الغصّة

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • محمد فطومي
    رئيس ملتقى فرعي
    • 05-06-2010
    • 2433

    الغصّة

    الغُصّة

    (* شكرا لك أيّها الواقع أن جنّبتنا مشقّة الخيال..)
    ***
    تسلّل ظرف من تحت الباب ،و كانت آنذاك فدوى تتهيّأ للخروج إلى الجامعة. تناولت الظّرف،دون أن تفتح الباب ،مزّقته من الأعلى و قرأت ما بداخله.ثلاث خطوات فقط كانت كافية لتجد نفسها في المطبخ، فالبيت ضيّق و فقير.احتضنت أمّها من الخلف و قالت هازئة: أمّي رسالة غراميّة لك من شركة الكهرباء.
    نفضت دليلة يدها من الماء و تظاهرت بالغضب :
    - عيب!ما الذي تقولينه ؟ ألا تستحين؟
    ثمّ واصلت برفق مستعدّة للرّضوخ كالعادة: لطفك يا ربّ.. ماذا أيضا؟
    تراجعت فدوى إلى الوراء و هي تمسك بالورقة و قالت بذات النّبرة المسرحيّة ،كأنّها قرّرت أن تكون سعيدة ذلك اليوم:
    - يهدّدوننا بـ:..لا لا ..أقصد يطلبون منّا الإذن في إمكانيّة قطع الكهرباء إن نحن لم نسدّد لهم الفاتورة خلال أسبوع..المساكين أثاروا شفقتي،
    ما رأيك أمّي ،هل نسمح لهم ؟ و انفجرت ضاحكة.
    إبتسمت الأمّ و أشاحت عنها بوجهها،تحبس ضحكة كادت تنطلق من بين شفتيها ،كي لا تُفقد المصيبة هيبتها و اكتفت بالقول :
    - تأخّرتِ عن الجامعة.سنتدبّر الأمر حال عودتك.هيّا انصرفي الآن.
    فدوى فتاة متفوّقة ،و علاماتها دائما ممتازة،مرحة و مُطيعة،تُوفّي والدها و هي لا تزال صغيرة.نفقة البيت و الجامعة أثقلا كاهل أمّها و خبر كهذا يُحبطها و يُفسد كلّ الجهود التي بذلتها من أجل إقناعها باقتناء حاسوب لها يساعدها في أداء فروضها،لا سيّما أنّ جلّ الواجبات اليوم أصبحت تقدّم في شكل أقراص مضغوطة،و كذلك الدّروس.
    دليلة لا تنكر أنّ ابنتها تستحقّ أن تُلبّى جميع طلباتها و كانت دائما تقول أنّها عينها التي ترى بها ،لكنّ راتبها الهزيل يقف عثرة دون ذلك.و فدوى تعلم جيّدا أنّ أمّها ستضيف إنذار الدّفع ذاك إلى قائمة الموانع التي صارت تحفظها عن ظهر قلب.
    تفاقم الدَّين على دليلة و ناء بها الحمل و لم تجد سبيلا للخروج من أزمتها.فكّرت أن تقترض بعض المال من جارتها فضّة،امرأة نبيلة و ثريّة،و صاحبة معروف. هي على يقين أنّها سوف لن تردّها خائبة.غير أنّ شيئا ما بداخلها من قبيل الرّهبة منعها من ذلك ،خصوصا أنّ المبلغ الذي تحتاجه هذه المرّة كبير في نظرها.
    بالأمس سمعتها تقول لبائع الفواكه أنّها تنوي اقتناء حاسوب لابنها شاهد،لعلّه يستفيق من خموله.لم تعر دليلة اهتماما كبيرا لحديث جارتها،فقد رجّحت أنّها لم تقل ذلك إلاّ على سبيل تبادل الشّكوى من العيال و من فظاعة جيلهم التي دأب النّاس عليها كلّما التقوا بمناسبة أو بغير مناسبة.
    لم يعد أمام دليلة خيار آخر،يجب أن تدركها قبل فوات الأوان،لعلّها جادّة في عزمها من يدري.ستستوضح الأمر منها أوّلا،ثمّ بعد ذلك ستقترح عليها أن تبيعها إيّاه بنصف الثّمن نقدا بعد أن تشتريه هي عن طريق أقساط مريحة و بذا تسعد كلّ الأطراف.و لكن لو ثبت فعلا أنّ فضّة جادّة و مستعدّة لمرافقتها و إتمام الأمر،فإنّ عليها أن تسرع قبل عودة ابنتها من الكلّيّة.
    و سارت الأشياء فعلا كما خطّطت لها الخصاصة.شحنت المغازة الحاسوب مباشرة إلى بيت فضّة و عادت دليلة بالمبلغ حسب الإتّفاق بعد أن أخذت منها عهدا بأن لا تخبر فدوى بما جرى.و رافقها إلى بيتها شعور بالمرارة تماما كالذي يعتري المرء حين يتجاذبه الغلط و الصّواب كلّ من جهة في آن واحد،أو ربّما هي أشبه بالذي لا يرى إطلاقا ما قد يجعله يُلام أو يُآخذ عليه و لكنّه رغم ذلك ينتظر حسابا أو لعنة قد تحلّ عليه في كلّ آونة جرّاء ما اقترف.
    في المساء عادت فدوى من الجامعة.طرقت الباب مرّات متتالية على غير العادة.أحسّت دليلة بعقدة في جوفها لمّا جاءها صوت ابنتها من الخارج تستعجلها. فتحت مرتبكة و كادت تعود إلى آلة الخياطة دون كلام،لو لا أنّ فدوى سحبتها من يدها و قبّلتها:
    - أمّي.. سأعود لن أتأخّر لقد دعتني الخالة فضّة إلى بيتها تقول إنّها اشترت لابنها حاسوبا جديدا و تريد منّي أن أشغّله لها و أثبّت برمجيّاته..و العاقبة لي طبعا ..أليس كذلك؟..سأعود ..إلى اللّقاء..
    و انصرفت دون أن تسمع ردّا من أمّها .و عاودت الظّهور قبل أن تطبق أمّها الباب و قالت مرحة و هي تسلّمها حقيبتها:أتدرين يا أمّي ما الذّي ينقصنا في البيت ؟ جرس ..نعم جرس؟
    و غادرت و هي تضحك.
    انكبّت دليلة على العمل،و استقرّت في حنجرتها غصّة و هي تحبس البكاء كي لا تُفقد شعورها النّادر بالعتق وقعه على قلبها. و أحسّت كأنّ دهرا مرّ عليها و هي تنتظر مجيء ابنتها.
    محمد فطّومي
    4-4-2010
    مدوّنة

    فلكُ القصّة القصيرة
  • سعد المصراتى مؤمن
    أديب وكاتب
    • 25-10-2009
    • 149

    #2
    استاذ فطومى ..استأذنك فى المشاركة فى هذه الغصة , من منا بلا غصة حتى الأثرياء , لأننا خلقنا فى كبد وهذه المكابدة يستعر بنارها الغنى والفقير , أما هذا النص فقد طرح صورة من مكابدة العائلة الفقيرة المعوزة , ولكن يبدو أن الآم سيدة حكيمة تبتلع الغصة لكى لا يشعر بها ابناؤها وهى من غصة الى غصة !
    سيدى لدى رأى قد يكون مخطئا وهو تكرر أسماء الشخصيات ...
    ربما يكون فى ذهنك ككاتب دلالات لهذه الآسماء مثل (فدوى ,,دليله ,فضة , شاهد ) فاظهار الأسماء قد يفسد العمل الفنى , وقد يزيدها تألقا إن كان لها جدوى !
    سيدى هذا مجرد رأى أرجو أن تقبله بسعة صدر وسماحة قلم مثل ما أبدعت فى < االغصة >
    دمت مبدعا,,,,,,,,,
    التعديل الأخير تم بواسطة سعد المصراتى مؤمن; الساعة 19-06-2010, 17:25.

    تعليق

    • إيمان الدرع
      نائب ملتقى القصة
      • 09-02-2010
      • 3576

      #3
      الأخ الغالي :
      محمد فطومي:
      مساؤك سعيد:
      قصّة حزينة تستمدّ مفرداتها ..
      من الفقر والعوز..والكرامة التي تصاحب التعفّف..
      حتى في أحلك الأوقات..
      كتبت عن بيئة نسيها الزمن..
      تفقر، تتألّم ، يموت حلمها البسيط، دون أن تسمع بأناتها البشر ...
      دُمتَ بسعادةٍ....تحيّاتي...

      تعيش وتسلم يا ااااااوطني ...يا حبّ فاق كلّ الحدود

      تعليق

      • محمد فطومي
        رئيس ملتقى فرعي
        • 05-06-2010
        • 2433

        #4
        أشكرك أيّها الصّديق الأديب سعد على أخلاقك العالية،
        أحترم رأيك و آراء الزّملاء مهما كان مضمونها و أقف عندها متأملاّ و محاورا لا مستنكرا،فأنا أحوج إلى النّقد و التّوجيه أكثر من حاجتي إلى الإطراء.هذا أكيد.
        طرحت سيّدي مسألة على غاية من الأهمّيّة و العمق و إن كانت منسيّة بعض الشّيء :الأسماء في القصّة و مدى انسجامها مع الفكرة(الأفكار) المراد تبليغها و مدى خدمتها للغرض.
        لا اختلاف في أنّ لكلّ نصّ ميزاته و خصوصيّاته الفنّيّة و التي ستكسبه فيما بعد روحه و أبعاده الدلاليّة.و النصّ الذي بين أيدينا من النّوع الإجتماعي وانطلاقا من وعينا بأنّ القصّة مهما تعدّدت ضروبها تنبع من حياة النّاس ،و هي بالضّرورة عائدة إليهم، فإنّ الأسماء (المنتقاة بحذر ، بعيدا عن المجانيّة طبعا)في هذا النّوع بالذّات (و ليس دائما) ستضفي على العمل تلقائيّة و دفقا من الواقعيّة و نبضا دراميّا من شأنه أن يقرّب الطّرح من المتلقّي أكثر، و تجعله (و الحديث عن العمل الأدبي)أكثر سلاسة و قابليّة للـ"هضم" دون أن تسلبه حظّه في الشموليّة و إمكانيّة الإسقاط.
        الآن تخيّل معي أستاذي الكريم لو أنّي جرّدت الشّخصيّات أسماءهم في قصّة /الغصّة/ و بنيت الأحداث إمّا للمجهول أو عوّلت على صفات الشّخوص،وقتها ستكون رتيبة و مملّة و أقرب إلى الإنشاء.ذاك أنّ هذه الصّفات لا ترمز لخلفيّة بعينها و لا تذيع رسالة ما :(* أمّ – ابنة – جارة – ابن الجارة)
        في اعتقادي ساعتها على الكاتب أن يبحث عمّا هو أبهى .أي مادامت الصّفات عاديّة ،بديهيّة،فلتكن الأسماء إذن.
        لكنّي في المقابل كنت سأظلم كثيرا كسّار الحصى مثلا لو أنّي جرّدته صفته و أصبغت عليه أحد الأسماء المتداولة،لا لسبب إلاّ لأنّ القصّة من النّوع الإجتماعي.ذاك أنّ نعته سيكون مؤثّرا و أكثر نفعا للقصّ آنذاك.
        لم تكن هذه إجابة أخي العزيز،إنّما هو رأي سريع أدلي به و أفسح المجال.
        لي قصّة ربّما أدرجتها عمّا قريب ،يتحرّك فيها ما يقارب عن الستّة شخوص،أرجو أن تكون من المطّلعين عليها ،عنوانها " العبء" ،سأدعك تكتشف أسماءهم بنفسك.ربّما فتحت لنا بابا آخر من النّقاش.
        لك منّي خالص الودّ و التّقدير.
        مدوّنة

        فلكُ القصّة القصيرة

        تعليق

        • محمد فطومي
          رئيس ملتقى فرعي
          • 05-06-2010
          • 2433

          #5
          الأخت العزيزة إيمان الدرع
          نوّرت أينما حللت.
          شكرا لك على الزّيارة الحلوة.
          دمت بخير و سعادة.
          مدوّنة

          فلكُ القصّة القصيرة

          تعليق

          • عائده محمد نادر
            عضو الملتقى
            • 18-10-2008
            • 12843

            #6
            الزميل القدير
            محمد فطومي
            نص انتشى بأوجاع المعوزين
            وحقيقة هذا ما يحدث غالبا فالكثير من الناس تبيع حاجيات مهمة في سبيل دفع قسط أو فاتورة
            هموم تجيء وما من رادع لها لأنها مزمنة
            وكما قلت أنت شكرا للواقع المر الذي يلهمنا من حقائقه بدل الخيال
            والسؤال الذي يطرح نفسه.. متى يشعر المواطن بالرفاهية
            ودي الأكيد لك


            عين؛ وأنف؛ وصوت؛
            عين؛ وأنف؛ وصوت عرفني امرأة سريعة العطب! أكاد لا أميز الأسود من الأبيض حين أغضب، أفقد صوابي ولا أعود أتذكر حتى إنسانيتي.. هكذا عودتني أيامي. أعب كؤوسا مترعة من الهم، أتجرعها شئت أم أبيت فهذي حياتي، مذ عرفت طريق الليل أسيره وحيدة بين وجوه غريبة عني، وأياد تدفع لتدلف باب غرفتي الموارب تتلمس جسدي الذي لم أعد أملكه، تشتري مني
            الشمس شمسي والعراق عراقي ..ماغير الدخلاء من أخلاقي .. الشمس شمسي والعراق عراق

            تعليق

            • محمد فطومي
              رئيس ملتقى فرعي
              • 05-06-2010
              • 2433

              #7
              الأخت العزيزة عائدة محمد:
              قد يصل الواحد فينا للرّفاهيّة بمفهوم المعدّات و أجهزة التّحكّم عن بعد،
              لكنّه أبدا لن يعاين السّلام عن قرب.
              المكابدة متأصّلة و مستمرّة فينا مهما حاولنا.
              لك خالص الودّ أستاذة عائدة،سعدت بمرورك.
              مدوّنة

              فلكُ القصّة القصيرة

              تعليق

              • حسن الحسين
                عضو الملتقى
                • 20-10-2010
                • 299

                #8
                المشاركة الأصلية بواسطة محمد فطومي مشاهدة المشاركة
                الغُصّة






                (* شكرا لك أيّها الواقع أن جنّبتنا مشقّة الخيال..)



                ***



                تسلّل ظرف من تحت الباب ،و كانت آنذاك فدوى تتهيّأ للخروج إلى الجامعة. تناولت الظّرف،دون أن تفتح الباب ،مزّقته من الأعلى و قرأت ما بداخله.ثلاث خطوات فقط كانت كافية لتجد نفسها في المطبخ، فالبيت ضيّق و فقير.احتضنت أمّها من الخلف و قالت هازئة: أمّي رسالة غراميّة لك من شركة الكهرباء.



                نفضت دليلة يدها من الماء و تظاهرت بالغضب :



                - عيب!ما الذي تقولينه ؟ ألا تستحين؟



                ثمّ واصلت برفق مستعدّة للرّضوخ كالعادة: لطفك يا ربّ.. ماذا أيضا؟



                تراجعت فدوى إلى الوراء و هي تمسك بالورقة و قالت بذات النّبرة المسرحيّة ،كأنّها قرّرت أن تكون سعيدة ذلك اليوم:



                - يهدّدوننا بـ:..لا لا ..أقصد يطلبون منّا الإذن في إمكانيّة قطع الكهرباء إن نحن لم نسدّد لهم الفاتورة خلال أسبوع..المساكين أثاروا شفقتي،



                ما رأيك أمّي ،هل نسمح لهم ؟ و انفجرت ضاحكة.



                إبتسمت الأمّ و أشاحت عنها بوجهها،تحبس ضحكة كادت تنطلق من بين شفتيها ،كي لا تُفقد المصيبة هيبتها و اكتفت بالقول :



                - تأخّرتِ عن الجامعة.سنتدبّر الأمر حال عودتك.هيّا انصرفي الآن.



                فدوى فتاة متفوّقة ،و علاماتها دائما ممتازة،مرحة و مُطيعة،تُوفّي والدها و هي لا تزال صغيرة.نفقة البيت و الجامعة أثقلا كاهل أمّها و خبر كهذا يُحبطها و يُفسد كلّ الجهود التي بذلتها من أجل إقناعها باقتناء حاسوب لها يساعدها في أداء فروضها،لا سيّما أنّ جلّ الواجبات اليوم أصبحت تقدّم في شكل أقراص مضغوطة،و كذلك الدّروس.



                دليلة لا تنكر أنّ ابنتها تستحقّ أن تُلبّى جميع طلباتها و كانت دائما تقول أنّها عينها التي ترى بها ،لكنّ راتبها الهزيل يقف عثرة دون ذلك.و فدوى تعلم جيّدا أنّ أمّها ستضيف إنذار الدّفع ذاك إلى قائمة الموانع التي صارت تحفظها عن ظهر قلب.



                تفاقم الدَّين على دليلة و ناء بها الحمل و لم تجد سبيلا للخروج من أزمتها.فكّرت أن تقترض بعض المال من جارتها فضّة،امرأة نبيلة و ثريّة،و صاحبة معروف. هي على يقين أنّها سوف لن تردّها خائبة.غير أنّ شيئا ما بداخلها من قبيل الرّهبة منعها من ذلك ،خصوصا أنّ المبلغ الذي تحتاجه هذه المرّة كبير في نظرها.



                بالأمس سمعتها تقول لبائع الفواكه أنّها تنوي اقتناء حاسوب لابنها شاهد،لعلّه يستفيق من خموله.لم تعر دليلة اهتماما كبيرا لحديث جارتها،فقد رجّحت أنّها لم تقل ذلك إلاّ على سبيل تبادل الشّكوى من العيال و من فظاعة جيلهم التي دأب النّاس عليها كلّما التقوا بمناسبة أو بغير مناسبة.



                لم يعد أمام دليلة خيار آخر،يجب أن تدركها قبل فوات الأوان،لعلّها جادّة في عزمها من يدري.ستستوضح الأمر منها أوّلا،ثمّ بعد ذلك ستقترح عليها أن تبيعها إيّاه بنصف الثّمن نقدا بعد أن تشتريه هي عن طريق أقساط مريحة و بذا تسعد كلّ الأطراف.و لكن لو ثبت فعلا أنّ فضّة جادّة و مستعدّة لمرافقتها و إتمام الأمر،فإنّ عليها أن تسرع قبل عودة ابنتها من الكلّيّة.



                و سارت الأشياء فعلا كما خطّطت لها الخصاصة.شحنت المغازة الحاسوب مباشرة إلى بيت فضّة و عادت دليلة بالمبلغ حسب الإتّفاق بعد أن أخذت منها عهدا بأن لا تخبر فدوى بما جرى.و رافقها إلى بيتها شعور بالمرارة تماما كالذي يعتري المرء حين يتجاذبه الغلط و الصّواب كلّ من جهة في آن واحد،أو ربّما هي أشبه بالذي لا يرى إطلاقا ما قد يجعله يُلام أو يُآخذ عليه و لكنّه رغم ذلك ينتظر حسابا أو لعنة قد تحلّ عليه في كلّ آونة جرّاء ما اقترف.



                في المساء عادت فدوى من الجامعة.طرقت الباب مرّات متتالية على غير العادة.أحسّت دليلة بعقدة في جوفها لمّا جاءها صوت ابنتها من الخارج تستعجلها. فتحت مرتبكة و كادت تعود إلى آلة الخياطة دون كلام،لو لا أنّ فدوى سحبتها من يدها و قبّلتها:



                - أمّي.. سأعود لن أتأخّر لقد دعتني الخالة فضّة إلى بيتها تقول إنّها اشترت لابنها حاسوبا جديدا و تريد منّي أن أشغّله لها و أثبّت برمجيّاته..و العاقبة لي طبعا ..أليس كذلك؟..سأعود ..إلى اللّقاء..



                و انصرفت دون أن تسمع ردّا من أمّها .و عاودت الظّهور قبل أن تطبق أمّها الباب و قالت مرحة و هي تسلّمها حقيبتها:أتدرين يا أمّي ما الذّي ينقصنا في البيت ؟ جرس ..نعم جرس؟



                و غادرت و هي تضحك.



                انكبّت دليلة على العمل،و استقرّت في حنجرتها غصّة و هي تحبس البكاء كي لا تُفقد شعورها النّادر بالعتق وقعه على قلبها. و أحسّت كأنّ دهرا مرّ عليها و هي تنتظر مجيء ابنتها.



                محمد فطّومي



                4-4-2010
                الأستاذ محمد..
                بتلك القدرة على الوصف الدقيق
                ومراعاة الحالة المزرية لتلك الاسرة
                نقلت لنا ذات الغصة..
                وأدمعت مشاعرنا بالشفقة
                لك مودتي ودمت بارعا

                تعليق

                • آسيا رحاحليه
                  أديب وكاتب
                  • 08-09-2009
                  • 7182

                  #9
                  (* شكرا لك أيّها الواقع أن جنّبتنا مشقّة الخيال..)

                  (شكرا لك أيها الخيال ان جنّبتنا بشاعة التفكير في الواقع)
                  تحيّتي لك أخي محمد فطومي.
                  يظن الناس بي خيرا و إنّي
                  لشرّ الناس إن لم تعف عنّي

                  تعليق

                  • محمد فطومي
                    رئيس ملتقى فرعي
                    • 05-06-2010
                    • 2433

                    #10
                    أخي العزيز حسن الحسين.
                    أشكرك و أعتزّ برأيك،و إنّي لا أشكّ لحظة في ذوقك و حسّك المرهف،و إلاّ ما تشكّل لديك أدب جميل و نقل جذّاب لمتاعب النّاس و مشاغلهم و متّكآتهم الهشّة.
                    مودّتي أخي.
                    مدوّنة

                    فلكُ القصّة القصيرة

                    تعليق

                    • محمد فطومي
                      رئيس ملتقى فرعي
                      • 05-06-2010
                      • 2433

                      #11
                      طاب مساؤك أختي آسيا.
                      و شكرا لك أن مررت من هنا.
                      أسعد دائما بحضورك.

                      مدوّنة

                      فلكُ القصّة القصيرة

                      تعليق

                      يعمل...
                      X