التوت و عطش البحر
كانت دمعة حارة ، حفرت على خدّيّ مجراها ، تسقط فيه كفي كلّما مرّرتها على وجهي ، فيلسعني لهيبها رغم كل ما مرّ من سنين ، نما العشب و الزيتون على ضفافه و عششت الطيور ، تحوّل لتجعيد ، كأخدود يتمطى من ماقَيّ حتى هاوية الدّمع على طرفي ذقني .
يسألني المعلّم : ما بك يا حكيم ؟ ، أتنهنه ، فيغلبني البكاء ، يتقطّع نَفَسي ، يهتزّ صدري فيهتز معه جسدي الصغير ، تختنق الكلمات في حنجرتي ، تنقلب أشواكا و حشرجة ، تتصلّب عيناي على وجهه ، يضع يده على كتفي ، ينحني ليوشوشني: إن كنت مريضا أو بحاجة للخروج من الصف ، يلحّ ، و حالي لا يتبدّل ، لم أكن أشعر بالكره نحوه ، و لا بالغضب منه ، كنت أتمزّق شفقة على جواد ، كان الظلم قاسيا ، لم أكن يومها أعرف التسمية ، لكنّه الإحساس بالقهر و قلّة الحيلة ، الممزوج بالجبن و تقريع الذات ، و الحنق و الغضب الشديد من باقي أولاد صفي ، بسبب سخريتهم و قهقهاتهم ، لماذا لم يتدخلوا لينقظوا جواد ؟ كلّنا نعرف الحقيقة ، لماذا لم أعترض أنا؟ لم أقل للمعلّم أن هذه ليست لجواد إنّها لأبيه ، "عمي لطيف" ... لماذا ؟؟ لماذا؟؟ لماذا؟؟
عيناي مبتلتان كعصفورين تحت المطر ، لكنّهما ثابتتان ، انغرستا في عيني المعلّم ، كنت أشعر بارتباكه ، يحاول ملاطفتي و لا فائدة ، لم يذعنِ إلا حين صرخ أحدهم : زعلان على ابن عمه .. جواد ابن عمه يا أستاذ.
في نهاية الدرس الأخير ، جمعت كتبي و أدواتي ، وضعتها في الكيس ، علّقته برقبتي و تركته يتدلى على جنبي المقابل ، اختلست نحو مازن النّظرة اليومية المعتادة ، بينما يجمع كتبه في حقيبة جلديّة بنيّة ، جلبها أبوه من ألمانيا في الصيف الماضي ، كان الوحيد بيننا ، يتبختر بحقيبته ، و ملابسه النّظيفة المرتّبة ، متناسقة الألوان.
في الشارع خارج المدرسة ، هرج و صراخ ، يختلط الجدّ بالمزاح ، جواد يتعارك مع ثلة من أولاد الصّف ، يصرخ أحدهم مستهزءا بحركة مسرحية : أعطيني سيجارة ،
يشتمه جواّد ، يهجم الولد عليه مازحا ، يحاول دسّ يديه في جيب بنطاله ليأخذ علبة السجائر ، يتعاركا ، يلكزه آخر من الخلف ، يؤشّر بيده لرأسه و يرسم معنى ما يقول : يا ابن "المهوّي"(1) .
يركض خلفه جواد ، فيناديه آخر من بعيد : الهوى هوايا (2).. و ابن المجنون معايا
ثم آخر : "خلعوها" .. "خلعوها" (3)...
يقف أحدهم مقلّدا المعلم و يقول: يا أولاد ، عدّدوا نقائض الوضوء.
فيصرخ الجميع : العبريّة يا أستاذ.
يتراكضون تسقط أكياس الكتب من على أكتافهم ، تتناثر الدفاتر و الأقلام ، عندما ينحني أحدهم ليلملم خاصته ، يركله آخر فيسقط أرضا ، يتمرّغ في التراب ، ينفض ملابسه و يشتم ، فيتصاعد الغبار ..
ينجح أحدهم بالوصول لعلبة السجائر ، يستولي عليها ، يشهرها في الهواء بمشهد مسرحي قائلا : حرّروا البلاد بسجائر أبو جواد .
تعلو القهقهات و الصفير ، تختلط الأصوات و الشتائم ، يتناول جواد حجرا عن حافة الطّريق ، يرفع يده يهدّده ليعيد له العلبة ، يلقي بها لآخر ، يركض جواد نحوه شاهرا الحجر ، فيلقيها لثالث ، يركض نحوه و هو يصرخ و يشتم ، يدور جواد بينهم ، يركض و يلهث من واحد لآخر ، إلى أن تمزقت العلبة و تناثرت السجائر ، فتقاذفتها الأرجل في كلّ مكان .
نظرت لوجهه عندما جاء ليأخذ كيس كتبه ، الذي حمّلني إياه ريثما ينهي معركته ، عَلِق التّراب برأسه الحليق ، و القشّ و أوراق حشائش يابسة ، وجهه مُعفّر ، دمعتان شقّتا طريقاهما على خدّيه ، بقيت ذرات التراب على جانبي الدموع ، في المجرى بانت بشرته النّظيفة ، كأنّه رسم كاريكاتوري ، يتدلّى من أنفه المخاط الممزوج بالتّراب ، تجمّد فوق شفته العليا ، أخذ كيسه دون أن ينبس ببنت شفة..
كانت صورة المدير و هو يحمل عصاه الرّفيعة الطويلة ، تستحوذني ، غدا سيشتكون له و سيأتي العقاب.. أنا الطالب المثالي ، المتفوق علما و أدبا ، مضرب المثل !! كيف سأدخل هذه المعركة إلى جانب ابن عمّي؟ .. و مركزي؟؟ و عقاب المدير؟ و الشكوى التي ستتبعها لأبي؟ و العقاب من جديد ؟.. لا .. لا ليس من شأني ما حدث .. كيف و كنت في الصفّ تبكي بحرقة على جواد ؟؟! كيف؟؟!
بكيت في حماية المعلم أمّا هنا ، ماذا أفعل ؟ أعاركهم ؟؟ لا .. لا ..
دخلت البيت ، منهكا ، متعبا ، أشعر بروحي تزهق ، حين يحاول صوت في داخلي اتّهامي بالجبن ، أفرّ متشبّثا بالولد المثالي !
لم أدخل من الباب المعتاد الذي يوصلني لأمي ، ذهبت حيث يعتاد جدّي الجلوس ، وجدته خلع ثوبه و استلقى مغمضا عينيه ، بقميصه و سرواله الطويل الفضفاض ، كقط أبيض يتلمّس برودة البلاط ، جلست على الأرض و ظهري نحو صدره ، تزحلقت بهدوء إلى أن أصبح كلّ جسمي يلامس الأرض و رأسي فوق خصره ، مدّ يده من فوق كتفي ، فتدلّت أصابعه الغليظة كثيفة الشّعر ، فوق صدري بمحاذاة عنقي ، تمتم دون أن يفتح عينيه : حكيم ؟؟
لم أجب ، بل أغمضت عيني مثله ، فقال ببطء و هدوء: أسمعك .. أسمعك ..
بقيت صامتا ، فقال بنفس النّبرة : ما بك يا حكيم ، أنا أسمعك !!.. لست نائما.. ثم هزّ يده ليحثّني ، فاهتزّ كتفي و كلّ جسدي. ، قلت: خذني يا جدي عند عمي لطيف.
يبدو أنّني فاجأته ، هربت يده مسرعة من على كتفي ، فتح عينيه و رفع رأسه و بحلق في وجهي ، فتحت عينيّ لتصطدم بحدقتيه المذعورتين.
حوقل و أعاد رأسه إلى الأرض ، لكن لم يُعِد يده ، و لم يَعُد قلبي يخفق ليعانق أصابعه التي تتدلّى فوقه من وراء الضلوع.
فقلت: اليوم ضرب المعلم الغريب جواد . كان يحل مسألة حساب على السبورة ، سقطت منه الطبشورة ، فانحنى ليتناولها ، فسقطت من جيبه علبة السجائر، نسي علبة سجائر عمي لطيف في جيبه ، صفعه المعلّم بقوة على وجهه ، فسقط على الأرض ، ركله برجله ، ثمّ ركله و طرده خارج الصّف ، سخر كلّ الأولاد منه ، قهقهوا ، أتى المدير بعد قليل و وشوش المعلم ، فأعاده للصفّ و أعاد له علبة السجائر.
لم يعلّق جديّ ، بل صرتُ أحس برأسي يعلو و يهبط فوق خصره ، مع تسارع نَفَسه ، هل أصابه القهر مثلي؟؟
تابعت أكثر حماسا : في الطريق ، سخر منه الأولاد ، ضايقوه ، أخذوا علبة السجائر و مزّقوها ، فبكى جواد.. جدي.. هل سيضربه عمي لطيف؟
رفع جسده عن الأرض ، وازن جلسته ، ثمّ زحف نحو مقعد قريب ، إتّكأ عليه و نهض.. نهضّت مسرعا : أتأخذني؟
لبس ثوبه دون أن يجيب ، التقط يدي و خرجنا معا نحو ساحة الدّار الجانبية ، المليئة بأشجار المشمش ، بيت عمّي لطيف قريب ، غرفة واحدة أمامها مصطبة فارهة مرتفعة ، نسمّيها "الدّوسة" ، تُظلّل معظمها شجرة توت ضخمة ، لم يكن عندنا مثلها ، و لم أعرف التوت إلاّ من يديه .
عمّي قصير القامة أسمر البشرة ، نحيل الجسم ، ذو شاربين رفيعين أنيقين ، لم أشعر يوما بالرّاحة حين كنت أجلس في حضنه و يطعمني التّوت ، كانت عظامه بارزة تضايقني ، أتململ فيضحك منّي ..
نتحلّق حوله ليحكي لنا عن أيام الشّباب ، أيّام كان يعمل في حيفا ، وجهه هادئا ، مضيئا ، عششت فيه طيور الجليل(4) بكلّ تفاصيلها ، تسمع زقزقاتها بصوته و أصابعه الطويلة الرّفيعة ، كأنّها مناقيرها ، لا يكفّ عن التّمتمة بأغنية لم أنجح في حفظ سوى بعض الكلمات منها : "حيفا عروس و الكرمل(5) جديله
البحر عطشان و القلب يناديله"
بعد النكبة تغيّر كلّ شيء ، يقتله النّدم ، كأنّه كان يحمل سرّ الكون و فرّط به ، يلوم نفسه ، يضم أصابعه و يضغطها بقوة ، فترتجف قبضته حين يشهرها أمام وجهه و هو يقول : لو كنّا نعرف ، فقط لو كنّا نعرف .. أولاد الـ...... كنّا نبول عليهم ، نبصق في وجوههم ...
تنام في أمان الله ، تستيقظ و قد احتلوا الهدار(6) و الكرمل ، و أصبحوا يقولون و يشورون .. يذبحون النّاس في الشوارع ... أولاد الكلب .. تفُ ... تفُ علي .. تفُ علي .. الله أكبر ، كم كنت غبيّا .. كم كنت غبيّا ، ويهزّ قبضته في الهواء..
لا أريد رؤية الأنجاس ، لا أريد ما يصنعون و لا ما يزرعون ، ثم يمسك كاحله و يرفع قدمه و يضرب بها الأرض ، و هو يقول : هذه الأرض يجب أن تجف ، أن تصبح صحراء .. صحراء ، و رمالها جمر ، لا تنبت حشيشة واحدة لهم ... ينظر بعينين زائغتين ، يغيّر نبرته و يسأل بهدوء : لماذا لا تجف؟؟ لماذا؟؟ و يضربها بقدمه ... يضربها إلى أن يعلو لهاثه
ثمّ يتمتم بحرقة : "حيفا عروس و الكرمل جديله
البحر عطشان و القلب يناديله"
و فجأة يصرخ مناديا زوجته : حسنية .. حسنية ... فتأتي بقامتها الطويلة ، و جمالها الريفي الذي لوّحته شمس الحقول ، تعرف ما عليها فعله دون أن يطلب ، تمدّ يدها لعلبة السجائر الملقاة جانبه ، تحت خرقة من قماش بالية ، تأخذ لفافة و تعطيه إياها ، يخرج من جيبه علبة كبريت "نابلسية" ، يشعل عود الثقاب و يعلّق : السجائر عربية لكن ، ختموا العلبة بختم الضريبة بلغتهم .. لعنة الله عليهم و على لغتهم..
قليل الخروج من البيت كي لا تقع عينه على أحد منهم ، أو ترى حرفا بلغتهم ، يـتأفّف دوما و هو يقول: انتشرت حروفهم كالذّباب في كلّ مكان .
إن لمست يده شيئا "ملوّثا" بهم ، يُسارع لغسلها ، لو وقعت عينه عليهم أو على كلمة عبرية ، يسارع لحوض الماء ، علبة السجائر تظلّ تحت الخرقة و معها البطاقة اللّعينة ، إذا خرج من البيت ، ترافقه زوجته لتحمل سجائره و بطاقته ، أو يرافقه جواد ، يصارحنا : لو كنت شجاعا لفقأت عيني ، لكنّني جبان ... جبان.. يضع إبهاميه فوق عينيه المغمضتين و يضغط بقوة ،، ثم يصرخ .. جبان .. جبان..
فيما بعد حاول ، أنقذته الصدفة بعد أن أدمى جفونه ، بعدها استدعى جدي أبي و قرّرا اصطحابه للطّبيب.
يمسح بيده على شعري و يبتسم ، يعطيني حبات من التّوت و يقول: مساكين .. يظنّونني مجنون ..
مرّت كلّ الصور أمامي و أنا ألهث خلف خطوات جدي المسرعة ، دفع الباب التنكي القديم ، دخلت خلفه ، كان عمّي في ظلّ شجرة التوت على "الدوسة" ، يحتسي الشاي بهدوء ، عندما رآنا ابتسم ابتسامته الحنونة الدّافئة ، فركضت و القيت بنفسي قربه ، التصقت به ، انشغل بالحديث مع جدّي ، خرجت زوجته و خرج جواد ، لكنّني لم أتابعهم ، و لم أسمعهم ، طوّقني بأحد ذراعيه ، دسست رأسي في صدره ، أغمضت عيني .. شعرت بحاجة للبكاء ، رعشة برد تجتاحني ، فطوقت وسطه بكلتا يدي ، دفعت بجسمي نحوه أكثر ، كأنّني أدخل فيه ... كم أحب التّوت يا عمي لطيف.. كم أحبّ التّوت..
يسألني المعلّم : ما بك يا حكيم ؟ ، أتنهنه ، فيغلبني البكاء ، يتقطّع نَفَسي ، يهتزّ صدري فيهتز معه جسدي الصغير ، تختنق الكلمات في حنجرتي ، تنقلب أشواكا و حشرجة ، تتصلّب عيناي على وجهه ، يضع يده على كتفي ، ينحني ليوشوشني: إن كنت مريضا أو بحاجة للخروج من الصف ، يلحّ ، و حالي لا يتبدّل ، لم أكن أشعر بالكره نحوه ، و لا بالغضب منه ، كنت أتمزّق شفقة على جواد ، كان الظلم قاسيا ، لم أكن يومها أعرف التسمية ، لكنّه الإحساس بالقهر و قلّة الحيلة ، الممزوج بالجبن و تقريع الذات ، و الحنق و الغضب الشديد من باقي أولاد صفي ، بسبب سخريتهم و قهقهاتهم ، لماذا لم يتدخلوا لينقظوا جواد ؟ كلّنا نعرف الحقيقة ، لماذا لم أعترض أنا؟ لم أقل للمعلّم أن هذه ليست لجواد إنّها لأبيه ، "عمي لطيف" ... لماذا ؟؟ لماذا؟؟ لماذا؟؟
عيناي مبتلتان كعصفورين تحت المطر ، لكنّهما ثابتتان ، انغرستا في عيني المعلّم ، كنت أشعر بارتباكه ، يحاول ملاطفتي و لا فائدة ، لم يذعنِ إلا حين صرخ أحدهم : زعلان على ابن عمه .. جواد ابن عمه يا أستاذ.
في نهاية الدرس الأخير ، جمعت كتبي و أدواتي ، وضعتها في الكيس ، علّقته برقبتي و تركته يتدلى على جنبي المقابل ، اختلست نحو مازن النّظرة اليومية المعتادة ، بينما يجمع كتبه في حقيبة جلديّة بنيّة ، جلبها أبوه من ألمانيا في الصيف الماضي ، كان الوحيد بيننا ، يتبختر بحقيبته ، و ملابسه النّظيفة المرتّبة ، متناسقة الألوان.
في الشارع خارج المدرسة ، هرج و صراخ ، يختلط الجدّ بالمزاح ، جواد يتعارك مع ثلة من أولاد الصّف ، يصرخ أحدهم مستهزءا بحركة مسرحية : أعطيني سيجارة ،
يشتمه جواّد ، يهجم الولد عليه مازحا ، يحاول دسّ يديه في جيب بنطاله ليأخذ علبة السجائر ، يتعاركا ، يلكزه آخر من الخلف ، يؤشّر بيده لرأسه و يرسم معنى ما يقول : يا ابن "المهوّي"(1) .
يركض خلفه جواد ، فيناديه آخر من بعيد : الهوى هوايا (2).. و ابن المجنون معايا
ثم آخر : "خلعوها" .. "خلعوها" (3)...
يقف أحدهم مقلّدا المعلم و يقول: يا أولاد ، عدّدوا نقائض الوضوء.
فيصرخ الجميع : العبريّة يا أستاذ.
يتراكضون تسقط أكياس الكتب من على أكتافهم ، تتناثر الدفاتر و الأقلام ، عندما ينحني أحدهم ليلملم خاصته ، يركله آخر فيسقط أرضا ، يتمرّغ في التراب ، ينفض ملابسه و يشتم ، فيتصاعد الغبار ..
ينجح أحدهم بالوصول لعلبة السجائر ، يستولي عليها ، يشهرها في الهواء بمشهد مسرحي قائلا : حرّروا البلاد بسجائر أبو جواد .
تعلو القهقهات و الصفير ، تختلط الأصوات و الشتائم ، يتناول جواد حجرا عن حافة الطّريق ، يرفع يده يهدّده ليعيد له العلبة ، يلقي بها لآخر ، يركض جواد نحوه شاهرا الحجر ، فيلقيها لثالث ، يركض نحوه و هو يصرخ و يشتم ، يدور جواد بينهم ، يركض و يلهث من واحد لآخر ، إلى أن تمزقت العلبة و تناثرت السجائر ، فتقاذفتها الأرجل في كلّ مكان .
نظرت لوجهه عندما جاء ليأخذ كيس كتبه ، الذي حمّلني إياه ريثما ينهي معركته ، عَلِق التّراب برأسه الحليق ، و القشّ و أوراق حشائش يابسة ، وجهه مُعفّر ، دمعتان شقّتا طريقاهما على خدّيه ، بقيت ذرات التراب على جانبي الدموع ، في المجرى بانت بشرته النّظيفة ، كأنّه رسم كاريكاتوري ، يتدلّى من أنفه المخاط الممزوج بالتّراب ، تجمّد فوق شفته العليا ، أخذ كيسه دون أن ينبس ببنت شفة..
كانت صورة المدير و هو يحمل عصاه الرّفيعة الطويلة ، تستحوذني ، غدا سيشتكون له و سيأتي العقاب.. أنا الطالب المثالي ، المتفوق علما و أدبا ، مضرب المثل !! كيف سأدخل هذه المعركة إلى جانب ابن عمّي؟ .. و مركزي؟؟ و عقاب المدير؟ و الشكوى التي ستتبعها لأبي؟ و العقاب من جديد ؟.. لا .. لا ليس من شأني ما حدث .. كيف و كنت في الصفّ تبكي بحرقة على جواد ؟؟! كيف؟؟!
بكيت في حماية المعلم أمّا هنا ، ماذا أفعل ؟ أعاركهم ؟؟ لا .. لا ..
دخلت البيت ، منهكا ، متعبا ، أشعر بروحي تزهق ، حين يحاول صوت في داخلي اتّهامي بالجبن ، أفرّ متشبّثا بالولد المثالي !
لم أدخل من الباب المعتاد الذي يوصلني لأمي ، ذهبت حيث يعتاد جدّي الجلوس ، وجدته خلع ثوبه و استلقى مغمضا عينيه ، بقميصه و سرواله الطويل الفضفاض ، كقط أبيض يتلمّس برودة البلاط ، جلست على الأرض و ظهري نحو صدره ، تزحلقت بهدوء إلى أن أصبح كلّ جسمي يلامس الأرض و رأسي فوق خصره ، مدّ يده من فوق كتفي ، فتدلّت أصابعه الغليظة كثيفة الشّعر ، فوق صدري بمحاذاة عنقي ، تمتم دون أن يفتح عينيه : حكيم ؟؟
لم أجب ، بل أغمضت عيني مثله ، فقال ببطء و هدوء: أسمعك .. أسمعك ..
بقيت صامتا ، فقال بنفس النّبرة : ما بك يا حكيم ، أنا أسمعك !!.. لست نائما.. ثم هزّ يده ليحثّني ، فاهتزّ كتفي و كلّ جسدي. ، قلت: خذني يا جدي عند عمي لطيف.
يبدو أنّني فاجأته ، هربت يده مسرعة من على كتفي ، فتح عينيه و رفع رأسه و بحلق في وجهي ، فتحت عينيّ لتصطدم بحدقتيه المذعورتين.
حوقل و أعاد رأسه إلى الأرض ، لكن لم يُعِد يده ، و لم يَعُد قلبي يخفق ليعانق أصابعه التي تتدلّى فوقه من وراء الضلوع.
فقلت: اليوم ضرب المعلم الغريب جواد . كان يحل مسألة حساب على السبورة ، سقطت منه الطبشورة ، فانحنى ليتناولها ، فسقطت من جيبه علبة السجائر، نسي علبة سجائر عمي لطيف في جيبه ، صفعه المعلّم بقوة على وجهه ، فسقط على الأرض ، ركله برجله ، ثمّ ركله و طرده خارج الصّف ، سخر كلّ الأولاد منه ، قهقهوا ، أتى المدير بعد قليل و وشوش المعلم ، فأعاده للصفّ و أعاد له علبة السجائر.
لم يعلّق جديّ ، بل صرتُ أحس برأسي يعلو و يهبط فوق خصره ، مع تسارع نَفَسه ، هل أصابه القهر مثلي؟؟
تابعت أكثر حماسا : في الطريق ، سخر منه الأولاد ، ضايقوه ، أخذوا علبة السجائر و مزّقوها ، فبكى جواد.. جدي.. هل سيضربه عمي لطيف؟
رفع جسده عن الأرض ، وازن جلسته ، ثمّ زحف نحو مقعد قريب ، إتّكأ عليه و نهض.. نهضّت مسرعا : أتأخذني؟
لبس ثوبه دون أن يجيب ، التقط يدي و خرجنا معا نحو ساحة الدّار الجانبية ، المليئة بأشجار المشمش ، بيت عمّي لطيف قريب ، غرفة واحدة أمامها مصطبة فارهة مرتفعة ، نسمّيها "الدّوسة" ، تُظلّل معظمها شجرة توت ضخمة ، لم يكن عندنا مثلها ، و لم أعرف التوت إلاّ من يديه .
عمّي قصير القامة أسمر البشرة ، نحيل الجسم ، ذو شاربين رفيعين أنيقين ، لم أشعر يوما بالرّاحة حين كنت أجلس في حضنه و يطعمني التّوت ، كانت عظامه بارزة تضايقني ، أتململ فيضحك منّي ..
نتحلّق حوله ليحكي لنا عن أيام الشّباب ، أيّام كان يعمل في حيفا ، وجهه هادئا ، مضيئا ، عششت فيه طيور الجليل(4) بكلّ تفاصيلها ، تسمع زقزقاتها بصوته و أصابعه الطويلة الرّفيعة ، كأنّها مناقيرها ، لا يكفّ عن التّمتمة بأغنية لم أنجح في حفظ سوى بعض الكلمات منها : "حيفا عروس و الكرمل(5) جديله
البحر عطشان و القلب يناديله"
بعد النكبة تغيّر كلّ شيء ، يقتله النّدم ، كأنّه كان يحمل سرّ الكون و فرّط به ، يلوم نفسه ، يضم أصابعه و يضغطها بقوة ، فترتجف قبضته حين يشهرها أمام وجهه و هو يقول : لو كنّا نعرف ، فقط لو كنّا نعرف .. أولاد الـ...... كنّا نبول عليهم ، نبصق في وجوههم ...
تنام في أمان الله ، تستيقظ و قد احتلوا الهدار(6) و الكرمل ، و أصبحوا يقولون و يشورون .. يذبحون النّاس في الشوارع ... أولاد الكلب .. تفُ ... تفُ علي .. تفُ علي .. الله أكبر ، كم كنت غبيّا .. كم كنت غبيّا ، ويهزّ قبضته في الهواء..
لا أريد رؤية الأنجاس ، لا أريد ما يصنعون و لا ما يزرعون ، ثم يمسك كاحله و يرفع قدمه و يضرب بها الأرض ، و هو يقول : هذه الأرض يجب أن تجف ، أن تصبح صحراء .. صحراء ، و رمالها جمر ، لا تنبت حشيشة واحدة لهم ... ينظر بعينين زائغتين ، يغيّر نبرته و يسأل بهدوء : لماذا لا تجف؟؟ لماذا؟؟ و يضربها بقدمه ... يضربها إلى أن يعلو لهاثه
ثمّ يتمتم بحرقة : "حيفا عروس و الكرمل جديله
البحر عطشان و القلب يناديله"
و فجأة يصرخ مناديا زوجته : حسنية .. حسنية ... فتأتي بقامتها الطويلة ، و جمالها الريفي الذي لوّحته شمس الحقول ، تعرف ما عليها فعله دون أن يطلب ، تمدّ يدها لعلبة السجائر الملقاة جانبه ، تحت خرقة من قماش بالية ، تأخذ لفافة و تعطيه إياها ، يخرج من جيبه علبة كبريت "نابلسية" ، يشعل عود الثقاب و يعلّق : السجائر عربية لكن ، ختموا العلبة بختم الضريبة بلغتهم .. لعنة الله عليهم و على لغتهم..
قليل الخروج من البيت كي لا تقع عينه على أحد منهم ، أو ترى حرفا بلغتهم ، يـتأفّف دوما و هو يقول: انتشرت حروفهم كالذّباب في كلّ مكان .
إن لمست يده شيئا "ملوّثا" بهم ، يُسارع لغسلها ، لو وقعت عينه عليهم أو على كلمة عبرية ، يسارع لحوض الماء ، علبة السجائر تظلّ تحت الخرقة و معها البطاقة اللّعينة ، إذا خرج من البيت ، ترافقه زوجته لتحمل سجائره و بطاقته ، أو يرافقه جواد ، يصارحنا : لو كنت شجاعا لفقأت عيني ، لكنّني جبان ... جبان.. يضع إبهاميه فوق عينيه المغمضتين و يضغط بقوة ،، ثم يصرخ .. جبان .. جبان..
فيما بعد حاول ، أنقذته الصدفة بعد أن أدمى جفونه ، بعدها استدعى جدي أبي و قرّرا اصطحابه للطّبيب.
يمسح بيده على شعري و يبتسم ، يعطيني حبات من التّوت و يقول: مساكين .. يظنّونني مجنون ..
مرّت كلّ الصور أمامي و أنا ألهث خلف خطوات جدي المسرعة ، دفع الباب التنكي القديم ، دخلت خلفه ، كان عمّي في ظلّ شجرة التوت على "الدوسة" ، يحتسي الشاي بهدوء ، عندما رآنا ابتسم ابتسامته الحنونة الدّافئة ، فركضت و القيت بنفسي قربه ، التصقت به ، انشغل بالحديث مع جدّي ، خرجت زوجته و خرج جواد ، لكنّني لم أتابعهم ، و لم أسمعهم ، طوّقني بأحد ذراعيه ، دسست رأسي في صدره ، أغمضت عيني .. شعرت بحاجة للبكاء ، رعشة برد تجتاحني ، فطوقت وسطه بكلتا يدي ، دفعت بجسمي نحوه أكثر ، كأنّني أدخل فيه ... كم أحب التّوت يا عمي لطيف.. كم أحبّ التّوت..
حكيم
----------------
1 : تعني المجنون
2 : اشتقاق من الأولى ، و تغمز للجنون
3 : ايضا تعني الجنون
4 : منطقة شمال فلسطين المحتل منذ 1948
5 : جبل في قلب مدينة حيفا
6 : منطقة القطار الأرضي الذي يوصل بين المدينة و قمّة جبل الكرمل.
1 : تعني المجنون
2 : اشتقاق من الأولى ، و تغمز للجنون
3 : ايضا تعني الجنون
4 : منطقة شمال فلسطين المحتل منذ 1948
5 : جبل في قلب مدينة حيفا
6 : منطقة القطار الأرضي الذي يوصل بين المدينة و قمّة جبل الكرمل.
تعليق