وصية فُرقان ! * خيري منصور
فُرقان هو أصغر شهيد سنًا في باخرة الحرية ، كان في لحظاته الوداعية كما يروي شهود العيان يكتب بأصابع واثقة على دفتر صغير ما يشعر به وكان متأكدا أنه سوف يمهر البحر المتوسط بدمه ، وما كتبه لم يكن وصية بالمعنى التقليدي لكنه بيان الحياة ضد الإبادة ، واستجابة الأحياء لتحدي القرصان الاعمى.
فُرقان لم يعقد قرانه على عروس البحر ، ولم تزفه الأمواج الى ذلك المنصب المقدس ، لأنه ابن التاريخ لا الأسطورة ، وقرر منذ الإبحار أن يدافع عن أطفال فلسطين حتى الموت. لم يستطع أن يهديهم لعبة أو سنبلة أو دفترا لكنه أهداهم دمه. وحين يكبرون سوف يتذكرون في كبرياء وشجن ذلك الشاب الذي تناول عشاءه الأخير المتقشف وهو قاب رصاصتين أو أدنى من غزة.
هو إنسان أولا ، قبل أن يكون تركيا أو من أية جنسية أخرى ، لهذا أحس بالخجل مما يجري في الزمن الذي ولد فيه ، وكان أمامه شأن الملايين ممن حلقوا شعر الرأس وتدلى الموبايل على خاصرتهم كالمسدس أن يقضي لياليه في علاقات وهمية مع شبان وشابات وجدوا أنفسهم في مهب العولمة بلا بوصلة أو هدف. إنه البرهان الحاسم على فشل الميديا الداجنة والمسيّرة في غسل الذاكرات والأدمغة حتى لو نجحت في غسل الاموال.
فُرقان اسم حركي لعشرات أصبحوا مئات ثم آلافا وملايين ، ممن قرروا أن يدافعوا عن امتيازهم الآدمي في هذه الحقبة الصفراء التي أريد لها أن تكون نهاية التاريخ وخاتمة الإنسان،.
كم أعتذر لفُرقان عن موته نيابة عني وكم أود أن أهديه قلمي ودفتري وما تبقى فيّ من اقبال على الحياة.
ماذا تفعل لمن تركك مسترخيا على سريرك في غرفتك البعيدة عن مهدك وقبرك معا وسعى بقدميه الى حتف محتم؟. أنت حبر وهو دم ، وأنت هنا وهو هناك وأنت لست أنت وهو هو.. ولا أحد سواه.
إنه وشم أخضر على جذع كل زيتونة وصفصافة في بلادنا. وهو الحناء الذي يضمخ أصابع صبايانا في كل عرس ، لأنه مات دفاعا عن حق الآخرين في الحياة.
وصية فُرقان التي لم يكتبها بل تناقلتها الأمواج وهي تروح وتغدو بين الجليل وغزة وبين اب أنكره الابناء وأم بتر ثدييها ابن عاق لأنها جاعت ولم تأكل بهما.
هذه الوصية يقرأها البحر في كلّ مدّ ، وترددها الاشجار في كل حفيف ، وسوف يحملها الينا في هذه الزنازين المؤثثة والمكيفة الهواء اول سنونو يعلن الربيع القادم.
لو كان يقبل الاعتذار لاعتذرت له حتى القيامة لكنه لم يكن ممن يراجعون أنفسهم في اخر دقيقة قبيل إطلاق النار على رأسه ، عرف جيدا كيف يموت لأنه عرف جيدا كيف يعيش ، فالحياة حين تكون حرية ليست نقيضاً للموت عندما يتحول إلى قيامه.
لو كان يقبل الاعتذار لاعتذرت له حتى القيامة لكنه لم يكن ممن يراجعون أنفسهم في اخر دقيقة قبيل إطلاق النار على رأسه ، عرف جيدا كيف يموت لأنه عرف جيدا كيف يعيش ، فالحياة حين تكون حرية ليست نقيضاً للموت عندما يتحول إلى قيامه.
إنه الآن في حوار حميم مع راتشيل كوري رغم اختلاف اللغات ، يضمد ما مزقت الجرافة من جسدها وهي تلملم ما تطاير من أوراق دفتره لحظة إطلاق النار عليه.
هو فلسطيني من تركيا وتركي من فلسطين لأن الحدود الوهمية الآن قد محيت بين الإنسان والإنسان بعد أن تحددت هوية القاتل مثلما تحددت هوية القتيل.
ــــــــــــــــــــ
*أختي الغالية أمينة /
سمحت لنفسي بإضافة هذا الموضوع الرائع في منتداك الخاص، لتقديري أن هذا لن يضايقك...أتمنى ألا أكون أسأت التصور؟
تقبلي مودتي ومحبتي. وألف شكر لك سلفًا.
تقبلي مودتي ومحبتي. وألف شكر لك سلفًا.
تعليق