" إنّ العين لتزداد من خياله نورا و لكنّها مع كل هذا مظلمة أمام وصاله "
جلال الدين الرومي.
جلال الدين الرومي.
جنون شاعر..
حين غادرتُ البيت, لم يكن في سحنة السماء ما ينذر بالبكاء . ولكن المطر يفاجئني الآن و أنا أخرج من معرض الكتاب , بعد أن قضيت ساعاتٍ أتجوّل في أروقته , أعاين الجديد , وأترك الروح تتشرّب الإبداع .
وقفتُ في باب الخروج أرقب المارة , يهرولون , يبحثون عن ملجأ..بعضهم اندسّ داخل أقرب مقهى , و البعض عاود الدخول إلى المعرض .
إنّه الشتاء.. يحتضر . تهدهد الريح آخر غيماته, تلهو بها قليلا ثم تعتصرها لتسقط غيثا خفيفا يفرش الأرض تحت أقدام الربيع .
لم أكن أحمل مطرية و لم أبحث عن الاحتماء.سرت بضع خطوات.رفعت رأسي , متعمّدا تعريض جبهتي للمطر .أحببت الرذاذ فوق وجهي , أردت المطر أن يبلّلني , يغسلني , بل وددتُ لو يتسلّل إلى قلبي لعلّ الربيع ينبت في زواياه الشاحبة . كم أحب هذا المطر, و رائحة التراب و الشجر المبلّل, و هذه الذكرى التي تحوم حولي كفراشة نورانية جميلة .
هنا , في هذا المكان كان لقائي بها , في رحلة بحثي عن أنثى مختلفة, عن إمرة تصلبني فوق غيمات الذهول .
كتابٌ و مطرٌ..هل أروع منهما.. سيمفونية يعزفها القدر لحظة ميلاد الحب ؟
و إذا كان " المكان جزء من الحب " , فإنّ الزمان جزء كبير من الحب ..فأقسى- و لكن أروع - ما يمكن أن يحدث لك أيها الشاعر, على الإطلاق, هو أن تقترن ذكرى امرأة هام بها قلبك, و أحببتها بجنون, بلوحة من لوحات الطبيعة الخالدة المتكرّرة.. مطرٌ , ثلجٌ , ليلٌ مكتمل قمره , أو غروب يولد من شاطئ البحر .
ذاك معناه أن الذكرى لن ترحمك,و أنها سوف تجتاحك دائما كطوفان , تتسلّل من أبواب روحك دون استئذان , تزورك بإرادتك أو غصبا عنك .
كنت دائم البحث عن امرأة تصالحني مع ذاتي , و مع المرأة , و أغفر بها لنساء مرّرن في حياتي دون أن يتركن فيها سوى بقايا لذّات حسّية عابرة , كلما فكّرت فيها عاودني ما يشبه القرف .
كنت أحلم بامرأة استثنائية , مميّزة , في مثل جنوني , تدرك أنّ في داخلي طفلا مشاغبا , يتمرّد , يخطئ , يتدلّل . امرأة لا أخجل أن أبكي أمامها لأنها ستحبّني حتى عندما يعتريني شيء من الضعف.
كنت أحلم بأنثى في قدسية القصيدة , و تأنّق القصيدة , و جنون القصيدة . أنثى تهزّني من الأعماق , تدهشني و لا تنتهي دهشتي بها ..أنثى تملك من فتنة الروح ما يجعل احتلالها , كما نسيانها , محض استحالة .
تقتحمني ذكراها الآن . هنا . كان المعرض مكتظا , قراء و مثقفون , وطلبة جامعيّون يبحثون عن ضالتهم فوق الرفّوف . استأثر وجودها انتباهي. تسمّرتُ أسارقها النظر و بدت لي كأقحوانه وسط حقل سنابل .. شيء ما شدّني فيها.. وقفتها الملكية بقوامها المتناسق , أم شعرها المنساب فوق كتفيها كشلالٍ أسود ؟ لا أدري . لا أدري سوى أني وجدت نفسي أتحرّك صوبها دون وعي مني...اقتربت حتى كدت ألامس كتفها . لم تنتبه لوجودي , فقد كانت تقلّب صفحات ديوان لنزار قباني .
لبرهة كاد التردّد يثنيني , ثم سمعتَني أسألها :
- تحبين نزار , سيدتي ؟
ثوانٍ من الصمت كأنها الدهر . توجّستُ , توقّعتُ أن تحدجني بنظرة متعالية , غاضبة , تدين بها جرأتي , و لكني
تفاجأت بها ترفع رأسها من على الكتاب . تحتضنني برموش آسرة , تخترق شغاف قلبي :
- لا .و لكن أحبّ شِعره .
و ابتسمَت .فانتابتني رغبة مجنونة في تقبيلها . لا . لم تكن شهوة غرائزية...أردت فقط تقبيل ابتسامتها ,فقد سمعتُ الربيع يسقسق على ضفاف شفتيها .
سافرت عيناي في تقاسيم وجهها .. جميلة جدا و حين تبتسم تبدو الغمازتان تحت وجنتيها, على جانبي ثغرها, كنجمتان تحرسان زنبقة .
و..على ' صهيل أحزان ' نزار , رسمنا معا خط البدء لقصة حب رائعة .
تحدّثنا طويلا , حديثا مطرزا بالشعر و الأدب . رائع فعلا أن تحاور امرأة مثقّفة ! تملك إلى جانب الجمال حسا فنيا شاعريا مرهفا .
رافقتها خارج المعرض ,و كانت تمطر .
و قبل أن تغيب داخل التاكسي, همست في أذنها :
- هل أطمع في لقاء آخر ؟
ضحكت :
- أتمنى ذلك , و لكن ليس تحت المطر .
و التقينا بعد ذلك كثيرا, تحت المطر و تحت الشمس, لأكتشف أنها لم تكن أنثى و فقط , بل لوحة سريالية مثيرة . كل لقاء معها كأنه أمسية شعرية , أعود منه مضمّخا بالعطر و النور و الفرح . دخلت حياتي و عائلتي , و امتلكت قلبي و لم يكن هناك ما يحول دون أن يحتويني معها سقف واحد .
و لكن , لأن بي مسٌ من الشعر, فقد حدست أنها لن تكون لي, و أنّ قصتي معها سوف تنتهي . أقصد أنها لن تنتهي . هل كان حدسا أم إصرارا غبيا؟
أحببتها فوق الحب و أحببت أن أحميها.. منّي, من نفسي. أشفقت عليها من رماد الإلتحام , من خطر الاقتراب, و ابتذال الزواج . أليس الزواج هو' النهاية المنطقية ' للحب ؟ أيعقل أن نوقّع بأيدينا على قرار النهاية ؟و من أين أستلهم القصيدة حين تنطفئ في أضلعي قناديل حبها ؟ و كيف أحيا حين يذبل وجدي بها , و يصبح للشوق معنى الضجر ؟
و في شطحة من شطحات جنوني , أفاجئ الجميع :
- لن أتزوّجها . لن أتزوّج أبداً .
أبكي . و أنثر دموعي فوق الورق قصائدَ ملوّنة بألف حزنٍ و حزن .
" شاعرٌ مجنون . " يتهامس الرّفاق . أتذكّر لغز البيضة و الدجاجة . و أتساءل ..من تلبّسني أولا : الجنون أم الشعر ؟ أم أنهما قدران متآلفان , يولدان معا ؟
أمي تضرب كفاً بكفٍ . تقول بنبرة جازمة أنّ جارتي الأرملة الشابة قد سحرتني حتى لا أتزوّج و أكون من نصيب امرأة أخرى , لأني لم أعرها اهتماما . تتحايل أمي عليّ , تترجّاني أن أرافقها إلى مشعوذ مشهور علّه يفكّ عقدتي و يبطل سحر الجارة . تبكي أمي و تدعو الله أن يهديني, وترى ذرّيتي قبل أن ترحل .
لا أحد استطاع أن يفهم أني أنقذت حبي من براثن الفناء. أردت أن تبقى حبيبتي, في عينيّ ,و إلى الأبد , غامضة كطلاسم فرعونية , ساحرة كمساء أندلسيّ , و بعيدة مثل القمر . و أن أظلّ دوما أرنو إليها في لهفةٍ و التياعٍ و احتراقٍ , و أن يظل وصالها مستحيلا , يهيّج في خلايا روحي نشوة الشعر .
ماذا يتبقّى من سحر القمر لو أنه نزل من علياءه و جالسنا على مائدة الطعام , أو قاسمنا فوضى الأيام و سأَم اللّيالْ ؟ ماذا يتبقّى من روعة قوس قزح لو أننا شكّلنا منه ربطات عنق نتزيّن بها في سهرات تافهة , باردة ؟
ترى ,لو خيّر قيس بين أن يعيش هائما على وجهه , يبكي ليلاه و يحفر وجهها بأشعاره على لوح الزمن , أو أن يقاسمها خيمةً بائسةً في صحراء مقفرة , ماذا كان اختار ؟
و افترقنا . و وعدتها بأجمل الأحزان ..و القصائد .
ركبت هي موجٌا, و ركبتُ أنا آخرا.
و لكنها لم تفارقني أبدا . ظلّت تلاحقني باستمرار , في أحلامي و يقظتي , تزورني في زي بنفسجة حينا ونورسة أحيانا . و ظلّت ابتسامتها تؤثّث صفحات دواويني .
و لا تزال إلى اليوم , نديّة الحضور, تطوف حولي , أستشعر أنفاسها في هبوب النسيم , و أراها بكل سحرها في غناء الشحرور , رفّة الفراشة , جنون الفكرة , و في دفء القصيدة حين تشرق من بين أناملي.
.20/06/2010
وقفتُ في باب الخروج أرقب المارة , يهرولون , يبحثون عن ملجأ..بعضهم اندسّ داخل أقرب مقهى , و البعض عاود الدخول إلى المعرض .
إنّه الشتاء.. يحتضر . تهدهد الريح آخر غيماته, تلهو بها قليلا ثم تعتصرها لتسقط غيثا خفيفا يفرش الأرض تحت أقدام الربيع .
لم أكن أحمل مطرية و لم أبحث عن الاحتماء.سرت بضع خطوات.رفعت رأسي , متعمّدا تعريض جبهتي للمطر .أحببت الرذاذ فوق وجهي , أردت المطر أن يبلّلني , يغسلني , بل وددتُ لو يتسلّل إلى قلبي لعلّ الربيع ينبت في زواياه الشاحبة . كم أحب هذا المطر, و رائحة التراب و الشجر المبلّل, و هذه الذكرى التي تحوم حولي كفراشة نورانية جميلة .
هنا , في هذا المكان كان لقائي بها , في رحلة بحثي عن أنثى مختلفة, عن إمرة تصلبني فوق غيمات الذهول .
كتابٌ و مطرٌ..هل أروع منهما.. سيمفونية يعزفها القدر لحظة ميلاد الحب ؟
و إذا كان " المكان جزء من الحب " , فإنّ الزمان جزء كبير من الحب ..فأقسى- و لكن أروع - ما يمكن أن يحدث لك أيها الشاعر, على الإطلاق, هو أن تقترن ذكرى امرأة هام بها قلبك, و أحببتها بجنون, بلوحة من لوحات الطبيعة الخالدة المتكرّرة.. مطرٌ , ثلجٌ , ليلٌ مكتمل قمره , أو غروب يولد من شاطئ البحر .
ذاك معناه أن الذكرى لن ترحمك,و أنها سوف تجتاحك دائما كطوفان , تتسلّل من أبواب روحك دون استئذان , تزورك بإرادتك أو غصبا عنك .
كنت دائم البحث عن امرأة تصالحني مع ذاتي , و مع المرأة , و أغفر بها لنساء مرّرن في حياتي دون أن يتركن فيها سوى بقايا لذّات حسّية عابرة , كلما فكّرت فيها عاودني ما يشبه القرف .
كنت أحلم بامرأة استثنائية , مميّزة , في مثل جنوني , تدرك أنّ في داخلي طفلا مشاغبا , يتمرّد , يخطئ , يتدلّل . امرأة لا أخجل أن أبكي أمامها لأنها ستحبّني حتى عندما يعتريني شيء من الضعف.
كنت أحلم بأنثى في قدسية القصيدة , و تأنّق القصيدة , و جنون القصيدة . أنثى تهزّني من الأعماق , تدهشني و لا تنتهي دهشتي بها ..أنثى تملك من فتنة الروح ما يجعل احتلالها , كما نسيانها , محض استحالة .
تقتحمني ذكراها الآن . هنا . كان المعرض مكتظا , قراء و مثقفون , وطلبة جامعيّون يبحثون عن ضالتهم فوق الرفّوف . استأثر وجودها انتباهي. تسمّرتُ أسارقها النظر و بدت لي كأقحوانه وسط حقل سنابل .. شيء ما شدّني فيها.. وقفتها الملكية بقوامها المتناسق , أم شعرها المنساب فوق كتفيها كشلالٍ أسود ؟ لا أدري . لا أدري سوى أني وجدت نفسي أتحرّك صوبها دون وعي مني...اقتربت حتى كدت ألامس كتفها . لم تنتبه لوجودي , فقد كانت تقلّب صفحات ديوان لنزار قباني .
لبرهة كاد التردّد يثنيني , ثم سمعتَني أسألها :
- تحبين نزار , سيدتي ؟
ثوانٍ من الصمت كأنها الدهر . توجّستُ , توقّعتُ أن تحدجني بنظرة متعالية , غاضبة , تدين بها جرأتي , و لكني
تفاجأت بها ترفع رأسها من على الكتاب . تحتضنني برموش آسرة , تخترق شغاف قلبي :
- لا .و لكن أحبّ شِعره .
و ابتسمَت .فانتابتني رغبة مجنونة في تقبيلها . لا . لم تكن شهوة غرائزية...أردت فقط تقبيل ابتسامتها ,فقد سمعتُ الربيع يسقسق على ضفاف شفتيها .
سافرت عيناي في تقاسيم وجهها .. جميلة جدا و حين تبتسم تبدو الغمازتان تحت وجنتيها, على جانبي ثغرها, كنجمتان تحرسان زنبقة .
و..على ' صهيل أحزان ' نزار , رسمنا معا خط البدء لقصة حب رائعة .
تحدّثنا طويلا , حديثا مطرزا بالشعر و الأدب . رائع فعلا أن تحاور امرأة مثقّفة ! تملك إلى جانب الجمال حسا فنيا شاعريا مرهفا .
رافقتها خارج المعرض ,و كانت تمطر .
و قبل أن تغيب داخل التاكسي, همست في أذنها :
- هل أطمع في لقاء آخر ؟
ضحكت :
- أتمنى ذلك , و لكن ليس تحت المطر .
و التقينا بعد ذلك كثيرا, تحت المطر و تحت الشمس, لأكتشف أنها لم تكن أنثى و فقط , بل لوحة سريالية مثيرة . كل لقاء معها كأنه أمسية شعرية , أعود منه مضمّخا بالعطر و النور و الفرح . دخلت حياتي و عائلتي , و امتلكت قلبي و لم يكن هناك ما يحول دون أن يحتويني معها سقف واحد .
و لكن , لأن بي مسٌ من الشعر, فقد حدست أنها لن تكون لي, و أنّ قصتي معها سوف تنتهي . أقصد أنها لن تنتهي . هل كان حدسا أم إصرارا غبيا؟
أحببتها فوق الحب و أحببت أن أحميها.. منّي, من نفسي. أشفقت عليها من رماد الإلتحام , من خطر الاقتراب, و ابتذال الزواج . أليس الزواج هو' النهاية المنطقية ' للحب ؟ أيعقل أن نوقّع بأيدينا على قرار النهاية ؟و من أين أستلهم القصيدة حين تنطفئ في أضلعي قناديل حبها ؟ و كيف أحيا حين يذبل وجدي بها , و يصبح للشوق معنى الضجر ؟
و في شطحة من شطحات جنوني , أفاجئ الجميع :
- لن أتزوّجها . لن أتزوّج أبداً .
أبكي . و أنثر دموعي فوق الورق قصائدَ ملوّنة بألف حزنٍ و حزن .
" شاعرٌ مجنون . " يتهامس الرّفاق . أتذكّر لغز البيضة و الدجاجة . و أتساءل ..من تلبّسني أولا : الجنون أم الشعر ؟ أم أنهما قدران متآلفان , يولدان معا ؟
أمي تضرب كفاً بكفٍ . تقول بنبرة جازمة أنّ جارتي الأرملة الشابة قد سحرتني حتى لا أتزوّج و أكون من نصيب امرأة أخرى , لأني لم أعرها اهتماما . تتحايل أمي عليّ , تترجّاني أن أرافقها إلى مشعوذ مشهور علّه يفكّ عقدتي و يبطل سحر الجارة . تبكي أمي و تدعو الله أن يهديني, وترى ذرّيتي قبل أن ترحل .
لا أحد استطاع أن يفهم أني أنقذت حبي من براثن الفناء. أردت أن تبقى حبيبتي, في عينيّ ,و إلى الأبد , غامضة كطلاسم فرعونية , ساحرة كمساء أندلسيّ , و بعيدة مثل القمر . و أن أظلّ دوما أرنو إليها في لهفةٍ و التياعٍ و احتراقٍ , و أن يظل وصالها مستحيلا , يهيّج في خلايا روحي نشوة الشعر .
ماذا يتبقّى من سحر القمر لو أنه نزل من علياءه و جالسنا على مائدة الطعام , أو قاسمنا فوضى الأيام و سأَم اللّيالْ ؟ ماذا يتبقّى من روعة قوس قزح لو أننا شكّلنا منه ربطات عنق نتزيّن بها في سهرات تافهة , باردة ؟
ترى ,لو خيّر قيس بين أن يعيش هائما على وجهه , يبكي ليلاه و يحفر وجهها بأشعاره على لوح الزمن , أو أن يقاسمها خيمةً بائسةً في صحراء مقفرة , ماذا كان اختار ؟
و افترقنا . و وعدتها بأجمل الأحزان ..و القصائد .
ركبت هي موجٌا, و ركبتُ أنا آخرا.
و لكنها لم تفارقني أبدا . ظلّت تلاحقني باستمرار , في أحلامي و يقظتي , تزورني في زي بنفسجة حينا ونورسة أحيانا . و ظلّت ابتسامتها تؤثّث صفحات دواويني .
و لا تزال إلى اليوم , نديّة الحضور, تطوف حولي , أستشعر أنفاسها في هبوب النسيم , و أراها بكل سحرها في غناء الشحرور , رفّة الفراشة , جنون الفكرة , و في دفء القصيدة حين تشرق من بين أناملي.
.20/06/2010
تعليق