العربي
بيضاء لا كدر يشوب صفاءها
كالياسمين نقاوة وعبيرا
ــــ أريد أن اسأل عن مريض نازل عندكم هنا في عيادتكم..
من غير أن ترفع إلي بصرها ومن غير حتى أن تشير بيدها قالت :
ـــ سر لهيه.
التفت خلفي... لم ادر هذه " لهيه " أين توجد... عدت اسألها :
ـــ أين ؟
مشغولة دائما بحديثها...بهمسها عبر الهاتف...لا تكترث لوجودي...استجمعت كل قواي محاولا كتم حنقي...غيضي..غضبي...وقلت لها في أدب زائد متوسلا :
ــــ الله يخليك...الله يرحم والديك...أنا جئت من مدينة بعيدة أسال عن مريض نازل عندكم هنا في عيادتكم منذ ما يزيد عن الشهر.
ـــ هل يقربك ؟
ـــ انه أخي.
ـــ اذهب الى جناح الاستشفاء.
في جناح الاستشفاء وجدتها...او كأنها هي... كانت شديدة الشبه بها...طرقت باب مكتبها... اطللت عليها براسي... كانت ممسكة بسماعة الهاتف...اشارت الي "ان انتظر " اغلقت الباب وتسمرت امامه انتظر...طال انتظاري...طرقت مرة اخرى الباب واطللت براسي...اشارت الي في وجوم ظاهر "أن انتظر" احسست سخونة في دماغي... قلت لرأسي : ( آراسي برد دمك...اصبر... الم يسبق لك ان سمعت بصبر ايوب ؟ عليك بالصبر اكثر من صبر ايوب حتى تقضي حاجتك... والا سيلفقون لك تهمة " اهانة موظف " وكأن اهانة الموظف لا تاتيه الا منا نحن... اما هم فيفعلون فيه ما يطيب لهم ويحلوا وليس له الحق حتى في التذمر بله الاحتجاج...اخيرا جاءني صوتها :
ـــ ادخل.
ـــ جئت من مدينة بعيدة اسال عن مريض نازل عندكم هنا في عيادتكم منذ ما يفوق الشهر.
ـــ ذكر ام انثى ؟
ـــ ذكر.
ـــ ما وجه قرابتك به ؟
ـــ ابي.
ـــ اذهب الى جناح الذكور.
في جناح الذكور لم اجد في مكتب الارشادات احد...وقفت امام الباب انتظر...انتظرت وانتظرت وانتظرت...جاءني صوت المؤذن...انه آذان صلاة الظهر...حتى لو كنت على وضوء لمل تمكنت من اداء الصلاة مخافة ان ياتي المسؤول في غيابي ليغيب في حضوري...
اخيرا جاء...بل جاءت المسؤولة ...اعترضتها امام الباب وهي تهم بفتحه ...خفت ان تسبقني بالدخول فتغلق على نفسها المكتب وتنشغل بالهاتف :
ـــ جئت من مدينة بعيدة اسال عن مريض نازل عندكم هنا في عيادتكم منذ ما يفوق الشهر .
ـــ رجل ام طفل ؟
ـــ رجل.
ـــ يقربك ؟
ـــ اخي.
ـــ اذهب الى جناح الرجال... هنا جناح الاطفال.
عند وصولي وجدت الحارس يغلق الباب الرئيسي للجناح :
ـــ كلهم خرجوا لاداء الصلاة وتناول طعام الغداء.
ـــ ومتى يعودون ؟
ـــ انت وزهرك... قد يعودون ولو متأخرين...وقد لا يعودون...
ولاول مرة في حياتي كان الحظ حليفي إذ حظرت المسؤولة عن الجناح...حضرت ولم يتبق على موعد الانصراف الا دقائق معدودة...لعلها حضرت فقط لتوقع على ورقة الخروج رغم ان الحاضر منهم ينوب عن الغائب في التوقيع سواء عند الدخول او المغادرة.
تقدمت نحوها في ادب واحترام :
ـــ جئت من مدينة بعيدة اسال عن مريض نازل عندكم هنا في عيادتكم منذ ازيد من شهر .
ـــ هل تقربه ؟
ـــ انه عمي.
ومن غير ان تسالني عن اسمه قالت :
ـــ ان الطبيب المكلف بحالته في مهمة بالخارج ... عد اليه في مثل هذا اليوم من الاسبوع المقبل.
جرجرت قدمي اللتين اثقلهما طول الوقوف امام ابواب المكاتب وطول الانتظار ورحت اعد ايام الاسبوع الواحد تلو الآخر...
ولانني صرت اعرف وجهتي فقد قصدت جناح الرجال مباشرة...استقبلتني المسؤولة ببشاشة ولطف وظرافة قائلة :
ـــ عليك ان تمر اولا بمكتب الارشادات الرئيسي قبل الوصول الى هنا.
وبدأت الرحلة من اولها ليجدني آذان صلاة العصر امام باب الجناح المخصص للرجال... قالت لي المسؤولة :
ـــ وجدت الطبيب المشرف على القسم قد خرج لتوه... طلبوه في عيادته الخاصة...عد اليه صباحا قبل الساعة الثامنة.
في صباح اليوم الموالي وقبل الساعة السابعة كنت امام باب جناح الرجال ... سالت الحارس ان يدلني على الطبيب المشرف متى رآه قادما .
ـــ أي طبيب تعني ؟ انهم كثر.
تسمرت قرب الباب افكر في رحلة جديدة بطول بضعة امتار يلزمني لقطعها يوم باكمل ... اخيرا تقدمت نحو الحارس...صافحته وكانني اودعه...احس بالورقة النقدية تلامس باطن كفه عند مصافحتي له ... تبسم وطلب مني الا ابتعد عنه... بعد برهة رآى احدهم قادما ...اشار الي... تقدمت نحو القادم :
ـــ آسي الدكتور...انا جئت من مدينة بعيدة اسال عن حالة مريض نازل عندكم هنا في العيادة منذ ازيد من شهر.
طلب مني ان اتبعه ... في المكتب سألني :
ـــ ما اسم المريض ؟
ـــ العربي
تناول ملفا...قلب اوراقه :
ـــ صحتو مزيانة بزاف... ما عندو والو... خصو غير شوية ديال الراحة...
ـــ حسب ما قاله لي العربي يا دكتور فمنذ دخوله هذه المصحة لم يتم الكشف عنه ولا فحصه ولم يسال فيه او عنه طيلة مدة مكوثه هنا أي واحد من المسؤولين عن هذه المصحة. فكيف عرفت ان صحته مزيانة... ومزيانة بزاف كما تقول ؟
ـــ هذاك الشي شغلنا... احنا كنعرفوا آش كنديرو...واش انت اللي باغي تورينا خدمتنا ؟ ماذا يشتغل هذا العربي ؟
ـــ عاطل.
ـــ يمكنه ان يغادر بعد ان يؤدي مصاريف الاستشفاء والعلاج... ماذا يقربك هذا العربي ؟
ـــ انا هو العربي يا دكتور ............................................
البروج
في
18يونيو 2010
تعليق