عندما هَمَّ جدي – لأمي – بالخروج من منزلنا أسرعت بإحضار حذائه ووضعته أمامه، فربت على كتفي بحنو قائلا: الله يرضى عليك ، أنت الآن على العتبة – أو قال الدرجة – الأولى في سلم الطريقة.. حاولت بفضولي الغلامي أن أستفسر عن معنى كلامه، لكنه لم يفصح – ربما لأنه كان على وشك الخروج أولم يشأ التكلم أمام الجميع – إذ ألمح إلى أنني بحاجة إلى بضع سنوات أخرى حتى أعرف.
أرقتني هذه الكلمة وقضت مضجعي.. ظلت تدور في رأسي بجنون كزوبعة صحراوية تستحثني البحث عن معانيها.. كان فضولي يتضخم ككرة ثلج متدحرجة بينما يرجمني السؤال بنفسه كل لحظة بإصرار عجيب..
توجهت إلى أمي فلم ترو عطشي و اكتفت بالقول أنه يقصد الطريقة النقشبندية..
حسنا.. وماذا تفعل هذه الطريقة؟ هل لها علاقة بالطرق الحسابية التي نأخذها في المدرسة؟
-...
فهمت؛ علي البحث بنفسي.. آه يا أمي.. لم تتركينني وحيدا وسط هذا الإعصار!؟ وأنت تعلمين أكثر من غيرك أني سأجد الجواب أو يأتيني صاغرا..
نصبت خيمتي في مسجد حينا الذي كنت أصلي فيه متقطعا، لأحضر كل الدروس والخطب، غير بعيد كونت صداقات وعلاقات حتى دعاني أحدهم الى الحضرة..
وما هي الحضرة؟
- تعال وستعرف .. تستطيع أن تسأل الشيخ عن كل ما تريد
كان فضولي يلكزني بشدة فانطلقت معهم إلى أن دخلنا أحد البيوت، حيث تزينَّا بالخشوع.. الكل صامت كأن على رؤوسهم الطير وأنا أتقلب على جمر الصبر، ويكويني فحيح الاِستفهام.. ناولونا مصاحف قرأنا فيها بالدور بضع آيات ثم أخذوها وساد هدوء قاتل؛ الكل جثة هامدة.. أتفحص الوجوه الخاشعة كأنها قطع من جليد.. وكلما تململت يشدني صديقي بقوة صامتة، ويشير علي بالهدوء إلى أن حضر رجل بلحية حمراء توشح البياض، فقاموا جميعا وردوا السلام، وبعد أن جلس جلسوا..
بدأ بالتسبيح والاِستغفار وحيدا، ثم قذفنا بوعظه الذي جلب لي النعاس.. لكزني صديقي، انتبهت فإذا هم يسبحون جماعيا ويتمايلون في أماكنهم كجذع رقيق تعبث به الرياح.. وفجأة توقفوا وانتفضوا واقفين فوقفت معهم، وقاموا بإخراج الأطفال..
ولكن لي سؤال.. أريد أن أسال سؤالا واحدا
- فيما بعد.. فيما بعد
ولم يسمح لي بنطق كلمة أخرى، فخرجت غاضبا ولم أعد
أتذكر هذا فيما كان يقص صديق حكاية صوفي، قرر أن يعمل حضرة لوحده في بيت أحد أقاربه، فبدأ بالتسخين والأطفال من حوله يلعبون، وكان أحدهم مستمتعا بفعله جالسا إلى يمينه، والشيخ كالقطار البخاري تزداد سرعته ويعلو صوته مع الوقت، حتى صار كالجالس على لولب لا يثبت في مكانه، وقد حان وقت الاِنطلاق إلى عالم آخر.. فنظر يسرة ثم يمنه فجأة صارخا : الـلـــــــــــــــــــــه
ارتعب الطفل.. تكور و لاذ بمكانه واضمحل.. امتقع.. ثم انفجر باكيا و قام راكضا وهو يصرخ..
استغفر الله .. أخشى أن لا يستطيع الإنجاب بعد هذا
وما زلت أبحث عن الجواب في الصحراء الكبرى بلا خارطة..
لم تمض أيام حتى رجع جدي من زيارته لخالتي، فأردت استغلال الفرصة وسؤاله وحيدا – إذ ربما يخجل من التكلم أمام الغير..! – ولكن هيهات؛ صرعه التعب وغلبه النوم فألقى بنفسه في فراشه لافظا الدنيا بمن فيها خارجه وغط في نوم عميق.. أما أنا فاستلقيت على أشواك الحيرة..
بعد أن عدت من مدرستي إلى المنزل ألقيت بالحقيبة وتوجهت إلى مجلسه.. لا باس؛ لا يوجد أغراب، جدتي وأمي فقط.. دسست نفسي إلى جواره وهو يتحدث وهمست له بالسؤال.. استجمع نفسه، عدل جلسته.. تنحنح وأخذ نفسا عميقا للبدء في الكلام، إلا أن لكزة بعثرته وأفقدته البوصلة : نعم يا حاجِّة؟
- إحك لنا حكاية (أبو نص نصيص)..
قالتها جدتي فقطعت علي الطريق و منعتني من الكلام – رغم أنها تحبني كثيرا-
آه يا جدتي.. أنت أيضا؟!
لم أستغرب انصياع جدي لرغبتها؛ فقد كانت ذات سطوة على الجميع وكل الرجال كانت تهابها.. وقبل أن يتجرأ أحدهم للدخول معها في ملاسنة كان يحسب الف حساب؛ لأنها كانت (حاوية)..
بعد أن أعد نفسه من جديد لتنفيذ التعليمات، بدأ جدي: كنت عائداً في أحد الأيام إلى البيت بعد صلاة العشاء في الحرم، كانت ليلة قمرها في إجازة، حتى ولو كان موجودا فإنه لا يرى الدخلات والأزقة القديمة المستلقية تحت القباب..
ولم تكن الكهرباء قد استباحت ظلام الشوارع بعد..
إيه يا جدي .. استعجل أرجوك..!! قلت وأنا أتململ لا أثبت في مكاني كالجالس على دُمَّل
نظر بتفحص للجميع يتفرس الوجوه، كأنه يطلب موافقتها على الاِستمرار، حيث حضرت بعض وجوه البيت صغارا وكبارا، فيما جلس الكبار على مسافة تحلق الصغار حوله فأردف: أنا أعرف طريقي جيدا، ولم تبق سوى مسافة بسيطة على الوصول.. فارتطمت بحائط رغم تأكدي من عدم وجوده.. اتجهت يمينا فاصطدمت بحائط آخر.. شككت بنفسي: هل أضعت الطريق؟.. بسم الله.. الظلام دامس ولا نقطة ضوء واحدة.. يبدو أن هذا اللعين يريد أن يلعب معي.. اتجهت يسارا فاذا حائط آخر ! الله اكبر..
بدأ دبيب الخوف يسري في أوصالي و يقتحم قلبي.. وصرت أراه كغول قد يلتهمني .. فبدأت ألملم أطرافي وأذيالي من حوله وأبتعد عنه شيئا فشيئا.. وكذلك بقية الأطفال.. والحاجة تلح عليه بالاِستمرار في لحظة دخول الحكواتي الذي سلم وجلس، فاستمر الجد : عدت إلى الخلف .. لا حول ولا قوة إلا بالله ؛ أيضا حائط..! أصبحت مسجونا بين أربعة جدران..! فقررت تلقين الملعون درسا لن ينساه..
ردد الكبار بصوت واحد: إيييه.. ثم ماذا؟
بدأت بالقراءة والجدران تتراجع من أمامي ببطء وأنا أسير حتى وصلت البيت والحمد لله
كرروا خلفه: الحمد لله
دخل الحكواتي على الخط : في أحد الأيام وبينما كنت نائما في الحوش على سرير الخشب.. أيقظني أحدهم.. يلكزني.. يتنطط فوقي ومن حولي
بينما يقول ذلك اكفهرت سماء الأطفال، وبدأت غيومنا تمطر رعبا يبللنا..
وبعد ضحكة غاص خلالها في الماضي استمر: كنت أظنه أحد القطط التي تحبني..التفت فإذا برجل صغير جداً.. لا يتعدى ارتفاعه السرير.. أنفه معكوف طويل، أذناه كأذني الحمار تتحركان في كل الاِتجاهات .. وبصوته الثخين يقول: هيه.. أنت.. أبو مصطفى! قم..
فاستصغرته وعدت للنوم.. فلم يعجبه ذلك فرفعني بالسرير وخبطنا بالأرض.. فتكسر السرير ووقعت على الأرض متدحرجا.. جذبني من يدي ونزل بي إلى سابع أرض..
قالها فأطلقنا لأقدامنا وحناجرنا العنان..
وهم يضحكون...
آه منك يا أبي!.. خَرَّبت موضوعي ..
مصطفى الصالح
20\06\2010
أرقتني هذه الكلمة وقضت مضجعي.. ظلت تدور في رأسي بجنون كزوبعة صحراوية تستحثني البحث عن معانيها.. كان فضولي يتضخم ككرة ثلج متدحرجة بينما يرجمني السؤال بنفسه كل لحظة بإصرار عجيب..
توجهت إلى أمي فلم ترو عطشي و اكتفت بالقول أنه يقصد الطريقة النقشبندية..
حسنا.. وماذا تفعل هذه الطريقة؟ هل لها علاقة بالطرق الحسابية التي نأخذها في المدرسة؟
-...
فهمت؛ علي البحث بنفسي.. آه يا أمي.. لم تتركينني وحيدا وسط هذا الإعصار!؟ وأنت تعلمين أكثر من غيرك أني سأجد الجواب أو يأتيني صاغرا..
نصبت خيمتي في مسجد حينا الذي كنت أصلي فيه متقطعا، لأحضر كل الدروس والخطب، غير بعيد كونت صداقات وعلاقات حتى دعاني أحدهم الى الحضرة..
وما هي الحضرة؟
- تعال وستعرف .. تستطيع أن تسأل الشيخ عن كل ما تريد
كان فضولي يلكزني بشدة فانطلقت معهم إلى أن دخلنا أحد البيوت، حيث تزينَّا بالخشوع.. الكل صامت كأن على رؤوسهم الطير وأنا أتقلب على جمر الصبر، ويكويني فحيح الاِستفهام.. ناولونا مصاحف قرأنا فيها بالدور بضع آيات ثم أخذوها وساد هدوء قاتل؛ الكل جثة هامدة.. أتفحص الوجوه الخاشعة كأنها قطع من جليد.. وكلما تململت يشدني صديقي بقوة صامتة، ويشير علي بالهدوء إلى أن حضر رجل بلحية حمراء توشح البياض، فقاموا جميعا وردوا السلام، وبعد أن جلس جلسوا..
بدأ بالتسبيح والاِستغفار وحيدا، ثم قذفنا بوعظه الذي جلب لي النعاس.. لكزني صديقي، انتبهت فإذا هم يسبحون جماعيا ويتمايلون في أماكنهم كجذع رقيق تعبث به الرياح.. وفجأة توقفوا وانتفضوا واقفين فوقفت معهم، وقاموا بإخراج الأطفال..
ولكن لي سؤال.. أريد أن أسال سؤالا واحدا
- فيما بعد.. فيما بعد
ولم يسمح لي بنطق كلمة أخرى، فخرجت غاضبا ولم أعد
أتذكر هذا فيما كان يقص صديق حكاية صوفي، قرر أن يعمل حضرة لوحده في بيت أحد أقاربه، فبدأ بالتسخين والأطفال من حوله يلعبون، وكان أحدهم مستمتعا بفعله جالسا إلى يمينه، والشيخ كالقطار البخاري تزداد سرعته ويعلو صوته مع الوقت، حتى صار كالجالس على لولب لا يثبت في مكانه، وقد حان وقت الاِنطلاق إلى عالم آخر.. فنظر يسرة ثم يمنه فجأة صارخا : الـلـــــــــــــــــــــه
ارتعب الطفل.. تكور و لاذ بمكانه واضمحل.. امتقع.. ثم انفجر باكيا و قام راكضا وهو يصرخ..
استغفر الله .. أخشى أن لا يستطيع الإنجاب بعد هذا
وما زلت أبحث عن الجواب في الصحراء الكبرى بلا خارطة..
لم تمض أيام حتى رجع جدي من زيارته لخالتي، فأردت استغلال الفرصة وسؤاله وحيدا – إذ ربما يخجل من التكلم أمام الغير..! – ولكن هيهات؛ صرعه التعب وغلبه النوم فألقى بنفسه في فراشه لافظا الدنيا بمن فيها خارجه وغط في نوم عميق.. أما أنا فاستلقيت على أشواك الحيرة..
بعد أن عدت من مدرستي إلى المنزل ألقيت بالحقيبة وتوجهت إلى مجلسه.. لا باس؛ لا يوجد أغراب، جدتي وأمي فقط.. دسست نفسي إلى جواره وهو يتحدث وهمست له بالسؤال.. استجمع نفسه، عدل جلسته.. تنحنح وأخذ نفسا عميقا للبدء في الكلام، إلا أن لكزة بعثرته وأفقدته البوصلة : نعم يا حاجِّة؟
- إحك لنا حكاية (أبو نص نصيص)..
قالتها جدتي فقطعت علي الطريق و منعتني من الكلام – رغم أنها تحبني كثيرا-
آه يا جدتي.. أنت أيضا؟!
لم أستغرب انصياع جدي لرغبتها؛ فقد كانت ذات سطوة على الجميع وكل الرجال كانت تهابها.. وقبل أن يتجرأ أحدهم للدخول معها في ملاسنة كان يحسب الف حساب؛ لأنها كانت (حاوية)..
بعد أن أعد نفسه من جديد لتنفيذ التعليمات، بدأ جدي: كنت عائداً في أحد الأيام إلى البيت بعد صلاة العشاء في الحرم، كانت ليلة قمرها في إجازة، حتى ولو كان موجودا فإنه لا يرى الدخلات والأزقة القديمة المستلقية تحت القباب..
ولم تكن الكهرباء قد استباحت ظلام الشوارع بعد..
إيه يا جدي .. استعجل أرجوك..!! قلت وأنا أتململ لا أثبت في مكاني كالجالس على دُمَّل
نظر بتفحص للجميع يتفرس الوجوه، كأنه يطلب موافقتها على الاِستمرار، حيث حضرت بعض وجوه البيت صغارا وكبارا، فيما جلس الكبار على مسافة تحلق الصغار حوله فأردف: أنا أعرف طريقي جيدا، ولم تبق سوى مسافة بسيطة على الوصول.. فارتطمت بحائط رغم تأكدي من عدم وجوده.. اتجهت يمينا فاصطدمت بحائط آخر.. شككت بنفسي: هل أضعت الطريق؟.. بسم الله.. الظلام دامس ولا نقطة ضوء واحدة.. يبدو أن هذا اللعين يريد أن يلعب معي.. اتجهت يسارا فاذا حائط آخر ! الله اكبر..
بدأ دبيب الخوف يسري في أوصالي و يقتحم قلبي.. وصرت أراه كغول قد يلتهمني .. فبدأت ألملم أطرافي وأذيالي من حوله وأبتعد عنه شيئا فشيئا.. وكذلك بقية الأطفال.. والحاجة تلح عليه بالاِستمرار في لحظة دخول الحكواتي الذي سلم وجلس، فاستمر الجد : عدت إلى الخلف .. لا حول ولا قوة إلا بالله ؛ أيضا حائط..! أصبحت مسجونا بين أربعة جدران..! فقررت تلقين الملعون درسا لن ينساه..
ردد الكبار بصوت واحد: إيييه.. ثم ماذا؟
بدأت بالقراءة والجدران تتراجع من أمامي ببطء وأنا أسير حتى وصلت البيت والحمد لله
كرروا خلفه: الحمد لله
دخل الحكواتي على الخط : في أحد الأيام وبينما كنت نائما في الحوش على سرير الخشب.. أيقظني أحدهم.. يلكزني.. يتنطط فوقي ومن حولي
بينما يقول ذلك اكفهرت سماء الأطفال، وبدأت غيومنا تمطر رعبا يبللنا..
وبعد ضحكة غاص خلالها في الماضي استمر: كنت أظنه أحد القطط التي تحبني..التفت فإذا برجل صغير جداً.. لا يتعدى ارتفاعه السرير.. أنفه معكوف طويل، أذناه كأذني الحمار تتحركان في كل الاِتجاهات .. وبصوته الثخين يقول: هيه.. أنت.. أبو مصطفى! قم..
فاستصغرته وعدت للنوم.. فلم يعجبه ذلك فرفعني بالسرير وخبطنا بالأرض.. فتكسر السرير ووقعت على الأرض متدحرجا.. جذبني من يدي ونزل بي إلى سابع أرض..
قالها فأطلقنا لأقدامنا وحناجرنا العنان..
وهم يضحكون...
آه منك يا أبي!.. خَرَّبت موضوعي ..
مصطفى الصالح
20\06\2010
تعليق