صرخة / إيمان عامر

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • صادق حمزة منذر
    الأخطل الأخير
    مدير لجنة التنظيم والإدارة
    • 12-11-2009
    • 2944

    صرخة / إيمان عامر

    صرخة / إيمان عامر

    جلست منهارة باكية... ساقني الفضول إليها ... اقتربت منها .. قلبي يتمزق من بكائها... كانت
    شابة في العشرين من عمرها... ترى ما مشكلتها ؟؟
    جلست بجوارها في صمت... راحت تنظر إليّ ، ودموعها تنهمر بلا توقف ... أخذت أجتر كلماتي...
    لعلي أمزق صمتي ، وأجمع شتات كلماتي ...
    لا أعرف رد فعلها تجاهي...

    همست في أذنها: ما بك ؟
    تبكي في حرقة ... غرقت في صمتي...
    قلت: اهدئي و تحدثي.. لو بيدي مساعدتك لن أتأخر...
    قالت: أنا في مأزق شديد ،
    ولا أعرف كيف أخرج منه ، ولا أتخلص !!

    قلت لها : ما هو المأزق الذي يصعب عليك الخلاص منه؟
    فض ما عندك... أطلقي ما بداخلك.
    أخذت نفسا عميقا... تحاول أن تسترسل في الحديث...
    شردت للحظة...
    قالت : أنا متزوجة منذ ثلاثة أشهر... ذهبت إلي الطبيبة اليوم ؛ فأخبرتني بأني حامل !!!

    : وهل هذا يزعجك ويبكيك لدرجة الانهيار؟
    هذا الخبر ينتظره كل إنسان بعد الزواج .
    رفعت عينها إلى : تلك هي مشكلتي .
    صدمتني بحديثها : ما مشكلتك إذن ؟
    : قبل الزواج كان...
    سكتت متألمة... وجهها كلون الدماء.

    بلسان متلعثم : كان في يوم بارد عاصف .
    صمتت ، تبتلع الحروف دون إفصاح..
    أضافت بعينين منكسرتين: كان ينام بجواري دائما ..

    قطعت عليها الاسترسال : كيف كان ينام بجوارك ؟
    : كان يترك فراشه كل ليلة ، ويأتي إلى غرفتي .
    : ما من مشكلة في ذلك.. جميل أن يحبك كثيراً .

    لا أريد أن أصدق ، ما وصلني قبل أن تكمل حديثها ... قلبي يرتعد من هول ما سوف أسمع...

    : كنت غارقة في النوم ، صحوت ذات ليلة ، علي يدٍ تتحسس جسدي ، قمت من النوم مرتعدة .
    انتفض فزعاً ، ضمني بحب وحنان.
    دعكت عينى لأتأكد من بجوارى .. كان هو... راح يتحسس صدري.. يداعب شفتي... أرفع يده كل
    مرة... يقترب أكثر... إلتقم شفتي ..صرخت... فقال : اهدئي.. لا تخافي ...
    أنا أبوك.
    خلجت منه... سحب علي الغطاء وذهب...

    صار يكرر هذا كل ليلة
    .عندما تغرق أمي في نومها ... يأتي إلى حجرتي ... محاذرا أن يجرح غشاء البكارة كان يستمتع
    بي... صرت أتلذذ بذلك كثيراً ... جاريته برغمى .. لا أدرى .. صدقينى لا أدرى .

    أخاف أن أخبر أمي...

    عندما جاءني مَن تزوجني... وافقت... كان يرفض بشدة ، كل من يتقدم إلي دون تردد ..

    ولم يكفّ عني... يطاردني في فراش الزوجية.
    صعقتني بكلماتها... لم تتوقف عن الحديث...تزيح ما لديها بقسوة ، لا تدرى أينا يتألم أكثر..
    يأتي إلي كل يوم... بعد نزول زوجي إلى العمل ... الآن أصبح الباب مفتوحاً على مصراعيهِ.. كي
    يكمل ما كان ينقصه ، يتعمق بداخلي...
    صرخت فجأة : الآن لا أعلم ... ذلك الجنين الذي أحملة بين أحشائي... لمن أنسبه ؟!

    غمست وجهها بين كفيها ، انخرطت في بكاء طويل.
    طرت أجاهد الغثيان ،
    كأنى ابتلعت حاوية قمامة !!

    ------------------------------

    إن هذا الموضوع من أكثر المواضيع صعوبة في التناول وتحتاج أولا شجاعة بالغة لتناولها بسبب
    الرفض الاجتماعي الشديد والإدانة الشديدة لها .. وكذلك بسبب أنها تحتاج إلى مهارات خاصة
    لتناولها لذلك بقيت هذه المواضيع داخل ملفات الأطباء النفسيين والأخصائيين الاجتماعيين إضافة
    لأروقة العدالة ..
    وعادة ما يطلق على هذا الأمر ( INCEST ) زنا المحارم وهو مرتبط ارتباطا وثيقا بخلل في الوعى
    واضطراب للميزان القيمى والأخلاقى لدى الشخص لدرجة يسهل معها انتهاك الحرمات ..
    ولابد أن نفهم الأسباب الاجتماعية و النفسية و البيولوجية التي تساهم في كسر حاجز التحريم
    الجنسى وتؤدي للانفلات باتجاهات غير مقبولة دينيا واجتماعيا .. فعادة ما ارتبط التحرش
    بالمحارم بحالات مرضية أخرى ..
    إجتماعية كالاحتشاد السكانى المعيشي والأسر المنعز لة عن المجتمع (أو ذات العلاقات
    الداخلية المنغلقة )
    و بيولوجية مثل الإدمان ( للكحول والمخدرات )
    و نفسية متعلقة بالأشخاص المضطربين نفسيا أو المتخلفين عقليا
    و غالبا ما يحدث هذا التحرش بمبادرة ممن هم الأكبر سنا تجاه أطفال (ذكور أو إناث) ولهذا فإن ما
    يحدث يبتدئ عادة بما يشبه الإغتصاب (الممارسة الجنسية بدون رغبة المعتدى عليه ) في كثير من
    الحالات قبل أن تعتاد الضحية - غير المدركة - الأمر منساقة وراء الاحتياج الجنسي والرغبة
    المثارة وغير المستقرة والضاغطة لتلبية الاحتياج .. فمن المستحيل على الجائع أن يرفض الطعام
    فيما بعد وخصوصا أن من يقدمه هو شخص ( راع ومعاضد ) ..
    ولهذا الأمر بالذات أيضا عوامل مساعدة سيكولوجية واجتماعية تربوية اعتيادية تتمثل في سلطة
    الكبير وطاعة الصغير ( المتعود عليها ) .. فالصغير ( غير المدرك ) كثيرا ما اعتاد إطاعة الكبير ضد
    رغباته هو وكان هذا قائم على مبدأ أن الكبير هو الذي يعرف مصلحته .. فمثلا كثيرا ما اصطحب
    الكبيرُ الصغيرَ إلى عيادة الطبيب وأجبره على التعرض للألم وكان هذا اعتياديا ومشروعا .. !!
    ولذلك عندما يحدث انهيار أو ضعف للنظام الأخلاقى داخل الأسرة ( ضعف الأنا
    الأعلى - الضمير) لدى بعض أفراد الأسرة أو جميعهم .. يتم إساءة استغلال هذه السلطات
    بلا وازع لدى الكبار ..
    ويرافق هذا حرمان من إشباع الاحتياجات الخاصة الجنسية لدى الصغار مما يجعلهم دائما في
    حالة عدم استقرار و مشاريع سقوط في الأسرة بسبب استعداداتهم الجنسية المتحفزة .. فالجنس
    خارج البيت الممنوع ( والمعيب والمسبب للفضيحة ) الذي يصر عليه ويقمعه الولي ( في البيئات
    المتحفظة والمغلقة خصوصا ) يخلق حرمانا متفاقما .. يساعد على السقوط لدى أول بادرة تحدث
    في الخفاء ضمن حدود الأسرة وبعيدا عن أعين المجتمع الفضّاح ..
    ولهذا من غير المستغرب أحيانا أن تأتي البادرة المثيرة من الصغار ( بقصد أو بغير قصد ) أحيانا تسجلها ظواهر مثل
    اعتياد ارتداء ملابس كاشفة و اعتياد التعاطي الجسدى في التعاملات اليومية بشكل زائد وغياب
    الحدود والحواجز و الخصوصيات بين الجنسين في إطار الأسرة ..
    وبعد هذا التو صيف المختصر لحالة التحرش بالمحارم .. يمكن أن نقترب من شخصية بطلة القصة
    الضحية .. ويمكننا أن نسجل الآتي :

    1- القصة جاءت بلسان الراوي و ( كان / كانت ) ذات شخصية سلبية تماما .. تقدم الوصف الخبري
    البسيط للأحداث مع إظهار الموقف الذاتي المشمئز والمستنكر حتى قبل التصريح بحالة
    التحرش من قبل الضحية ..

    2- إن شخصية الضحية كانت في حالة انهيار علني وهذا يتنافى مع شخصية ضحايا التحرش
    لفترات طويلة عادة والذين ينتمون لبيئات منغلقة تحتفظ بأسرار البيوت وخصوصا منها التي
    يستنكرها ويعيبها المجتمع .. إذا لا بد أن حدثا كبيرا حصل يتجاوز الأمر الاعتيادي الذي استمرت
    بممارسته ..
    والحمل ليس بهذا الحجم الكافي لانهيار علني .. ولهذا :

    3- إن الشعور بالذنب أو الخطيئة الذي بقي يضغط في أعماق نفسها .. خرج إلى السطح متجاوزا
    كل الاعتياد واللذة والاحتياج وحتى الاحتياطات الأمنية ضد الفضيحة ..

    4- إن الاحتياج الجنسي الضاغط في البداية كان مبررا وعاملا ضاغطا لصالح الاستمرار في الخطيئة .. ولكن الزواج ألغى هذا العامل وأبطل مبرراته .. وهذا أحدثا فراغا في التوازن الوهمي المصطنع الذي أقامته الضحية في مواجهة الشعور بالذنب اتجاه الخطيئة ..

    5- إن الوصف الدقيق لحالة الزنى ما بعد الزواج اتخذت شكلا عاطفيا ومتعاطفا مع الجاني ..
    في وصف حالة النقص والاحتياج التي يعاني منها .. (( الآن أصبح الباب مفتوحاً على مصراعيهِ.. كي يكمل ما كان ينقصه ، يتعمق بداخلي... )) إذن هنا اعتراف من الضحية بأن الجاني كان ينقصه هذا الذي لا ينقصها هي الآن .. وكذلك هنا نجد تفصيلا دقيقا لا يتطرق له عادة المعانون من حالة انهيار وشعور شديد بالذنب والخجل الشديد المرافق لهذا الحدث إلا من خلال الاستجواب .. وكثيرا ما يتجاوزونه في اعترافاتهم التي تكون عادة مقتضبة جدا .. ولهذا كان هذا التفصيل غير مبرر دراميا هنا ..

    6- إن الضحية لم تظهر أي وازع ديني عقائدي في هذا الموضوع .. وإنما هي حالة ندم وشعور وجداني بالخيانة ضد الزوج و تضييع الأمانة في التحقيق في هوية المولود ..
    والسؤال الذي يطرح نفسه هنا.. هل إذا أثبت تحقيق النسب أن المولود يعود لزوجها تكون المشكلة قد حلت ..؟؟.. وستزول أعراض هذه النوبة العصبية وصحوة الضمير .. ؟؟ نعم من المرجح أنها ستزول ..


    كانت قصة شديدة الحساسية في تناولها .. وقد ظهر حذر الكاتبة الشديد في جميع مفاصل القصة .. والتي حاولت الإيحاء بالاستنكار والرفض ببوادر خفية ومنذ مطلع الحدث مع إظهار بعض التعاطف مع الضحية .. وإن كان هذا التعاطف لا يخلو من تأييد نوعي أنثوي يتبنى موقف المرأة بالعموم .. ويساند قضاياها .. وهنا أريد أن أشير إلى أن التحرش ( مع أنه يحدث ليس ضد المرأة فقط ) هو من الجرائم التي تدرج عادة تحت بند العنف ضد المرأة .. وكذلك بسبب أن المرأة إحصائيا هي الأكثر عرضة للتحرش .. ولكن في لحظة المواجهة مع الحالة فرت الراوية نافضة عن نفسها كل هذا التعاطف وهاربة بما يشبه الاتساخ العميق .. في تعبير متعاظم عن الرفض والاستنكار الشديد لهذه الحالة ..
    وهنا أريد أن أسجل شيئا مهما جدا في هذه القضية ..
    إن الوازع الديني أيضا نراه يتراجع في هذه القضية لدى الراوية إلى الخلف وراء الاعتبارات الاجتماعية والأخلاقية التي تتصدر الواجهة في مثل هذه المواضيع وهذا يحدث مع معظم الناس العاديين غير المتخصصين إزاء مثل هذه القضايا .. ولأبين ذلك سأورد مثالا ..
    ماذا لو كانت القضية المطروحة هنا هي قضية كفر وإلحاد أو شرك ( وهي الذنب الأعظم دينيا ) فهل كان الرفض والاستنكار من قبل الراوية ومن قبلنا أيضا نحن القراء سيظهر بهذه الشدة .. ؟؟ مع أنه من المفترض أن تكون ردة الفعل أكثر شدة وفقا للاعتبارات الدينية في حالة الكفر أو الشرك .. !!
    ثم هل كان النص سيواجه بمطالب التورية وعدم التصريح وعدم التفصيل .. ؟؟
    .....

    الأديبة الجريئة إيمان عامر

    أحييك على شجاعتك في التصدي لمثل هذا الموضوع المثير للكثير من الجدل والإحراجات والآراء الرافضة للبحث فيه .. لما فيه من حساسية ولما يثيره من اعتراضات اجتماعية وأخلاقية لدى القراء وكان لابد لهذه الصرخة من أن تصل إلى آذاننا رغم كل المحاذير التي ذكرت ..

    تحيتي وتقديري لك





  • عائده محمد نادر
    عضو الملتقى
    • 18-10-2008
    • 12843

    #2
    الزميل الرائع
    صادق حمزة منذر
    رؤية جميلة وربما شفافة جدا لنص (( صرخة )) الذي فعلا أثار جدلا بين الأدباء لأنه موضوع شديد الحساسية لتعلقه التام بالأسرة وبنائها والتحول التام من رعاية أبوية إلى رعاية (( جنسية من طرف الأب )) ومن رغبة بحنان (( الأب )) ورعايته إلى رغبة جسدية وتقبل جنسي وتمتع فيه من قبل (( الإبنة )) وهذا الأمر الذي يرفضه العقل البشري السوي وبكافة المجتمعات سواء المسلمة أو المسيحية وربما أغلب الأديان أيضا
    الزنا بالمحرمات موضوع شديد الخطورة وعليه يتوجب على الراوي أن يتوخى الحذر الشديد أثناء السرد فيه لأنه سيف ذو حدين لو لم يصغ بطريقة متوارية قليلا ورمزية ليس القصد منها تقليل تأثير الموضوع ولكن كي يأخذ الأمر طابعه الأدبي الطبيعي وعدم المباشرة التي تقلل من قيمة النص وحتى تأثيره فنجد الرد السلبي وكأنه يأخذ طابع الشخصنة والذي نحن بأمس الحاجة للإبتعاد عنه كي نستطيع أن نطرح تلك الجرائم بموضوعية وحرفية ونسلط الأضواء عليها ومحاولة درء خطرها الكبير
    أشكرك زميلي جدا فقد فتحت نافذة جميلة لهذا النص وكاتبته الرقيقة إيمان عامر التي أرجو أن أراها مجددا ها هنا على صفحاتنا.
    ودي الأكيد لك
    الشمس شمسي والعراق عراقي ..ماغير الدخلاء من أخلاقي .. الشمس شمسي والعراق عراق

    تعليق

    • محمد محضار
      أديب وكاتب
      • 19-01-2010
      • 1270

      #3
      جميل التطرق لموضوع زنا المحارم الذي اصبح متفشيا بشكل مريع ورهيب..وجرأة الكاتبة ايمان عامر لا توازيها الا التحليلات العميقة والمقاربة القوية للأستاذصادق حمزة
      sigpicلك المجد أيها الفرح المشرق في ذاتي، لك السؤدد أيها الوهج المومض في جوانحي...

      تعليق

      يعمل...
      X