العلم الحصولي والعلم الحضوري
لعل من أهم ما يميز الإنسان عن سائر الحيوانات في هذا الكون الكبير هو قابليته على تلقي العلم واكتسابه، والاستفادة منه في تفاصيل حياته اليومية، وحين نتكلم عن العلم الذي يميز الإنسان فنحن عندها نقر بأن لدى الحيوانات مثلاً نوعاً من العلم، وأن للعلم أقساماً فاز الإنسان بين المخلوقات الأخرى بقسمه المميز له. الإنسان حين يولد يولد وهو خالي النفس من أي صورة في ذهنه، أو معلومة سوى العلم الفطري الذي منه العلم بوجود الله تعالى ومنه جميع الأوليات التي تعود جميع عمليات التفكير إليها. يقول تعالى: (وَاللّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ الْسَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) النحل78، ويقول جل من قائل: (وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى شَهِدْنَا) الأعراف172، وهذه النظرية هي المشهورة عند البعض بـ (النظرية الأورسطية).
ويقسم العلماء العلم الى أفسام كثيرة بلحاظات مختلفة، فمنها تقسيمه الى الأقسام الأربعة:
1. العلم الحسي: وهو حس النفس بالأشياء التي تنالها الحواس الخمس.
2. العلم الخيالي: وهو انطباع صور الأشياء الخارجية في الذهن بعد انقطاع العلم الحسي عنها.
3. العلم الوهمي: وهو إدراك المعاني الجزئية التي لا مادة لها ولا مقدار، كشعور الولد بحب والديه له، وبغض من يغار منه، وبخوف أخيه الصغير من الظلام.. ونحوها.
4. العلم العقلي: وهو العلم الذي به ينتزع الذهن المعاني الكلية من الجزئيات، ويقايس بين الأمور، ويرتب المقدمات للوصول الى النتائج والى المجهولات، فيستنتج ويحكم.
ويشترك الحيوان مع الإنسان في الأقسام الثلاثة الأولى، فالحيوان يحس بما حوله، وقد تكون بعض الحيوانات أشد إحساساً من الإنسان في بعض الحواس، وتنطبع صور الأشياء الخارجية في أذهانها، فتجد بعض الطيور تطير الى مسافات بعيدة ثم تعود الى أعشاشها بسبب اختزان صور الأماكن في ذهنها، وامتلاكها العلم الخيالي، والحيوانات أيضاً تشعر بعداوة الحيوانات الأخرى التي تهم بافتراسها، وتسعى الى الهرب منها، مما يعني امتلاكها للعلم الوهمي.
لكن الإنسان ينفرد عن الحيوانات - بعد اشتراكه معها بتلك الأقسام - بالقسم الأخير، وهو العلم العقلي، وبه يتميز عما سواه من المخلوقات.
ويقسم العلماء العلم بلحاظ آخر الى قسمين، هما:
1. العلم الحصولي أو الكسبي: وهو انطباع صور الأشياء وحصولها في الذهن.
2. العلم الحضوري: وهو حضور المعلوم بنفسه لدى العالم.
والفرق بينهما يتوضح أكثر، حين نفهم الفرق بين علم المريض وعلم الطبيب بالألم الحاصل لدى المريض، فالمريض يعلم بالألم علماً حضورياً، لكون الألم بنفسه حاضراً لديه، وهو يئن منه، في حين أن الطبيب يسمع من المريض ما يصفه له عن ذلك الألم في محاولة لتفهم نوعية المرض، فيحصل لديه العلم بالألم عن طريق تصوره (حضور صورته بذهنه).
ويتميز العلم الحضوري عن الحصولي بعدة ميزات منها: أن له أثراً يظهر على العالم به، في حين لا أثر للعلم الحصولي من هذه الجهة، وأن العلم الحضوري لا يتصور أن يقع فيه الخطأ، في حين أن الحصولي يمكن أن يقع فيه الخطأ لوجود الأثنينية بين واقعه الخارجي وصورته خلافاً للأول.
إن العلم من أهم كمالات الإنسان، لأنه من أعظم صفات الله وأسمائه، وبفضل العلم انتظم كل شيء في هذا الوجود، ولعل الحياة إذا أخذناها بمعناها الحقيقي فإنها تدور في فلك العلم الحقيقي.. وحين يكون علم الإنسان حضورياً بأهم مسائل الوجود، حينها يصل الى طريق الحق ويرى ما لا يرى غيره (قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ) الزمر9 (وَمَا يَسْتَوِي الأَحْيَاء وَلا الأَمْوَاتُ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَن يَشَاءُ وَمَا أَنتَ بِمُسْمِعٍ مَّن فِي الْقُبُورِ) فاطر22.
تعليق