امرأة كالغروب
صبري رسول
"لامرأة تخبئ العالـم بين ضفتيها لك قبلة ولعينيك موجة القبلات"
هكذا وكأنَّهُ لم يعدْ لديه اهتمامٌ بهذا العالمِ ، والغروبُ المتكررُ آلياً في الأفقِ البحريِّ لا يشكِّلُ أهميةَ وردةٍ تدوسُها كلُّ حينٍ. إنَّه يعيشُ داخلَ ذاتِهِ أو يموتُ فيها، ولا فرق بينهما ،كلُّ منهما غارقٌ في صمتِهِ ونظرُهُ مشدودٌ إلى شيءٍ غيرِ معينٍ، إلى نقطةٍ متلاشيةٍ على صفحةِ البحرِ، لا تجيدُ الإعلانَ عن نفسِها.
إنَّه طريدُ الخرائِطِ الممزَّقَةِ، الملوَّنةِ بالتَّقسيماتِ العشوائيةِ المقدَّسةِ. ضحيةٌ كغيره للأمِينِينَ على تلك الخرائطِِ. جابَ دولاً كثيرةً شبيهةً بأوكارِ العصافيرِ المتناثرةِ و المتعرِّشةِ على أغصانٍ متعددةٍ. دولٌ حصلتْ على شهاداتِ الميلادِ من عواصمِ الثَّلجِ والضَّبابِ، وخرائطها المقدّسة تنقشُها الأصابعُ هناك بألوانٍ كما يشتهيها " العظيمُ " هنا. ولشهوةِ عظيمِنا، قياساتٌ مسبوقة القصِّ هناك.
مسافاتٌ محترقةٌ بين القامشلي(1) ودمشق على امتدادِ التّخومِ الخائفةِ بين الشّمالِ والجنوبِ، بينَ مهبطِ الوحي وبيتِ المقدسِ تتوغَّلُ في داخلِهِ حتى الذَّوبانِ والتَّلاشِي، كلُّ هذا يختفِي وراءَ سحنةٍ تشبهُ الماءَ، تظنُّ أنَّه قد سرقهَا من عيونِ " الكُوجَرياتِ "(2) الدامعة على " خَج وسِيامَنْد "(3) .
لكنَّني اكتشفْتُ من خلالِ العملِ المطحَنيِّ اليوميِّ أنَّهُ يشاركُني في الأبعادِ الهندسيَّةِ لخريطةٍ لم نرسمْهَا نحنُ، وندفعُ ثمنَ تمزيقِهَا من الآخرِين، وثمنَ إصرارِهم على ذلك الرّسمِ .
نلتقي كلَّ صباحٍ بتحيةٍ مشبوبةٍ بمرارةِ الأخبارِ، وما نسمعُهُ منْ قنواتٍ هشَّةٍ في نقلِ صور " الأفذاذ " وهم يودّعون ويستقبلون، ثم نفترقُ كلَّ مساءٍ بصمتٍ. وهناك حيثُ الرّدهات والقاعات ومكاتب المؤسسةِ التَّعليميةِ أشكالٌ هلاميةٌ غير محددةِ الأبعادِ تتحرَّكُ مثلنا دونَ أنْ تفهمَ ما يفعلُ كلُّ منها تحرِّكُهَا دوافعُ خفيَّةٌ لم يطفُ على سطحِ أحاديثِها غيرُ سعيهَا لاقتناصِ لقمةٍ حرَّمهم منها " الأفذاذُ "وأصحابُ " التيجانِ التَّاريخيةِ " على تلك الخرائطِ، والهلاميُّون يعملون وفقَ بنودٍ لم يوقَّعُوا عليها، ولم يتضمنْهَا " العقدُ الذهبي " المبرمِ مع تلك المؤسّسة شبه المقدَّسةِ. بنودُ العقدِ واضحةٌ كقانونِ كفالةِ الأيتامِ، يقرؤها المتعاقدُ صفحةً صفحة، وبنداً ببند وجملةً بجملة، ويوقّعُ عليها. وتغيبُ تلك البنودُ في أدراجِ المؤسسات المتحدة. والبنودُ المنفَّذةُ تأتي وليدةَ مزاجٍ لا يتعاقبُ عليه الفصولُ الأربعةِ .
جميلٌ هذا الغروبِ في الطَّبيعةِ لكن في الحياةِ ألمٌ وموتٌ وهذِهِ الأمواجُ المتصارعةُ مع الشَّاطئِ تخبئُ في طياتِها حكاياتٍ جميلةً شبيهةً بحكاياتِ الجبلِيين ترسبَتْ في ذاكرةِ القاعِ من أيامِ الجد الضَّخمِ، والجدُّ الضخمُ لم يوقّعْ على بنودِ التعاقداتِ مع الهلامِييِّنَ؛ ولم يكنْ هلاميَّاً ذات يومٍ. قالَ ذلك عندَما جالَ بنظرِهِ من البحرِ على عينيها، ثمَّ أرادَ أنْ يقولَ شيئاً آخرَ، كلمةً خبأهَا لها منذ أمدٍ طويلٍ، كلمةً يرمِيهَا هكذا تخفِّفُ ألمَهُ وقلقَهُ، لكنَّه لم يستطعْ كمن جفَّ حلقُهُ .
قالت له بعد تردد: دعْنا نرحلْ من الشَّاطئِ ، فالغروبُ جميلٌ، ولا أريدُ أن يتكررَ هذا المشهدُ المأساويُّ، أمامي، الغروبُ مأساةٌ وعذوبةٌ. انتحارُ النَّهارِ في لحظةِ الغسقِ لأثرِهِ المذْهلِ في قلبي، فقط أريدُ أن أحتفظَ بهذه اللحظةِ كي أحافظَ على قلبي .
اجتاحَتْ كلَّ منهما رغبةٌ في الصَّمتِ، لكنه ردَّ بعدَ قليلٍ: الغروبُ انتحارٌ ذاتي لحالةِ التَّأملِ المثيرةِ، في لحظةِ الكشفِ المتفجرةِ، والاغترابُ موتٌ مجانيٌّ تقدِّمُهُ لمنْ يرفُضُك ،وفي هذه اللحظةِ ترتقي علاقتُك بالطَّبيعة، بدلاً من علاقاتِك المنهارةِ مع البشرِ. والبشرُ كائناتٌ شرسةٌ مقارنةً مع الكائناتِ الأخرى اللَّطيفةِ. جاءَت العبارةُ بديلةً لشيءٍ لم يستطعْ قولَه . نظرَ إليها بعمقٍ، كانَ يودُّ لو يحتضنُها، يشدُّها إلى صدرِه بقوةٍ لتلامسَ أنفاسُها الدافئةُ قلبَه وتذوّبَ جليدَ السَّنوات الماضية، ثمَّ يرسمُ قبلةً على شفتيْها تحرقُ تلك الخرائطَ من أطلسِ الحبِّ، وتوحّد الشّمال مع الجنوب وتُحرِقَ العقودَ المبرمةَ مع الهلاميِيّن ، لتذوِّب الفصولَ في لحظة تماس الشَّمس مع صفحةِ البحر، لتغوصَ بانسيابيةٍ سلسةٍ.
كانَ البريقُ الهادئُ يترَاقصُ فوقَ الصَّفحةِ الزَّرقاءِ المذهَّبةِ ، يمتدُّ لمعانُها إلى آفاقٍ بعيدةٍ هنااااااكَ حيثُ تلتقي السَّماءُ بسطحِ البحرِ ليشكِّلِ عقداً ذهبياً يطوّقُ صدرَها الفضيّ اللامعَ وينثرُ خواتمَ كثيرةً في آفاقِ الدُّنيا.
كان البحرُ فيما مضَى صفةً من العَدَمِِ، وجاءَتْ ولادتُه في لحظةٍ التجلِّي المتقدةِ بينهما، فانبسطَتِ الأرضُ مسطَّحةً على حسابِ المرتفعاتِ، واسترخَت الشَّواطئُ ، لتتشكّلَ الأمواجُ في العمقِ، وتنتحرَ أمامها. ولحظةُ التَّجلِّي هذِهِ طاقةٌ مدفونةٌ و هائلةٌ، تنبثقُ من البريقِ اللّماحِ في إحساسِ الإنسانِ ساعةَ اللقاءِ بينَ القلوبِ المتعاقدةِ على بنودٍ غير هلاميةٍ .
بدَّدَت لحظةَ الصَّمتِ قائلةً: هذا الغروبُ يحدثُ شرخاً من الألمِ في داخلي ، تذكِّرني بكلِّ لقاءٍ يموِّته الفراقُ، جمالُـه في انسيابيته، في انحدارِ الشَّمسِ لتعانقَ ذاك الأفقَ، ومؤلـمٌ في هذا اللَّون الأبديِّ المتكرّرِ، في استسلامِ النَّهار بجرأتِه وخجلِه ليدخلَ في نسيجِ اللَّيل. صمتَتْ وهي تتأملُ سحنْتَه الشَّفافة، التي لا تشبهُ العقودَ المقدسةَ مع الهلامييِّنَ.
أحسَّتْ بثقلِ الكلماتِ مع توترٍ غيرِ منضبطٍ لأحاسِيسِها، فأدارَتْ وجهَهَا نحوَ البحرِ، كانَ النَّهارُ ينسحبُ وهو يجرُّ وراءَهُ بقايا ضفيرةِ الشَّمسِ المتناثرةِ ، ليرسمَ لحظةَ الغروبِ سريعةً، يتبادلُ فيها الليلُ والنَّهارُ أدوارَ اللعبةِ في الطَّبيعةِ، واللحظةُ الفاصلةُ تلك تمدُّ الكائناتِ اللَّطيفةِ بنشوةِ العيشِ والاستمرارِ .
كانت تقرأُ عينَيهِ الحزينَتَينِ وعليهما يطفحُ بوحٌ غامقٌ، احتفظَ بِه لسنواتٍ وبقي أسيراً في داخلِه ينتظرُ ولادةً جريئةً.
- ( إذا كانت القرابةُ نعمةً، ووسيلةً، تفتحُ أبوابَ المستحيلِ بين الناسِ، وتمهّد الطريق إلى جنة الفرحِ ، فقد أصبحت سدّاً، وسوراً يفصلُ بيننا، ويبقى المستحيلُ العلامةَ البارزة، في رسمِ الفرحِ الغائبِ، و هذا يجعلني ألا أبوحَ لكِ بسرّي الدفين). في مراتٍ عدة كاد أن يبوحَ به؛ لكن فضّل أن يبقى على وهمٍ في مساحة الأمل، خوفاً من أن يصطدمَ بصخرة الواقعِ.
انفصلا لحظةً هي أقربُ إلى حالةِ الغروبِ و العَدَمِ منها إلى لحظةٍ تُقاسُ بالزَّمن؛ والزَّمن لدينا جوهرةٌ مفقودةٌ، ومساحةٌ بين نقطةِ وقوفِنا وبينِ الحلمِ الَّذي لا نعرفُ ملامحَها؛ انزوتْ إلى ذاتِها، أرادَت أنْ تأخذَ معها الغروبَ الدَّائمي بكل آلامِه، وألْبسَت الأفقَ المنهارَ خَاتماً فضيَّاً. وهو دخلَ في صراعٍ مع التَّكوينِ والعَدمِ، مع الغيابِ والحضورِ، والنّسيانِ والذَّاكرةِ، مع ثنائياتٍ كثيرةٍ تحرقُ تجاعيدَ فصولِهِ القادمةِ. نظر إليها، كان شعرُها سابلا يتمَاوجُ مع نسماتِ الرِّيحِ، وأخذَتْ، مسرعةً الخُطا، اتجاها غيرَ معينٍ؛ وبقيتْ عيناهُ تراقبانها حتى اختفَتْ وراءَ شجراتِ النَّخيلِ الَّتي تفصلُ الكورنيشَ عن الشَّاطئِ، والمزروعةِ وفقَ عقودٍ خاصةٍ تتقاربُ بنودُها مع بنودِ الأشكالِ الهلاميةِ. فذابَ على صفحةِ البحرِ في الأفقِ البعيدِ ليشكِّلَ اللّونَ البنفْسَجيَّ الهادئََ، منتظراً الغسَق اليوميّ بعدَ كلِّ غروبٍ .
________________________________________
(1) قامشلي : أهم مدينة في شمال شرق سوريا، وحاضرة الجزيرة السورية
(2) الكوجر : من العشائر الكردية في الجزيرة السورية.
(3)) خج وسيامند- xec u siyamend )من أغاني الفلوكلور الكردية وهي تمثل قصة حب درامية .
تعليق