مسابقة قراءة في كتاب الشّهريّة.. إعلان

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • ركاد حسن خليل
    أديب وكاتب
    • 18-05-2008
    • 5145

    #31
    الأخ العزيز والأستاذ الفاضل محمد بوحوش
    أسعدتنا مشاركتك
    نشكرك على حرصك واهتمامك
    ونتمنى لك الفوز إن شاء الله
    تقديري ومحبتي
    ركاد أبو الحسن

    تعليق

    • ركاد حسن خليل
      أديب وكاتب
      • 18-05-2008
      • 5145

      #32
      الأخ العزيز والأستاذ الكريم حسن علي البطران
      أهلاً بك معنا
      آملين أن تنال مشاركتك الطيبّة حظّها بالفوز إن شاء الله
      تقديري ومحبّتي
      ركاد أبو الحسن

      تعليق

      • ركاد حسن خليل
        أديب وكاتب
        • 18-05-2008
        • 5145

        #33
        المشاركة الأصلية بواسطة نجيةيوسف مشاهدة المشاركة
        أستاذي الكريم / ركاد

        كم أنا فخورة بك ، بعزيمتك ، بنبلك ، بوجودك هنا .

        حينما أرى نقاء روحك وجمال هذا الحضور الأبي ، والحرص ، والثقافة والطيبة ، والسمو ، حينما أرى هذا وأكثر ، أفخر أيما فخر أنني أنتمي لتراب انتميتَ إليه من بلدي .

        عذرا ، إن فاض شعور صادق هنا ، لكنه ويشهد الحق أنه شعور تلقائي أزعم أن كل من رسم حرفا في هذا الملتقى يشاركني فيه نحوك .
        ولقد أثاره هذا الموضوع الرائع الذي تطرحه هنا ، وإنني إن شاء الله من المشاركين .

        دعواتي الطيبة الصادقة وعظيم ، عظيم تقديري .

        دم بخير أبدا
        الأخت العزيزة الغالية نجية يوسف
        أشكرك أختاه على هذا الإطراء وهذه الكلمات الطّيبات التي لا يمكن أن تصدر إلاّ من كريمة وفاضلة كنجية يوسف .. راجيًا من المولى عزّ وجل أن أكون عند حسن الظّن دائمًا.. وبمستوى ما جاء في مداخلتك نحوي
        متأكّد أن مشاركتك القادمة ستكون منافسة لما تتمتعين به من تمكّن لغوي وظني الحسن باختيارك..
        بانتظارك أختي الكريمة أستاذتنا نجيّة راجيًا لك الفوز إن شاء الله
        تقديري ومحبتي
        أبو الحسن

        تعليق

        • ركاد حسن خليل
          أديب وكاتب
          • 18-05-2008
          • 5145

          #34
          المشاركة الأصلية بواسطة ناريمان الشريف مشاهدة المشاركة
          أخي ركاد
          سلام الله عليك حيثما كنت

          الفكرة رائعة جداً .. دعواتي لكم بالتوفيق
          وسأكون هنا بإذن الله تعالى للمشاركة


          تحياتي ... ناريمان
          الأخت الكريمة الأستاذة الفاضلة ناريمان الشريف
          وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته
          سعادتي بحضورك وبحُسنِ كلماتك لا توصف
          وننتظر إن شاء الله جميل مشاركاتك
          متمنّيًا لك الفوز إن شاء الله
          تقديري ومحبتي
          ركاد أبو الحسن

          تعليق

          • نجيةيوسف
            أديب وكاتب
            • 27-10-2008
            • 2682

            #35
            [rainbow]السلام عليكم ورحمة الله وبركاته[/rainbow]




            بداية أحب أن أقدم كل آيات الشكر والتقدير والعرفان لبادرتك أخي ركاد إذ منحتني هذه الفرصة من الرحلة مع كتاب ،عاش عندي مذ عرفت الكتاب وارتبطت به كأنيس وصاحب ألتجئ إلى صفحاته لتكون حاضنة لأنفاس وجودي حين لم أتجاوز من العمر الثانية عشرة ، غير أني ومع وجوده بين يدي وعلى رفوف مكتبتي المتواضعة تلك التي حرصت على شرائها من مصروفي الخاص واتفقت مع إخوتي على جمع كل ما يصل إلي أيدينا من مصروف زهيد ، لنشتري به مكتبة نضع فيها الكتب التي كنا نحرص على شرائها كلما سنحت لنا فرصة فهي في ذلك الوقت كانت المتنفس الوحيد في بيئة خلت من كل ألوان التسلية ، وكل ألوان الترويح وخاصة لنا كفتيات في بيئة مغلقة جدا ، فلا خروج من المنزل ، ولا زيارات حتى لصديقة ، ولا شيء يمكن تخيله يبعث على الأنس في النفس إلا هذا الرفيق الحاكي الصامت ، مع تلفزيون [ رائي ] يفتتح برامجه في الساعة الخامسة عصرا ويسود شاشته السواد والصمت المطبق في تمام الثانية عشرة .


            لذا كان قرارنا الذي نجحنا فيه مثمرا تلك المكتبة وهو ما جعل أبي يُكْبر ما فعلناه ويضيف إلى ما تم جمعه ضعفه ويحقق لنا هذا الهدف العظيم في حينه .


            واعتلى هذا الكتاب ضمن ما اعتلى رفوف مكتبتي الجميلة البسيطة الحبيبة وبقي يرقد على رفها


            يتأملني بعين عاتبة ، أو هكذا كنت أشعر حينما أنظر إليه نظرة طويلة وكلما هممت بحمله تراخت يدي وانصرفت إلى سواه .


            وانتقل من مكتبة إلى مكتبة ، ومن بيت إلى بيت ومرت السنون تثقل كل منها كاهل أختها وترزح فوقه ، وهذا الكتاب بالذات لا يغيب عن فكري ، لا أدري لمَ ؟ وما سبب هذا الحوار الداخلي الذي عاش في نفسي بيني وبينه .


            وجاء هذا الموضوع ، موضوعك أخي ركاد ، ووجدت نفس النظرة ترمقني ، ونفس الكتاب يدعوني ، وعيناي معلقة به وقد اصفرت صفحاته وخشن ملمسها ، وبدا لي غلافه وكأنه عباءة شيخ وقور يعاتبني بصمت وكبرياء .


            وامتدت يدي لأول مرة إليه بكل شوق ، بكل حنان ، بكل توق لقراءته ، احتضنته


            ولم أعلم أنه هو من احتضنني ، هو من جاء على قدر إلى روح هدها الغياب والضياع في متاهات الغربة عن مداد الروح وأصل الوجود .


            من هنا ومن روضة موضوعك أراني أشرككم في قراءتي لكتابي هذا لا مطمع لي بفوز أو فرد عضلات لغة أو ملء صفحات هنا لمجرد الملء ، لكنها رحلة أصحبكم فيها معي ونعيش معا رحلة النور .


            وعذرا ، عذرا إن أثقلت عليكم بهذه المقدمة لكنني أحسست أنها ضرورة تفرض نفسها لحميمية علاقتي بكتابي الذي أقدمه لكم .


            أدعكم معه وكل رجاء أن أوفق بنقل شيء مما وصلني من فكر وروح كاتبه




            إنه كتاب


            [motr]رحلتي من الشك إلى الإيمان ...[/motr]
            [motr]

            [/motr]


            للدكتور مصطفى محمود


            رحمه الله رحمة واسعة وأسكنه فسيح جنانه


            sigpic


            كلماتنا أرواحنا تهمي على السطر

            تعليق

            • نجيةيوسف
              أديب وكاتب
              • 27-10-2008
              • 2682

              #36
              رحلتي من الشك إلى الإيمان ...

              للدكتور مصطفى محمود






              تعريف بالكاتب :



              مصطفى محمود هو مصطفى كمال محمود حسين آل محفوظ، من الأشراف ، ينتهي نسبه إلى عليّ زين العابدين - ولد عام [1921]، مفكر وطبيب وكاتب وأديب مصري من مواليد شبين الكوم -المنوفية مصر 1921 درس الطب وتخرج عام 1953 ولكنه تفرغ للكتابة والبحث عام 1960 تزوج عام 1961 وانتهى الزواج بالطلاق عام 1973 رزق بولدين "أمل" و "أدهم". تزوج ثانية عام 1983 وانتهى هذا الزواج أيضا بالطلاق عام 1987 وتوفى عن عمر 88 عام فى 31 اكتوبر 2009,13 ذو القعدة 1430 .


              ألف 89 كتابا منها الكتب العلمية والدينية والفلسفية والاجتماعية والسياسية إضافة الحكايات والمسرحيات وقصص الرحلات، ويتميز أسلوبه بالجاذبية مع العمق والبساطة .


              قدم الدكتور مصطفى محمود 400 حلقة من برنامجه التلفزيوني الشهير (العلم والإيمان) وأنشأ عام 1979 مسجده في القاهرة المعروف بـ "مسجد مصطفى محمود" ويتبع له ثلاثة ‏مراكز‏ ‏طبية‏ تهتم بعلاج ذوي الدخل المحدود ويقصدها الكثير من أبناء مصر نظرا لسمعتها الطبية، ‏وشكل‏ ‏قوافل‏ ‏للرحمة‏ ‏من‏ ستة عشر ‏طبيبًا‏، ‏ويضم المركز‏ أربعة ‏مراصد‏ ‏فلكية‏ ، ‏ومتحفا ‏للجيولوجيا‏، يقوم عليه أساتذة متخصصون. ‏ويضم‏ ‏المتحف‏ ‏مجموعة‏ ‏من‏ ‏الصخور‏ ‏الجرانيتية،‏ ‏والفراشات‏ ‏المحنطة‏ ‏بأشكالها‏ ‏المتنوعة‏ ‏وبعض ‏الكائنات‏ ‏البحرية‏.


              أهم كتبه



              الإسلام في خندق (أخبار اليوم)


              زيارة للجنة والنار (أخبار اليوم)


              عظماء الدنيا وعظماء الآخرة (أخبار اليوم)


              علم نفس قرآني جديد (أخبار اليوم)


              الإسلام السياسي والمعركة القادمة (أخبار اليوم)


              المؤامرة الكبرى (أخبار اليوم)


              عالم الأسرار (أخبار اليوم)


              على حافة الانتحار (أخبار اليوم)


              الله والإنسان (دار المعارف)


              أكل العيش (دار المعارف) قصص


              عنبر 7 (دار المعارف) قصص


              شلة الأنس (دار المعارف) قصص


              رائحة الدم (دار المعارف) قصص


              إبليس (دار المعارف)


              لغز الموت (دار المعارف)


              لغز الحياة (دار المعارف)


              الأحلام (دار المعارف)


              sigpic


              كلماتنا أرواحنا تهمي على السطر

              تعليق

              • نجيةيوسف
                أديب وكاتب
                • 27-10-2008
                • 2682

                #37
                رحلتي من الشك إلى الإيمان



                المحتوى :


                جاء الكتاب في ثمانية فصول وهي :


                الفصل الأول : الله

                الفصل الثانى : الجسد
                الفصل الثالث : الروح
                الفصل الرابع : العدل الأزلي
                الفصل الرابع : لماذا العذاب ..... ؟
                الفصل الخامس : ماذا قالت لي الخلوة ؟
                الفصل السادس : التوازنالعظيم
                الفصل السابع : المسيخ الدجال






                ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــ



                تمهيد :


                لقد حاولت قدر استطاعتي أن ألخص ما قرأت ولكنني أعترف أن مثل هذا الكتاب لا يلخص ، حاولت أن أنصفه فأورد مجمل فكرته ، فوجدتني لأعجز من أن ألتقط من داخله فكرا جاء متسلسلا غير تارك لقارئ فرصة اجتزاء قطعة منه لروعة حبكته فكل فكرة آخذة بيد أختها تحيط عقل القارئ وروحه بسوار جميل بهي لا يملك إلا أن يستمتع بوجوده داخل محيطه ، لكنني اسمحو لي أن أختار لكم مقتطفات تشير إلى شيء بسيط من مواطن جمال الكتاب وروعة فكر وأسلوب صاحبه ، رحمه الله رحمة واسعة وأسكنه فسيح جنانه .


                العرض



                الفصل الأول




                الــلَّــه.........




                بدأ الدكتور مصطفى محمود بتعريف القارئ عن نفسه وتاريخ تساؤلاته وتفكُّره قائلا :



                كان ذلك من زمن بعيد لست أذكره .. ربما كنت أدرج منالثالثة عشرة إلى الرابعة عشرة و ربما قبل ذلك .. في مطالع المراهقة .. حينما بدأتأتساءل في تمرد :


                - تقولون إن الله خلق الدنيا لأنه لا بد لكل مخلوق من خالق و لا بد لكل صنعة من صانع و لا بد لكلموجود من موجد .. صدقنا و آمنا .. فلتقولوا لي إذن من خلق الله .. أم أنه جاء بذاته .. فإذا كان قد جاء بذاته وصحّ في تصوركم أن يتم هذا الأمر .. فلماذا لا يصح فيتصوركم أيضاً أن الدنيا جاءت بذاتها بلا خالق و ينتهي الإشكال.




                وجاءت إجابته على سؤاله بأسلوبه البسيط المنطقي موضحا الحالة النفسية وراء هذا التساؤل والجدل قائلا :





                لقد رفضت عبادة الله لأني استغرقت في عبادة نفسي و أعجبت بومضة النور التي بدأت تومض في فكري مع انفتاح الوعيو بداية الصحوة من مهد الطفولة .



                ثم أخذ يورد الآراء الضاحضة الرادة على جدله قائلا :




                و غابت عني أيضاً أصول المنطق و أنا أعالج المنطق و لم أدرك أنيأتناقض مع نفسي إذ كيف أعترف بالخالق ثم أقول و من خلق الخالق فأجعل منه مخلوقاً في الوقت الذي أسميه خالقاًو هي السفسطة بعينها .


                وقال :




                و لو أني أصغيت إلى صوتالفطرة و تركت البداهة تقودني لأعفيت نفسي من عناء الجدل .. و لقادتني الفطرة إلىالله .. و لكنني جئت في زمن تعقد فيه كل شيء و ضعف صوت الفطرة حتى صار همساً وارتفع صوت العقل حتى صار لجاجة و غروراً و اعتداداً .. * * *



                ثم حدثنا بمنطق جميل سهل الطرح عن الوحدة بين الموجودات التي تعني وحدة خالقها وهو الذي يزود كل مخلوق بأسباب حياته متوصلا من خلال طرحه إلى أن هذه الوحدة بين الموجودات تعني وحدة الخالق ولكنها في نفس الوقت لا تعني أبدا أن هذه الموجودات هي ذاتها الخالق .


                ووصل بنا إلى النتيجة التي وصل إليها في رحلة بحثه قائلا :



                إن العلم الحق لم يكن أبداًمناقضاً للدين بل إنه دال عليه مؤكد بمعناه .


                و إنما نِصفُ العلم هو الذي يوقع العقل في الشبهة و الشك .. و بخاصة إن كان ذلك العقل مزهوّاً بنفسه معتدّاً بعقلانيته .. و بخاصة إذا دارتالمعركة في عصر يتصور فيه العقل أنه كلّ شيء .. و إذا حاصرت الإنسان شواهد حضارةماديّة صارخة تزأر فيها الطائرات و سفن الفضاء و الأقمار الصناعيّة .. هاتفةً كلّ لحظة .



                أنا المادة

                أنا كل شيء






                ________________






                ..................الجســد




                كلنا من أصل واحد ..


                من خامة واحدة .






                كان هذا مدخله ليصل بنا إلى سؤاله :



                و ما الشخصية؟!


                طارحا رؤياه السابقة موضحا كيف أنه كان يتصور أنه يمكن أن يفهم الروح إذا شرح الجسد إذ لا فرق بينهما في نظره ، فقال :




                كنت أتصور أني يمكن أنأفهم الروح إذا شرحت الجسد إذ لا فرق بين الاثنين


                الروح هي البدن



                و العقل هو المخ



                و الشخصية هي ردود الفعل و مجموع الأفعال المنعكسة



                و العاطفة في نهاية الأمرجوع جسماني .



                ومن ثم طرح التساؤل الذي قاده إلى الإجابة :



                و نقف الآن وقفة طويلة لنسأل : هل صحيح أن النفس ما هي إلا مجرد حوافز الجوع و الجنس و مجموعة الاستشعارات التي يدرك بها الجسد ما يحتاجه ؟


                لوقلنا هذا فنحن أمام تفسير مادي متهافت فما هكذا حقيقة النفس و لا حقيقة الإنسان ..

                إن الإنسان ليضحي بلقمته و بيته وفراشه الدافئ في سبيل أهداف و مُثل و غايات شديدة التجريد كالعدل و الحق و الخير والحرية .. فأين حوافز الجوع و الجنس هنا ؟ .. و المحارب المقاتل في الميدان الذي يضحي بنفسه على مدفعه في سبيل غد لم يأت بعد .. أين هو من التفسير المادي ؟ إننا أمام إثبات قاطع بأن النفس و الذات حقيقة متجاوزة و عالية على الجسد وليست مجرد احتياجات الجسد الحسية معكوسة في مرآة داخلية .
                ........
                و إذا كنت أنا الجسد فكيف أتحكم في الجسد و أخضعه ؟





                و إذا كنت أنا الجوع فكيف أتحكم في الجوع ؟




                وهكذا بأسلوبه القريب السهل يقودنا إلى رد دعواه هذه ودعوى القائلين بأن النفس مادة قائلا :


                و الذي يقول إن الإنسان مجموعة وظائف فسيولوجية مادية لاغير عليه أن يفسر لنا أين يذهب ذلك الإنسان في لحظة النوم .



                إن جميع الوظائف الفسيولوجية قائمة و مستمرة في أثناءالنوم . و جميع الأفعال المنعكسة و اللاإرادية تحدث بانتظام . فالقلب يدق و النَفَسي تردد و الغدد تفرز و الأحشاء تتلوى و الأعضاء التناسلية تهتاج و الذراع ينقبض لشكّة الدبوس .. ومع ذلك فنحن أمام رجل نائم أشبه بشجرة .. مجرد شجرة .. أو حياة بدائية لا تختلف عن الحياة الحشرية . فأين الإنسان ؟



                وختم بحثه هذا طالبا من قارئه أن يقف متأملا نفسه مكتشفا ذاته العميقة التي ترى طريق الحق وتعرف طريق القبح من الجمال والخير من الشر .






                الروح ..,حقيقتنا المطلقة .



                الــــروح



                هنا في هذا الفصل يطرح سؤالا راود الكثيرين منا حين استعرض ما يحفظه من وصور ورموز . وهنا أراني حريصة أن أقتطف هذا الجزء من حديثه وأسجله لجماله وروعته وقربه من نفس القارئ حين يقول :


                كيف أحفظ هذا الكم الهائل من الأعداد..كل عدد يبلغ طوله ستة أو سبعة أرقام؟


                وأين تختفي هذه الأرقام في تلافيف المخ ؟



                وكيف يتم استدعاؤها فتلمع في الوعي كالبرقالخاطف ؟



                وبأي أسلوب تصطف هذه الأرقام في أعداد متمايزة ..كل عدد له مذكرة تفسيرية ملحقة به تشرح



                دلالته ومعناه؟ وكيف تتراكم المئات والمئات من هذه الأرقام في ذاكرتنا ولا تختلط ولايطمس بعضها بعضاً؟



                وغير الأرقام ..هناك الأسماء والاصطلاحات والكلمات..والأشكال والوجوه..تزدحم بها رأسنا وهناك معالم الطبيعة التي طفنا بهاوالأماكن التي زرناها ..وهناك الروائح ..ومع كل رائحة صورة لامرأة عرفناها أو مشهدنذكره و لواعج وأشواق وقصص وسيناريو من آلاف اللقطات ..وهناك الطعوم ..والنكهات.يأتي الطعم في الفم فيسيل اللعاب شوقاً أو يتحرك الغثيان اشمئزازاً .. ومع كل طعم .. يجري شريط يحكي عن وليمة دسمة ذات يوم أو جرعة دواء مريرة و مرض طويلممض و أوجاع أليمة .. حتى لمسة النسيم الحريرية و رائحة أصداف الشاطئ تحفظها لناالذاكرة فتهب علينا لفحات الهواء الرطيب مع ذكراها و كأننا نعيشها من جديد .



                حتى الأصوات و الهمسات و الوشوشات و الصخب و الصراخ و الضجيج و العويل و النشيج .



                و فاصل من موسيقى .



                ومقطع من أغنية ..



                و لطمة على وجه ..



                و قرقعة عصاً على الظهر .



                و حشرجة ألم ..



                كل هذا تحفظه الذاكرة و تسجله في دقة شديدة و أمانة و معه بطاقة بالتاريخ و المناسبة وأسماء الأشخاص و ظروف الواقعة و محضر بالأقوال .. معجزة .. اسمها الذاكرة .



                إن معنارقيباً حقيقياً يكتب بالورقة و القلم كل دبة نمل في قلوبنا؟



                و ما نتخيل أحياناً أننا نسيناه نكتشف أننا لم ننسه و أنه موجود يظهر لنا فجأة في لحظة استرخاءأو حلم أو بعد كأس أو في عيادة طبيب نفسي و أحياناً يظهر زلة لسان أو خطأ إملائي .



                لا شيء ينسى أبداً .. و لا شيء يضيع .. و الماضي مكتوب بالفعل لحظة بلحظة و دقة قلب بدقة قلب .



                و السؤال الكبير بل اللغز المحير هو .. أين توجد هذه الصور .. أين هذا الأرشيف السري؟




                وبعد سرد ه الجميل هذا ومناقشته البديعة تلك نراه يطرح فكرته حول التلف المادي الشديد للمخ حين يتخذ النسيان نظاما خاصا فينسى في البداية أسماء الأعلام وآخر ما ينسى هي الكلمات الدالة على الأفعال ويخلص من ذلك إلى النتيجة التالية:


                و هذا التسلسل المنتظم في النسيان في مقابلإصابة غير منتظمة و في مقابل تلف مشوش أصاب المخ كيفما اتفق , هو مرة أخرى عدمتوازٍ له معنى .. فهنا إصابة في الذاكرة لا علاقة لها من حيث المدى و الكم و النظام بالإصابة المادية للمخ .



                و هكذا تتحطم النظرية المادية للذاكرة على حائط مسدود .



                ونجد أنفسنا أمام ظاهرة متعالية على الجسد و على خلايا المخ .



                ولقد لفت انتباهي طريقة مناقشته للحساب على الأفعال وأنه لا يصح القول بالحتميات في المجالالإنساني أمثال حتمية الصراع الطبقي و الجبرية التاريخية لأن الإنسان مجال حر و ليسمسماراً أو ترساً في ماكينة .

                حين شرح النظريات القائلة :






                إن التحصيل هو في ذاته عملية تذكر لعلم قديم مكنوز و مسطور في الروح .. و ليست علماً من السبورة .. فنحن لا نكتشف أن 2 × 2 = 4 من عدم , و إنما نولد بها .. و كلما نفعله أننا نتذكرها .. و كذلك بداهات الرياضة و الهندسة و المنطق .. كلها بداهات نولد بها مكنوزة فينا .. و كل ما يحدث أننا نتذكرها تذكرنا بها الخبرة الدنيوية كل لحظة .


                وبالمثل شخصيتنا .. نولد بها مسطورة في روحنا .. و كل ما يحدث أن الواقع الدنيوييقدم المناسبات و الملابسات و القالب المادي لتفصح هذه الشخصية عن خيرها و شرها .. فيسجل عليها فعلها .



                و التسجيل هو الأمر الجديد الذي يتم في الدنيا .



                الانتقال من حالة النية إلى حالة التلبس .



                و هذا ماتعبر عنه الأديان بأن يحق القول على المذنب بعد الابتلاء و الاختبار في الدنيا .. فتحق عليه الضلالة و تلزمه رتبته .



                و هو أمر قد سبق إليه علم الله .. علمالحصر لا علم الإلزام .. فالله لا يلزم أحداً بخطيئة و لا يقهره على شر .. و إنماكل واحد يتصرف على وفاق طبيعته الداخلية فعله هو ذاته .. و ليس في ذلك أي معنى من معاني الجبر .. لأن هذه الطبيعة الداخلية هي التي نسميها أحياناً الضمير و أحياناً السريرة و أحياناً الفؤاد و يسميها الله (( السر )) .



                (( يعلم السر و أخفى )) .



                وخلص في بحثه هذا إلى قوله :





                و لوأدرك الإنسان هذا لأراح و استراح .. و لوفّر على نفسه كثيراً من الجدل و الشقشقة والسفسطة و المكابرة في مسألة الروح و الجسد و العقل و المخ و الحرية و الجبر والمسئولية و الحساب و لاكتفى بالإصغاء إلى ما تهمس به فطرته و ما يفتي به قلبه و ماتشير به بصيرته .


                و ذرة من الإخلاص أفضل من قناطير من الكتب .






                يتبع .........


                sigpic


                كلماتنا أرواحنا تهمي على السطر

                تعليق

                • نجيةيوسف
                  أديب وكاتب
                  • 27-10-2008
                  • 2682

                  #38
                  العدلالأزلي
                  ويبدأ فصله هذا بالحديث عن الفطرة التي ركبها في المخلوق من خلال الإحساس بالقبح و على المبادرة بستر هذا القبح .
                  مستدلا بذلك على أن هذه المشاعرالفطرية التي يشترك فيها المثقف و البدائي و الطفل هي دليل على شعور باطن بالقانونو النظام و أن هناك محاسبة .. و أن هناك عدالة .. و أن كل واحد فينا مطالب بالعدالةكما أن له الحق في أن يطلبها ..
                  ثم انتقل إلى الحديث عن العالم المادي من ذرات ، وكواكب ونجوم وتحول مادة ، وقانون جاذبية ومعدن وسائل وكهرباء وجامد يجري بقوانين وبحساب وانضباط
                  و الكون كلّه جدول من القوانين المنضبطةالصريحة التي لا غش فيها و لا خداع .
                  وهذا ما يجعلنا نطلب العدل والانضباط وإن اعترض أحدهم ليقول :

                  ما رأيك فيما نحنفيه من الغش و الخداع و الحروب و المظالم و قتل بعضنا البعض بغياً و عدواناً .. أينالنظام هنا ؟
                  و سوف أقول له : هذا شيء آخر .. فإن ما يحدث بيننا نحن دولة بني آدميحدث لأن الله أخلفنا في الأرض و أقامنا ملوكاً نحكم و أعطانا الحرية .. و عرضعلينا الأمانة فقبلناها .

                  و كان معنى إعطائنا الحرية أن تصبح لناإمكانية الخطأ و الصواب .

                  و كان كل ما نرى حولنا في دنيانا البشريةهو نتيجة هذه الحرية التي أسأنا استعمالها .

                  إن الفوضى هي فعلنا نحن و هي النتيجةالمترتبة على حريتنا .

                  أما العالم فهو بالغ الذروة في الانضباط و النظام .

                  و لو شاءالله لأخضعنا نحن أيضاً للنظام قهراً كما أخضع الجبال و البحار و النجوم و الفضاء .. و لكنه شاء أن يفنى عنا القهر لتكتمل بذلك عدالته .. و ليكون لكل منا فعله الخاصالحر الذي هو من جنس دخيلته .

                  ومما لفت انتباهي مناقشته لفكرة العدل في الحيوان وهي أيضا فكرة خلاقة حينما يلتفت إليها فقال

                  سوف يرتفعصوت ليقول : لندع عالم الآدميين ونسأل: لماذا خلق الله الخنزير خنزيراً والكلبكلباً ..و الحشرة حشرةً ..ما ذنب هذه المخلوقات لتخلق على تلك الصور المنحطة ..وأين العدل هنا؟

                  وإذا كان الله سوف يبعث كل ذي روح فلماذا لا يبعث القرد و الكلب والخنزير؟

                  والسؤال وجيهولكن يلقيه عقل لا يعرف إلا نصف القضية .. أو سطراً واحداً من ملف التحقيق .. ومعذلك يتعجل معرفة الحكم و حيثياته .

                  ثم جاءت إجابته أيضا مقنعة حيت قال :

                  و الواقع أن كل الكائنات الحيوانية نفوس .

                  و الله قداختار لكل نفس القالب المادي الذي تستحقه .

                  و الله قد خلق الخنزير خنزيراً لأنه خنزير .

                  اختار للنفسالخنزيرية قالباً ماديّاً خنزيريّاً ...

                  و نحن لا نعلم شيئاً عن تلك النفسالخنزيريّة قبل أن يودعها الله في قالبها الخنزيري .. و لا نعلم لماذا و كيف كانالميلاد على تلك الصورة .

                  وما قبل الميلاد محجوب .

                  كما أن مابعد الموت محجوب .

                  والعدل و هو الحقيقة الأزلية التي وقرهاالله في الفطرة وفي الحشوة الآدمية .. وحتى الحشوة الحيوانية كما قدمت في بدايةمقالي .

                  هذاالعدل حقيقة مطلقة سوف تقول لنا إن جميع القوالب المادية والحيوانية هي استحقاقاتمؤكدة لا ندري شيئاً عن تفاصيلها ولا كيف كانت ولكننا نستطيع أن نقول بداهة إنهااستحقاقات .. و إن الله خلق الخنزير خنزيراً لأن نفسه كانت نفساً خنزيرية فكان هذاثوبها و قالبها الملائم .

                  لماذا العذاب؟


                  المثقفون لهماعتراض تقليدي على مسألة البعث و العقاب , فهم يقولون : كيف يعذبنا الله و اللهمحبة؟ و ينسى الواحد منهم أنه قد يحب ابنه كل الحب ومع ذلك يعاقبه بالضرب والحرمان من المصروف و التأديب و التعنيف .. و كلما ازداد حبه لابنه كلما ازداداهتمامه بتأديبه .. و لو أنه تهاون في تربيته لاتّهمه الناس في حبه لابنه و لقالواعنه إنه أب مهمل لا يرعى أبناءه الرعاية الكافية .. فما بال الرب و هو المربيالأعظم .. و كلمة الرب مشتقة من التربية .
                  و الواقع أن عبارة ((الله محبة)) عبارة فضفاضة يسيء الكثيرون فهمها و يحملونها معنى مطلقاً .. ويتصورون أن الله محبة على الإطلاق .. و هذا غير صحيح .
                  فهل الله يحب الظلممثلاً ؟
                  مستحيل ..
                  و كل البينات تحتأيدينا تقوم لتؤكد صفة العدل الإلهي و النظام و الحكمة و التدبير .
                  و الذين ينكرونالنظام و العدل هم الذين يحتاجون إلى إقامة البرهان و إلى تقديم الدليل على إنكارهم .. و ليس الذين يؤمنون بالنظام .
                  إن العذاب حقيقةملموسة .
                  و أصحاب المشاعرالرقيقة الذين يتأففون من تصور الله جباراً معذباً علينا أن نذكرهم بما كان يفعلهالخليفة التركي حينما يصدر حكم الإعدام بالخازوق على أعدائه .. و ما كان يفعلهالجلاد المنوط به تنفيذ الحكم حينما كان يلقى بالضحية على بطنه ثم يدخل في الشرجخازوقاً ذا رأس حديدية مدببة يظل يدق ببطء حتى تتهتك جميع الأحشاء و يخرج الخازوقمن الرقبة .. و كيف أنه كان من واجب الجلاد أن يحتفظ بضحيته حيّاً حتى يخرج الخازوقمن رقبته ليشعر بجميع الآلام الضرورية .
                  و أفظع من ذلك أنتفقأ عيون الأسرى بالأسياخ المحمية في النار .
                  مثل هؤلاء الجبارينهل من المفروض أن يقدم لهم الله حفلة شاي لأن الله محبة ؟
                  بل إن جهنم هيمنتهى المحبة ما دامت لا توجد وسيلة غيرها لتعريف هؤلاء بأن هناك إلهاً عادلاً .
                  و إذا خفيت عناالحكمة في العذاب أحياناً فلأننا لا ندرك كل شيء و لا نعرف كل شيء من القصة إلا تلكالرحلة المحدودة بين قوسين التي اسمها الدنيا .. أما ما قبل ذلك و ما بعد ذلك فهوبالنسبة لنا غيب محجوب , و لذا يجب أن نصمت في احترام و لا نطلق الأحكام .
                  إنه العقاب الذيظاهره العذاب و باطنه الرحمة .
                  و أما عذاب لآخرةفهو الصحو على الحقيقة و على العدل المطلق الذي لا تفوته ذرة الخير و لا ذرة الشر وهو اليقين بنظام المنظم الذي أبدع كل شيء صنعاً .


                  ((وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَالْيَقِينُ))
                  و اليقين هنا هوالموت و ما وراءه .


                  في الفصل القدم سيطرح علينا الدكنور مصطفى محمود سؤالا كم أتمنى أن يجيب عنه كل من سيقرأ هذا المقطع ولينظر معي إلى طريقة إجابته ووصوله قيها إلى عقل ووجدان قارئه .
                  واعذروني إن عجزت حقا عن اقتصاص هذه الفكرة أو تلخيصها فهذا الفصل من أكثر فصول كتابه متعة والتصاقا في النفوس .
                  إليكم السؤال والإجابة
                  ماذا قالت ليالخلوة
                  هل أنت صادق؟

                  سؤال سوفيجيب عليه الكل بنعم .. فكل واحد يتصور أنه صادق و انه لا يكذب.. و قد يعترف أحدهمبكذبة أو بكذبتين و يعتبر نفسه بلغ الغاية من الدقة و الصراحة مع النفس و انه أدلىبحقيقة لا تقبل مراجعة .

                  و مع ذلك فدعونا نراجع معاً هذا الإدعاءالعريض و سوف نكتشف أن الصدق شيء نادر جدّاً .. و أن الصادق الحقيقي يكاد يكون غيرموجود .

                  وأكثرنا في الواقع مغشوش في نفسه حينما يتصور انه من أهل الصدق .

                  بل إننا نبدأفي الكذب من لحظة أن نتيقظ في الصباح و قبل أن نفتح فمنا بكلمة .

                  أحياناً تكونمجرد تسريحة الشعر التي نختارها كذبة .

                  الكهل الذي يسرح شعره خنافس ليبدو أصغر منسنه يكذب , و المرأة العجوز التي تصبغ شعرها لتبدو أصغر من سنها تكذب .

                  و الباروكةعلى رأس الأصلع كذبة .

                  و طقم الأسنان في فم الأهتم كذبة .

                  و البدلة السبور الخفيفة التي تخفي تحتهافانلة صوف كذبة .

                  و الكورسيه و المشدات حول البطن المترهلة كذبة .

                  و النهد الكاوتشوك على الصدر المنهك منالرضاع كذبة .

                  و المكياج الذي يحاول صاحبه إن يخفي به التجاعيد هو نوع آخر من الكذب الصامت .

                  و البودرة والأحمر و الكحل و الريميل والرموش الصناعية .. كلها أكاذيب ينطق بها لسان الحال قبلأن يفتح الواحد منا فمه و يتكلم .

                  بل إن مجرد ضفيرة المدارس على رأس بنتالثلاثين كذبة .

                  و اللبانة في فم رجل كهل هي كذبة أكثر وقاحة .

                  كل هذا و لم يبدأ اللسان ينطق و لم يفتحالفم بعد .

                  فإذا فتح الواحد منا فمه و قال صباح الخير .. فإنه يقولها على سبيل العرف والعادة .. لم ينوي له الخير و لم ينوي له الشر .. فهو يكذب .. و هو يقرأ السلام علىمن يبيت له العدوان .. فهو يكذب .

                  فإذا رفع سماعة التلفون مضى يطلب ما لايريد من الأشياء لمجرد أنها مظاهر و مجاملات .. فهو يكذب .. و قد يرفض ما يريدخجلاً و ادعاء .. فهو يكذب .

                  و الولد و البنت يتكلمان طوال ساعتين في كلشيء إلا ما يتحرقان شوقاً إلى أن يتصارحا به .. فهما يكذبان .

                  و فتاة البارتبدؤك الحديث بالحب و هو لا يخطر لها على بال و لا تشغلها سوى حافظة نقودك . و كمزجاجة من الشمبانيا ستفتح لها .

                  و الإعلان الذي يصف لك نكهة السيجارة وفوائدها الصحية يكذب عليك .

                  و الإعلان الذي يقول لك إن قرص الإسبرينيشفي من الإنفلونزا كذب حتى بالقياس إلى علم الأدوية ذاته .

                  و كل ما يدورفي عالم البيع و الشراء يبدأ بالكذب .

                  و صورة لاعب التنس في يده زجاجة ويسمي وصورة الأسد الذي يحتضن زجاجة الكينا .. و بطل الجري الذي يدخن سيجارة فرجينيا كلهاصنوف من الأكاذيب الظريفة التي تراها ملصقة على الجدران و على أغلفة الصحف و فيإعلانات السينما و التلفزيون و كأنما أصبح الكذب عرفاً تجارياً لا لوم عليه .

                  و في عالمالسياسة و السياسيين و في أروقة الأمم المتحدة و على أفواه الدبلوماسيين نجد أنالكذب هو القاعدة .

                  بل إن فن الدبلوماسية الرفيع هو كيف تستطيع أن تجعل الكذب يبدو كالصدق .. وكيف تقول ما لا تعني .. و كيف تخفي ما تريد .. و كيف تحب ما تكره .. و كيف تكره ماتحب .

                  و أذكربهذه المناسبة النكتة التي رويت عن تشرشل حينما رأى شاهدة مقبة مكتوباً عليها ..

                  ((هنا يرقدالرجل الصادق و السياسي العظيم)) .

                  فقال ضاحكاً :

                  هذه أول مرة أرى فيها رجلين يدفنان فيتابوت واحد .

                  فلم يكن من الممكن إطلاقاً في نظر تشرشل أن يكون الرجل الصادق و السياسيالعظيم رجلاً واحداً .. إذ أن أول مؤهلات العظمة السياسية في نظر تشرشل هو الكذب .

                  و شرطالسياسة هو أن تخفي الحقيقة لحساب المصلحة .. و تتأخر العاطفة لتتقدم الحيلة .. والفطنة .. و الذكاء .. و المراوغة .

                  و الدبلوماسي الذي يجاهر بعاطفته هودبلوماسي أبله .. بل إنه لا يكون دبلوماسيّاً على الإطلاق .

                  و في عالمالدين و دنيا العبادات يطل الكذب الخفي من وراء الطقوس و المراسيم .

                  شهر الصيامالذي هو امتناع عن الأكل يتحول إلى شهر أكل فتظهر المشهيات و الحلويات و المخللات والمتبلات .. من كنافة إلى مشمشية إلى قطايف إلى مكسرات و يرتفع استهلاك اللحم فيشهر رمضان فتقول لنا الإحصاءات بالأرقام إنه يصل إلى الضعف و يصبح شهر رمضان هو شهرالصواني و الطواجن .

                  و بين كل مائة مصل أكثر من تسعين يقفون بين يدي الله و هم شاردون مشغولونبصوالحهم الدنيوية يعبدون الله وهم في الحقيقة يعبدون مصالحهم و أغراضهم و يركعونالركعة لتقضى لهم هذه المصالح و الأغراض .

                  و قد عاش بابوات القرون الوسطى في ترفالملوك و السلاطين و سبحوا في الذهب و الحرير و السلطة و النفوذ , و امتلكواالإقطاعيات و القصور باسم الدين و باسم الإنجيل الذي يقول إن الغنى لن يدخل ملكوتالله إلا إذا دخل الجمل في ثقب الإبرة .

                  بنهم تصوروا أنهم امتلكوا الجنة فباعوهاصكوكاً لطالبي الغفران .

                  و في دولة الحب نجد أن مخادعة النفس هيالأسلوب المتعارف عليه .. يخدع كل واحد نفسه و يخدع الآخر أحياناً بوعي و أحياناًبدون وعي .. فيتحدث العاشقان عن الحب و هما يريدان أن يقدما مبرراً شريفاً مقبولاًللوصول إلى الفراش .. و يخيل للحبيب أنه قد جن حبّاً و هو في الواقع يلتمس لنفسهوسيلة للهرب من واقع مرير .

                  كنوع من إظهار البراعة و المهارة أو كمظهرمن مظاهر النجاح .

                  و أحياناً تكون كلمة الحب كذبة معسولة تخفي وراءها رغبة شريرة في الامتلاك والاستحواذ و السيطرة .

                  و أحياناً تكون كلمة الحب خطة محبوكة و شركاً للوصول إلى ميراث .

                  و هي في أكثرصورها شيوعاً وسيلة للوصول إلى لذة سريعة و طريقة لتدليك الضمير و التغلب على الخجلو رفع الكلفة .

                  و هي ذريعتنا الدائمة للتغلب على عقدة الذنب فتخلع المرأة آخر قطعة ثياب وهي تطمئن نفسها بأنها ضحية الحب .. و أن الحب إحساس طاهر و انه أمر الله و أنه قضاءو قدر .. و أنها ليست أول من أحبت و لا آخر من أعطت .

                  و لا توجد شبكة حريرية من الأكاذيب كماتوجد في الحب .. ففي كل كلمة كذبة .. و في كل لمسة كذبة .. و الغريزة الجنسية ذاتهاتكذب فما أسرع ما تشتعل و ما أسرع ما تنطفئ . و ما أسرع ما تضجر و تمل و تطالببتغيير الطعام .

                  و الصدق في الحب و قصص الحب نادر أندر من الماس في الصحارى .. و هو من أخلاقالصديقين و ليس من أخلاق الغمر العادي من الناس .

                  ما أكثر الكذب حقّاً !

                  إننا لنكذب حتى في الأكل فنأكل حتى و نحنشبعانون .

                  أينالصدق إذن ؟

                  ومتى تأتي هذه اللحظة الشحيحة التي نتحرى فيها الحق و الحق وحده؟

                  إنها تأتيعلى ندرة .

                  فيمعمل العالم الذي يضع عينه على ميكروسكوب بحثاً عم حقيقة.

                  هنا نجدالعقل يتطلع في شوق حقيقي و صادق و يبحث في حياد مطلق .. و يفكر في موضوعية على هدىأرقام دقيقة و مقادير و قوانين .


                  و اللحظةالأخرى الصادقة هي لحظة الخلوة مع النفس حينما يبدأ ذلك الحديث السري .. ذلك الحوارالداخلي .

                  تلكالمكالمة الانفرادية حيث يصغي الواحد إلى نفسه دون أن يخشى أذناً أخرى تتلصص علىالخط .

                  ذلكالإفضاء و الإفشاء و الاعتراف و الطرح الصريح من الأعماق إلى سطح الوعي في محاولةمخلصة للفهم .

                  و هي لحظة من أثمن اللحظات .

                  إن الحياة تتوقف في تلك اللحظة لتبوحبحكمتها .

                  والزمن يتوقف ليعطي ذلك الشعور المديد بالحضور .. حيث نحن في حضرة الحق .. و حيث لايجوز الكذب و الخداع و لتزييف .. كما لا يجوز لحظة الموت و لحظة الحشرجة .


                  و قد تأتي تلك اللحظة في العمر مرة فتكونقيمتها بالعمر كله .

                  أما إذا تأخرت و لم تأت إلا ساعة الموت .. فقد ضاع العمر دون معنى و دون حكم .. و أكلته الأكاذيب .. و جاءت الصحوة بعد فوات الأوان .

                  و لهذا كانتالخلوة مع النفس شيئاً ضروريّاً و مقدساً بالنسبة لإنسان العصر الضائع في متاهاتالكذب و التزييف .. و هي بالنسبة له طوق النجاة و قارب الإنقاذ .

                  و الإنسانيولد وحده و يموت وحده و يصل إلى الحق وحده .

                  و ليست مبالغة أن توصف الدنيا .. بأنهاباطل الأباطيل الكل باطل و قبض الريح ..



                  كيفنشك في الحق و نطلب عليه دليلاً من الباطل ؟

                  كيف ننزلق مع المنطق المراوغ إلى هذهالدرجة من التناقض فنجعل من لب الوجود و حقيقة حقائقه محل سؤال؟

                  إني لا أجدنصيحة أثمن من أن أقول ليعد كل منا إلى فطرته .. ليعد إلى بكارته و عذريته التي لمتدنسها لفلفات المنطق و مراوغات العقل .

                  ليعد كل منا إلى قلبه في ساعة خلوة .

                  و ليسأل قلبه .

                  و سوف يدلقلبه على كل شيء .

                  فقد أودع الله في قلوبنا تلك البوصلة التي لا تخطئ .. و التي اسمها الفطرة والبداهة .

                  و هيفطرة لا تقبل التبديل و لا التشويه لأنها محور الوجود و لبه و مداره و عليها تقومكل المعارف و العلوم .



                  ((فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاًفِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِاللَّهِ))

                  (الروم – 30)

                  لقدجعل الله هذه الفطرة نازعة إليه بطبيعتها تطلبه دواماً كما تطلب البوصلة أقطابهامشيرة إليه دالة عليه .

                  فليكن كل منا كما تملي عليه طبيعته لا أكثر .

                  و سوف تدلهطبيعته على الحق .

                  و سوف تهديه فطرته إلى الله بدون جهد .

                  كن كما أنت .

                  و سوف تهديك نفسك إلى الصراط .
                  يتبع.......


                  sigpic


                  كلماتنا أرواحنا تهمي على السطر

                  تعليق

                  • نجيةيوسف
                    أديب وكاتب
                    • 27-10-2008
                    • 2682

                    #39
                    [align=center]

                    التوازن العظيم


                    في هذا الفصل نراه يعرض الدقة في خلق هذا الكون والانضباط العظيم والتوازن المحكم في عالم الخلق والمخلوقات ،فبدأ بطرح أمثلة على ذلك في جسم الإنسان والطبيعة ليصل بنا إلى رفض فكرة أن كل هذا حسب النظرة المادية جاء صدفة فقال :






                    و لن تنتهي الأمثلة في علم النبات والحيوان و الطب و الفلك , مجلدات و مجلدات .و كل صفحة سوف تؤيد و تؤكد هذا التوازن المحكم و الانضباط العظيم في عالم الخلق و المخلوقات .


                    و القول بأن كل هذا الاتساق و النظام حدث صدفة و اتفاقاً هو السذاجة بعينها . كقولنا إن انفجاراً في مطبعة أدى إلى أن تصطف الحروف على هيئة قاموس محكم .




                    و الكيميائي المغرور الذي قال . آتونيبالهواء و الماء و الطين و ظروف نشأة الحياة الأولى و أنا أصنع لكم إنساناً . هذاالكيميائي قد قرر احتجاجه سلفاً لكل العناصر و الظروف و هو اعتراف بالعجز عن تقليدصنعة الخالق الذي خلق كل شيء و خلق ظروفه أيضاً .



                    و لو أنا آتيناه بكل هذه العناصر و كل تلك الظروف . و لو أنه فرضاً و جدلاً استطاع أن يخلق إنساناً ... فإنه لن يقول .. صنعته الصدفة ... بل إنه سوف يقول .. صنعته أنا .



                    و الكلام عن القرد الذي يجلس على آلة كاتبة لمدى اللانهاية من الزمان ليدق لانهاية من الإمكانيات .



                    وكيف أنه لا بد يوماً ما أن يدق بالصدقة بيتاً لشكسبير أو جملة مفيدة .هو كلام مردود عليه .



                    فسوف نسلم جدلاً وفرضاً بأن هذا حدث في الطبيعة وبأنه حدث صدفة واتفاقاً وبعد ملايين الملايين من التبادل والتوافيق بينالعناصر ...تكونت بالصدفة في مياه المستنقعات كمية من الحامض النوويdnaالذي يستطيع أن يكرر نفسه .



                    لكن ...كيف تطورت هذه الكمية من الحامض العضوي إلى الحياة التي نراها ؟



                    سوف نعودفنقول بالصدفة أمكن تشكيل البروتوبلازم .



                    ثم بصدفة أخرى تشكلت الخلية .



                    ثم بصدفة ثالثة تشعبت إلى نوعين خلية نباتية وخلية حيوانية .



                    ثم نتسلق شجرة الحياة درجة درجة ومعنا هذاالمفتاح السحري .



                    كلما أعيتنا الحيلة في فهم شيء قلنا إنه حدث صدفة .



                    هل هذا معقول .



                    بالصدفة تستدل الطيور والأسماك المهاجرة على أوطانها على بعد آلاف الأميال وعبر الصحارىوالبحار .



                    بالصدفة يكسر الكتكوت البيضة عند أضعف نقطة فيها ليخرج .



                    بالصدفة تلتئم الجروح وتخيط شفراتها بنفسها بدون جراح .



                    بالصدفة يدرك عباد الشمس أن الشمس هي مصدرحياته فيتبعها .



                    بالصدفة تصنع أشجار الصحارى لنفسها بذوراً مجنحة لتطير عبر الصحارى إلى حيث ظروف إنبات ورى وأمطار أحسن .



                    بالصدقة اكتشف النبات قنبلته الخضراء ( الكلوروفيل) واستخدامها في توليد طاقة حياته .



                    بالصداقة صنعت البعوضة لبيضها أكياساًللطفو(بدون معونة أرشميدس) .



                    والنحلة التي أقامت مجتمعاً ونظاماً ومارستالعمارة وفنون الكيمياء المعقدة التي تحول بها الرحيق إلى عسل وشمع .



                    وحشرة وطبقت في مجتمعها نظاماً صارماً للطبقات .



                    والحشرات الملونة التي اكتشفت أصول وفن مكياج التنكر والتخفي .



                    هل كل هذا جاء صدفة .



                    وإذا سلمنا بصدفة واحدة في البداية .فكيف يقبل العقل سلسلة متلافة من المصادفات والخبطات العشوائية .



                    إنها السذاجة بعينها التي لا تحدث إلا في الأفلام الهزلية الرخيصة .



                    و هذا التوازن العظيم و الاتساق المذهل و التوافق و التلاحم و الانسجام الذي يتألف من ملايين الدقائق و التفاصيل يصرخ بأن هناك مبدعاً لهذه البدائع و أنه إله قادر جامع لكل الكمالات قريب من مخلوقاته قرب دمها من أجسادها .. معتني بها عناية الأب الحنون مستجيباً لحاجاتها سميعاً لآهاتها بصيراً بحالاتها .. و انه الله الذي وصفته لنا الأديان بأسمائه الحسنى و لا سواه .. و ليس القانون الأصم الذي تقول به العلومالمادية البكماء .. و لا إله أرسطو المنعزلين .. و لا إله أفلاطون القابع في عالمالمثل .. و لا هو الوجود المادي بكليته كما تصور إسبينواز و أتباع الوجود .



                    و إنما هو



                    الأحد .



                    الذي ليس كمثله شيء .



                    المتعالي على كل ما نعرف من حالات و صور و أشكال و زمان و مكان .





                    المسيخ الدجال

                    وهنا أدعوكم للتعرف على المسيخ الدجال كما يراه وكما قرر رجل سار بنا من عالم ه الظلام والشك إلى جلاء اليقين والنور .لنرى من هو المسيخ الدجال في نظره ...



                    تروي لنا الأديان حكاية رجل يظهر في آخر الزمان و يأتي من الخوارق و المعجزات بما يفتن الناس من كافة


                    أرجاء الأرض فيسيرون خلفه و قد اعتقدوا أنه إله .


                    و تصفه الروايات بأنه أعور , و أنه يملك من القوة الخارقة ما يجعله يرى بهذه العين الواحدة ما يجريفي أقصى الأرض كما يسمع بأذنه ما يتهامس به عبر البحار , كما يسقط الأمطار بمشيئته فينبت الزرع و يكشف عن الكنوز المخبوءة و يشفى المرضى و يحيي الموتى و يميت الأحياءو يطير بسرعة الريح .


                    و يفتتن به كل منيراه و يسجد له , على أنه الله . على حين يراه المؤمنون على حقيقته و لا تخدعهم معجزاته , و يشهَدون رسم الكفر على وجهه .


                    ذلك هو المسيخ الدجال , إحدى علامات الساعة التي نقرأ عنها في كتب الدين .



                    و المسيخ الدجال قدظهر بالفعل كما يقول الكاتب البولندي ليوبولدفايس ... و قد أسلم هذا الكاتب و عاش بمكة . و تسمى باسم محمد أسد .


                    و هذا المسيخ الشائه ذو العين الواحدة كما يقول ليوبولدفايس هو :


                    التقدم العلمي والقوة المادية و الترف المادي .. معبودات هذا الزمان .


                    مدينة العصر الذري , العوراء العرجاء , التي تتقدم في اتجاه واحد , و ترى في اتجاه واحد هو الاتجاه المادي , على حين تفتقد العين الثانية ((الروح)) التي تبصر البعد الروحي للحياة .. فهي قوة بلا محبة , و علم بلا دين , و تكنولوجيا بلا أخلاق .


                    و أمام هذاالاستعراض الباهر للتقدم العلمي الغربي فقدنا نحن الشرقيين ثقتنا بأنفسنا و نظرنا باحتقار إلى تراثنا و ديننا .


                    و في حمى الشعوربالنقص و التخلف تصورنا أن دياناتنا ضرب من الخرافات المخجلة التي يجب أن نتخلص منها لنلحق بركب التقدم و ندخل في رحاب المعبد الجديد . معبد العلم لنعبد ذلك الإله الجديد الذي اسمه القوة المادية .


                    و سجدنا مبهورين فاقدي الوعي و قد اختلطت علينا الوسيلة بالغاية .. فجعلنا من القوة المادية غايتنا . و نسينا أنها مجرد وسيلة و أداة .


                    القطار وسيلة .


                    و التلغراف وسيلة .


                    و الكهرباء وسيلة .


                    و الطاقة الذريةوسيلة .


                    و دور هذه الوسائل أن توضع في خدمة الإنسان لتحرره من الضرورات المادية فيفرغ إلى الفكر و التأمل وإثراء روحه بالمعرفة الحقة .


                    العالم أصبح مسرحاًمجنوناً يهرول فيها المجانين في اتجاه واحد نحو القوة المادية . المسيخ الدجال الأعور ذو العين الواحدة . معبود هذا الزمان .


                    لا إله إلا المادة .


                    هذه هي الصلاةاليومية .


                    اختفى الإيمان بالله .


                    و اختفى معه الإحساس بالأمن و السكينة و الطمأنينة .


                    و أصبحت الصورةالفلسفية للعالم هي غابة يتصارع فيها المخلب و الناب .


                    صراع طبقي .. وصراع عنصري .. و صراع عقائدي .. عالم فظيع من الخوف و القتل .


                    و لا أحد في السماء يرعى هذا العالم و يحفظه .


                    إلى هذه الحالة انتهت بنا عبادة الدجال الذي اسمه القوة المادية .


                    و ينسى الإنسان في هذا التيه الذي أضاع فيه عمره أنه أخطأ منذ البداية حينما تصوّر أن هذا العالم بلا إله و أنه قذف به إلى الدنيا بلا نواميس تحفظه و بلا رب يسأله .


                    و أخطأ مرة أخرى حينما عبد القوة المادية و جعل منها مصدراً لسعادته و هدفاً لحياته و غاية لسعيه , و أقامها مكان الله . و تصور أنها يمكن أن تمنحه الأمن و السكينة و الاطمئنان المفتقد , و أنها يمكن أن تحفظه من الموت و الدمار , فإذا هي نفسها التي تسلبه سكينة النفس , ثم إذا بها في النهاية تصبح أدوات الحروب التي تدمره و تبعثره أشلاء .


                    و أخطأ مرة ثالثة حينما تصور أنا الكيمياء و الطبيعة و الكهرباء علوم و أن الدين خرافة .


                    و لو انه فكرقليلاً لأدرك أن الكيمياء و الطبيعة و الكهرباء هي في الواقع علوم جزئية تبحث في الجزيئات و العلاقات و المقادير و الكميات .. و أن الدين علم كلي يبحث في الكليات .. بل هو منتهى العلم لأنه يبحث في البدايات الأولى للأشياء و النهايات المطلقة للأشياء , و الغايات النهائية للوجود , و المعنى العالم للحياة و المغزى الكلي للألم .


                    الكيمياء و الطبيعةو الكهرباء هي العلوم الصغيرة .


                    و الدين هو العلم الكبير الذي يشتمل على كل العلوم في باطنه .


                    و لا تعارض بين الدين و العلم , لأن الدين في ذاته منتهى العلم المشتمل بالضرورة على جميع لعلوم .


                    و الدين ضروري ومطلوب لأنه هو الذي يرسم للعلوم الصغيرة غاياتها و أهدافها و يضع لها وظائفها السليمة في إطار الحياة المثلى .


                    الدين هو الذي يقيم الضمير .


                    و الضمير بدوره يختار للطاقة الذرية وظيفة بناءة .. و لا يلقى بها دماراً و موتاً على الأبرياء .


                    و هو الذي يهيب بناأن نجعل من الكهرباء وسيلة للإضاءة لا وسيلة للهلاك .


                    فالوسيلة الماديةلا تمنح النفس أمناً و لا سكينة . و إنما هي سبيل إلى الترف و الرفاهية و تيسيرالحياة .. أما القلق و الخراب الروحي فأنه يبقى و لا يزول بالرغم من وجودالفريجيدير و التلفزيون و الريكوردر و جهاز التكييف و جميع الوسائل المادية . بل إنهذا القلق و الخراب الروحي يتفاقم بازدياد خضوع الإنسان لهذه الوسائل و جريه وراءها .


                    و لا تنزل السكينة على القلب و لا تعمر الروح بالطمأنينة و الأمان إلا بوسيلة واحدة هي الاعتقاد بأنهناك إلهاً خلق الكون و أن هذا الإله عادل كامل .. و أنه هيأ الكون نواميس تحفظه وقدر فيه كل شيء لحكمة و سبب و أننا راجعون إليه . و أن آلامنا و عذابنا لن تذهب عبثاً . و أن الفرد حقيقة مطلقة و ليس ترساً في آلة مصيره إلى التراب .


                    و بهذا الإيمان يشعر الإنسان أنه استرد هويته و أنه أصبح هو هو حقّاً .. و أنه أدرك ذاته و تعرف على نفسه و مكانته من خلال إدراكه للإله الواحد الكامل .


                    و الذي جرب هذاالشعور النادر يعلم أنه حالة من الاستنارة الداخلية و أنه ليس افتعالاً .. و ليس استجلاباً مزيفاً للأمان .. و إنما هو الحق عينه .. و أنه الصحو و ليس الحلم .


                    و إنا نعلم أمر هذااليقين من حال نقيضه ..


                    من حال كثرة الناس الذين يعبدون الدجال ..


                    مسيخ العصر الذري ذو المخ الإلكتروني .


                    و الصلاة الإسلامية هي رمز لهذه الوحدة التي لا تتجزأ بين الروح و الجسد ..الروح تخشع و اللسان يسبح والجسد يركع .


                    و الطواف حول الكعبة رمز آخر لدوران الأعمال حول القطب الواحد .. و استهداف الحركات و الأفكارلهف واحد هو الخالق الذي خلق الإنسان حيث لا موجود بحق إلا هو , و حيث كل شيء منه وإليه .. و الطواف هو التعبير الجسماني و النفساني و الروحاني لهذا التوحيد .


                    و بهذا يعيد الإسلام إلى الإنسان التئامه روحاً و جسداً و يعيد إليه السكينة فينتهي ذلك الصراع الأزلي بين الشهوة و العقل , و يولد منهما شيء جديد هو الشهوة العاقلة البصيرة التي يتوحد فيها النقيضان .. كما تتوحد العاطفة مع الفكر و الباطن مع الظاهر فلا نعودنرى ذلك المخادع يخالف قلبه عقله و يخالف عقله قوله و يخالف قوله فعله .. و إنمايقوم مقام ذلك الإنسان المفكك الممزق .. إنسان جديد توحد روحاً و جسداً .. و قولاًو فعلاً .. و باطناً و ظاهراً ..


                    و بوصول الإنسان إلى وحدته مع نفسه يصل إلى وحدته مع ربه .. و هي حالة القرب التي يدخل بها الإنسان دائرة الضوء و يضع قدمه على حافة الملكوت .


                    * * *


                    و جواباً على الذين يسألون في حيرة : لماذا خلقنا الله ؟ لماذا أوجدنا في هذه الدنيا ؟ و ما حكمة هذاالعذاب الذي نعانيه ؟


                    يجيب القرآن بمجموع آياته .. إن الله أنزل الإنسان إلى الدنيا بفضول مفطور فيه .. ليتعرف على مجهولاتها ثم يتعرف على نفسه . و من خلال إدراكه لنفسه يدرك ربه .. و يدرك مقام هذا الربالجليل فيعبده و يحبه و بذلك يصبح أهلاً لمحبته و عطائه .. و لهذا خلقنا الله .. وهذا الهدف النهائي .. ليحبنا و يعطينا .. و هو يعذبنا ليوقظنا من غفلتنا فنصبح أهلاً لمحبته و عطائه .


                    بالحب خلق


                    و للحب خلق .


                    تبارك و تعالى فيسماواته , الذي خلقنا باسمه الرحمن الرحيم .



                    تـــــــم بحمد الله
                    [/align]


                    sigpic


                    كلماتنا أرواحنا تهمي على السطر

                    تعليق

                    • د. م. عبد الحميد مظهر
                      ملّاح
                      • 11-10-2008
                      • 2318

                      #40
                      بسم الله الرحمن الرحيم

                      [align=right]
                      أخى الكريم والعزيز الاستاذ ركاد

                      السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

                      تحية تقدير كبيرة على هذا المقترح الجاد و الثمين للإرتقاء بمستوى الملتقى ، وتحية و تقدير لكل من ساهم حتى الآن من الأعضاء الكرام و اشكرهم من الاعماق لتذكيرنا أن أمة أقرأ مازالت تقرأ

                      ودعوة لكل الأعضاء لإثبات أن أمة أقرأ مازالت تحمل معها كل ايجابيات جودة القراءة.

                      و تحياتى
                      [/align]

                      تعليق

                      • ركاد حسن خليل
                        أديب وكاتب
                        • 18-05-2008
                        • 5145

                        #41
                        الأخت العزيزة الأستاذة الفاضلة نجيّة يوسف
                        السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
                        لا أشك أبدًا أنّك من عائلة مكافحة مثابرة
                        ورحلتك مع الكتاب وتعاونك مع إخوتك لشراء المكتبة ومساعدة والدكم لكم
                        لدليل على أنّك نشأت في بيت يعتبر الثقافة من ضروريات الحياة كالمأكل والملبس..
                        أشكرك عزيزتي نجية على حسن ظنّك بي
                        أشكرك لوفائك بوعدك بالمشاركة
                        وأرجو أن تنال مشاركتك الفوز إن شاء الله
                        أشكرك لنور حضورك.. أيتها النّوّار
                        تقديري ومحبّتي
                        ركاد أبو الحسن

                        تعليق

                        • ركاد حسن خليل
                          أديب وكاتب
                          • 18-05-2008
                          • 5145

                          #42
                          المشاركة الأصلية بواسطة د. م. عبد الحميد مظهر مشاهدة المشاركة
                          بسم الله الرحمن الرحيم

                          [align=right]
                          أخى الكريم والعزيز الاستاذ ركاد

                          السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

                          تحية تقدير كبيرة على هذا المقترح الجاد و الثمين للإرتقاء بمستوى الملتقى ، وتحية و تقدير لكل من ساهم حتى الآن من الأعضاء الكرام و اشكرهم من الاعماق لتذكيرنا أن أمة أقرأ مازالت تقرأ

                          ودعوة لكل الأعضاء لإثبات أن أمة أقرأ مازالت تحمل معها كل ايجابيات جودة القراءة.

                          و تحياتى
                          [/align]
                          أستاذنا العزيز والفاضل د.م. عبد الحميد مظهر
                          السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

                          مكانتك عندي والله كبيرة أخي الكريم
                          وإني دائمًا أرقب مداخلاتك في مواضيعي
                          لأنها تبعث في نفسي الرّضا
                          ورأيك أستاذي هنا وسام أعتز به
                          أشكرك على هذا الحضور الرّاقي
                          متمنّيًا مشاركتك ورعايتك لهذه المسابقة


                          تقديري ومحبّتي
                          ركاد أبو الحسن

                          تعليق

                          • صبري رسول
                            أديب وكاتب
                            • 25-05-2009
                            • 647

                            #43
                            ترمي بشرر

                            رواية (ترمي بشرر) للكاتب السعودي عبده خال الحائز على جائزة البوكر عن هذه الرواية. وأظن أن عبده خال غنيّ عن التعريف والحديث عنه.

                            ملاحظة 1: هذه القراءة ليست استعراضاً للرواية، ولا تلخيصاً لها، بل قراءة فنية من وجهة نظر قارئ محبٍّ للسرد الروائي.

                            ملاحظة 2 : هذه القراءة معدّة للنشر في صحيفة ورقية، لكنني وجدت الفائدة في نشرها هنا في هذه المسابقة، والاستغناء عن المكافأة المادية من الصحيفة.

                            = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = =

                            استنطاق المسكوت عنه


                            ((ترمي بشرر))



                            صبري رسول


                            تعكسُ روايةُ ترمي بشرر للكاتب السّعودي عبده خال (منشورات دار الجمل، بغداد – بيروت، 2009) الفائزة بالجائزة العالمية للرواية العربية" البوكر العربية" في دورتها الثالثة 2010 المتغيراتِ الهائلةَ في بنية المجتمع السعودي، الفكرية والاجتماعية والاقتصادية، وتأثيراتها على مسار حياة النّاس بمختلف طبقاته، وفئاته، ويبدأ النَّص بالإهداء الذي جاء باسم طارق فاضل، لإيهام القارئ بأنّ السّاردَ هو هذه الشخصية وليس كاتب النّص في استخدامه للضمير الأول، المتكلم(أنا) وتنقسم الرواية إلى أجزاءٍ مُعنْوَنةٍ، الجزء الأول معنون بـ(عتبة أولى) ويحتل 263صفحة والثاني ب_(عتبة ثانية) ويحتل 114 صفحة، والثالث بـ(البرزخ) في 14 صفحة، إضافة إلى ملحق عن بغايا القصر سُمي بـ(نساء) القصر في 15 صفحة ثم مجموعة من الأحداث العابرة في ست صفحات.
                            هذه الرّواية تعرضُ أحداثاً كثيرة، وأفكاراً متعددة، وعلاقات اجتماعية متنوّعة، تُبنى على الجوار الجغرافي، وعلى المصادفة الزمنية لشخصياتٍ هذا العمل الفنّيّ، وعلى المصالح المختلفة (حبّ وعشق، انتقام وكراهية، أسرية وعدائية). تتميّز الرواية بثراءٍ الأفكار، والشخصيات، لا يمكن إظهار كلّ ما فيها، ولا تأويل أحداثها الفنية كلّها في قراءة عرضية هكذا، فإبراز أوجهٍ فيها سيأتي على حساب جوانب أخرى.

                            أقسام الرواية الضِيزى: ِ(( تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزَى ))النجم22

                            العتبة الأولى: بوحٌ لا يقيّده رقيبٌ، أو يسدُّه حاجز، يكشفُ أحوال الحارة، وتشييد القصر، يتحدّث طارق فاضل عن حارته "الحفرة" أو "جهنم"، وعن القصر الجديد الذي يحجب وراءه المدى البحري- الفاصل بين عالَم ساكني الحفرة وبين صفحة البحر المتحرّرة من القيود- وعن عالم القصر المهيب بأضوائه المستعصية على العدّ وخدمه وحرّاسه وسياراته الفارهة، فيطلق أهل الحارة على القصر تسمية الجنة، والوحيد الذي تمكّن من دخول القصر عيسى الرديني، مكافأة له على الخدمة التي قدّمها للسيد الكبير، إنقاذ ابنه الذي يتسلَّم فيما بعد زمام الأمور في القصر من الغرق، ويتحوّل عيسى إلى جسرٍ لإدخال الكثيرين إلى الجنة، حباً لهم أو انتقاماً، لا فرق، منهم قائد يخت وخادم وحارس ومربٍ للكلاب، ويُدخِل طارق فاضل، سارد النّص.

                            بناءُ القصر الجديد يغيّر وجهَ الحياة في جغرافية المكان، ويُصبِح علامةً فارقة في حياة المنطقة، زمانياً، حيثُ به تُؤرَّخُ الحوادثُ، ومكانياً، كونه يسطو على المساحات المجاورة، وتمتدُّ أجنحته في عمق البحر، ملقياً ظلاله على الناس والأشياء(((كان القصر علامة فاصلة في حياتنا، بل تاريخاً يتداوله كبار السّن فيقولون عن أي حادث حدثت قبل بناء القصر، أو بعد بناء القصر.))ص88 . هذا التغير العمراني ولّدَ معه تناقضاتٍ مثيرةً: (القصر، الحارة؛ أضواء لامعة، عتمة مخيّمة؛ الجنة، النار؛ السّيد، العبيد؛ المال والجاه والثراء، الفقر والمهمّشين؛ مضاربات في سوق الأسهم، خسارات ومجانين؛ حبّ لا يتحقق، اغتصاب يعقبُه القتل، ...إلخ.
                            العتبة الثّانية: يغوصُ الكاتب في هذا القسم إلى أعماق شخصيات الرواية، مبيّناً أحوالها، سواء تلك التي دخلت القصر أم لم تدخل، أكان قبل دخولها القصر، أوبعده، والتحولات المرافقة لها أثناء قيامها بالعمل الموكل لها في القصر، كعيسى الرديني، وأسامة، وطارق فاضل، ومرام، إضافة إلى الحديث عمّا يجلب المتعة للسيد، وكأنَّ العتبةَ الثانية كشفٌ لأبعاد الشّخصية التي تنتقل من الجهنم إلى الجنة، وكشفٌ للانحرافِ الذي يصيبها بعد السقوط، فخارجُ القصرِ يأمل بالدّخول إليه، عكس ما يريده الدّاخل الذي لا يتوقفُ عن السقوط المتوالي، من متعةٍ إلى عتمةٍ، ومنها إلى سقوطٍ جديد ((مع كل سقوط ممتع عتمة جديدة، ليتوالى السقوط، اللذة هي الفجوة التي تركتها الحياة متسعة كي تسربنا خارجها.))ص95 . هذه الحالة التي تطغى على حياة الدّاخلين يجهلها أهل الحارة الساعين والباحثين عن سبيلٍ يوصلّهم إلى القصر، الذي يرمزُ إلى السلطة والجاه، مقلّبين أوجه الاحتمالات الواصلة إليه بعد فشلهم من عدِّ الأضواء ليلاً. ((فالسقوط هو القانون الأزلي)) كما يبدو لمَن يعيش هناك، وأثناء مراحل السقوط((هناك تدرّج يُقاس بالمعيار الزمني قبل أن تعرف نتيجة السقوط))ص44
                            فالسقوط إلى الهاوية، أحد العناصر الكاشفة لتحولات الشخصية، ورادعٌ يقيّدها من التراجع، فتتحوّل إلى أداةٍ لا حول لها ولا قوة، يستخدمُها السّيد في المجال الذي يناسبه، ولا يفرقُ الأمر للقادمِ، الخادم الجديد، فالعبوديّة تفرضُ على العبدِ إنجاز مهامه دون تذمّر، أو رفض، وأي موقفٍ يشير إلى عدم قبوله للواقع، أو للمهام الموكلة له سيكون ضربة قاضية له، ولبقائه في القصر، حيثُ ينتظره الطّردُ بعد تحطيمه وجرده من إنسانيته، لذا فالعبودية لها مستوىً واحد، يتساوى فيها الجميع، كلّ الاتجاهات داخل القصر تؤدّي إلى السقوط، والذّل، والإهانة، والنجاسة، والدّمار، والعبودية. (( فكل الاتجاهات تشير للعبودية التي فرضها سيد القصر...))ص22. كما أنَّ العبودية ليست مقيدة بزمنٍ معيّن، فّإذا كانت(الاتجاهات) كدلالة مكانية تشير إلى العبودية، فالزمان هو الحاضن لها، وفيهما يمارس السّيد رغبتَه في سحق البشر ليبقى سيداً((زمن العبودية لن ينتهي، هو زمن زئبقي، يتخفى في ملابس وهيئات مختلفة.... القوة لا تضع لشهوتها سقفاً محدداً، تغدو شهوات السادة جسورة مترامية الأطراف، شعارها: اسحق لتبقَ سيداً.))ص269
                            هذه الأحوال المتدرّجة في تدمير الإنسان داخل القصر تُحوِّلُ الإنسانَ إلى وحشٍ مفترسٍ، يفقدُ نوازعه الإنسانية، فيستغلّه السَّيد أداةً في تحطيم خصومه، فيرغبُ في النّجاة، لكن هيهات ((أظن أن أهل حيّنا مازالوا يوسوسون ن بأحلامنا القديمة ويقلبون احتمالات السؤال: كيف السبيل لدخول القصر؟ بينما نحن «الذين بالداخل» نحصي الأيام للخروج منه))ص23 .
                            هذه التحولات في الشخصية تتوضّح في الجزء الثاني من الرواية، فتصل إلى مرحلة لم تعُد لديه رغبة في شيءٍ، فالقصرُ في حدّ ذاته جنةٌ لسيّده، وجهنّم لعبيده، فقسمةُ القصرِ بسكانه، وحرّاسه، وسلطته، وأمواله، قسمةٌ ضيزى، كما كان بحر جدة ((يقسم قسمة ضيزى))ص52، لأنّ داخل القصر ليس هناك حدود للمفاهيم والقيم، كونهما مرسومين وفق مقاس مزاج السّيد، والقسمة قسمة ضيزى بين السّيد وأتباعه و بين المهشّمين المهمَّشين الذين لا اختيارات لديهم (( الاختيارات تكون متساوية عندما لا ترغب في شيء.))ص315
                            الملامح الفنيّة:
                            الملمح الفني الأول:من أبرز الملامح الفنية التيأجاد الكاتبُ فيها السّرد الرّوائي، فاعتماد الكاتب على التداعي الحرّ (تيار الوعي) في سرده للأحداث فتح أمامه المجال واسعاً ليتنقّلَ بين الأحداث والشخصيات، وينسج العلاقات فيما بينها، ويمنحها حرية الحركة والحكي، كما ساعد هذا الأسلوبُ السّرديُّ الكاتبَ على كسر القوالب الزمنية، قافزاً إلى سرد الحوادث الصغيرة والكبيرة، متنقلاً بين الماضي والحاضر بسهولة، وسهّلَ هذا الأمر للكاتب في تقسيم الرواية إلى فصولٍ.
                            الملح الثّاني يتعلّق بزمنية السّرد: فالزّمن الذي تبدأ فيه الرواية، هو الزّمن الحاضر، يسردُ الرّاوي أحداثاً حصلَتْ في الزّمن الماضي، فهناك زمنان، زمن الحدث الواقع، وزمن التداعي الحرّ، فالمكانُ وفق هذا المنطق الزّمني ثابتٌ لحظة السّرد، ويبقى تيار الوعي هو المتنقّل بين أزمنة مختلفة، مرتبطة بأمكنةٍ أخرى غير المكان الثابت هذا، وبالتّالي فالأحداث لا يربطها تسلسلٌ زمنيٌّ، مما يجعل القارئ (المتلقي الافتراضي) في مهبِّ التَّشظي الزّمني، مستغرقاً في عملية الخلق الفنّيّ، كأداةٍ روائية تفتح الأبواب المغلقة، وتستنطق حالة المسكوت عنه اجتماعياً في المجتمع السعودي، المعاصر، وكشف ما يجري في القاع المظلم، متجاوزاً كل الأسوار والحصن الدينية والسياسية والجنسية، ليظهر ما كان حبيس الأنفس لسنواتٍ طوال.
                            الملمح الفني الثالث يتعلق بقدرة الكاتب على استخدام العناصر الروائية ليقول ما يريد إيصاله للقارئ. عبده خال بلغت جرأته أعلى المستويات في كشف المحظور الاجتماعي، الفاسد (الديني والجنسي) الذي تراكم احتقانه على مرّ السنين، وكشف المخبوء الصامت تحت وسادة المجتمع، المحافظ المحاط بسورٍ كاتم، الذي يساهم في إبقاء الفساد الاجتماعي والسياسي والديني مستوراً، لا يتناوله الحديث؛ ومؤخراً بدأت الرواية السعودية في تناول القاع الاجتماعي المحظور دائماً، والإفصاح عن خبايا التفاصيل السجن الاجتماعي كرواية سعوديات لسارة العليوي، وشباب الرياض لطارق العتيبي، وملامح، ولم أعد أبكي، ونساء عند خط الاستواء لزينب خفي، واختلاس لهاني نقشبندي، ومفارق العتمة لمحمد المزيني، والقارورة، والحمام لا يطير في بريدة ليوسف المحيميد، و وبلغت مؤخراً تتويجها برواية ترمي بشرر لعبده خال التي كانت رواية فسوق تمهيداً لها. وهنا يكسر الكاتب وقار الكتابة، ودبلوماسيتها، متعمقاً إلى أعماق المجتمع السحيقة، ساعده في ذلك إطلاق الكاتب لتداعي الحر لأفكاره، فيسرد ما لا يمكن لأحد التجرؤ به حتى مع نفسه، والدخول في مكاشفاتٍ جريئة لأحداثٍ مأساوية تدمّر إنسانية الإنسان، وتجرّده من كلّ القيم الدينية والأخلاقية والاجتماعية.

                            هفوات الرواية :
                            تحفل الرواية بهفوات كثيرة، تُسجَّل عليها، أوّلها الأخطاء الكتابية الكثيرة فيها( نحْوية،و إملائية، و ربما مطبعية) وهذه الأخطاء من السّهولة تفاديها، وتصحيحها، فورودها في رواية تفوز على أكثر الجوائز الروائية أهمية في العالم العربي أمرٌ يستحقُّ الوقوف عنده، وهذا ليس تقليلاً من شأن هذه الرواية التي حازت على إجماع أعضاء لجنة التّحكيم.
                            والخطأ الفنّيُّ الآخر يتعلّق بورود اسم زوج أم الشخصية المحورية في الرواية باسمين مختلفين، وكأنَّ السارد قد سَهَا عن اسمه الأول فأطلق اسماً ثانياً عليه، فقد ورد في ص108 باسم جمال المهندس، فيصبح في ص233 غيث المهند، وهذا الخطأ التقني يُسجّلُ على الرواية.
                            وفي القسم الأخير من العمل الفنّي المسمّى بالبرزخ ليس هناك دواعٍ فنيّة لذكر أسماء نساء القصر، الفنية والحقيقية، فحذفُ تلك الأسماء لا يقلّل من قيمة العمل، وذكرُها لا يزيد شيئاً للرواية، فهي حشو، وثقلٌ للبرزخ الرازح تحت عناوين ولقطات صحفية كثيرة.
                            وأخيراً، الرّواية تعاني من التّكرار؛ تكرار المعلومات المصاغة بتراكيب مختلفة، تكرار الوصف، والعبارات، ومهمات الأشخاص، لكن عزاء هذا التّكرار أنّه جاء من استخدام الكاتب لأسلوب التداعي الحرّ في سرد الأحداث( تيار الوعي)، هذا ما ترك للشخصيات مساحةً أوسع لتعبّر عن حالها، وتكشف عن معاناتها المكبوتة لسنوات، فالتّكرار في الرّواية سمةٌ تبعث على الملل، وتقتل تشويق متابعة الأحداث.

                            تعليق

                            • ركاد حسن خليل
                              أديب وكاتب
                              • 18-05-2008
                              • 5145

                              #44
                              أستاذنا العزيز صبري رسول
                              سعدت والله أن أرى مشاركتك
                              فأهلاً ومرحبًا بك
                              بمثل هذه المشاركات نرجو لهذه المسابقة أن تكون مميّزة
                              شكرًا لك عزيزي لاختيارك الملتقى بدلاً من الجريدة الورقية لنشر هذه الدّراسة
                              متمنّيًا لك الفوز إن شاء الله
                              تقديري ومحبّتي
                              ركاد أبو الحسن

                              تعليق

                              • ركاد حسن خليل
                                أديب وكاتب
                                • 18-05-2008
                                • 5145

                                #45
                                أعزائي الكرام
                                السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

                                لا زلنا بانتظار المزيد من المشاركات
                                سجّلوا دعمكم واهتمامك بالقراءة والكتاب
                                ساهموا في إثراء الثقافة وإيصال المعلومة لكل باحث

                                شكرًا لكم
                                تقديري ومحبّتي
                                ركاد أبو الحسن

                                تعليق

                                يعمل...
                                X