كالعشق..أو أكبر .
ينال الغضب من أمي , رغم طبعها الهاديء الحنون . تفلت أعصابها. تصرخ بي على غير عادتها : "ألا تنتهين ؟ ألا تملّين ؟ أخبريني ما الذي لم تقرئيه بعد ؟ قرأتِ كل القصص ..عن الحب و الزواج و الطلاق ..و.. "
و تصمت أمي .ترمقني بنظرة غاضبة ثم تتركني و تعود إلى ما كانت فيه .
لا أنبس بحرف . أنكمش في سريري , أغلق الكتاب الذي بين يديّ . أضعه تحت الوسادة . و أنتظر أن تختفي أمي عن ناظري و تنشغل عني تماما , لأحمله من جديد , أدسّه تحت اللّحاف , أرفع اللحاف بيدي قليلا ليتسرّب خيط من نور المصباح يمكّنني من رؤية السطور. يعتقد الجميع أنني نائمة بينما أنا أقرأ و أقرأ , إلى أن يطير بي عالم الحبر إلى عالم الحلم , فأغفو بأحداقٍ حُبلى ب ' عبرات ' المنفلوطي .
لا أدري كيف خطر لأمي أن ما قرأته كان عن الحب و الزواج و الطلاق فهي لا تعرف الكتابة و لا القراءة .
هل حدست بذكائها المفرط أنه , في تلك الفترة من العمر و زهور الأنوثة بدأت تتفتّح , تكون قصص الحب هي شغلي الوحيد ؟ أم تراها استنبطت ذلك من صور الأغلفة على مؤلفات إحسان عبد القدوس ,و نجيب محفوظ و جورجي زيدان و غيرها من الكتب التي كانت تنام معي و تستقبل الصباح متناثرة فوق فراشي أو تحت السرير . .؟
و لكن ما خمّنته أمي لم يكن صحيحا . هل كنت أتخيّر ما أقرأ ؟ مطلقا .
كنت فقط ألتهم كل ما تقع عليه يداي ,كان بي نهم جنونيّ و عطش لا يرتوي للقراءة , و الغريب , كلما نهلت من النبع اشتد بي الظمأ , كصحراء تبتلع مياه المحيط و تظل رمالها يابسة .
حتى أوراق الجرائد التي يبتاع فيها أبي الخضر أو الفاكهة لم تكن لتسلم مني . أستلّ الورقة بلهفة و قوّة فتتناثر المحتويات فوق الطاولة أو أرض المطبخ , أتركها على حالها و أبحر في الحروف . كان ذلك يثير حنق أمي أحيانا .
بعد كل هذا الزمن أتفهّم ردة فعلها, كانت تصرّ على تفوّقي بالفعل , و لكنها لم تكن تراني إلا و رأسي مغروسة بين طيّات الكتب . لا أساعدها في غسل الأواني أو مسح الأرضية أو إعداد الأكل , و حين يحدث و أقوم بذلك , أنهي الأمر في عجل و على أي وجهٍ كان لأتفرّغ للقاء الحبيب , و الفوز بلحظات الخلوة الساحرة و النشوة العجيبة معه و به .
في الحديقة تحت شجرة المشمش الضخمة , لم أكن أقرأ فقط . كنت أتغرغر بالكلمات , أتمضمض بالمفردات و أتلذّذ بها و هي تحوم في تلافيف عقلي , كفراشات سحرية ملوّنة , قبل أن تحط بمنتهى الرقة و تستقرّ كالوشم , و إلى الأبد في ثنايا القلب.
ماذا كنت أستطيع أن أفعل و الكتاب عشقي الأبدي , ما ذنبي و الكلمة حبي الأوّل.. و الأخير ؟
هي قصة عشق لا حدود لها . أذكر تفاصيل بداياتها و أعلم أن لا نهاية لها , بل أصلّي أن لا تنتهي إلا مع آخر نفس يغادر أسوار صدري .
البداية صوت أبي وهو يرتّل القرآن في ليالي رمضان الزاهية و نحن جلوس في حوش البيت حول مائدة السّمر نستمع له .
و البداية معك يا أمي , ألا تذكرين ؟ فأنت من زرعت في حقول فكري بذرة الكلمة و شتلات الحروف .
أبدا لن أنسى ليالي الشتاء القاسية و أنا و إخوتي ملتفين حولك .الفحم في ' الكانون ' يتّقد لهيبه , لهيب خافت لا يقينا قرّ البرد , و لكن هل كنت أحس بالبرد ؟ أبدا . في صدري يشتعل لهيب الخرافة , وأستشعر حرارة الشوق لسماع خاتمتها .
تقصين علينا أمي ' قطة الرماد ' / سندريلا ذلك الزمن / و ' بقرة اليتامى ' , و ' العنزة و الذئب ' و غيرها كثير , و كنت بعيون الطفولة أحدق في وجهك , كياني كله يترصّد حركة شفتيك , ألتقط الكلمات بقلبي قبل أذنيّ , و فكري الغض سارح في تفاصيل الحكايا , مشدوه من روعة الإكتشاف , مثل مغامر يتوغّل في أدغال غابة مجهولة , تتجاذبه مشاعر الفضول و الخوف و الدهشة .
و بعد ذلك , كانت اللّوحة و الطبشور و الخربشات الأولى .
ثم جاء الكتاب ليوقعني في حباله , و لا أزال إلى اليوم أسيرة هواه .
ك.ل.م.. سر الوجود . نقطة البدء . مفتاح القدسية أو الغواية . إكليل النار أو النور.
تسألني صديقتي , و نحن نقصد المغازة الكبرى من أجل التسوّق : ماذا كنتِ تتمنين أن تكوني ؟
أجيبها دون تردّد : نبتة دوار الشمس .
نعم . دوار الشمس ..أميل حيث نور الأبجدية ,أتّجه حيث شعاع الكلمة , بسحرها و عمقها , برقّتها أو قسوتها , بالحياة التي تزرعها في قلب العدم , أو الموت الذي تضرب به عمق الشعور .
نلج , صديقتي و أنا , بوابة المغازة , نسير خطوات في نفس الإتّجاه , ثم في مكان ما أتوقف عن السير . أتبادل معها نظرة . تبتسم . تفهم قصدي .كانت دائما تقول لي " أنت لن تتوهي مني في أي مكان . أعرف أين أجدك ."
نفترق . تتجّه هي إلى رواق الإكسسوارات و الألبسة , بينما يشدّني عشقي إلى رواق الكتب .
تلحق بي صديقتي . تجدني هناك , واقفة كمسمار أمام الرّفوف..أقبّل العناوين بعينيّ .
10/06/2010
تعليق