علم التفاوض
[SIZE="6"]I-
التعريف بعلم التفاوض الاجتماعي والسياسي
:[/SIZE]
هو علم تمازجي تكاملي، يهتم به المتخصصون في علوم الاجتماع واللغويات وعلم النفس والإدارة والعلوم السياسية والعلاقات الدولية وعلم الأجناس، هادفين من خلاله إلى:
* التعرف على أفضل الوسائل لإيجاد الأرضيات المشتركة، والتفاهم الفعال بين بني البشر، رغم اختلاف ثقافاتهم وعقائدهم.
* السعي إلى تجنب تفجير الصراعات والجدل العقيم، الذي يستنفد الوقت والجهد البشري في غير الصالح العام، ولا يتناسب مع سرعة إيقاع العصر ومتطلباته على جميع الأصعدة.
II- بين الحوار والتفاوض:
حين يكون المتحاورين على أرض المساواة، فالحوار هو الذي يجمع بينهم لتلاحم أفكارهم وتلاقح أرائهم.
وحين تغيب هذه الميزة انقلب الحوار إلى تفاوض بين قوي مكين وضعيف يسعى الانتزاع ما يمكن انتزاعه والوصول إليه عبر التفاوض مع مستعل، في الغالب مستكبر، لا يأبه بظروف المضطرين القاهرة التي ألجأتهم للتفاوض، قد يكون من أرباب العمل، أو من رؤساء الدول، أو مستول على حقوق غيره، مستميت في الدفاع عما اكتسبه بكل قوة...
III- ثقافة التفاوض :
تقتضي التعرف على كيفية البحث عن الأرضيات المشتركة بهدف الوصول إلى أفضل الاختيارات والاتفاقات الممكنة، التي من شأنها أن تتيح لنا أن نرتفع بمستوى أدائنا الحواري، والتركيز على حل المشاكل دون الاصطدام السلبي بالأشخاص، وتجنب حالات سوء التفاهم، وبخاصة في الأمور المسكوت عنها، وما ينتج عن تأويل لأفعال أو أقوال غير مقصودة، كذا تفادي كل ما يعمق الصراعات، دون مبرر حقيقي.
فهي نقيض ثقافة الإرهاب التي تهدف إلى تدمير وتشويه الآخر, قد تصل في تصاعدها إلى لغة العنف والرصاص، وترجع ثقافة الإرهاب ليس لعوامل الشراسة وسوء النية، أو صفات غير أخلاقية لدى بعضهم، بل تعود في كثير من الحالات إلى افتقاد القدرة العملية والعلمية على فهم تعقيدات وطبيعة الحوار التفاوضي، التي تستلزم معرفة تقنيات ومهارات وكفاءات الحوار، وعملية التواصل بإبعادها المختلفة مثل :
* الكفاءات النفسية Compétences Psycologiques
* الكفاءات الاجتماعية ِِCompétences sociologiques * الكفاءات الدبلوماسية Compétences diplomatiques
* الكفاءات اللغوية العرقية Cempétences Ethnolinguistiques
ـ أهم الأسس لثقافة التفاوض :
1- التركيز على حل المشاكل وتجنب التعرض للأشخاص بأي نوع من التشويه (تجنب الشخصائية في تناول المسائل, وامتداح العمل الحسن بغض الطرف عن الشخص الذي قام به).
2- تنمية حاسة الاستماع الجيد للآخرين وهذا يتطلب :
* تجنب هيمنة الافتراضات المسبقة التي نرسمها في أذهاننا عن بعضنا، بل ننتظر ونتأكد مما نستمعه، ونستوضح أي غموض حتى نتأكد قبل إصدار أي حكم، أو التفوه بأي كلام.
* استيعاب ما يقال وتخزينه في الذاكرة بصورة منتظمة، لاسترجاعه في الوقت المناسب في الحوار.
* مقاومة القابلية للاستهواء, أي قابلية تصديق أفكار الآخرين بتسرع دون دليل أو برهان قوي.
3- التعرف على طبيعة ملامح حوارية منها :
* أصول إقامة الحجج، وكيف نستخدمها إيجابيا لصالح التفاوض " وليس لصالح هزيمة الخصم أساس،ا " وهنا تبرز أهمية تأمل أساليب إقامة الحجج المختلفة في الثقافة الواحدة وعبر الثقافات، وكيفية التعامل مع الأنماط التي تجسد التسلط في الحوار.
* التعرف على وظائف الصمت في الحوار التفاوضي فهي أمور معقدة تحتاج إلى إبراز الدراسات الخاصة بها، وللصمت في إطار الثقافة الواحدة وظائف عدة بالغة التعقيد :
- الصمت سكوت لكبت الغضب.
- الصمت من حكم الشيخ لتمرير فرصة الممارسة على طفل.
- الصمت سكوت يسبق العاصفة.
- الصمت نوع من التمرد والعصيان.
- الصمت أثناء الكلام يمثل نوعا من عدم الترحيب بالآخر والاندماج معه.
- الصمت عند استئذان الفتاة من قبيلة "ايجبو الهندية" يعني الرفض،
وقد يعني عدم الخوض في الموضوع لئلا يؤدي ذلك إلى مزيد من التصعيد، وفي بلدان البحر الأبيض المتوسط قد يعني علامة قبول البكر عند الاستئذان بالزواج في الشريعة.
لذا ينبغي تحديد فترات الصمت، للتعرف عن فحواه، والإدراك بأن الإنصات مع التفكير عادة ما يكون أضعاف سرعة الكلام, كما ينبغي الإلمام بفن الخوض في المسكوت عنه، لئلا يؤدي ذلك إلى تفجير الأوضاع بالنبش في الممنوع.
* الاستخدام الإيجابي لعامل الوقت سواء في الأداء اللفظي أم الكتابة؛
• تجنب الغموض وبخاصة في اللحظات الحاسمة من أجل التفاعل والإدراك الجيد للاختلافات الثقافية والفردية, وتجنب الأسلوب غير المباشر في الأمور التي تحتاج إلى تدقيق.
-IV ما ينبغي تجنبه في الحوار التفاوضي :
أ- تجنب أساليب المغالطات والدفاع عن الأوضاع المخطئة أو عدم الاعتراف بالخطأ إذا وقعنا فيه.
ب- تجنب التقوقع على الذات والخوف من المواجهة الإيجابية مع الآخرين.
ج- تجنب التفكير الأحادي لأنه يجعل المتحاور سجين فكرة واحدة دون النظر في منظومة الأفكار الأخرى وبخاصة الجديد منها, فهو يحد من ظهور البدائل المتاحة للمتحاور.
د- تجنب سوء الظن بالآخرين والوقوع في براثين التفكير التآمري والتصنيف المتعسف، وتأطير الآخرين بجهالة ودون ترو.
V- ما ينبغي مراعاته في الحوار التفاوضي :
أ- مراعاة " تحقيق الممكن" عند كل خطوة ولو أدى ذلك إلى تحقيق الهدف بعد ألف خطوة, وتجنب السقوط في " الحب النظري للكمال".
ب- أهمية تحديد النقط التي يمكن التفاوض بشأنها والتي تؤسس الأرضية المشتركة مع الآخرين بقدر الإمكان. هل هذه النقطة مهمة؟ وما مدى أهميتها؟ وهل يمكن التفاوض بخصوصها أم لا ؟ وما أنسب الوسائل لمواجهة الطرف الآخر أو الخصم إذا أثارها؟.
ج- تحديد أولويات التحدث بشأن نقطة من النقط، هل ينبغي تصديرها على قائمة موضوعات النقاش أو تهميشها أو السكوت عنها، أيكون البدء بالمشكلات الرئيسية أو الفرعية؟.
د- أهمية تقييم الموقف التفاوضي دائما لتعرف المستجدات التي حدثت أثناء عملية التفاوض.
هـ- تعرف وظائف وآليات الأسئلة تماما بهدف الاستفادة منها في إنجاح عملية التفاوض:
1- ماذا سأكسب من إلقاء هذا السؤال؟ هل سأحصل على تعاون الطرف الآخر أو معونته أو تعهدات أو أداء أفضل؟.
2- طرح وإلقاء السؤال بالأسلوب الذي يمكنني من استدعاء أفضل وأكمل إجابة بهدوء وبشكل مباشر.
3- مراعاة توابع طرح السؤال، لابد أن نتعلم أن الحصول على الفائدة المرجوة من أي سؤال أو من توجيه سلسلة من الأسئلة, لن يتحقق إلا إذا أنصتنا جيدا للإجابات التي قد تفي بحاجاتنا أو تضطرنا لاستئناف عملية توجيه الأسئلة.
4- فخاخ وكمائن الأسئلة : تجنب الأسئلة الاستدراكية بجواب معين مع تنبه الذهن لما يعقب الجواب من شراك وفخاخ قد تستهدفك.
أنواع الأسئلة :
- الأسئلة المفتوحة : قد تذهب بالوقت في شكليات لا طائل تحتها.
- الأسئلة المغلقة.
- أسلوب تتابع الأسئلة.
و- تقييم طريقة التحدث : مراعاة الأسلوب + طريقة الحوارمع الآخرين + الملاءمة للسياق = قيمة طريقة التحدث.
هذا فضلا عن حركات اليد + تعبيرات الوجه + مستوى ارتفاع الصوت + سرعة الصوت + سرعة أو بطء تدفق الكلمات والتعبيرات التي لها أهميتها وتأثيرها في سياق الحوار.
ز- مراعاة كم المعلومات التي يلقى بها على صاحب الحوار، لا ينبغي أن نقول أكثر مما تتطلبه ضرورة الحوار أو أقل، بل تنبغي الموازنة بين الأمور بالأسلوب الذي يتيح النجاح للعملية التفاوضية.
ي- أهمية توثيق أحداث التفاوض في المجالات المختلفة، ومقارنتها بالأهداف عند بدء الدخول للتفاوض.
VIـ الحوار التفاوضي السلبي :
لعله من تمام الإفصاح والتبيين والإلمام ولو جزئيا بمعوقات الحوار وإدراك أصول الثقافات التي تغذي الحوار السلبي :
1- ثقافة التناحر :
تعمتد هذه الثقافة أساسا على نفي الخصم المحاور وإقصائه, وتتسم بالمواصفات التالية :
أ- الخطاب المنغلق على الذات لكل تيار, مما يؤدي إلى فقدان جسور التواصل.
ب- التفنن في تكنولوجيا العداء تجاه معسكرات الآخرين.
ج- الانفعال والاشتباكات الكلامية وغير الكلامية.
د- استخدام الحجج والبراهين للتدليل على خطأ الأشخاص وخطأ توجههم الفكري والعقدي برمته.
2- ثقافة التسلط :
وتتمخض عن شخصية استبدادية, بحيث يكون حوارها أو عدمه بحكم الوظيفة، تعبيراً مقتضباً مُجسِّداً لاستغلالها لسلطات حقيقية ممنوحة، وتهدف إلى شحن أعداد كبيرة من العقول بمقولات اتسمت باحتكار الحقيقة.
3- ثقافة التآمر :
تمثل هيمنة صور التفكير التآمري على مستوى إنتاج الحوار أو فهمه أو استقباله، وإن لمن أبرز سلبياته، القبول السريع ودون تحفظ لما يقال ويذكر من قبل المستمع المتلقي لمادة الحوار في أغلب الأحيان.
ومن هنا تنبثق " معضلة الثقة والتعاون " التي تنسف أرضية الحوار, إذ هي أهم الركائز المشتركة لفرز وتحجيم مناطق الاختلاف, والتباين في الرؤى بشكل موضوعي.
4- ثقافة الحداثة :
وتتجلى في القطيعة مع الماضي التليد والأخذ بشيء من العناية للماضي القريب, دون اكتراث لأخذ الدروس والعبر والعظات منه, وتبرز سلبياتها خصوصا في الحوار مع أهل الديانات, إذ يتخذون من المرجعية التاريخية, مصدر استلهام لشخصيتهم ومنطلق قوة وعزة، بينما يذكر الحداثيون الماضي جيداً, لكن نسيان دروسه وعدم الالتفات إليها يكون بسرعة أغرب, لكونها أحداث أصبحت بالية وقديمة, ولا تتماشى ونظرية التقدم ومتطلبات وسرعة حركة الفكر والتطور الإنساني المتقدم.
5- ثقافة الاستلاب والإحباط :
تتجلى في الشعور بأن هناك من حدث لهم نوع من التنويم المغناطيسي من قبل أحد أطراف الحوار, إلى الحد الذي ينقادون فيه إلى خط ما يحدده لهم الآخرون، الشيء الذي يدفع للتساؤل : كيف تم استلاب إرادة هؤلاء بهذه الدرجة؟ وكيف انغلقوا عن نظام قيم معين بصورة جامدة؟ وهو الأمر الذي يشعر بالإحباط ويفقد مصداقية الحوار والأهداف المتوخاة منه.
6- ثقافة الصمت والغموض السلبي :
إذا سبق التطرق لتقنيات الصمت في لغة الحوار, إبرازاً لأهميته, فإن فئة من المتحاورين يكتنف مواقفهم الغموض والصمت السلبي, إما لعجز عن توصيل المعنى المطلوب, وإما لافتقار إلى شجاعة المواجهة الصحية, الشيء الذي يمكنهم من اللعب على الحبلين والتأويل والانتهازية, طبقا لسير الأمور.
7- ثقافة تبديد الوقت :
إن القرار الصائب في غير وقته مضيعة، والقرار المتسرع مضيعة أكبر, وغالبا ما يتأتى هذا الضياع من سوء تنظيم الوقت وإدارة الأعمال.
والمرغوب فيه في خضم تزاحم الأحداث والانشغالات : مهارة الإيجاز والتوضيح سواء في الكتاب أو الحوار المسموع, والعمل على التخلص من تبديد الوقت والطاقة وبخاصة عند السياسيين.
خـاتـمـة
سمي القلب قلبا من كثرة تقلبه حبا وبغضا، كما سمي الإنسان إنسانا للألفة والأنس بين بني البشر، والمؤمن في دياجير الفتن قد ينسى أو يتناسى ما وقع لقابيل وهابيل ثم سلسلة المصائب والمدلهمات التي كانت ولا زالت على مدى التاريخ منذ بدء الخليقة، فيدخل معتركها بوعي أو بغير وعي.
" وأن المسلم يتوق إلى العلم بحركية الوجود ويسعى إلى نزع (فتيل) الخلاف بين الإخوان وإثبات الائتلاف بينهم متذكراً أن الأرواح جنود مجندة، ما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف، ولكنه مع غاية الإلف يلاحظ بكل مرارة، أن الابتعاد عن الإسلام يسوق الغافلين إلى الألم والدمار والضياع بدلا من سعي النفوس إلى ارتقاء أعلى الدرجات ".المهدي بن عبود، كتاب رصد الخاطر (غلاف الكتاب).
من أجل تصحيح المسار و توحيد الوجهة و تصحيح المفاهيم سواء لدينا أو لدى غيرنا فالحوار أوسع صدرا وأخصب مجالا لهذه الندبة.
لكن الحوار بدون أدب ولا سعة الصدر للاختلاف ووجهات النظر المتعددة مضيعة للوقت وضرب على الحديد البارد مهما سما المحاور في معارفه وسعة علمه وكثرة أساليبه.
هو علم تمازجي تكاملي، يهتم به المتخصصون في علوم الاجتماع واللغويات وعلم النفس والإدارة والعلوم السياسية والعلاقات الدولية وعلم الأجناس، هادفين من خلاله إلى:
* التعرف على أفضل الوسائل لإيجاد الأرضيات المشتركة، والتفاهم الفعال بين بني البشر، رغم اختلاف ثقافاتهم وعقائدهم.
* السعي إلى تجنب تفجير الصراعات والجدل العقيم، الذي يستنفد الوقت والجهد البشري في غير الصالح العام، ولا يتناسب مع سرعة إيقاع العصر ومتطلباته على جميع الأصعدة.
II- بين الحوار والتفاوض:
حين يكون المتحاورين على أرض المساواة، فالحوار هو الذي يجمع بينهم لتلاحم أفكارهم وتلاقح أرائهم.
وحين تغيب هذه الميزة انقلب الحوار إلى تفاوض بين قوي مكين وضعيف يسعى الانتزاع ما يمكن انتزاعه والوصول إليه عبر التفاوض مع مستعل، في الغالب مستكبر، لا يأبه بظروف المضطرين القاهرة التي ألجأتهم للتفاوض، قد يكون من أرباب العمل، أو من رؤساء الدول، أو مستول على حقوق غيره، مستميت في الدفاع عما اكتسبه بكل قوة...
III- ثقافة التفاوض :
تقتضي التعرف على كيفية البحث عن الأرضيات المشتركة بهدف الوصول إلى أفضل الاختيارات والاتفاقات الممكنة، التي من شأنها أن تتيح لنا أن نرتفع بمستوى أدائنا الحواري، والتركيز على حل المشاكل دون الاصطدام السلبي بالأشخاص، وتجنب حالات سوء التفاهم، وبخاصة في الأمور المسكوت عنها، وما ينتج عن تأويل لأفعال أو أقوال غير مقصودة، كذا تفادي كل ما يعمق الصراعات، دون مبرر حقيقي.
فهي نقيض ثقافة الإرهاب التي تهدف إلى تدمير وتشويه الآخر, قد تصل في تصاعدها إلى لغة العنف والرصاص، وترجع ثقافة الإرهاب ليس لعوامل الشراسة وسوء النية، أو صفات غير أخلاقية لدى بعضهم، بل تعود في كثير من الحالات إلى افتقاد القدرة العملية والعلمية على فهم تعقيدات وطبيعة الحوار التفاوضي، التي تستلزم معرفة تقنيات ومهارات وكفاءات الحوار، وعملية التواصل بإبعادها المختلفة مثل :
* الكفاءات النفسية Compétences Psycologiques
* الكفاءات الاجتماعية ِِCompétences sociologiques * الكفاءات الدبلوماسية Compétences diplomatiques
* الكفاءات اللغوية العرقية Cempétences Ethnolinguistiques
ـ أهم الأسس لثقافة التفاوض :
1- التركيز على حل المشاكل وتجنب التعرض للأشخاص بأي نوع من التشويه (تجنب الشخصائية في تناول المسائل, وامتداح العمل الحسن بغض الطرف عن الشخص الذي قام به).
2- تنمية حاسة الاستماع الجيد للآخرين وهذا يتطلب :
* تجنب هيمنة الافتراضات المسبقة التي نرسمها في أذهاننا عن بعضنا، بل ننتظر ونتأكد مما نستمعه، ونستوضح أي غموض حتى نتأكد قبل إصدار أي حكم، أو التفوه بأي كلام.
* استيعاب ما يقال وتخزينه في الذاكرة بصورة منتظمة، لاسترجاعه في الوقت المناسب في الحوار.
* مقاومة القابلية للاستهواء, أي قابلية تصديق أفكار الآخرين بتسرع دون دليل أو برهان قوي.
3- التعرف على طبيعة ملامح حوارية منها :
* أصول إقامة الحجج، وكيف نستخدمها إيجابيا لصالح التفاوض " وليس لصالح هزيمة الخصم أساس،ا " وهنا تبرز أهمية تأمل أساليب إقامة الحجج المختلفة في الثقافة الواحدة وعبر الثقافات، وكيفية التعامل مع الأنماط التي تجسد التسلط في الحوار.
* التعرف على وظائف الصمت في الحوار التفاوضي فهي أمور معقدة تحتاج إلى إبراز الدراسات الخاصة بها، وللصمت في إطار الثقافة الواحدة وظائف عدة بالغة التعقيد :
- الصمت سكوت لكبت الغضب.
- الصمت من حكم الشيخ لتمرير فرصة الممارسة على طفل.
- الصمت سكوت يسبق العاصفة.
- الصمت نوع من التمرد والعصيان.
- الصمت أثناء الكلام يمثل نوعا من عدم الترحيب بالآخر والاندماج معه.
- الصمت عند استئذان الفتاة من قبيلة "ايجبو الهندية" يعني الرفض،
وقد يعني عدم الخوض في الموضوع لئلا يؤدي ذلك إلى مزيد من التصعيد، وفي بلدان البحر الأبيض المتوسط قد يعني علامة قبول البكر عند الاستئذان بالزواج في الشريعة.
لذا ينبغي تحديد فترات الصمت، للتعرف عن فحواه، والإدراك بأن الإنصات مع التفكير عادة ما يكون أضعاف سرعة الكلام, كما ينبغي الإلمام بفن الخوض في المسكوت عنه، لئلا يؤدي ذلك إلى تفجير الأوضاع بالنبش في الممنوع.
* الاستخدام الإيجابي لعامل الوقت سواء في الأداء اللفظي أم الكتابة؛
• تجنب الغموض وبخاصة في اللحظات الحاسمة من أجل التفاعل والإدراك الجيد للاختلافات الثقافية والفردية, وتجنب الأسلوب غير المباشر في الأمور التي تحتاج إلى تدقيق.
-IV ما ينبغي تجنبه في الحوار التفاوضي :
أ- تجنب أساليب المغالطات والدفاع عن الأوضاع المخطئة أو عدم الاعتراف بالخطأ إذا وقعنا فيه.
ب- تجنب التقوقع على الذات والخوف من المواجهة الإيجابية مع الآخرين.
ج- تجنب التفكير الأحادي لأنه يجعل المتحاور سجين فكرة واحدة دون النظر في منظومة الأفكار الأخرى وبخاصة الجديد منها, فهو يحد من ظهور البدائل المتاحة للمتحاور.
د- تجنب سوء الظن بالآخرين والوقوع في براثين التفكير التآمري والتصنيف المتعسف، وتأطير الآخرين بجهالة ودون ترو.
V- ما ينبغي مراعاته في الحوار التفاوضي :
أ- مراعاة " تحقيق الممكن" عند كل خطوة ولو أدى ذلك إلى تحقيق الهدف بعد ألف خطوة, وتجنب السقوط في " الحب النظري للكمال".
ب- أهمية تحديد النقط التي يمكن التفاوض بشأنها والتي تؤسس الأرضية المشتركة مع الآخرين بقدر الإمكان. هل هذه النقطة مهمة؟ وما مدى أهميتها؟ وهل يمكن التفاوض بخصوصها أم لا ؟ وما أنسب الوسائل لمواجهة الطرف الآخر أو الخصم إذا أثارها؟.
ج- تحديد أولويات التحدث بشأن نقطة من النقط، هل ينبغي تصديرها على قائمة موضوعات النقاش أو تهميشها أو السكوت عنها، أيكون البدء بالمشكلات الرئيسية أو الفرعية؟.
د- أهمية تقييم الموقف التفاوضي دائما لتعرف المستجدات التي حدثت أثناء عملية التفاوض.
هـ- تعرف وظائف وآليات الأسئلة تماما بهدف الاستفادة منها في إنجاح عملية التفاوض:
1- ماذا سأكسب من إلقاء هذا السؤال؟ هل سأحصل على تعاون الطرف الآخر أو معونته أو تعهدات أو أداء أفضل؟.
2- طرح وإلقاء السؤال بالأسلوب الذي يمكنني من استدعاء أفضل وأكمل إجابة بهدوء وبشكل مباشر.
3- مراعاة توابع طرح السؤال، لابد أن نتعلم أن الحصول على الفائدة المرجوة من أي سؤال أو من توجيه سلسلة من الأسئلة, لن يتحقق إلا إذا أنصتنا جيدا للإجابات التي قد تفي بحاجاتنا أو تضطرنا لاستئناف عملية توجيه الأسئلة.
4- فخاخ وكمائن الأسئلة : تجنب الأسئلة الاستدراكية بجواب معين مع تنبه الذهن لما يعقب الجواب من شراك وفخاخ قد تستهدفك.
أنواع الأسئلة :
- الأسئلة المفتوحة : قد تذهب بالوقت في شكليات لا طائل تحتها.
- الأسئلة المغلقة.
- أسلوب تتابع الأسئلة.
و- تقييم طريقة التحدث : مراعاة الأسلوب + طريقة الحوارمع الآخرين + الملاءمة للسياق = قيمة طريقة التحدث.
هذا فضلا عن حركات اليد + تعبيرات الوجه + مستوى ارتفاع الصوت + سرعة الصوت + سرعة أو بطء تدفق الكلمات والتعبيرات التي لها أهميتها وتأثيرها في سياق الحوار.
ز- مراعاة كم المعلومات التي يلقى بها على صاحب الحوار، لا ينبغي أن نقول أكثر مما تتطلبه ضرورة الحوار أو أقل، بل تنبغي الموازنة بين الأمور بالأسلوب الذي يتيح النجاح للعملية التفاوضية.
ي- أهمية توثيق أحداث التفاوض في المجالات المختلفة، ومقارنتها بالأهداف عند بدء الدخول للتفاوض.
VIـ الحوار التفاوضي السلبي :
لعله من تمام الإفصاح والتبيين والإلمام ولو جزئيا بمعوقات الحوار وإدراك أصول الثقافات التي تغذي الحوار السلبي :
1- ثقافة التناحر :
تعمتد هذه الثقافة أساسا على نفي الخصم المحاور وإقصائه, وتتسم بالمواصفات التالية :
أ- الخطاب المنغلق على الذات لكل تيار, مما يؤدي إلى فقدان جسور التواصل.
ب- التفنن في تكنولوجيا العداء تجاه معسكرات الآخرين.
ج- الانفعال والاشتباكات الكلامية وغير الكلامية.
د- استخدام الحجج والبراهين للتدليل على خطأ الأشخاص وخطأ توجههم الفكري والعقدي برمته.
2- ثقافة التسلط :
وتتمخض عن شخصية استبدادية, بحيث يكون حوارها أو عدمه بحكم الوظيفة، تعبيراً مقتضباً مُجسِّداً لاستغلالها لسلطات حقيقية ممنوحة، وتهدف إلى شحن أعداد كبيرة من العقول بمقولات اتسمت باحتكار الحقيقة.
3- ثقافة التآمر :
تمثل هيمنة صور التفكير التآمري على مستوى إنتاج الحوار أو فهمه أو استقباله، وإن لمن أبرز سلبياته، القبول السريع ودون تحفظ لما يقال ويذكر من قبل المستمع المتلقي لمادة الحوار في أغلب الأحيان.
ومن هنا تنبثق " معضلة الثقة والتعاون " التي تنسف أرضية الحوار, إذ هي أهم الركائز المشتركة لفرز وتحجيم مناطق الاختلاف, والتباين في الرؤى بشكل موضوعي.
4- ثقافة الحداثة :
وتتجلى في القطيعة مع الماضي التليد والأخذ بشيء من العناية للماضي القريب, دون اكتراث لأخذ الدروس والعبر والعظات منه, وتبرز سلبياتها خصوصا في الحوار مع أهل الديانات, إذ يتخذون من المرجعية التاريخية, مصدر استلهام لشخصيتهم ومنطلق قوة وعزة، بينما يذكر الحداثيون الماضي جيداً, لكن نسيان دروسه وعدم الالتفات إليها يكون بسرعة أغرب, لكونها أحداث أصبحت بالية وقديمة, ولا تتماشى ونظرية التقدم ومتطلبات وسرعة حركة الفكر والتطور الإنساني المتقدم.
5- ثقافة الاستلاب والإحباط :
تتجلى في الشعور بأن هناك من حدث لهم نوع من التنويم المغناطيسي من قبل أحد أطراف الحوار, إلى الحد الذي ينقادون فيه إلى خط ما يحدده لهم الآخرون، الشيء الذي يدفع للتساؤل : كيف تم استلاب إرادة هؤلاء بهذه الدرجة؟ وكيف انغلقوا عن نظام قيم معين بصورة جامدة؟ وهو الأمر الذي يشعر بالإحباط ويفقد مصداقية الحوار والأهداف المتوخاة منه.
6- ثقافة الصمت والغموض السلبي :
إذا سبق التطرق لتقنيات الصمت في لغة الحوار, إبرازاً لأهميته, فإن فئة من المتحاورين يكتنف مواقفهم الغموض والصمت السلبي, إما لعجز عن توصيل المعنى المطلوب, وإما لافتقار إلى شجاعة المواجهة الصحية, الشيء الذي يمكنهم من اللعب على الحبلين والتأويل والانتهازية, طبقا لسير الأمور.
7- ثقافة تبديد الوقت :
إن القرار الصائب في غير وقته مضيعة، والقرار المتسرع مضيعة أكبر, وغالبا ما يتأتى هذا الضياع من سوء تنظيم الوقت وإدارة الأعمال.
والمرغوب فيه في خضم تزاحم الأحداث والانشغالات : مهارة الإيجاز والتوضيح سواء في الكتاب أو الحوار المسموع, والعمل على التخلص من تبديد الوقت والطاقة وبخاصة عند السياسيين.
خـاتـمـة
سمي القلب قلبا من كثرة تقلبه حبا وبغضا، كما سمي الإنسان إنسانا للألفة والأنس بين بني البشر، والمؤمن في دياجير الفتن قد ينسى أو يتناسى ما وقع لقابيل وهابيل ثم سلسلة المصائب والمدلهمات التي كانت ولا زالت على مدى التاريخ منذ بدء الخليقة، فيدخل معتركها بوعي أو بغير وعي.
" وأن المسلم يتوق إلى العلم بحركية الوجود ويسعى إلى نزع (فتيل) الخلاف بين الإخوان وإثبات الائتلاف بينهم متذكراً أن الأرواح جنود مجندة، ما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف، ولكنه مع غاية الإلف يلاحظ بكل مرارة، أن الابتعاد عن الإسلام يسوق الغافلين إلى الألم والدمار والضياع بدلا من سعي النفوس إلى ارتقاء أعلى الدرجات ".المهدي بن عبود، كتاب رصد الخاطر (غلاف الكتاب).
من أجل تصحيح المسار و توحيد الوجهة و تصحيح المفاهيم سواء لدينا أو لدى غيرنا فالحوار أوسع صدرا وأخصب مجالا لهذه الندبة.
لكن الحوار بدون أدب ولا سعة الصدر للاختلاف ووجهات النظر المتعددة مضيعة للوقت وضرب على الحديد البارد مهما سما المحاور في معارفه وسعة علمه وكثرة أساليبه.
مراجع: سلسلة كتب عالم الفكر
تعليق