قراءة في قصيدة (جمهوريَّة الدَّم) لأحمد همشري .
ينحو الشاعر أحمد همشري منحًى واحداً تقريباً في عموم منجزه الشِّعري من خلال التزامه للهموم و التطلُّعات الكُبرى للإنسان العربي فنجد أنَّ معظم نصوصه الشِّعريَّة تدور في دارة المواضيع السياسية ذات العلاقة المباشرة بتلك التطلعات و الهموم لذا فهي لا تخرج في جغرافيَّتها الشِّعريَّة خارج حدود (القدس - بغداد - غزَّة ... إلخ).
و الرُّؤية لا تختلف في النص الذي نحن بصدد قراءته اليوم و الذي نعرضه بدايةً قبل أن نحاول سبر معالمه الشِّعريَّة :
جمهورية الدم
بقلم :أحمد همشري
(لقد أصبح الوقوف أمام الرافدين وقوفاً أمام نهر أحمر ..من دماء)
هل الهديُ مذبوحٌ.. أم العيدُ أكبرُ؟
أمِ الشمسُ تُضفي اللونَ.. فالماءُ أحمرُ
أمِ العينُ قد شاختْ قُبيلَ أوانِها
فزاغت بيَ الألوانُ واحمرّ كوثرُ
عرفناكَ في التاريخِ تلبسُ أسوداً
بأيّامِ هولاكو إذِ الحبرُ يقطرُ
ولكنّ هذا اللونَ حرتُ بأمرهِ
تعددّت الأسبابُ ..واللونُ أحمرُ
هو الدمّ لون الدمُ ..والموتُ ريحهُ
وفي سطحهِ تطفو العظام وتظهرُ
هو الدمّ أدري ..فالعراقُ عيونُه
نُهيران قد كانا.. وذا اليومَ أنهرُ!
هو الدمّ أدري ..فالعراقُ مفخخٌ
وحتّى عليلات النسائمِ خنجرُ!
على هذه الأطلال ألفُ روايةٍ
عناوينُها التفجيرُ ..والموتُ أسطرُ
فمسجدُ مهدومٌ.. لأنْ هوَ مسجدٌ
وحيدرُ مقتولٌ.. لأن هو حيدرُ!
وتسألُ طفلاً فيه: عمرُك يا فتى؟
فينطقُ ملء الفمّ ..حربٌ وأشهرُ!
وحتى لواءُ الرافدين مطرّزٌ
"بأحمرَ" يعني الدمّ..و"الله أكبرُ"
أراكَ عراقَ الدمّ ..تُؤمنُ بالوغى
وبالسلمِ مهما كانَ ما زلتَ تكفرُ..
--------
يفرِّغ النَّص جزءاً كبيراً من شحنتة الشِّعريَّة في متلقيه عبر عنوانه (جمهوريَّة الدَّم) و الظَّاهر هنا أنَّ الشَّاعر اشتغل على العنوان بقدر ما اشتغل على القصيدة و ربَّما أكثر فهو يبدأ عن قصد بلفظة (جمهوريَّة) ليوجِّه بوصلة المتلقي إلى العراق مباشرةً فلا يوجد أي جمهوريَّة أخرى في الجغرافيَّة
الشِّعريَّة للشَّاعر كما أوضحنا في معرض حديثنا , ثمَّ يضيف لفظة (الدَّم) لتشف عن المأساة و المعاناة الإنسانيّة العظيمة التي يريد تصويرها في قصيدته و إنَّ الشحنة العالية في العنوان ما كانت لتتحقق لولا هذه الإضافة التي حققت الانزياح في الإسناد الذي بدا في العنوان و في مواطن قليلة أخرى مثل : (عليلات النسائم خنجر) - (عناوينها التفجير) - (الموت أسطر).
و يبدو جليَّاً أنَّ "الدَّم" هو المحور الرئيسي في القصيدة إذ نجد أنَّ اللَّفظة "دم/دماء" تكرَّرت ثمان مرَّات في القصيدة ذات الإثنا عشر بيتاً و لو أنَّ بعضاً من هذه التكرارات و بعض الجمل الأخرى جاءت ملويَّة العُنُق عديمةَ الدّلالة استجابةً لرغبة البحر الطويل لا غير مثل (لون الدم) في الشطر (هو الدمّ لون الدمُ ..والموتُ ريحهُ) و (ملء الفم) في الشَّطر (فينطقُ ملء الفمّ ..حربٌ وأشهرُ!) .
في تقديمه للقصيدة يقول : (لقد أصبح الوقوف أمام الرافدين وقوفاً أمام نهر أحمر ..من دماء) و لا يتّضح لنا حقيقةً كيف رأى الرافدين نهراً واحداً من دماء إلَّا حين نقف أمام خيارين الأوَّل أنَّ الشَّاعر كان يقف عند شطّ العَرب و ينظر نحو ملتقى النهرين فيراهما واحداً و هذا التفسير غير مقبول في نص كهذا و الثَّاني أنَّه يشير إلى أمرٍ ما و يناقضه بنفسه حين يقول :
هو الدمّ أدري ..فالعراقُ عيونُه
نُهيران قد كانا.. وذا اليومَ أنهرُ!
فالرافدين في القصيدة (نهر أحمر من دماء) في المطلع و (نهيرين) من ماء زلال في أحد الأشطر و (أنهر) من دماء في ذات الشَّطر !
في القصيدة أيضاً تناص واضح و مقصود مع المتنبِّي الذي يقول :
و من لم يمت بالسيف مات بغيره .. تعدّدت الأسباب و الموت واحدُ
و ذلك في الشَّطر : (تعددّت الأسبابُ ..واللونُ أحمرُ).
تتحقَّق شعريَّة القصيدة من خلال الانزياح الذي ذكرناه سابقاً و من خلال الإيحاء الدلالي الذي حقَّقه النص عبر أسلوب الاستفهام في البيتين الأوَّل و الثاني .
و تبقى هذه القصيدة على الرَّغم مما ذكرناه ومضة شعريَّة مهمَّة على طريق الشاعر المبدع أحمد همشري نتمنَّى أن نقرأ مثلها و أفضل منها كلَّ يوم.
مختار سيِّد صالح
البوكمال 13-6-2010م
ينحو الشاعر أحمد همشري منحًى واحداً تقريباً في عموم منجزه الشِّعري من خلال التزامه للهموم و التطلُّعات الكُبرى للإنسان العربي فنجد أنَّ معظم نصوصه الشِّعريَّة تدور في دارة المواضيع السياسية ذات العلاقة المباشرة بتلك التطلعات و الهموم لذا فهي لا تخرج في جغرافيَّتها الشِّعريَّة خارج حدود (القدس - بغداد - غزَّة ... إلخ).
و الرُّؤية لا تختلف في النص الذي نحن بصدد قراءته اليوم و الذي نعرضه بدايةً قبل أن نحاول سبر معالمه الشِّعريَّة :
جمهورية الدم
بقلم :أحمد همشري
(لقد أصبح الوقوف أمام الرافدين وقوفاً أمام نهر أحمر ..من دماء)
هل الهديُ مذبوحٌ.. أم العيدُ أكبرُ؟
أمِ الشمسُ تُضفي اللونَ.. فالماءُ أحمرُ
أمِ العينُ قد شاختْ قُبيلَ أوانِها
فزاغت بيَ الألوانُ واحمرّ كوثرُ
عرفناكَ في التاريخِ تلبسُ أسوداً
بأيّامِ هولاكو إذِ الحبرُ يقطرُ
ولكنّ هذا اللونَ حرتُ بأمرهِ
تعددّت الأسبابُ ..واللونُ أحمرُ
هو الدمّ لون الدمُ ..والموتُ ريحهُ
وفي سطحهِ تطفو العظام وتظهرُ
هو الدمّ أدري ..فالعراقُ عيونُه
نُهيران قد كانا.. وذا اليومَ أنهرُ!
هو الدمّ أدري ..فالعراقُ مفخخٌ
وحتّى عليلات النسائمِ خنجرُ!
على هذه الأطلال ألفُ روايةٍ
عناوينُها التفجيرُ ..والموتُ أسطرُ
فمسجدُ مهدومٌ.. لأنْ هوَ مسجدٌ
وحيدرُ مقتولٌ.. لأن هو حيدرُ!
وتسألُ طفلاً فيه: عمرُك يا فتى؟
فينطقُ ملء الفمّ ..حربٌ وأشهرُ!
وحتى لواءُ الرافدين مطرّزٌ
"بأحمرَ" يعني الدمّ..و"الله أكبرُ"
أراكَ عراقَ الدمّ ..تُؤمنُ بالوغى
وبالسلمِ مهما كانَ ما زلتَ تكفرُ..
--------
يفرِّغ النَّص جزءاً كبيراً من شحنتة الشِّعريَّة في متلقيه عبر عنوانه (جمهوريَّة الدَّم) و الظَّاهر هنا أنَّ الشَّاعر اشتغل على العنوان بقدر ما اشتغل على القصيدة و ربَّما أكثر فهو يبدأ عن قصد بلفظة (جمهوريَّة) ليوجِّه بوصلة المتلقي إلى العراق مباشرةً فلا يوجد أي جمهوريَّة أخرى في الجغرافيَّة
الشِّعريَّة للشَّاعر كما أوضحنا في معرض حديثنا , ثمَّ يضيف لفظة (الدَّم) لتشف عن المأساة و المعاناة الإنسانيّة العظيمة التي يريد تصويرها في قصيدته و إنَّ الشحنة العالية في العنوان ما كانت لتتحقق لولا هذه الإضافة التي حققت الانزياح في الإسناد الذي بدا في العنوان و في مواطن قليلة أخرى مثل : (عليلات النسائم خنجر) - (عناوينها التفجير) - (الموت أسطر).
و يبدو جليَّاً أنَّ "الدَّم" هو المحور الرئيسي في القصيدة إذ نجد أنَّ اللَّفظة "دم/دماء" تكرَّرت ثمان مرَّات في القصيدة ذات الإثنا عشر بيتاً و لو أنَّ بعضاً من هذه التكرارات و بعض الجمل الأخرى جاءت ملويَّة العُنُق عديمةَ الدّلالة استجابةً لرغبة البحر الطويل لا غير مثل (لون الدم) في الشطر (هو الدمّ لون الدمُ ..والموتُ ريحهُ) و (ملء الفم) في الشَّطر (فينطقُ ملء الفمّ ..حربٌ وأشهرُ!) .
في تقديمه للقصيدة يقول : (لقد أصبح الوقوف أمام الرافدين وقوفاً أمام نهر أحمر ..من دماء) و لا يتّضح لنا حقيقةً كيف رأى الرافدين نهراً واحداً من دماء إلَّا حين نقف أمام خيارين الأوَّل أنَّ الشَّاعر كان يقف عند شطّ العَرب و ينظر نحو ملتقى النهرين فيراهما واحداً و هذا التفسير غير مقبول في نص كهذا و الثَّاني أنَّه يشير إلى أمرٍ ما و يناقضه بنفسه حين يقول :
هو الدمّ أدري ..فالعراقُ عيونُه
نُهيران قد كانا.. وذا اليومَ أنهرُ!
فالرافدين في القصيدة (نهر أحمر من دماء) في المطلع و (نهيرين) من ماء زلال في أحد الأشطر و (أنهر) من دماء في ذات الشَّطر !
في القصيدة أيضاً تناص واضح و مقصود مع المتنبِّي الذي يقول :
و من لم يمت بالسيف مات بغيره .. تعدّدت الأسباب و الموت واحدُ
و ذلك في الشَّطر : (تعددّت الأسبابُ ..واللونُ أحمرُ).
تتحقَّق شعريَّة القصيدة من خلال الانزياح الذي ذكرناه سابقاً و من خلال الإيحاء الدلالي الذي حقَّقه النص عبر أسلوب الاستفهام في البيتين الأوَّل و الثاني .
و تبقى هذه القصيدة على الرَّغم مما ذكرناه ومضة شعريَّة مهمَّة على طريق الشاعر المبدع أحمد همشري نتمنَّى أن نقرأ مثلها و أفضل منها كلَّ يوم.
مختار سيِّد صالح
البوكمال 13-6-2010م
تعليق