فلسطين المتخيلة
أرض التوراة في اليمن القديم
عن دار الفكر في دمشق صدرت الطبعة الثانية – 2009 – لكتاب ‘‘فلسطين المتخيلة أرض التوراة في اليمن القديم‘‘ للدكتور فاضل الربيعي، وكانت الطبعة الأولى قد صدرت في العام – 2008 ، ويبدو الكتاب استكمالا وإضافة جديدة لسجال بدأه الدكتور كمال صليبي الذي كان رائدا – بحسب المؤلف نفسه - في وضع نظرية تقول إن مصطلح ‘‘أرض الميعاد‘‘ المتعارف عليه كونيا بأنها أرض فلسطين التي وعد بها الرب بني إسرائيل ليست هي فلسطين بل جزيرة العرب واعتمد في نظريته على أسماء الأماكن المتشابهة في كلتا الجغرافيتين، لكن الدكتور الربيعي – وعلى الرغم من احتفائه وتقديره الكبيرين لكتاب صليبي – إلا أنه يعترف بأن الأخير قام أحيانا ببعض ‘‘الألاعيب اللغوية‘‘ في الأسماء لليّ الحقيقة من أجل إثبات صحة نظريته، يقول في المقدمة ص17 : ((إنّ كتاب صليبي الرائد والذي يشكل فتحا معرفيا عظيما في الثقافة العربية، لم يكن مقنعا بصورة قاطعة لابالنسبة إليّ، ولا إلى الكثير من القراء، ولعله فاقم من درجة الشكوك بفرضياته، لسبب بسيط للغاية هو أنه انصرف إلى مايشبه الألعاب اللغوية للبرهنة على وجود أرض التوراة في منطقة عسير، وكان اضطراره إلى قلب الحروف في أسماء القرى والجبال، واستخدامه المفرط لاحتمالات حدوث تغير فونيطيقي في الكثير من الكلمات، من بين أكثر المسائل إثارة للحيرة والتشوش)). يتألف الكتاب من مجلدين يحوي المجلد الأول الجزء الأول والثاني في 534 صفحة من القطع الكبير ماعدا ثبت الخرائط، عنوان الجزء الأول ‘‘أرض التوراة في اليمن‘‘، وعنوان الجزء الثاني‘‘القدس ليست أورشليم‘‘. اعتمد المؤلف كما يخبرنا في مقدمته الطويلة نسبيا في المجلد الأول على مصدرين أساسيين كانا بمثابة الوثيقة التاريخية المؤيدة بالخرائط الواضحة الملونة التي ختم بها المجلد الأول من بحثه وهما: الشعر الجاهلي الذي يقوم على ‘‘ وصف المواضع وتعدادها، موضعا جوار موضع ومكانا جوار مكان، وهذه وحدها من يحسم الجدل بشأن أسماء المواضع التوراتية‘‘ ، الوثيقة التاريخية الثانية هي ‘‘شهادة الهمداني – 280 – 334 للهجرة – الثمينة، ووصفه الميداني لمنازل القبائل التي سجلها في كتابه الشهير( صفة جزيرة العرب) ‘‘ ، يمضي الجزء الأول من المجلد الأول برمته تقريبا في تفنيد أسماء الأماكن التي وردت في شهادة الهمداني ومقارنتها مع أسماء المواضع والمنازل التي وردت في الشعر الجاهلي وهذا هو بيت القصيد فمثلا اعتبر الجبل ‘‘أفيق‘‘ في فلسطين من دون الانتباه على الخطأ الجغرافي مع وجود مواضع جبلية أخرى مجاورة لاوجود لها في فلسطين القديمة، في حين أننا نجد إسم الجبل نفسه مع أسماء لمواضع أخرى مجاورة في النص التوراتي كما نجده في وصف الشعر الجاهلي للأماكن نفسها ويعطي مثالا على ذلك ‘‘أريحا‘‘ في النص العربي للتوراة التي ورد اسم جبل إلى شمالها اسمه ‘‘بيت ءون ويخلص إلى استنتاج أن هذه المواضع هي جزء من سلسلة جبلية لاوجود لها في فلسطين، ومن المستحيل تخيل إمكانية زوالها! المصدر الثالث – الرافد إن صحّ التعبير – الذي وجده يتقاطع مع كتاب الهمداني والتوراة ويدعم نظريته عثر عليه بالمصادفة حين كان يقرأ كتاب المفكر السوري الشهير الدكتور ‘‘عبد الرحمن الشهبندر‘‘ ‘‘المقالات‘‘، عندما وجد مقالة يعود تاريخها إلى العام 1936 وفيها الدليل القاطع على أن ‘‘مملكة إسرائيل القديمة لم تكن قط في فلسطين؟‘‘ في تماثل وتطابق بين نص الهمداني ونص الأخير الذي اعتمد بدوره على نص لنزيه مؤيد العظم الذي زار اليمن عام 1916 يقول الشهبندر نقلا عن العظم: ‘‘وذكر حاخام اليهود الأكبر في صنعاء واسمه يحيى إسحق – للمؤلف – أنه كان لليهود مملكة عظيمة في اليمن إلى الشرق من صنعاء أسسها سليمان بن داوود، وربما كانت هذه المملكة في نجران‘‘. الجزء الثاني ينقسم إلى ستة فصول يعيد من خلالها بناء الرواية التاريخية فيتناول فيه حروب بني إسرائيل التي وردت في التوراة العبرية ويعيد صوغها وفق النظرية التي فندها لنا في الجزء الأول اعتمادا على مصدريه آنفي الذكر، ففي الفصل الأول وتحت عنوان‘‘معركة بعل فراصيم ضد الفلسطينيين المتخيلين‘‘، يعتمد على عملية إبدال الأحرف: ف بعل – فراصيم في العبرية تتحول في الطبعة العربية للتوراة: بعل – فراحيم ، نعرف أن مجابهات حربية حدثت بين قبائل عربية ومنها قبيلة طيء صاحبة معبد الفلس التي نسبت إليه فأصبحت تعرف بقبيلة‘‘الفلست‘‘ وكانت هذه قد تنبهت مبكرا إلى صعود داوود ملكا في بني إسرائيل، لكن القراءة الاستشراقية‘‘ تخيلت الفلستيين في صورة فلسطينيين‘ وذلك في سياق المطابقة الماكرة الهادفة إلى إيجاد بعد ديني – تاريخي للصراع على فلسطين‘‘ كما يقول الكاتب، ويدعم مثاله بشعر جاهلي للحلزة. الأمر الغريب في رأيي أن ماأخذه مؤلف الكتاب على الدكتور كمال صليبي من استخدامه لألاعيب لغوية قد وقع فيه في أكثر من موضع. الكاتب يواصل سجالا لم ينقطع عن أحقية اليهود في فلسطين عبر بحث طويل وشاق، ولست أدري – شخصيا – إن كان هذا السجال من أجل البحث العلمي – وهذا حق لكل إنسان – أم من أجل إثبات أن لاحق لليهود في فلسطين لأنهم لم يكونوا فيها كما تدعي توراتهم المختلقة، علما أن حقهم ساقط أصلا بالتقادم بعد أن غابوا ألفي سنة عن المكان على افتراض أنهم كانوا فيه. يبقى أن مقدمة الكتاب تكتسب أهمية قصوى في تناول سرديات التاريخ الكبرى، التي كان للمخيال الاستشراقي فيها دورا كبيرا في حجب سرديات الآخر صاحب الحق ولكن الضعيف، لامتلاكه القوة والنفوذ في جعل الخيال والأسطورة أمرا واقعا متمثلا في منهجه هذا الراحل‘‘ إدوارد سعيد‘‘ صاحب نظرية الاستشراق.
أرض التوراة في اليمن القديم
عن دار الفكر في دمشق صدرت الطبعة الثانية – 2009 – لكتاب ‘‘فلسطين المتخيلة أرض التوراة في اليمن القديم‘‘ للدكتور فاضل الربيعي، وكانت الطبعة الأولى قد صدرت في العام – 2008 ، ويبدو الكتاب استكمالا وإضافة جديدة لسجال بدأه الدكتور كمال صليبي الذي كان رائدا – بحسب المؤلف نفسه - في وضع نظرية تقول إن مصطلح ‘‘أرض الميعاد‘‘ المتعارف عليه كونيا بأنها أرض فلسطين التي وعد بها الرب بني إسرائيل ليست هي فلسطين بل جزيرة العرب واعتمد في نظريته على أسماء الأماكن المتشابهة في كلتا الجغرافيتين، لكن الدكتور الربيعي – وعلى الرغم من احتفائه وتقديره الكبيرين لكتاب صليبي – إلا أنه يعترف بأن الأخير قام أحيانا ببعض ‘‘الألاعيب اللغوية‘‘ في الأسماء لليّ الحقيقة من أجل إثبات صحة نظريته، يقول في المقدمة ص17 : ((إنّ كتاب صليبي الرائد والذي يشكل فتحا معرفيا عظيما في الثقافة العربية، لم يكن مقنعا بصورة قاطعة لابالنسبة إليّ، ولا إلى الكثير من القراء، ولعله فاقم من درجة الشكوك بفرضياته، لسبب بسيط للغاية هو أنه انصرف إلى مايشبه الألعاب اللغوية للبرهنة على وجود أرض التوراة في منطقة عسير، وكان اضطراره إلى قلب الحروف في أسماء القرى والجبال، واستخدامه المفرط لاحتمالات حدوث تغير فونيطيقي في الكثير من الكلمات، من بين أكثر المسائل إثارة للحيرة والتشوش)). يتألف الكتاب من مجلدين يحوي المجلد الأول الجزء الأول والثاني في 534 صفحة من القطع الكبير ماعدا ثبت الخرائط، عنوان الجزء الأول ‘‘أرض التوراة في اليمن‘‘، وعنوان الجزء الثاني‘‘القدس ليست أورشليم‘‘. اعتمد المؤلف كما يخبرنا في مقدمته الطويلة نسبيا في المجلد الأول على مصدرين أساسيين كانا بمثابة الوثيقة التاريخية المؤيدة بالخرائط الواضحة الملونة التي ختم بها المجلد الأول من بحثه وهما: الشعر الجاهلي الذي يقوم على ‘‘ وصف المواضع وتعدادها، موضعا جوار موضع ومكانا جوار مكان، وهذه وحدها من يحسم الجدل بشأن أسماء المواضع التوراتية‘‘ ، الوثيقة التاريخية الثانية هي ‘‘شهادة الهمداني – 280 – 334 للهجرة – الثمينة، ووصفه الميداني لمنازل القبائل التي سجلها في كتابه الشهير( صفة جزيرة العرب) ‘‘ ، يمضي الجزء الأول من المجلد الأول برمته تقريبا في تفنيد أسماء الأماكن التي وردت في شهادة الهمداني ومقارنتها مع أسماء المواضع والمنازل التي وردت في الشعر الجاهلي وهذا هو بيت القصيد فمثلا اعتبر الجبل ‘‘أفيق‘‘ في فلسطين من دون الانتباه على الخطأ الجغرافي مع وجود مواضع جبلية أخرى مجاورة لاوجود لها في فلسطين القديمة، في حين أننا نجد إسم الجبل نفسه مع أسماء لمواضع أخرى مجاورة في النص التوراتي كما نجده في وصف الشعر الجاهلي للأماكن نفسها ويعطي مثالا على ذلك ‘‘أريحا‘‘ في النص العربي للتوراة التي ورد اسم جبل إلى شمالها اسمه ‘‘بيت ءون ويخلص إلى استنتاج أن هذه المواضع هي جزء من سلسلة جبلية لاوجود لها في فلسطين، ومن المستحيل تخيل إمكانية زوالها! المصدر الثالث – الرافد إن صحّ التعبير – الذي وجده يتقاطع مع كتاب الهمداني والتوراة ويدعم نظريته عثر عليه بالمصادفة حين كان يقرأ كتاب المفكر السوري الشهير الدكتور ‘‘عبد الرحمن الشهبندر‘‘ ‘‘المقالات‘‘، عندما وجد مقالة يعود تاريخها إلى العام 1936 وفيها الدليل القاطع على أن ‘‘مملكة إسرائيل القديمة لم تكن قط في فلسطين؟‘‘ في تماثل وتطابق بين نص الهمداني ونص الأخير الذي اعتمد بدوره على نص لنزيه مؤيد العظم الذي زار اليمن عام 1916 يقول الشهبندر نقلا عن العظم: ‘‘وذكر حاخام اليهود الأكبر في صنعاء واسمه يحيى إسحق – للمؤلف – أنه كان لليهود مملكة عظيمة في اليمن إلى الشرق من صنعاء أسسها سليمان بن داوود، وربما كانت هذه المملكة في نجران‘‘. الجزء الثاني ينقسم إلى ستة فصول يعيد من خلالها بناء الرواية التاريخية فيتناول فيه حروب بني إسرائيل التي وردت في التوراة العبرية ويعيد صوغها وفق النظرية التي فندها لنا في الجزء الأول اعتمادا على مصدريه آنفي الذكر، ففي الفصل الأول وتحت عنوان‘‘معركة بعل فراصيم ضد الفلسطينيين المتخيلين‘‘، يعتمد على عملية إبدال الأحرف: ف بعل – فراصيم في العبرية تتحول في الطبعة العربية للتوراة: بعل – فراحيم ، نعرف أن مجابهات حربية حدثت بين قبائل عربية ومنها قبيلة طيء صاحبة معبد الفلس التي نسبت إليه فأصبحت تعرف بقبيلة‘‘الفلست‘‘ وكانت هذه قد تنبهت مبكرا إلى صعود داوود ملكا في بني إسرائيل، لكن القراءة الاستشراقية‘‘ تخيلت الفلستيين في صورة فلسطينيين‘ وذلك في سياق المطابقة الماكرة الهادفة إلى إيجاد بعد ديني – تاريخي للصراع على فلسطين‘‘ كما يقول الكاتب، ويدعم مثاله بشعر جاهلي للحلزة. الأمر الغريب في رأيي أن ماأخذه مؤلف الكتاب على الدكتور كمال صليبي من استخدامه لألاعيب لغوية قد وقع فيه في أكثر من موضع. الكاتب يواصل سجالا لم ينقطع عن أحقية اليهود في فلسطين عبر بحث طويل وشاق، ولست أدري – شخصيا – إن كان هذا السجال من أجل البحث العلمي – وهذا حق لكل إنسان – أم من أجل إثبات أن لاحق لليهود في فلسطين لأنهم لم يكونوا فيها كما تدعي توراتهم المختلقة، علما أن حقهم ساقط أصلا بالتقادم بعد أن غابوا ألفي سنة عن المكان على افتراض أنهم كانوا فيه. يبقى أن مقدمة الكتاب تكتسب أهمية قصوى في تناول سرديات التاريخ الكبرى، التي كان للمخيال الاستشراقي فيها دورا كبيرا في حجب سرديات الآخر صاحب الحق ولكن الضعيف، لامتلاكه القوة والنفوذ في جعل الخيال والأسطورة أمرا واقعا متمثلا في منهجه هذا الراحل‘‘ إدوارد سعيد‘‘ صاحب نظرية الاستشراق.
تعليق