قراءة في قصيدة (جمهوريَّة الدَّم) لأحمد همشري .

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • مختار السيد صالح
    مهندس معلوماتية | شاعر
    • 05-06-2008
    • 144

    قراءة في قصيدة (جمهوريَّة الدَّم) لأحمد همشري .

    قراءة في قصيدة (جمهوريَّة الدَّم) لأحمد همشري .

    ينحو الشاعر أحمد همشري منحًى واحداً تقريباً في عموم منجزه الشِّعري من خلال التزامه للهموم و التطلُّعات الكُبرى للإنسان العربي فنجد أنَّ معظم نصوصه الشِّعريَّة تدور في دارة المواضيع السياسية ذات العلاقة المباشرة بتلك التطلعات و الهموم لذا فهي لا تخرج في جغرافيَّتها الشِّعريَّة خارج حدود (القدس - بغداد - غزَّة ... إلخ).

    و الرُّؤية لا تختلف في النص الذي نحن بصدد قراءته اليوم و الذي نعرضه بدايةً قبل أن نحاول سبر معالمه الشِّعريَّة :

    جمهورية الدم
    بقلم :أحمد همشري
    (لقد أصبح الوقوف أمام الرافدين وقوفاً أمام نهر أحمر ..من دماء)

    هل الهديُ مذبوحٌ.. أم العيدُ أكبرُ؟
    أمِ الشمسُ تُضفي اللونَ.. فالماءُ أحمرُ

    أمِ العينُ قد شاختْ قُبيلَ أوانِها
    فزاغت بيَ الألوانُ واحمرّ كوثرُ

    عرفناكَ في التاريخِ تلبسُ أسوداً
    بأيّامِ هولاكو إذِ الحبرُ يقطرُ

    ولكنّ هذا اللونَ حرتُ بأمرهِ
    تعددّت الأسبابُ ..واللونُ أحمرُ

    هو الدمّ لون الدمُ ..والموتُ ريحهُ
    وفي سطحهِ تطفو العظام وتظهرُ

    هو الدمّ أدري ..فالعراقُ عيونُه
    نُهيران قد كانا.. وذا اليومَ أنهرُ!

    هو الدمّ أدري ..فالعراقُ مفخخٌ
    وحتّى عليلات النسائمِ خنجرُ!

    على هذه الأطلال ألفُ روايةٍ
    عناوينُها التفجيرُ ..والموتُ أسطرُ

    فمسجدُ مهدومٌ.. لأنْ هوَ مسجدٌ
    وحيدرُ مقتولٌ.. لأن هو حيدرُ!

    وتسألُ طفلاً فيه: عمرُك يا فتى؟
    فينطقُ ملء الفمّ ..حربٌ وأشهرُ!

    وحتى لواءُ الرافدين مطرّزٌ
    "بأحمرَ" يعني الدمّ..و"الله أكبرُ"

    أراكَ عراقَ الدمّ ..تُؤمنُ بالوغى
    وبالسلمِ مهما كانَ ما زلتَ تكفرُ..
    --------


    يفرِّغ النَّص جزءاً كبيراً من شحنتة الشِّعريَّة في متلقيه عبر عنوانه (جمهوريَّة الدَّم) و الظَّاهر هنا أنَّ الشَّاعر اشتغل على العنوان بقدر ما اشتغل على القصيدة و ربَّما أكثر فهو يبدأ عن قصد بلفظة (جمهوريَّة) ليوجِّه بوصلة المتلقي إلى العراق مباشرةً فلا يوجد أي جمهوريَّة أخرى في الجغرافيَّة
    الشِّعريَّة للشَّاعر كما أوضحنا في معرض حديثنا , ثمَّ يضيف لفظة (الدَّم) لتشف عن المأساة و المعاناة الإنسانيّة العظيمة التي يريد تصويرها في قصيدته و إنَّ الشحنة العالية في العنوان ما كانت لتتحقق لولا هذه الإضافة التي حققت الانزياح في الإسناد الذي بدا في العنوان و في مواطن قليلة أخرى مثل : (عليلات النسائم خنجر) - (عناوينها التفجير) - (الموت أسطر).

    و يبدو جليَّاً أنَّ "الدَّم" هو المحور الرئيسي في القصيدة إذ نجد أنَّ اللَّفظة "دم/دماء" تكرَّرت ثمان مرَّات في القصيدة ذات الإثنا عشر بيتاً و لو أنَّ بعضاً من هذه التكرارات و بعض الجمل الأخرى جاءت ملويَّة العُنُق عديمةَ الدّلالة استجابةً لرغبة البحر الطويل لا غير مثل (لون الدم) في الشطر (هو الدمّ لون الدمُ ..والموتُ ريحهُ) و (ملء الفم) في الشَّطر (فينطقُ ملء الفمّ ..حربٌ وأشهرُ!) .

    في تقديمه للقصيدة يقول : (لقد أصبح الوقوف أمام الرافدين وقوفاً أمام نهر أحمر ..من دماء) و لا يتّضح لنا حقيقةً كيف رأى الرافدين نهراً واحداً من دماء إلَّا حين نقف أمام خيارين الأوَّل أنَّ الشَّاعر كان يقف عند شطّ العَرب و ينظر نحو ملتقى النهرين فيراهما واحداً و هذا التفسير غير مقبول في نص كهذا و الثَّاني أنَّه يشير إلى أمرٍ ما و يناقضه بنفسه حين يقول :
    هو الدمّ أدري ..فالعراقُ عيونُه
    نُهيران قد كانا.. وذا اليومَ أنهرُ!
    فالرافدين في القصيدة (نهر أحمر من دماء) في المطلع و (نهيرين) من ماء زلال في أحد الأشطر و (أنهر) من دماء في ذات الشَّطر !

    في القصيدة أيضاً تناص واضح و مقصود مع المتنبِّي الذي يقول :
    و من لم يمت بالسيف مات بغيره .. تعدّدت الأسباب و الموت واحدُ
    و ذلك في الشَّطر : (تعددّت الأسبابُ ..واللونُ أحمرُ).

    تتحقَّق شعريَّة القصيدة من خلال الانزياح الذي ذكرناه سابقاً و من خلال الإيحاء الدلالي الذي حقَّقه النص عبر أسلوب الاستفهام في البيتين الأوَّل و الثاني .

    و تبقى هذه القصيدة على الرَّغم مما ذكرناه ومضة شعريَّة مهمَّة على طريق الشاعر المبدع أحمد همشري نتمنَّى أن نقرأ مثلها و أفضل منها كلَّ يوم.

    مختار سيِّد صالح
    البوكمال 13-6-2010م


    يُحاول
  • مزاحم الكبع
    شاعر سوري
    • 27-03-2010
    • 27

    #2
    عزيزي مختار:

    على ما يبدو ياصديقي بأنك اشتغلت على النص بمتعة ومحبة من خلال هذه الدراسة البسيطة والجميلة....


    نقرأ مطلع القصيدة فنجد (هل الهديُ مذبوحٌ.. أم العيدُ أكبرُ؟ أمِ الشمسُ تُضفي اللونَ.. فالماءُ أحمرُ) فنستنبط أنَّ الشاعر قد كتب قصيدته في مناسبةٍ ما محددة.... لكنَّه أرجأ نشرها لاعتباراتٍ لا تخصُّ الشاعر وحده.....

    نتابع القراءة عبر البيت الثاني (أمِ العينُ قد شاختْ قُبيلَ أوانِها فزاغت بيَ الألوانُ واحمرّ كوثرُ) فنجد استمرار استغراب وذهول الشاعر مما جرى عبر الاستفهام بطريقة التعجب التي تنم عن نكرانٍ شديد ورفضٍ تامٍ لمشهدٍ يتخطَّى حدود المعقول حتى يكاد يوصِل حدَّ الهذيان وربما الجنون ، خصوصاً وأنَّ العراق بلد النكبات المتتالية عبر العصور ، مستشهداً ومذكِّراً بما فعله هولاكو حين ألقى بالكتب في نهر دجلة فاستحال النهر أسوداً من لون الحبر مما شكَّل أبشع صورة للوأد الثقافي عبر العصور ، ولكن اللون هذه المرَّة يوقع شاعرنا بحالة من الحيرة ، وحالة من (الهيستريا) إن صح التعبير ، فاللون هذه المرَّة لون أحمر ، لون دم ، وكثيرة هي الأسباب التي جعلت من الأحمر سيِّد الألوان بلا منازع في العراق...

    (فمسجدُ مهدومٌ.. لأنْ هوَ مسجدٌ
    وحيدرُ مقتولٌ.. لأن هو حيدرُ!)

    هذا البيت ربما لي نظرة مختلفة له ، فهو رغم تعبيره عن فداحة الدمار والخراب في العراق ورغم الأسباب المعلنة والخفية التي أدَّت إلى هذا الدمار ، فإنِّي أرى فيه تنبيهاً إلى المصير الواحد لكل أبناء العراق رغم تعدد أطيافهم ومذاهبهم ، فالجميع أصابهم ما أصابهم من قتلٍ ودمارٍ وتشريد ، وفيه أيضاً إشارة إلى أنَّ النجاة إمَّا أن تشمل الجميع ، وإمَّا لا أحد ، فعلى العراقيين التوحُّد ونبذ كل الخلافات إن أرادوا تغيير واقعهم والنهوض من جديد وإعادة دورهم الحضاري المعروف عنهم عبر الزمان.... فكما أنَّ على هذه الأطلال ألف رواية عناوينها التفجير ، وسطورها الموت ، فإنَّ تاريخ العراق يفخر بأنَّه وطنٌ لحضارات متعاقبة قلَّ نظيرها في مكانٍ آخر.

    نعم...هو عراق الدم كما يراه شاعرنا الفاضل أحمد الهمشري ، ولكنَّ كفره بالسلم (على الأقل إلى الآن) ليس بسبب العراقيين الأوفياء الشرفاء الغيورين (وما أكثرهم في بلاد الرافدين) ، ولكنه نتيجة طبيعية لكثرة الأحزاب والتيارات السياسية المتواجدة في العراق والتي تدَّعي ولاءها لوطنها ، والحقيقة أنَّ لكلٍ منها ولاءٌ آخرٌ لا يعلمه إلا الله ، وقلَّة قليلة منهم هم العراقيون المخلصون حقَّاً ، وهؤلاء هم الذين سيبقون ، أمَّا من جاء مع الاحتلال فإنه سيعود أدراجه خائباً بائساً كما أسياده المحتلِّين...



    وختاما اسمحوا لي بملاحظتين بسيطتين الأولى أوجهها للأخ الشاعر أحمد الذي كرر نفس القافية كلمة (أحمرُ) في البيتين الأول والرابع ، وهذا غير مستحب في الشعر قبل مرور سبعة أبيات على الأقل

    والملاحظة الثانية لصديقي المجتهد الأخ مختار الذي ركَّز كثيرا في دراسته القيِّمة هذه على مفردة (الدَّم) واستشهاداتها دون الغوص عميقاً في الدوافع التي كانت وراء كتابة كلِّ بيت من أبياتها (القصيدة) ومدى غضب الشاعر ، والأرق الذي كان ينتابه وتقلب الأحداث في مخيِّلته...
    ثمَّ إنِّي لا أوافقك الرأي فيما ذكرته عند تفسير البيت (هو الدمّ أدري ..فالعراقُ عيونُه نُهيران قد كانا.. وذا اليومَ أنهرُ!) وأذهب تماماً مع ما أجاب به الأخ الشاعر أحمد حين قال:
    ((أما البيت "هو الدم أدري فالعراق عيونه * نهيران قد كانا وذا اليوم أنهر" ، فالنهيران دجلة والفرات ، وهما الآن أمام هذه الأنهر الدموية تصاغرا على كبرهما –والمعنى برأيي جميل وواضح. وألفت إلى أنك نبهتني من حيث تدري ولا تدري إلى خطأ هاهنا : فالأصح نهيرين لا نهيران ، شكراً))

    عذراً إن أطلت الكلام ولكنَّ القصيدة وشاعرها المبدع الدكتور أحمد ، ثمَّ ما أثاره فينا المهندس الأستاذ مختار خلال دراسته هذه يجعل المرء يسبح ويسبح في أجواء من الشاعرية ، ومن الصور الأكثر من معبِّرة دون أن يصل إلى نهاية على الرغم مما يحمله موضوع القصيدة من ألمٍ وشجنٍ عميقين.



    أخي العزيز مختار:

    أراك مشروع ناقد كبير (وبإذن الله ستصبح) ، كما رأيتك من قبل مشروع شاعر كبير وقد أصبحت...


    محبتي ومودتي
    التعديل الأخير تم بواسطة مزاحم الكبع; الساعة 16-06-2010, 11:06.

    تعليق

    • مختار السيد صالح
      مهندس معلوماتية | شاعر
      • 05-06-2008
      • 144

      #3
      السلام عليكم و رحمة الله و بركاته

      من الجميل أن أغيب ثلاثة أيّام و أعود لأجد أنّ أحد العمالقة الذين حملوني على أكتافهم تحرَّك فحرَّك معه الموضوع فشكراً له بدايةً.

      يبقى اختلاف وجهات النظر مطلوباً في مثل هذا المكان فقراءة مختار لا يجب أن تكون كقراءة مزاحم أو كقراءة زيد أو كقراءة عمروفقد يرى كل منّا رؤيته الخاصّة و لن تكون مفاجئةً لنا ألّا تتفق رؤانا مع رؤية الشاعر التي أرادها أصلاً (ربَّما) و هذا هو الشِّعر .

      والملاحظة الثانية لصديقي المجتهد الأخ مختار الذي ركَّز كثيرا في دراسته القيِّمة هذه على مفردة (الدَّم) واستشهاداتها دون الغوص

      عميقاً في الدوافع التي كانت وراء كتابة كلِّ بيت من أبياتها (القصيدة) ومدى غضب الشاعر ، والأرق الذي كان ينتابه وتقلب الأحداث في

      مخيِّلته...
      ثمَّ إنِّي لا أوافقك الرأي فيما ذكرته عند تفسير البيت (هو الدمّ أدري ..فالعراقُ عيونُه نُهيران قد كانا.. وذا اليومَ أنهرُ!) وأذهب تماماً مع ما

      أجاب به الأخ الشاعر أحمد.
      شكراً لك على الملحوظة بدايةً ثمَّ لا أعلم حقيقةً كيف يمكن لغير الشاعر نفسه "الغوص عميقاً في الدوافع وراء كتابة كل بيت" فإن كنت تقصد

      ما تعلَّمناه من ردّك -و أنت أستاذنا- فهو -برأيي الشخصي- شرح مدرسي للأبيات على مبدأ "اشرح الأبيات التالية" و هذا ليس انتقاصاً من

      قيمة الرد و حاشا و إنَّما هو توضيح اختلاف في المصطلحين لا أكثر .

      بالنسبة لعدم اتفاقك معي في تفسير البيت فأظن أنّني أوضحت قبل الاقتباس أنَّ هذا الأمر مطلوب و هو يبرهن على شعريّة النص و لو أنّني أرى

      أن القراءة لم تقم بأي شرح أو تفسير لهذا البيت فلو عدت لها لوجدت أنَّها تستحضره شاهداً لا غير .

      ختاماً نقول شكراً على هذا التفاعل و إن كان الأمر هكذا فسنستمر في قراءة المزيد من النصوص للمبدعين لنستفيد و نستمتع بالتواصل و إنْ كنَّا قد تجرَّأنا على أحد لا سمح الله فنحن نعتذر منه و نقول على الملأ أخطأ مختار و أصبت يا أستاذنا العزيز و لا يفوتني هنا أن أشير إلى تفاؤلي الكبير فعندما يتنبّأ شاعر بحجم مزاحم الكبع بمستقبل مختار الشعري و النقدي فلا بد لهذا المستقبل أن يكون إن شاء الله.
      يُحاول

      تعليق

      يعمل...
      X