العجل
( حين يختصرالإنسان فى لفظة أو حرف ، فعلي هذا المجتمع أن يري تحلله بنفسه ،كما تتحلل أجزاءالماكينة أو كما تأكل الديدان رمة دابة ) ربيع عقب الباب
( 1 )
كان معلقا فى شرفة البناء القديم ، تشاغله نفس الأشباح ، ترمح على كتفيه .. على قفاه ، فينط محاولا باللكمات .. والرفسات ، يسددها فى الهواء ، وهو يستشعر بعض الرضا ، ثم ينكب متكورا ، منتظرا العم موسي ، والتبن المحمل على ظهور الحمير يتطاير ، ملاطما وجهه و عينيه المظلمتين . أصوات الأولاد ، وهي تستحث حميرها ، يسوط ظهره هو ، يرمي به في وهدة من خوف وقلق . كانت أصابعه فى حالة ارتباك حادة ، كلما طال انتظاره ، تخلص من قعدته ، جذب جسده وراءه تحت سريره ، وبيديه يقيس ما تبقي من غلة ، وعندما تلاشت الكومة ركبه الرعب ، و إذا بصوت يرن فى أذنيه : شى يا عجل .
يهم ملبيا دون انتباه ، فيرتطم بحمار السرير ، وهو يردد : مين .. مين بينادي ع العجل ؟!".
دون أن يجد ردا على سؤاله ، يلح فى طلب الإجابة ، فتتقدم خديجة ، وهي تقهر ضحكاتها بصعوبة :" دا بغل البلدية يابه!!".
2
تخف طائرة ، مفطورة من الضحك ، تضمد له جرح جبهته :" ابقي خلي بالك يابه ،
أهي راسك اتجرحت!!".
بعد وضع حفنة من البن ، تتركه لائذة بحضيرة البيت ، مع أخواتها ، تنتظر عودة أمها ، التي خرجت منذ الصباح لرواتب كالعادة ، و كانت علي وشك العودة .
تكوم مكانه، صب جام غضبه على رأس موسي ، مؤكدا فى قرارة نفسه ، أنه ربما يجيئه الآن ، أو علي أسوأ تقدير غدا ، فهو لا يستطيع الاستغناء عنه ، مهما تعاظم أمره ، فبدونه - هوالعجل - يتوقف كل شيء ، لكن قشور التبن المتطايرة من ( البرد ) السائرة ، وأصوات الأولاد سرعان ما تزعزع ثقته ، و تنهش فؤاده :" العجل لم ينفق يا موسي ، لم يشتك ،مازال بصحته ، يستطيع ... يا سيدي الخضر هلا أخبرتني بما يدبره هذا الرجل .. أنا حبيبك و جليسك .. لا أسأل ، و لا أري .. خدمت موسي عمرا بأكمله ، ماكينة ( الدراوة ) أتعلق فيها ليل نهار ، ولا أشتكي .. لا أطلب المزيد ، ما يجود به يكفي .. هذه الذراع التي عشقتها ، رغم ما تسببه من آلام ، تفوق الاحتمال ، رغم ( الكالو ) المنحوت و المقبب فى قبضتي ".
3
هلل الأولاد بحفاوة مستقبلين الشيخة بهية - أمهن الغالية - يقودها عبد النعيم الذي تركها بمجرد إحاطة أخواته بها ، انطلق نافخا فى الهواء تعبه ، ارتمي فى حجر والده ، الذي تحسسه بيد مرتعشة ، وقلب واجف : أنت مجروح يا به ، ياااه أنا مش سايبك سليم ".
:"كبرالأولاد يا موسي ، ماذا تنتظر .. القمح يخزن ، أنا الذي يعطي الأمر بتخزينه .. أنا ياموسي و ليس أنت .. العجل الذي يسحب المكنة ، يتعلق بها متقدما عبر أجران القمح ،بينما أنت ورائي تتأتيء :" عععععععاه ... ييييياععععججججل .. وفى الجرن :" ههههس ".. فأتوقف غارقا فى ملح عرقي ، متماسكا لا أشتكي ، وسرعان ما تجهز المكنة ، وتزعق في :" فز يييياععععججججل ". بنفس التأتأة تعطيني الأمر ، و أتعلق و لا أنتهي حتي ينتهي الموسم .. الملاليم التي تنالها بهية لا تنفع ياموسي ، والأولاد زاحموا المندرة ، كبروا ".
سبرت الشيخة بهية أغواره ، جاهدت محاولة إخراجه من هذه الحال ، وبث الطمأنينة فى قلبه الملهوف .
ينفتح صنبور ، يغرقه ، ترغي و تزبد ، متلاحقة الأنفاس ، و بصوتها الرقيق ، وهو غائص فى مملكته ، وموسي يشاغله .. الأشباح تأخذ بخناقه . لم يعرها التفاتا إلا حين جاءت سيرة سرداب الشوافعية :" لم يجرؤ أحد من الحي على الاقتراب من السرداب غيرك ، جربوا فيك يافحلي الجسور .. انزلقت داخل السرداب ، وسط دهشة القوم ، حتي الشيخ رجب ما حاش نفسه عن أن يثنيك ، عن هذا و بشتي الطرق ، لكنك ما أصغيت إليه ، كنت جسورا بحق ، خضت عبر منافذ السرداب ، وعندما أصبحت على بعد عشرة أمتار ، سمعت خرير الفرات الذي أتي ذكره فى القرآن ........ ".
4
تنهدت ، تركته لبرهة يستعيد أمره . بضحكة ممرورة :" اهتبلت الفرصة ،انقلبت علي ركبتي ، تدحرجت ، لم أتردد .. شربت من مائه العذب حتي ارتويت ، صعدت مكانا عاليا ، انكفأت .. ملعون أبو العمي يابهية ، كرهت نفسي وقتها ، كرهت عماي .. احتواني النهر ، كدت أغرق .. انزويت فى أحد الجوانب ، فإذا بصوت حاد يقتلعني ، وريح تعوي ، تسفي حبات الماء فى وجهي ، وهدير مكنة ( الدراوة ) يصاعد مفزعا .. مازالت الرائحة تداعبني ، الله كأنها أنفاس أهل الجنة .. قهقه .. كأني دخلت الجنة و خرجت منها .. لم يكن لها شبيه .. تملكتني رعدة ، و أحسست كأني محاط بالأشباح ، كنت علي وشك الإبصار ، كان قريبا .. لا أدري كيف .. لكنني خفت ، ارتعبت ، انفلت متراجعا، وبلسان أعوج وشفة مذمومة حذرت رجب من السرداب".
كأنما يحادثها ، عبعب بكلام غير مفهوم ، لاك شدقيه كجمل :" كنت أمرر كفي فأحس بملمس ناعم ، لا أدري كان جنيا أم إنسيا وعندما صرت فى الماء يابهية تلبستني هذه الدوائر ، علت دبدبات ، و عصفت الريح ، عوت ، فتخبطت ، صرخت ، وهو ورائي .. ألتمس النجاة .. كدت أموت .. كان الخضر يصرخ في .. هذا ما جري فى رأسي ، و الله ولا أدري ، لم أتذكر نبيا آخر : كدت تقتل أمك يا أعمي ".
5
طال صمته وحزنه ، تناغم صوت الشيخة بهية :" قال الشيخ رجب بعد خروجك ، ابتلت سراويل السادة ، وكبراء البلد ، وأنت تحكي ما وقع لك".
ضحكا معا ، جلجلت ضحكاتهما ، تلاشي موسي . شرد حامد ، تذكر حلمه القاسي، و هذه السنين التي قضاها ، يجر طاحونة عقب الباب الكبير بعد أن نفق بغل السرجة ،و الكرباج السوداني يلذع جلده ، و بلا رحمة ، ينعق ، و ينهق كبغل أو ثور عنيد ،وعندما مات الكبير ، ولي عهد الطاحونة ، ليصبح موسي هو قدره المحتوم .
ينهض ضاربا بكلام بهية عرض الحائط ، مناديا ولده عبد النعيم ، بصوت كرعد السحاب ؛ فقد انتظر طويلا ، و آن معرفة حقيقة تقاعص موسي ، اشتاق لعفار التبن ، ومقالب أولاد موسي ، وضحكاتهم ، اشتاق لحبات القمح تلطم وجهه كفراشات مطعمة بالتراب ، صوت مكنة الداورة ، ندائهم ياعجل .. ععععه ياعجل !!
تدفقت الدماء فى رأسه ، كأنه شم رائحة شواء ، لدرجة جعلته يسحب عبد النعيم ، بل يجره جرا ، فيتهالك الصغير أرضا ، يتلوي و يتألم .. ويمضي .. يمضي وحيدا . عربة القمامة تتحرك بجانبه ، تصلصل ، والسائس يرعد بغلها بكرباجه : شي يا بغل ".
أحس أنه من يتعلق بها ، أنه البغل ، الضربات تسلخه هو ، تهرئه . تلفت بعفوية غريبة ، يتحسس الهواء عن عبد النعيم ، يناديه . آتاه صوت السائس : يمينك يا عم الشيخ ".
ينتحي جانبا ، يفتتل حبل معاناته من وقد جهنمي ، يرتحل فى السنين ، أو هي تخطفه إليه ، وفيها .. بين الكفور و القري ، تشيله بلد ، وتحط به أخري ، يستقر به المقام بعد عشرين سنة من الشتات ، يلوذ بالغيطان ، يلتهم الحلفا و الحندقون ، و النباتات البرية ، السامة و غير السامة ، تطارده الأشباح والجن ، يغوص فى الطين ، و الترع البغيضة ، أتاه الخضر ، ربت على جسده ، رقاه ، ثم خاطبه بصوت بعيد : غفر الرب لك ياحامد .. كن رفيقي و لا تسل عن شيء ، لا يصح أن تسأل .. هذه الربوع فى الريح أملكها : الأحياء .. الأموات .. القري . أزوجك بأرملة بهية ، تكل بأفواه عدة ، تكون لك منذرة ، أربعة جدران وباب يسترك ، تنام و تعمل لدي .. و لا تسل .. اختر لك عملا ، و لا تكثر من اللوم .. هيه لا تكثر من اللوم ".
هدل صاعدا إلى السماء ، أو انشقت له الأرض ، أو ربما ما كان له وجود ، تاركا حامد تنتهه أفراس وحدته و شتاته ، ورائحة دمه تنفذ عبر أنفه الكبير ، كالعتة على لسانه .
تجمد فى مكانه ، رفع عقيرته :" ياموسي .. ياموسي ".
جاءه صوت موسي :" أهههههلا ...يييييياععععععجل ".
:" نعم العجل ياموسي .. أنسيت العجل ياموسي ، تفتري على الله كذبا ، وما كنت سوي عجل بين يديك ، أجر لك الساقية ، ومن بعد مكنة الدراوة ، المحراث .. ما اشتكيت منك ، و لا من قسوتك .. ما اشتكيت من جشعك ".
:" تعال يا ششششيخ ححححامد .. اشرب الشاي الأووووول ".
أحس بلطمة ، أدارت رأسه ، فحط أرضا :" كل سنة وأنت طيب ياموسي " ، وعيناه تنزفان .
ألجم لسانه تماما ، نار فى أذنيه وحلقه ، وعيناه لا تتوقفان ، بكمه مرر غضبه :" أصصصصصلي ججججججببببت ممممموتور للمكنه ياعجل ".
ما كان فى أرض ، و لا فى سماء ، كورقة تتهادي فى سديم ، تلطمها الريح بلا رأفة ، وصوت موسي يطارده ، يسخر منه ، و الدوامة تعلو به عاليا ، ثم تحط به أرضا :" الششششاي ياعججججل ".
:" ما أبقيت فيها شاي .. ما أبقيت .. سنين و أنا بغشمي و عشمي فيك ، ربطتني كثور من رقبتي ، ها ها ها ها .. ياعينك ياجبيرك .. اشربه ياموسي بالسم .. بالسم أنت وموتورك .. الدنيا تسع كثيرا .. عجلا وموتورا .. تكلم ياخسيس .. ليس الموتور .. ليس الموتور .. حسبي الله ونعم الوكيل .. حسبي الله ونعم الوكيل ".
يغور فى داخله ، فى مساكن النمل التي تهيجت ، ما بين الجبانات و المآتم .. يغور فى البيوت التى شهدت عفاريته ، وهي تقاتله ، و تركب كتفيه ، حين يهم بقراءة القرآن .. تفضحه إلي حد التشنيع ، سخرية الناس و الصبيان به .. فيجري ، يهرب باكيا ، شاكيا أمره للسماء ، وحلمه الشائك لا يفتأ يهاجمه ، يحوله إلى مسخ يستدعي الضحك ، حتي الفاتحة ماتركوه حتي نسيها تماما ، و لما قالوا :" هناك تحت الكوبري يعبر البهوات و الأفندية ، مد اليد لن يكلف شيئا ". أبي الإنصات لهم : " موتور ياموسي .. موتور .. أنا من كنت بحاجة إلى هذا الموتور ، لكنه الحلم الملعون الذي ربطني بك ، و الخضر أو ما شبه لي بأنه الخضر ، أين أنت ياخرافة عمري .. أين أنت .. الجدار كنت أفلقه بقبضتي ، المكنة كانت تخجل مني ، وأولاد بهية ما ذنبهم ؟!".
6
سادرا كان فى طريقه ، عبر جامع الشوافعية ، ينحدر على المزلقان ، مخترقا أعشاش العرب الواطئة ، كأنه يري ، و لأول مرة ، يتخذ طريقه إلى الترعة الواسعة ، لهاث أنفاسها ينهش صدره مايزال ، وصوت الخضر يعلو .. يعلو ما بين الأرض و السماء ، يدوي فى كل كيانه . علا صوت والده ، تلاحم الصوتان ، يهوم كأنما يطارد شيئا ، يقبض عليه ، يضغط .. يضغط ، يزعق عبد النعيم ، يجفل مفزوعا ، يحط أرضا . يختفي الصوت .. يختفي عبد النعيم .
تعود اليد اليسري ، تمسك بالكتف ، تقبض على شيء :" لم يمت بعد ".
يسدد قبضته اليمني ، ومن قفاه يأتي بشيء ، يسدد قبضته ، لسانه يحمحم مع كل حركة :" أنت لا أنا ياموسي .. تتسع ياموسي .. تسع عجلا و موتورا .. لكنها اللعنة ".
لازمته هذه الحال . يطارده الصبيان ، يقذفونه بالحجارة ، و التراب ، و السباب ، يهللون :" العجل أهوووه .. منه بكره بقرشين ".
أدموا وجهه ، ورموا رأسه و ضلوعه . لاذ بزاوية خربة ، راح فى سبات عميق ، نام طويلا .. لأول مرة منذ عشرين قرنا ينام مستريحا ، بلا أشباح ، ولا خضر ، ولا موسي .
هام أولاده على وجوههم ، ينقبون عنه فى العطف و الميدان الكبير ، و صناديق القمامة .. الشيخة بهية تنادي :" ارجع ياحامد .. مات موسي ، والموتور تعطل .. ارجع ياعجل ، الموتور ينتظر ساعدك ".
( حين يختصرالإنسان فى لفظة أو حرف ، فعلي هذا المجتمع أن يري تحلله بنفسه ،كما تتحلل أجزاءالماكينة أو كما تأكل الديدان رمة دابة ) ربيع عقب الباب
( 1 )
كان معلقا فى شرفة البناء القديم ، تشاغله نفس الأشباح ، ترمح على كتفيه .. على قفاه ، فينط محاولا باللكمات .. والرفسات ، يسددها فى الهواء ، وهو يستشعر بعض الرضا ، ثم ينكب متكورا ، منتظرا العم موسي ، والتبن المحمل على ظهور الحمير يتطاير ، ملاطما وجهه و عينيه المظلمتين . أصوات الأولاد ، وهي تستحث حميرها ، يسوط ظهره هو ، يرمي به في وهدة من خوف وقلق . كانت أصابعه فى حالة ارتباك حادة ، كلما طال انتظاره ، تخلص من قعدته ، جذب جسده وراءه تحت سريره ، وبيديه يقيس ما تبقي من غلة ، وعندما تلاشت الكومة ركبه الرعب ، و إذا بصوت يرن فى أذنيه : شى يا عجل .
يهم ملبيا دون انتباه ، فيرتطم بحمار السرير ، وهو يردد : مين .. مين بينادي ع العجل ؟!".
دون أن يجد ردا على سؤاله ، يلح فى طلب الإجابة ، فتتقدم خديجة ، وهي تقهر ضحكاتها بصعوبة :" دا بغل البلدية يابه!!".
2
تخف طائرة ، مفطورة من الضحك ، تضمد له جرح جبهته :" ابقي خلي بالك يابه ،
أهي راسك اتجرحت!!".
بعد وضع حفنة من البن ، تتركه لائذة بحضيرة البيت ، مع أخواتها ، تنتظر عودة أمها ، التي خرجت منذ الصباح لرواتب كالعادة ، و كانت علي وشك العودة .
تكوم مكانه، صب جام غضبه على رأس موسي ، مؤكدا فى قرارة نفسه ، أنه ربما يجيئه الآن ، أو علي أسوأ تقدير غدا ، فهو لا يستطيع الاستغناء عنه ، مهما تعاظم أمره ، فبدونه - هوالعجل - يتوقف كل شيء ، لكن قشور التبن المتطايرة من ( البرد ) السائرة ، وأصوات الأولاد سرعان ما تزعزع ثقته ، و تنهش فؤاده :" العجل لم ينفق يا موسي ، لم يشتك ،مازال بصحته ، يستطيع ... يا سيدي الخضر هلا أخبرتني بما يدبره هذا الرجل .. أنا حبيبك و جليسك .. لا أسأل ، و لا أري .. خدمت موسي عمرا بأكمله ، ماكينة ( الدراوة ) أتعلق فيها ليل نهار ، ولا أشتكي .. لا أطلب المزيد ، ما يجود به يكفي .. هذه الذراع التي عشقتها ، رغم ما تسببه من آلام ، تفوق الاحتمال ، رغم ( الكالو ) المنحوت و المقبب فى قبضتي ".
3
هلل الأولاد بحفاوة مستقبلين الشيخة بهية - أمهن الغالية - يقودها عبد النعيم الذي تركها بمجرد إحاطة أخواته بها ، انطلق نافخا فى الهواء تعبه ، ارتمي فى حجر والده ، الذي تحسسه بيد مرتعشة ، وقلب واجف : أنت مجروح يا به ، ياااه أنا مش سايبك سليم ".
:"كبرالأولاد يا موسي ، ماذا تنتظر .. القمح يخزن ، أنا الذي يعطي الأمر بتخزينه .. أنا ياموسي و ليس أنت .. العجل الذي يسحب المكنة ، يتعلق بها متقدما عبر أجران القمح ،بينما أنت ورائي تتأتيء :" عععععععاه ... ييييياععععججججل .. وفى الجرن :" ههههس ".. فأتوقف غارقا فى ملح عرقي ، متماسكا لا أشتكي ، وسرعان ما تجهز المكنة ، وتزعق في :" فز يييياععععججججل ". بنفس التأتأة تعطيني الأمر ، و أتعلق و لا أنتهي حتي ينتهي الموسم .. الملاليم التي تنالها بهية لا تنفع ياموسي ، والأولاد زاحموا المندرة ، كبروا ".
سبرت الشيخة بهية أغواره ، جاهدت محاولة إخراجه من هذه الحال ، وبث الطمأنينة فى قلبه الملهوف .
ينفتح صنبور ، يغرقه ، ترغي و تزبد ، متلاحقة الأنفاس ، و بصوتها الرقيق ، وهو غائص فى مملكته ، وموسي يشاغله .. الأشباح تأخذ بخناقه . لم يعرها التفاتا إلا حين جاءت سيرة سرداب الشوافعية :" لم يجرؤ أحد من الحي على الاقتراب من السرداب غيرك ، جربوا فيك يافحلي الجسور .. انزلقت داخل السرداب ، وسط دهشة القوم ، حتي الشيخ رجب ما حاش نفسه عن أن يثنيك ، عن هذا و بشتي الطرق ، لكنك ما أصغيت إليه ، كنت جسورا بحق ، خضت عبر منافذ السرداب ، وعندما أصبحت على بعد عشرة أمتار ، سمعت خرير الفرات الذي أتي ذكره فى القرآن ........ ".
4
تنهدت ، تركته لبرهة يستعيد أمره . بضحكة ممرورة :" اهتبلت الفرصة ،انقلبت علي ركبتي ، تدحرجت ، لم أتردد .. شربت من مائه العذب حتي ارتويت ، صعدت مكانا عاليا ، انكفأت .. ملعون أبو العمي يابهية ، كرهت نفسي وقتها ، كرهت عماي .. احتواني النهر ، كدت أغرق .. انزويت فى أحد الجوانب ، فإذا بصوت حاد يقتلعني ، وريح تعوي ، تسفي حبات الماء فى وجهي ، وهدير مكنة ( الدراوة ) يصاعد مفزعا .. مازالت الرائحة تداعبني ، الله كأنها أنفاس أهل الجنة .. قهقه .. كأني دخلت الجنة و خرجت منها .. لم يكن لها شبيه .. تملكتني رعدة ، و أحسست كأني محاط بالأشباح ، كنت علي وشك الإبصار ، كان قريبا .. لا أدري كيف .. لكنني خفت ، ارتعبت ، انفلت متراجعا، وبلسان أعوج وشفة مذمومة حذرت رجب من السرداب".
كأنما يحادثها ، عبعب بكلام غير مفهوم ، لاك شدقيه كجمل :" كنت أمرر كفي فأحس بملمس ناعم ، لا أدري كان جنيا أم إنسيا وعندما صرت فى الماء يابهية تلبستني هذه الدوائر ، علت دبدبات ، و عصفت الريح ، عوت ، فتخبطت ، صرخت ، وهو ورائي .. ألتمس النجاة .. كدت أموت .. كان الخضر يصرخ في .. هذا ما جري فى رأسي ، و الله ولا أدري ، لم أتذكر نبيا آخر : كدت تقتل أمك يا أعمي ".
5
طال صمته وحزنه ، تناغم صوت الشيخة بهية :" قال الشيخ رجب بعد خروجك ، ابتلت سراويل السادة ، وكبراء البلد ، وأنت تحكي ما وقع لك".
ضحكا معا ، جلجلت ضحكاتهما ، تلاشي موسي . شرد حامد ، تذكر حلمه القاسي، و هذه السنين التي قضاها ، يجر طاحونة عقب الباب الكبير بعد أن نفق بغل السرجة ،و الكرباج السوداني يلذع جلده ، و بلا رحمة ، ينعق ، و ينهق كبغل أو ثور عنيد ،وعندما مات الكبير ، ولي عهد الطاحونة ، ليصبح موسي هو قدره المحتوم .
ينهض ضاربا بكلام بهية عرض الحائط ، مناديا ولده عبد النعيم ، بصوت كرعد السحاب ؛ فقد انتظر طويلا ، و آن معرفة حقيقة تقاعص موسي ، اشتاق لعفار التبن ، ومقالب أولاد موسي ، وضحكاتهم ، اشتاق لحبات القمح تلطم وجهه كفراشات مطعمة بالتراب ، صوت مكنة الداورة ، ندائهم ياعجل .. ععععه ياعجل !!
تدفقت الدماء فى رأسه ، كأنه شم رائحة شواء ، لدرجة جعلته يسحب عبد النعيم ، بل يجره جرا ، فيتهالك الصغير أرضا ، يتلوي و يتألم .. ويمضي .. يمضي وحيدا . عربة القمامة تتحرك بجانبه ، تصلصل ، والسائس يرعد بغلها بكرباجه : شي يا بغل ".
أحس أنه من يتعلق بها ، أنه البغل ، الضربات تسلخه هو ، تهرئه . تلفت بعفوية غريبة ، يتحسس الهواء عن عبد النعيم ، يناديه . آتاه صوت السائس : يمينك يا عم الشيخ ".
ينتحي جانبا ، يفتتل حبل معاناته من وقد جهنمي ، يرتحل فى السنين ، أو هي تخطفه إليه ، وفيها .. بين الكفور و القري ، تشيله بلد ، وتحط به أخري ، يستقر به المقام بعد عشرين سنة من الشتات ، يلوذ بالغيطان ، يلتهم الحلفا و الحندقون ، و النباتات البرية ، السامة و غير السامة ، تطارده الأشباح والجن ، يغوص فى الطين ، و الترع البغيضة ، أتاه الخضر ، ربت على جسده ، رقاه ، ثم خاطبه بصوت بعيد : غفر الرب لك ياحامد .. كن رفيقي و لا تسل عن شيء ، لا يصح أن تسأل .. هذه الربوع فى الريح أملكها : الأحياء .. الأموات .. القري . أزوجك بأرملة بهية ، تكل بأفواه عدة ، تكون لك منذرة ، أربعة جدران وباب يسترك ، تنام و تعمل لدي .. و لا تسل .. اختر لك عملا ، و لا تكثر من اللوم .. هيه لا تكثر من اللوم ".
هدل صاعدا إلى السماء ، أو انشقت له الأرض ، أو ربما ما كان له وجود ، تاركا حامد تنتهه أفراس وحدته و شتاته ، ورائحة دمه تنفذ عبر أنفه الكبير ، كالعتة على لسانه .
تجمد فى مكانه ، رفع عقيرته :" ياموسي .. ياموسي ".
جاءه صوت موسي :" أهههههلا ...يييييياععععععجل ".
:" نعم العجل ياموسي .. أنسيت العجل ياموسي ، تفتري على الله كذبا ، وما كنت سوي عجل بين يديك ، أجر لك الساقية ، ومن بعد مكنة الدراوة ، المحراث .. ما اشتكيت منك ، و لا من قسوتك .. ما اشتكيت من جشعك ".
:" تعال يا ششششيخ ححححامد .. اشرب الشاي الأووووول ".
أحس بلطمة ، أدارت رأسه ، فحط أرضا :" كل سنة وأنت طيب ياموسي " ، وعيناه تنزفان .
ألجم لسانه تماما ، نار فى أذنيه وحلقه ، وعيناه لا تتوقفان ، بكمه مرر غضبه :" أصصصصصلي ججججججببببت ممممموتور للمكنه ياعجل ".
ما كان فى أرض ، و لا فى سماء ، كورقة تتهادي فى سديم ، تلطمها الريح بلا رأفة ، وصوت موسي يطارده ، يسخر منه ، و الدوامة تعلو به عاليا ، ثم تحط به أرضا :" الششششاي ياعججججل ".
:" ما أبقيت فيها شاي .. ما أبقيت .. سنين و أنا بغشمي و عشمي فيك ، ربطتني كثور من رقبتي ، ها ها ها ها .. ياعينك ياجبيرك .. اشربه ياموسي بالسم .. بالسم أنت وموتورك .. الدنيا تسع كثيرا .. عجلا وموتورا .. تكلم ياخسيس .. ليس الموتور .. ليس الموتور .. حسبي الله ونعم الوكيل .. حسبي الله ونعم الوكيل ".
يغور فى داخله ، فى مساكن النمل التي تهيجت ، ما بين الجبانات و المآتم .. يغور فى البيوت التى شهدت عفاريته ، وهي تقاتله ، و تركب كتفيه ، حين يهم بقراءة القرآن .. تفضحه إلي حد التشنيع ، سخرية الناس و الصبيان به .. فيجري ، يهرب باكيا ، شاكيا أمره للسماء ، وحلمه الشائك لا يفتأ يهاجمه ، يحوله إلى مسخ يستدعي الضحك ، حتي الفاتحة ماتركوه حتي نسيها تماما ، و لما قالوا :" هناك تحت الكوبري يعبر البهوات و الأفندية ، مد اليد لن يكلف شيئا ". أبي الإنصات لهم : " موتور ياموسي .. موتور .. أنا من كنت بحاجة إلى هذا الموتور ، لكنه الحلم الملعون الذي ربطني بك ، و الخضر أو ما شبه لي بأنه الخضر ، أين أنت ياخرافة عمري .. أين أنت .. الجدار كنت أفلقه بقبضتي ، المكنة كانت تخجل مني ، وأولاد بهية ما ذنبهم ؟!".
6
سادرا كان فى طريقه ، عبر جامع الشوافعية ، ينحدر على المزلقان ، مخترقا أعشاش العرب الواطئة ، كأنه يري ، و لأول مرة ، يتخذ طريقه إلى الترعة الواسعة ، لهاث أنفاسها ينهش صدره مايزال ، وصوت الخضر يعلو .. يعلو ما بين الأرض و السماء ، يدوي فى كل كيانه . علا صوت والده ، تلاحم الصوتان ، يهوم كأنما يطارد شيئا ، يقبض عليه ، يضغط .. يضغط ، يزعق عبد النعيم ، يجفل مفزوعا ، يحط أرضا . يختفي الصوت .. يختفي عبد النعيم .
تعود اليد اليسري ، تمسك بالكتف ، تقبض على شيء :" لم يمت بعد ".
يسدد قبضته اليمني ، ومن قفاه يأتي بشيء ، يسدد قبضته ، لسانه يحمحم مع كل حركة :" أنت لا أنا ياموسي .. تتسع ياموسي .. تسع عجلا و موتورا .. لكنها اللعنة ".
لازمته هذه الحال . يطارده الصبيان ، يقذفونه بالحجارة ، و التراب ، و السباب ، يهللون :" العجل أهوووه .. منه بكره بقرشين ".
أدموا وجهه ، ورموا رأسه و ضلوعه . لاذ بزاوية خربة ، راح فى سبات عميق ، نام طويلا .. لأول مرة منذ عشرين قرنا ينام مستريحا ، بلا أشباح ، ولا خضر ، ولا موسي .
هام أولاده على وجوههم ، ينقبون عنه فى العطف و الميدان الكبير ، و صناديق القمامة .. الشيخة بهية تنادي :" ارجع ياحامد .. مات موسي ، والموتور تعطل .. ارجع ياعجل ، الموتور ينتظر ساعدك ".
تعليق