الغُصّة
(* شكرا لك أيّها الواقع أن جنّبتنا مشقّة الخيال..)
***
تسلّل ظرف من تحت الباب ،و كانت آنذاك فدوى تتهيّأ للخروج إلى الجامعة. تناولت الظّرف،دون أن تفتح الباب ،مزّقته من الأعلى و قرأت ما بداخله.ثلاث خطوات فقط كانت كافية لتجد نفسها في المطبخ، فالبيت ضيّق و فقير.احتضنت أمّها من الخلف و قالت هازئة: أمّي رسالة غراميّة لك من شركة الكهرباء.
نفضت دليلة يدها من الماء و تظاهرت بالغضب :
- عيب!ما الذي تقولينه ؟ ألا تستحين؟
ثمّ واصلت برفق مستعدّة للرّضوخ كالعادة: لطفك يا ربّ.. ماذا أيضا؟
تراجعت فدوى إلى الوراء و هي تمسك بالورقة و قالت بذات النّبرة المسرحيّة ،كأنّها قرّرت أن تكون سعيدة ذلك اليوم:
- يهدّدوننا بـ:..لا لا ..أقصد يطلبون منّا الإذن في إمكانيّة قطع الكهرباء إن نحن لم نسدّد لهم الفاتورة خلال أسبوع..المساكين أثاروا شفقتي،
ما رأيك أمّي ،هل نسمح لهم ؟ و انفجرت ضاحكة.
إبتسمت الأمّ و أشاحت عنها بوجهها،تحبس ضحكة كادت تنطلق من بين شفتيها ،كي لا تُفقد المصيبة هيبتها و اكتفت بالقول :
- تأخّرتِ عن الجامعة.سنتدبّر الأمر حال عودتك.هيّا انصرفي الآن.
فدوى فتاة متفوّقة ،و علاماتها دائما ممتازة،مرحة و مُطيعة،تُوفّي والدها و هي لا تزال صغيرة.نفقة البيت و الجامعة أثقلا كاهل أمّها و خبر كهذا يُحبطها و يُفسد كلّ الجهود التي بذلتها من أجل إقناعها باقتناء حاسوب لها يساعدها في أداء فروضها،لا سيّما أنّ جلّ الواجبات اليوم أصبحت تقدّم في شكل أقراص مضغوطة،و كذلك الدّروس.
دليلة لا تنكر أنّ ابنتها تستحقّ أن تُلبّى جميع طلباتها و كانت دائما تقول أنّها عينها التي ترى بها ،لكنّ راتبها الهزيل يقف عثرة دون ذلك.و فدوى تعلم جيّدا أنّ أمّها ستضيف إنذار الدّفع ذاك إلى قائمة الموانع التي صارت تحفظها عن ظهر قلب.
تفاقم الدَّين على دليلة و ناء بها الحمل و لم تجد سبيلا للخروج من أزمتها.فكّرت أن تقترض بعض المال من جارتها فضّة،امرأة نبيلة و ثريّة،و صاحبة معروف. هي على يقين أنّها سوف لن تردّها خائبة.غير أنّ شيئا ما بداخلها من قبيل الرّهبة منعها من ذلك ،خصوصا أنّ المبلغ الذي تحتاجه هذه المرّة كبير في نظرها.
بالأمس سمعتها تقول لبائع الفواكه أنّها تنوي اقتناء حاسوب لابنها شاهد،لعلّه يستفيق من خموله.لم تعر دليلة اهتماما كبيرا لحديث جارتها،فقد رجّحت أنّها لم تقل ذلك إلاّ على سبيل تبادل الشّكوى من العيال و من فظاعة جيلهم التي دأب النّاس عليها كلّما التقوا بمناسبة أو بغير مناسبة.
لم يعد أمام دليلة خيار آخر،يجب أن تدركها قبل فوات الأوان،لعلّها جادّة في عزمها من يدري.ستستوضح الأمر منها أوّلا،ثمّ بعد ذلك ستقترح عليها أن تبيعها إيّاه بنصف الثّمن نقدا بعد أن تشتريه هي عن طريق أقساط مريحة و بذا تسعد كلّ الأطراف.و لكن لو ثبت فعلا أنّ فضّة جادّة و مستعدّة لمرافقتها و إتمام الأمر،فإنّ عليها أن تسرع قبل عودة ابنتها من الكلّيّة.
و سارت الأشياء فعلا كما خطّطت لها الخصاصة.شحنت المغازة الحاسوب مباشرة إلى بيت فضّة و عادت دليلة بالمبلغ حسب الإتّفاق بعد أن أخذت منها عهدا بأن لا تخبر فدوى بما جرى.و رافقها إلى بيتها شعور بالمرارة تماما كالذي يعتري المرء حين يتجاذبه الغلط و الصّواب كلّ من جهة في آن واحد،أو ربّما هي أشبه بالذي لا يرى إطلاقا ما قد يجعله يُلام أو يُآخذ عليه و لكنّه رغم ذلك ينتظر حسابا أو لعنة قد تحلّ عليه في كلّ آونة جرّاء ما اقترف.
في المساء عادت فدوى من الجامعة.طرقت الباب مرّات متتالية على غير العادة.أحسّت دليلة بعقدة في جوفها لمّا جاءها صوت ابنتها من الخارج تستعجلها. فتحت مرتبكة و كادت تعود إلى آلة الخياطة دون كلام،لو لا أنّ فدوى سحبتها من يدها و قبّلتها:
- أمّي.. سأعود لن أتأخّر لقد دعتني الخالة فضّة إلى بيتها تقول إنّها اشترت لابنها حاسوبا جديدا و تريد منّي أن أشغّله لها و أثبّت برمجيّاته..و العاقبة لي طبعا ..أليس كذلك؟..سأعود ..إلى اللّقاء..
و انصرفت دون أن تسمع ردّا من أمّها .و عاودت الظّهور قبل أن تطبق أمّها الباب و قالت مرحة و هي تسلّمها حقيبتها:أتدرين يا أمّي ما الذّي ينقصنا في البيت ؟ جرس ..نعم جرس؟
و غادرت و هي تضحك.
انكبّت دليلة على العمل،و استقرّت في حنجرتها غصّة و هي تحبس البكاء كي لا تُفقد شعورها النّادر بالعتق وقعه على قلبها. و أحسّت كأنّ دهرا مرّ عليها و هي تنتظر مجيء ابنتها.
محمد فطّومي
4-4-2010
تعليق