العلم الحصولي والعلم الحضوري

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • مهند حسن الشاوي
    عضو أساسي
    • 23-10-2009
    • 841

    العلم الحصولي والعلم الحضوري

    العلم الحصولي والعلم الحضوري



    لعل من أهم ما يميز الإنسان عن سائر الحيوانات في هذا الكون الكبير هو قابليته على تلقي العلم واكتسابه، والاستفادة منه في تفاصيل حياته اليومية، وحين نتكلم عن العلم الذي يميز الإنسان فنحن عندها نقر بأن لدى الحيوانات مثلاً نوعاً من العلم، وأن للعلم أقساماً فاز الإنسان بين المخلوقات الأخرى بقسمه المميز له. الإنسان حين يولد يولد وهو خالي النفس من أي صورة في ذهنه، أو معلومة سوى العلم الفطري الذي منه العلم بوجود الله تعالى ومنه جميع الأوليات التي تعود جميع عمليات التفكير إليها. يقول تعالى: (وَاللّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ الْسَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) النحل78، ويقول جل من قائل: (وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى شَهِدْنَا) الأعراف172، وهذه النظرية هي المشهورة عند البعض بـ (النظرية الأورسطية).
    ويقسم العلماء العلم الى أفسام كثيرة بلحاظات مختلفة، فمنها تقسيمه الى الأقسام الأربعة:
    1. العلم الحسي: وهو حس النفس بالأشياء التي تنالها الحواس الخمس.
    2. العلم الخيالي: وهو انطباع صور الأشياء الخارجية في الذهن بعد انقطاع العلم الحسي عنها.
    3. العلم الوهمي: وهو إدراك المعاني الجزئية التي لا مادة لها ولا مقدار، كشعور الولد بحب والديه له، وبغض من يغار منه، وبخوف أخيه الصغير من الظلام.. ونحوها.
    4. العلم العقلي: وهو العلم الذي به ينتزع الذهن المعاني الكلية من الجزئيات، ويقايس بين الأمور، ويرتب المقدمات للوصول الى النتائج والى المجهولات، فيستنتج ويحكم.
    ويشترك الحيوان مع الإنسان في الأقسام الثلاثة الأولى، فالحيوان يحس بما حوله، وقد تكون بعض الحيوانات أشد إحساساً من الإنسان في بعض الحواس، وتنطبع صور الأشياء الخارجية في أذهانها، فتجد بعض الطيور تطير الى مسافات بعيدة ثم تعود الى أعشاشها بسبب اختزان صور الأماكن في ذهنها، وامتلاكها العلم الخيالي، والحيوانات أيضاً تشعر بعداوة الحيوانات الأخرى التي تهم بافتراسها، وتسعى الى الهرب منها، مما يعني امتلاكها للعلم الوهمي.
    لكن الإنسان ينفرد عن الحيوانات - بعد اشتراكه معها بتلك الأقسام - بالقسم الأخير، وهو العلم العقلي، وبه يتميز عما سواه من المخلوقات.
    ويقسم العلماء العلم بلحاظ آخر الى قسمين، هما:
    1. العلم الحصولي أو الكسبي: وهو انطباع صور الأشياء وحصولها في الذهن.
    2. العلم الحضوري: وهو حضور المعلوم بنفسه لدى العالم.
    والفرق بينهما يتوضح أكثر، حين نفهم الفرق بين علم المريض وعلم الطبيب بالألم الحاصل لدى المريض، فالمريض يعلم بالألم علماً حضورياً، لكون الألم بنفسه حاضراً لديه، وهو يئن منه، في حين أن الطبيب يسمع من المريض ما يصفه له عن ذلك الألم في محاولة لتفهم نوعية المرض، فيحصل لديه العلم بالألم عن طريق تصوره (حضور صورته بذهنه).
    ويتميز العلم الحضوري عن الحصولي بعدة ميزات منها: أن له أثراً يظهر على العالم به، في حين لا أثر للعلم الحصولي من هذه الجهة، وأن العلم الحضوري لا يتصور أن يقع فيه الخطأ، في حين أن الحصولي يمكن أن يقع فيه الخطأ لوجود الأثنينية بين واقعه الخارجي وصورته خلافاً للأول.
    إن العلم من أهم كمالات الإنسان، لأنه من أعظم صفات الله وأسمائه، وبفضل العلم انتظم كل شيء في هذا الوجود، ولعل الحياة إذا أخذناها بمعناها الحقيقي فإنها تدور في فلك العلم الحقيقي.. وحين يكون علم الإنسان حضورياً بأهم مسائل الوجود، حينها يصل الى طريق الحق ويرى ما لا يرى غيره (قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ) الزمر9 (وَمَا يَسْتَوِي الأَحْيَاء وَلا الأَمْوَاتُ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَن يَشَاءُ وَمَا أَنتَ بِمُسْمِعٍ مَّن فِي الْقُبُورِ) فاطر22.
    التعديل الأخير تم بواسطة مهند حسن الشاوي; الساعة 27-06-2010, 23:24.
    [CENTER][SIZE=6][FONT=Traditional Arabic][COLOR=purple][B]" رُبَّ مَفْتُوْنٍ بِحُسْنِ القَوْلِ فِيْهِ "[/B][/COLOR][/FONT][/SIZE][/CENTER]
  • منجية بن صالح
    عضو الملتقى
    • 03-11-2009
    • 2119

    #2
    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

    الأستاذ الكريم مهند

    إن العلم من أهم كمالات الإنسان، لأنه من أعظم صفات الله وأسمائه، وبفضل العلم انتظم كل شيء في هذا الوجود، ولعل الحياة إذا أخذناها بمعناها الحقيقي فإنها تدور في فلك العلم الحقيقي.. وحين يكون علم الإنسان حضورياً بأهم مسائل الوجود، حينها يصل الى طريق الحق ويرى ما لا يرى غيره (قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ) الزمر9 (وَمَا يَسْتَوِي الأَحْيَاء وَلا الأَمْوَاتُ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَن يَشَاءُ وَمَا أَنتَ بِمُسْمِعٍ مَّن فِي الْقُبُورِ) فاطر22.
    __________________


    أخي الكريم لك جزيل الشكر على هذا الموضوع الشيق و الطرح الواضح و الجميل
    وأسمح لي بهذا الإستفسار كيف يمكن أن نأخذ الحياة بمعناها الحقيقي ؟ فالواقع يفرض علينا نفسه وهو من نسج الخيال و الوهم ينشأ دوائر تتكون تدريجيا عبر تاريخ البشرية و تصبح عادات و تقاليد تجعلنا ندور في فلكها و تكبلنا و تجعلنا نتشبث بالواقع بكل مفرداته الحاضرة و الحاصلة في الذهن و الفكر

    و الإستفسار الثاني كيف يكون علم الإنسان حضوريا بأهم مسائل الوجود و كيف يصل إلى ذلك ؟
    مع تحياتي و تقديري و شكري لطرحك القيم
    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

    تعليق

    • مهند حسن الشاوي
      عضو أساسي
      • 23-10-2009
      • 841

      #3
      [align=center]

      الأستاذة منجية
      تحية طيبة والسلام عليكم
      هناك كثير من المفاهيم نأخذها على ظاهرها ونحمل عنها تصورات خاطئة تفسد توجهنا نحو الحقيقة
      فالملكية مثلاً .. نحملها على ظاهرها وهو وقوع الأمور تحت تصرفنا في مدة محدودة من الزمن، كالأموال والأولاد ونحوهما
      في حين أن الملكية في حقيقتها هي ما لا ينفصل عن مالكه، ولا يستطيع أحد سلبه عنه
      ومصداقه الأتم هو عمل الإنسان في مدة حياته الدنيوية صالحاً أو طالحاً، فهو ملكه الحقيقي الذي لا ينفصل عنه في الدنيا والآخرة
      أما الأموال والأولاد فيمكن فصلهما عن صاحبهما بسهولة فتسرق الأموال أو يخسرها في تجارة، ويموت الأولاد أو يموت المالك الوهمي فيتركها ويذهب عنها
      فتلك الأمور لم تكن ملكاً بل كنا مخولين فيها مدة من الزمن، والتخويل شيء والملكية شيء آخر
      يقول تعالى: (وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُم مَّا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاء ظُهُورِكُمْ) الأنعام94
      ويقول جل من قائل: (وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى) النجم39
      فالأحرى بنا أن نزيد من ملكيتنا الحقيقية وهي العمل الصالح.
      وكذا الحياة نحمل عنها مفهوماً خاطئاً فنرى أنها وجود البدن في هذه الحياة
      وإنما الحياة هي امتلاك العلم الحقيقي الذي يحيي الروح
      يقول تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ) الأنفال24
      فالمؤمنون فضلاً عن غيرهم .. موتى حتى يستجيبوا لما يحييهم، ماذا يعطيهم الرسول حتى يحييهم؟
      يقول تعالى: (رَسُولاً مِّنكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُم مَّا لَمْ تَكُونُواْ تَعْلَمُونَ) البقرة151
      فالعلم هو أساس الحياة، لذا ينسب للإمام علي كرم الله وجهه قوله:
      الناس موتى وأهل العلم أحياءُ
      وفي عالم الآخرة - عالم الحقيقة والخلود - يقيّم الإنسان بحسب علمه ويزيد وجوده الأخروي بحسب زيادة علمه
      يقول تعالى: (يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ) المجادلة11
      وحيث أن العلم هناك درجات، تكون الحياة أيضاً درجات، وهي الحياة الحقيقية لا الدنيوية الزائفة
      يقول تعالى: (وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ) العنكبوت64
      والحيوان هنا بمعنى الحياة الحقيقية.
      أما كيف يحصل الإنسان على العلم الحضوري بمسائل الوجود، فذلك يرجع الى أمر جوهري مقسم الى أقسام
      فالإنسان في حقيقته يعتمد في وجوده الحقيقي وحياته الخالدة على إيمانية روحه وعلمها، وتكون محاور وجود الإنسان ثلاثة:
      إعتقاداته والتي يجب أن تطابق الحق
      وأفعاله والتي يجب أن تطابق الشرع
      وصفاته والتي يجب أن تتصف بالكمال الإنساني
      فعليه أولاً أن يحمل منظومة عقائدية مترابطة مستندة للحق (العلم عن طريق الوحي)، ويحاول تطبيق أفعاله مع ما رسمته له الشريعة من الأحكام في جميع مجالات الحياة، وعليه أن يصفي باطنه من الذنوب، ويحليها بالفضائل لتصير مرآة لتقبل العلم الإلهي، ويتوفق الإنسان حينها الى رؤية ما لا يراه غيره من أسرار الوجود .. فيعرف تقديم الأهم في موارد تزاحم التكاليف, ويكشف بالتقوى كيد الشيطان الذي قطع الطريق على المؤمنين (إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَواْ إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُواْ فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ) الأعراف201
      وهو في كل ذلك يفتقر الى الأسوة والأستاذ الذي يصوب له أخطاءه، ويوضح له السبيل، ويكون له ولياً مرشداً الى طريق الهداية بتوفيق من الله تعالى
      يقول تعالى: (مَن يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُ وَلِيّاً مُّرْشِداً) الكهف17
      نكتفي بهذا القدر .. وما التوفيق إلا بيد الله تعالى ..
      أسأل الله تعالى لي ولك حسن العاقبة والتوفيق للدرجات العلى
      وشكراً على اهتمامك وأسئلتك الهادفة الواعية
      تقبلي صادق ودي واحترامي

      [/align]
      [CENTER][SIZE=6][FONT=Traditional Arabic][COLOR=purple][B]" رُبَّ مَفْتُوْنٍ بِحُسْنِ القَوْلِ فِيْهِ "[/B][/COLOR][/FONT][/SIZE][/CENTER]

      تعليق

      • منجية بن صالح
        عضو الملتقى
        • 03-11-2009
        • 2119

        #4
        السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

        ويتميز العلم الحضوري عن الحصولي بعدة ميزات منها: أن له أثراً يظهر على المعلوم، في حين لا أثر للعلم الحصولي من هذه الجهة، وأن العلم الحضوري لا يتصور أن يقع فيه الخطأ، في حين أن الحصولي يمكن أن يقع فيه الخطأ لوجود الأثنينية بين واقعه الخارجي وصورته خلافاً للأول.

        الأستاذ القدير مهند

        شاكرة لك أخي الكريم هذا التوضيح القيم و الذي إستفدت منه جزاك الله كل خير
        و أسمح لي بالتحاور معك في هذا الموضوع الشيق و أرجو أن لا تزعجك مداخلاتي
        ما نقلته أعلاه يفهم منه أن العلم الحضوري هو ما يعبر عنه بالحال بمعنى يتطابق باطن الإنسان مع ظاهره فهو توحيد القول و الفعل فيستقيم المنطق و يكون فاعلا و مقنعا للآخر

        أما العلم الحصولي فيعيش صاحبه إزدواجية تجعله يخطيء و لا يكون مصيبا
        لا في أقواله و لا أفعاله فيعيش صراع الأضداد داخله و في محيطه فلا تكون أقواله و أفعاله مجدية و تتحول ردود فعله من النقيض إلى النقيض وهذا نوع من التطرف على مستوى الفكر و الذي يطال أيضا الأعمال

        و هذا الطرح له زاوية خفية يمكن أن تتواصل مع الموضوع الذي طرحته حضرتك في الصالون الأدبي حول أدب التواصل
        أرجو أن لا أكون قدأطلت فالموضوع ثري يفتح الشهية للحوار
        جزاك الله كل خير على تواصلك البناء و رحابة صدرك
        تحياتي و تقديري
        السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

        تعليق

        • مهند حسن الشاوي
          عضو أساسي
          • 23-10-2009
          • 841

          #5
          [align=center]

          الأستاذة منجية
          أرحب بك غاية الترحيب .. وتسرني أسئلتك الهادفة
          العلم الحصولي أختي الكريمة هو غالب ما نحمله من معلومات والتي تنطبع صورها في الذهن البشري، فمثلاً كل ما نقرأه هنا في هذا المنتدى ونكتسب به معلومة يدخل تحت هذا العنوان، وقد يكون حقاً وقد يكون باطلاً .. وإنما قد يكون باطلاً لكونه صورة عن الواقع، وربما تخالف الصورة الواقع، وربما تطابقها. فإن خالفتها حكم ببطلانها.
          أما العلم الحضوري، فهو حالة أخرى من العلم ، يمكن أن نسميه بتعبير أقرب، هو الشعور الواقعي، وفيه لا توجد صورة في الذهن، بل يحضر نفس المعلوم لدى من يعلم به، كما مثلنا بالألم لدى المريض المتألم، وحينها لا مجال للخطأ إذ لا اثنينية بين المعلوم والواقع، بل هو هو.
          ويظهر من ذاك أن امتلاك العلم الحضوري هو إصابة الواقع بانكشافه بنفسه، وحين يكون ضمن منظومة الاعتقاد يصل حينها الإنسان الى أعلى درجات الكمال الإنساني من هذه الناحية.
          مع خالص ودي وتقديري

          [/align]
          التعديل الأخير تم بواسطة مهند حسن الشاوي; الساعة 27-06-2010, 23:22.
          [CENTER][SIZE=6][FONT=Traditional Arabic][COLOR=purple][B]" رُبَّ مَفْتُوْنٍ بِحُسْنِ القَوْلِ فِيْهِ "[/B][/COLOR][/FONT][/SIZE][/CENTER]

          تعليق

          يعمل...
          X