            لمسة أولى:
            جذاذات أوراق تحوي مشاريع وقرارات لا يجمع بين أجزائها سوى البقع التي شوهت بياض الصفحات!
            أيادي مترهلة، مرتعشة تمارس معها لعبة القص واللصق محاولة رتق رقع استعمرتها الأهواء "الصلعاء"!

            لمسة ثانية:
            رقصات يد حالمة شدها الهوى، فلمحت الأرض في السماء، يد أخطأت طريق الأمل، فاغتسلت في وحل واقع فقد ألوانه!

            لمسة ثالثة:
            تجارب جريئة متنوعة جعل من صلعة تائهة فأر تجارب ينط بلا وجهة خوفا من مخالب قط صنعه خيال القحط في نفسه!

            لمسة رابعة:
            سلبيات اجتماعية تجعل الحقيقة تبحث عن قناع، عن ستار يحجبها، بينما يتباهى أصحاب الرؤى الزائفة بأضاليلهم!

            لمسة خامسة:
            عندما يصبح الواقع ظلا لصلعة؛ يحتفي الشعر في حضور المشاعر الباهتة!

            لمسة سادسة:
            مستقبل خاو يحاكي خواء "جزيرة الأوهام" في صلعة الجيلالي!

            لمسة سابعة:
            أمل حول "الصلعة" إلى منطلق لجيل يحول تاريخه "الأصلع" إلى ماضيه "الأسود" في رقصة الأفاعي على نغمات ناي النأي والضياع!
            ...
            وتستمر اللمسات، ولا تزال "صلعة الجيلالي" شامخة كالشعرات التي كانت تستعمرها قبل اجتثاثها من قبل "المقاومة" الداخلية!!!
            ...
            ولا يزال في القصة ما يغري بقراءة جادة...



            [frame="15 98"]
            لقد زادني حبّـا لنفسي أنني***بغيض إلى كل امرئ غير طائل
            وأنّي شقيّ باللئــام ولا ترى***شـقيّـا بهـم إلا كـريم الشـمـائل!

            [/frame]

            تعليق

            • نورالدين شكردة
              عضو الملتقى
              • 30-01-2010
              • 46

              #7
              المشاركة الأصلية بواسطة رضا الزواوي مشاهدة المشاركة
              هذه قصة نواة لرواية.
              ما لفت انتباهي هو ذكاء القاص حيث تعرض لجملة من القضايا انطلاقا من صلعة "الجيلالي"
              فالجيلالي ليس شخصية عابرة في القصة، وليس بطلا كما تعودنا على الأبطال في القصص المتداولة، إنما هو بؤرة ضوء، فالبياض الذي قد يضطرك لإعفاء جفنيك من العمل للحظات ناتج عن اجتماع طيف من الألوان لا يمكن لسواد شعر أي "رئيس" أن يستضيفه!
              دعنا نضع أكفنا على صلعة الجيلالي:
              لمسة أولى:
              جذاذات أوراق تحوي مشاريع وقرارات لا يجمع بين أجزائها سوى البقع التي شوهت بياض الصفحات!
              أيادي مترهلة، مرتعشة تمارس معها لعبة القص واللصق محاولة رتق رقع استعمرتها الأهواء "الصلعاء"!

              لمسة ثانية:
              رقصات يد حالمة شدها الهوى، فلمحت الأرض في السماء، يد أخطأت طريق الأمل، فاغتسلت في وحل واقع فقد ألوانه!

              لمسة ثالثة:
              تجارب جريئة متنوعة جعل من صلعة تائهة فأر تجارب ينط بلا وجهة خوفا من مخالب قط صنعه خيال القحط في نفسه!

              لمسة رابعة:
              سلبيات اجتماعية تجعل الحقيقة تبحث عن قناع، عن ستار يحجبها، بينما يتباهى أصحاب الرؤى الزائفة بأضاليلهم!

              لمسة خامسة:
              عندما يصبح الواقع ظلا لصلعة؛ يحتفي الشعر في حضور المشاعر الباهتة!

              لمسة سادسة:
              مستقبل خاو يحاكي خواء "جزيرة الأوهام" في صلعة الجيلالي!

              لمسة سابعة:
              أمل حول "الصلعة" إلى منطلق لجيل يحول تاريخه "الأصلع" إلى ماضيه "الأسود" في رقصة الأفاعي على نغمات ناي النأي والضياع!
              ...
              وتستمر اللمسات، ولا تزال "صلعة الجيلالي" شامخة كالشعرات التي كانت تستعمرها قبل اجتثاثها من قبل "المقاومة" الداخلية!!!
              ...
              ولا يزال في القصة ما يغري بقراءة جادة...



              وسلمت لمساتك أستاذي رضا من الصلع
              مشكووووووور على هذه القراءة وهذه اللمسات القوية والدالة
              تفاجئنا على الدوام بكرمك وبأدبك الجم وبسعة اطلاعك وموسوعية لغتك
              بارك الله فيك وأنا ممتن لك كثيرا على مجهود القراءة والتعقيب
              خياكم الله

              تعليق

              يعمل...
              X