" بروفيل أنيس الغربة ... "
سعدي صباح
sebbah@maktoob.com
كانت الليالي وكان الناظور يأوينا ، وكنت وأنيس الغربة الذي برعمت من خلاله أعشاب غبطتي . احتوتنا الناظور ...احتوتنا وجدة ببساطتها ، وهذا بعدما أبتْ مرابعنا أن تحتوينا ،..احتوتنا أمسيات الهوى بربيع تراقصت فيه العذارى ،... آه ماأروع اللحظات التي جمعت بيننا... والثرى الذي طوّقنا بشغفٍ ... وعلى سطحه بنينا وصديق الغربة جسرا من وفاء ... برعمت العرائش ورقصت العصافير على لقائنا من غير ميعاد ! ، بقاعة اللؤلؤة القابعة على شفير وادي الناظور ذلك الاقليم الذي شغل الورى وأوى الحيارى من كل فجٍّ ،.. وعلى ربوة النعناع الحانية انطلقنا.. فأخذتنا بيوت اللهو التي ترمض طحالب الوجوم بصوت نجاة الرخيم : " قول الحق الموت كاينة " ...، لاح همنا جليا في الهوى ، اخترقنا الدجى وصنعنا من زهونا انفلاق القمر ! ..برعمت أمانينا ...شاطرته كأس البلور وشاطرني قنص أسراب الشذى.. من حقول البنفسج التي تأتينا من وراء الزعتر البري، حبلى بسر حياتنا وانتشائنا مثل عصفورين بين حقول القمح تترنم بالغناء ! ... وزرعنا على شواطئ الناظور خيوط الشمش، أحببنا فاس واحببناه حد العشق والهيام ! .. ابتلعَنَـا بمليحاته اللواتي يتخطرنَ على الذرى على حد تعبير الشاعر أدونيس.. وطاب المقام بأطلال أعلام مرّوا من هنا : ابن لسان .. ابن خلدون.. ابن رشد...،.لم تزل بيوتهم شاخصة الى اليوم ! ، ارتشفنا من منبع الشفاء بحرازم العذب النمير "زمزم الأصغر" كما قد سماه أنيس الغربة ! ... لست أدري كم مكثنا ولست أدري كم مرّغْنا من زهور . على فكرة أخذنا مولاي ادريس رضعنا هواءه المعبق بأريج النرجس الخجول ... اعتلَينا قمة الجلجلة معلنين هيامنا بكل اللغات! ... باركت الأحياء العتيقة حط الرّحال ! ... ووقفنا نحن إجلالا لصدق القبول ولآرام لها سحر خاص تغري به الورى ! ...احتوتنا أنا وصديقي منابر الغناء ،والتقى ابن الملوح وابن ذريح بين سفوح جبل التوباد وهلَّلَ للذكرى وبارك لقيانا !... غزلنا غزلا في غزالات شاردات في الفلاة من زوج ابغال الى فاس !...، بوحنا يكشف سر رهو البراري الفاسية ووهادها ! ... تيّمَتْنــَا ظلال الجنائن يا صاحبي ... استهوتنا الأمكنة واستقطبتْنَا الليالي ..ذبنا في غياهبها حد التلاشي ! ... آه يا عزيزي كم هي رومانسية وجميلة أسراب الرذاذ حين تَـَهادتْ تُبلل شجيرات الكرز ! وسقطت الفلة بصحن زمردي مترع بعطر الصندل والخزامى التازي ، تحترقها هبّات نسيم يطارده الصنوبر البري والصفصاف ، فلة تمكنت يا صديق الغربة ..لا غربية ولا شبقية ..لكنها قدسية حلت بأرض العلويين ...و راحت تماشيني للغرفة التي تعبق بعطر مراكش !... العطر التقليدي الذي يُشترى بالذهب ! ...غنَّت لنا أغنيتها الحانية وخرير الساقية بمناكب الفندق يعبق برائحة النهاوند ! ... ويتحول الرذاذ بأمر ربِّه الى قطرات ... حبّات مطر تعزف سمفونيتها على البلور ! ... هي اللوحة السريالية التي أبدعتها أنامل العلى في لمح البصر ! ،..وسرى صوت فيروز من الخفارة : جاءت معذبتي في غيهب الغسق ! ... و حنت القريحة راسمة اياها بأرقى مما رسمته أرياش الفنانين والشعراء. فا نتشلتها دون أن أدري من حافة الذبول ... وتدلت لفلة عناقيد العنب !، شاكرة النسمة العليلة عن عبثها الذي أضاف للوحة رومانسية ودلال ! ... وكانت عيناي تغازلان وليّة من فل أطهر من ماء المطر !... لحظتها سافر أنيس الغربة مع الوسن أمامي جنب الكاميليا... ولوت ملامح الفلة الى غرفتها ونامت نومةالنّخيل.. ولم تشاطرني أغنية سميرة توفيق من الخفارة : " حبيبي ضمني ضمة " تمنيت جنبها لو يتوقف الزمن حتى لا أعيش لوعة الفراق ! ... الفراق الذي هو آت ، ومع انبلاج الفجر تسللت ملامح الفلَّة الى النافورة.. ودعتني بحرارة بعد أن تعطرت وانطلقت صوب الشمال تاركة جذوتها تتأجج بين الضلوع ، وغداة رحيلها ودعت أنيسي في الغربة ... فانطلق بخطى حزينة صوب محطة القطار !، وبقيت في مرقد الوحدة أجالس وحدتي كعصفور داهمته العاصفة وقت المغيب ! ... وكشفت الوجه الآخر لكواليس مرقد الوحدة التي عرّجت عليها هيفاء بيطار في أبواب مواربة و في هوى ! ... واكتشفت معنى الحريم وأسراره ... ! اليالي الهاربة والتي يباح فيها كل محضور، الا فلة" كانت باللهيب لم تحترق" ! ... توارت الفلة التي كانت بثينةأسطورية في ليلتنا الوردية ببتلات من حرير ... وتوارى أنيس الغربة خلف الشماريخ وابتلعته مدينة الهضاب الى أجل غير مسمى ! وأنا أتجرع كأس الحنظل لويت الى المقهى رغبة في فنجان، وقبل ولوجي توقفت مرتجفا على سماع صفارة غلق الحدود ! ، فعدتُ أتأبط انكساراتي وودعت النزلاء في جو تسوده الخيبة !... وفي انتظار ختم الأجوزة كنت في النجوى أسمع نحيب المدن الحدودية خشية الكساد الذي سوف يضرب أطنابه ! ... وخلسة أصبحت المرابع التي أحببناها مجرد أضغاث ..وترتب على الأبواب الموصدة ركود مسَّ كل المدائن ! ، كما ترتب على خلاف معاوية وعلي بمرابعنا سنون من الخراب والدمار ! ... وانتهت المسرحية بدفع النجيع مقابل الوالو، وتنبّأت برحيل " أنيس الغربة" ككل الضحايا الذين سكنوا باطن الأرض خلال حرب دارت رحاها بين الاخوة في الدين والوطن ! ... شابت الورود في الحدائق وتحولت الحلكة من على رأسي الى حقل من الثلج ! ، وانمحى شريط الذكر ولم تعد في حياتي ليالي أدمنت فيها السّمر ! وجاءت موجة الأمْرَكَة واندمجت مع الثقافة الكونية ، وكنت من الأوائل في فن التدوين ،تعلّمت كيف أمّررخواطري.. وتعلمت أيضا كيف أزف أخباري للأخرين، وانتهت هذه المرحلة وجاء سوق " الفيس بوك " الذي تبنى أرقى ميزات التواصل ونسج شبكة يغلب عليها طابع التعارف وانشاء مجموعات حول ظاهرة أو قصة ... كنت مع المجموعات اسما لامعا، ونسيت بالمرة أنيس الغربة ومعه أبناء مدينتي ! وكان الموج العارم من البشر في الأيكة وراء ذلك ، وذات غروب جلست إزاء الحاسوب ...فتحت البريد ... صديق في المجهول قد أضافك ، أكدت مرامه ككل الرقميين ... ورحت أشاهد بفضول صور الألبوم ، فعثرت على صورتي الى جانبه نتناول الشاي جنب العريشة يوم كان على رأسي لفافة من صريم والفلة ثالثتنَا تغازل الريح بتلاتها ! ... وتحَّدثنا حينها على الفيس بوك وأنبأني صديق الغربة بأنه هاجرَ إلى أسطورة تدعى أوروبا متوغِّلا في ضوضائها " عاصمة الجن والملائكة " ... ومع نهاية الحوار الافتراضي ودَّعته مازحا بجدية " ستبقى صديقا افتراضيّـاً على الدوام " ..وأنا الساعة أتصور ملامح شمطاء يمكن أن تكون فلّة زمان ... تكون قد شابت ككل الور ود في الحدائق ! ... وربما من واشنطن من يدري ؟ ... أقبل فوراً بإضافتها لكنها ستبقى افتراضية هي الآخرى ككل فلات العالم اللواتي جمعني بهن " الفيس بوك"الذي يبدو أكثر قوة في عالم العنكبوت حيث ركبَت الأمواج العارمة من البشر موجة السراب إلا ما رحم ربي .
سعدي صبّاح
تعليق