الوجه الساخر
بداية عام دراسي جديد, الطلاب مجتمعون في باحة المدرسة, طلاب الصف الأول الثانوي يتعارفون ويتحادثون, منهم من التحق بالمدرسة الثانوية وقد جاء من مناطق ريفية.. إنها تجربته الأولى خارج نطاق القرية في هذه المدينة.
دخلت أولى أفواج الطلاب إلى غرفة الصف, وجدوا طالباًً يجلس في المقعد الأخير, تغامزوا فيما بينهم..من هذا يا ترى؟.. أتـُراهُ كان نائماًً هنا منذ الأمس.
ساد المكان الضوضاء والضحك بعد أن اكتمل عدد الطلاب, إلى أن دخل مدرس مادة الرياضيات, عمّ الصمت, ووقف الطلاب احتراماً لمعلمهم.
- تفضلوا واجلسوا لن نضيع الوقت بالتعارف, سأبدأ الدرس وأتعرف عليكم من خلال مشاركاتكم, درسنا اليوم في علم المثلثات, وقبل أن أبدأ, أريد من أحدكم أن يكتب نظرية فيثاغورث على اللوح.
رفع عدد من الطلاب أيديهم طلباً للإذن بالقيام بذلك.
لا.. ليس هذا ما يريد, فهو يعرف من خلال سنواته الطويلة في مهنة التدريس
أيـّـاً يختار, فالطلاب الجالسون في المقاعد الأولى يحبون الظهور والمشاركة, أما القابعون في الخلف فالأمر مختلف.
دار ببصره على الطلاب واختار واحداً منهم, يحاول أن يخفي وجهه خلف ظهر زميله الجالس أمامه.
- قف أنت, ما اسمك؟
- اسمي يحيى يا أستاذ.
- اخرج يا يحيى واكتب لزملائك نص النظرية على اللوح.
- لا أعرفها يا أستاذ..لا بل..نسيتها.
- نسيتها؟!. نسيتها؟!.
- أنسيت أن تأكل وتشرب؟!.. أنسيت أن تركض وتلعب؟!.. أنسيت أن تضحك وتمرح؟!..
يطلق طلاب الصف ضحكات هستيرية.
تتسارع دقات قلب يحيى, ويحمر وجهه وأذناه, ويشعر برجفة عنيفة تنتابه
وتـَعْـرَقُ يداه.
وكلما علا صوت ضحكات الطلاب شعر الأستاذ بالزهو والانتصار.
- قل لي ماذا نسيت أيضاً؟!. أنسيت أن تغازل ابنة الجيران؟.
وبدون وعي انهمرت دموع يحيى تتسارع الواحدة تلو الأخرى - لعمري - لو سقطت على صفيح من الفولاذ لاخترقته.
- ماذا يعمل أبوك؟
- هو..فلا..ااح.....ياا.......أســـــــــتا...ذ.
- إذا من الأجدر بهِ أن يربطك مع الثيران, فعلى الأقل يستفيد منك بشيء.
- اخرج أنت هناك, واكتب لهذا الكسلان ما نسيه على اللوح.
- أما أنت ستكتبها مئة مرة في البيت, فهذه النظرية سترافقك طوال حياتك وستدخل معك إلى القبر.
خرج الطالب وكتب النظرية, فيما عم الهدوء الصف كله, باستثناء تنهدات تخرج من روح يحيى الكسير الفؤاد.
مضت ساعة وأكمل المعلم الدرس .
- حسنا انقلوا حل هذه المسالة وحلوا المسائل الباقية في البيت.
فيما انشغل الطلاب بكتابة الحل, أخذ المعلم يتصفح جدول التعريف بالطلاب, إلى أن قــُـرع الجرس إيذاناً بانتهاء الحصة.
- اخرجوا بهدوء, ولا تنسوا أداء الوظيفة فمن لا يكتبها منكم له عقابٌ شديد.
خرج الطلاب واحداً تلو الآخر, بينما تابع المعلم قراءة الأسماء وهو يختلس النظر لهذا التلميذ الكسول المتشاغل بجمع كتبه ودفاتره.
لم يبقَ غيرهما في الصف, وما زال يحيى في مقعده ينظر إلى أستاذه بعين مكسورة ملؤها الحزن, وآثـــار عبراته بادية على وجهه.
- ألن تخرج يا يحيى؟!.
- نعم سأخرج يا أستاذ.
وقام من مكانه بخطوات مترددة باتجاه الباب.
وصل الأستاذ إلى الاسم الأخير .. يحيى: طالب متفوق, الأول على المنطقة.
ففغر فاه دهشةً, والتقت نظراتهما لبرهةٍ, أراد أن يوقفه ليستوضحهُ لولا أنّ يحيى أشاح بوجه.. ليطـُـلَّ وجهٌ مشوهٌ صعقهُ.
كانت رقعــة في سروال يحيى, مرثية بخيط دخيل, تـُطِلُ بتقاسيم وجهها الساخر
كانت تضحك بخبثٍ شديد.. كأنها تشير بيدها إلى الأستاذ:
- لم تسـعفك سنواتك العشرون في التعليم من إنقاذ ماء وجهك من براثن سطوتي وشدة انتقامي, ونشوة انتصاري.
بقي وحيداً جالساً خلف الطاولة يعصر رأسه بكلتا يديه وعيناه مسمّرتان على الجدول أمامه.. (الأول على المنطقة).
مشى وحيداً في الممر وكأنه يمشي دهراً, دخل غرفة المدير
لم يتفوه بالكثير.. أطلب نقلي إلى مدارس الريف.
=========================== دخلت أولى أفواج الطلاب إلى غرفة الصف, وجدوا طالباًً يجلس في المقعد الأخير, تغامزوا فيما بينهم..من هذا يا ترى؟.. أتـُراهُ كان نائماًً هنا منذ الأمس.
ساد المكان الضوضاء والضحك بعد أن اكتمل عدد الطلاب, إلى أن دخل مدرس مادة الرياضيات, عمّ الصمت, ووقف الطلاب احتراماً لمعلمهم.
- تفضلوا واجلسوا لن نضيع الوقت بالتعارف, سأبدأ الدرس وأتعرف عليكم من خلال مشاركاتكم, درسنا اليوم في علم المثلثات, وقبل أن أبدأ, أريد من أحدكم أن يكتب نظرية فيثاغورث على اللوح.
رفع عدد من الطلاب أيديهم طلباً للإذن بالقيام بذلك.
لا.. ليس هذا ما يريد, فهو يعرف من خلال سنواته الطويلة في مهنة التدريس
أيـّـاً يختار, فالطلاب الجالسون في المقاعد الأولى يحبون الظهور والمشاركة, أما القابعون في الخلف فالأمر مختلف.
دار ببصره على الطلاب واختار واحداً منهم, يحاول أن يخفي وجهه خلف ظهر زميله الجالس أمامه.
- قف أنت, ما اسمك؟
- اسمي يحيى يا أستاذ.
- اخرج يا يحيى واكتب لزملائك نص النظرية على اللوح.
- لا أعرفها يا أستاذ..لا بل..نسيتها.
- نسيتها؟!. نسيتها؟!.
- أنسيت أن تأكل وتشرب؟!.. أنسيت أن تركض وتلعب؟!.. أنسيت أن تضحك وتمرح؟!..
يطلق طلاب الصف ضحكات هستيرية.
تتسارع دقات قلب يحيى, ويحمر وجهه وأذناه, ويشعر برجفة عنيفة تنتابه
وتـَعْـرَقُ يداه.
وكلما علا صوت ضحكات الطلاب شعر الأستاذ بالزهو والانتصار.
- قل لي ماذا نسيت أيضاً؟!. أنسيت أن تغازل ابنة الجيران؟.
وبدون وعي انهمرت دموع يحيى تتسارع الواحدة تلو الأخرى - لعمري - لو سقطت على صفيح من الفولاذ لاخترقته.
- ماذا يعمل أبوك؟
- هو..فلا..ااح.....ياا.......أســـــــــتا...ذ.
- إذا من الأجدر بهِ أن يربطك مع الثيران, فعلى الأقل يستفيد منك بشيء.
- اخرج أنت هناك, واكتب لهذا الكسلان ما نسيه على اللوح.
- أما أنت ستكتبها مئة مرة في البيت, فهذه النظرية سترافقك طوال حياتك وستدخل معك إلى القبر.
خرج الطالب وكتب النظرية, فيما عم الهدوء الصف كله, باستثناء تنهدات تخرج من روح يحيى الكسير الفؤاد.
مضت ساعة وأكمل المعلم الدرس .
- حسنا انقلوا حل هذه المسالة وحلوا المسائل الباقية في البيت.
فيما انشغل الطلاب بكتابة الحل, أخذ المعلم يتصفح جدول التعريف بالطلاب, إلى أن قــُـرع الجرس إيذاناً بانتهاء الحصة.
- اخرجوا بهدوء, ولا تنسوا أداء الوظيفة فمن لا يكتبها منكم له عقابٌ شديد.
خرج الطلاب واحداً تلو الآخر, بينما تابع المعلم قراءة الأسماء وهو يختلس النظر لهذا التلميذ الكسول المتشاغل بجمع كتبه ودفاتره.
لم يبقَ غيرهما في الصف, وما زال يحيى في مقعده ينظر إلى أستاذه بعين مكسورة ملؤها الحزن, وآثـــار عبراته بادية على وجهه.
- ألن تخرج يا يحيى؟!.
- نعم سأخرج يا أستاذ.
وقام من مكانه بخطوات مترددة باتجاه الباب.
وصل الأستاذ إلى الاسم الأخير .. يحيى: طالب متفوق, الأول على المنطقة.
ففغر فاه دهشةً, والتقت نظراتهما لبرهةٍ, أراد أن يوقفه ليستوضحهُ لولا أنّ يحيى أشاح بوجه.. ليطـُـلَّ وجهٌ مشوهٌ صعقهُ.
كانت رقعــة في سروال يحيى, مرثية بخيط دخيل, تـُطِلُ بتقاسيم وجهها الساخر
كانت تضحك بخبثٍ شديد.. كأنها تشير بيدها إلى الأستاذ:
- لم تسـعفك سنواتك العشرون في التعليم من إنقاذ ماء وجهك من براثن سطوتي وشدة انتقامي, ونشوة انتصاري.
بقي وحيداً جالساً خلف الطاولة يعصر رأسه بكلتا يديه وعيناه مسمّرتان على الجدول أمامه.. (الأول على المنطقة).
مشى وحيداً في الممر وكأنه يمشي دهراً, دخل غرفة المدير
لم يتفوه بالكثير.. أطلب نقلي إلى مدارس الريف.
تمت
*
*
*
*
*
*
أنحني بإجلال وإكبار لكل معلم فاضل, وأخص بالذكر كل من أشرف على تعليمي (منذ الألف باء وحتى النهاية)
هذه القصة موجهة إلى القلة القليلة من - المـُـــــــــعـلـمـِّين - الذين باعوا ضمائرهم وسلكوا دروباً شائنة في مجال التعليم لنقص في شخصيتهم أوغاية في أنفسهم
وغاب عنهم أنها مهمةٌ سامية لها قداستها في المجتمع وعند الله .
وألفِت نظرهم بالقول : كاد المعلم أن يكون رسولا
كاد المعلم أن يكون.............. رســــــــــــووولا
2010/3/12
تعليق