الغياب
خليف محفوظ
قالت الحيزبون إنه عبر القرية كشعاع أومض في الظلمة ، توضأ بدموع العذارى و صلى الفرح ليلة شتاء . لم تستغرق صلاته إلا مقدار ما يهمس الفتى لفتاته ثم اختفى .
تحدث عنه أهل القرية مختلف الحديث :
قيل ولي صالح شوهد على الساحل يسبح لله و السمك في البحر يرد عليه بلسان فصيح .
وقيل ساحر شوهد يضع يده على خشبة فوق دكة حانوت فتورق و تزهر .
و قيل معتوه سمع يخطب في صبية تحلقوا حوله يحثهم على أن يطيروا و يمسكوا بالشمس و النجوم .
أياما ثم مات الحديث و انشغل رجال القرية بحياتهم . عادوا يغرقون في العادة و الصخب ، في التجمع مساء بساحة المسجد ، في صلاة المغرب بلا وضوء ، فإذا ركعوا صفروا و نطح بعضهم بعضا . حتى إذا علا الصفير و ألغى الإمام الصلاة و حمل حذاءه بيمناه أحاطوا به و ضحكوا بعيون بليدة و قالوا : صل لربك إنما نحن مازحون.
و ظل الدرك يقظا يمد خيوطه للكشف عن الغريب الغامض المختفي .
أما عذارى القرية فكن وحدهن اللاتي يذكرنه في صمت ، فإذا جن الليل وقفن باكيات خلف قضبان النوافذ يتطلعن إلى الدروب المنحدرة من الجبل الملتوية مع الجداول صوب البحر .
قالت الحيزبون : لا يذهب البكاء بأبصاركن ، ساعة توضأ بدموعكن تحت الزيتونة أشار إلى رحيله الطويل ، لكنه لا محالة راجع يتزوج إحداكن تنجب له قمرا ينير ظلمة البلد .
و كانت تأخذهن كل جمعة - إذا صلى الرجال خلف الإمام و صفروا و تناطحوا - تأخذهن إلى الزيتونة يتحلقن حول جفنة كبيرة و ينحن . تتجمع الدموع في الجفنة قطرة قطرة ، لعله راجع ثانية فيتوضأ .
و كانت " زهرة " أكثر العذارى بكاء ، هي الوحيدة منهن التي كلمته .
- ماذا أسر لك يا زهرة ؟
تسألها العذارى و يلححن .
و تتكتم زهرة ، تتكتم كما أسرت لأمها أول مرة حين أربكها فيضان شلال الخصوبة فتلمست حدائق ربيعها و عانقت ضفائرها الطويلة . و حين ينام الناس يشتعل حنينها المبهم فتوقد شمعة و تتهيأ ،فإذا تراقص النور على الجسد البهي و انسكبت الظلال بين انحناءاته نثرت ليل شعرها و جثت تصلي صلاة الغائب .
لم يكن رجال القرية على علم بشأن العذارى . قالت الحيزبون : لو علم الرجال ما نصنع كل جمعة لذبحونا جميعا .
لكن رجال القرية كانوا في شغل بالإمام . قالوا : ندخله الدائرة ، سيمكو مثلنا في الصلاة ، سيمكو رويدا رويدا ... هه هه هه هه ... و كان ضحكهم فراغا مجلجلا .
حين أحس الإمام أنه سيدخل الدائرة قليلا قليلا انتحر .
قالت الحيزبون إنه شنق نفسه في شجرة الدموع ، و إنهم أخذوا جثته فجرا و اجتثوا الزيتونة ، و إن اللعنة قد حلت .
وقضت اليوم كله تلطخ جدران القرية بالحناء تستمطر الرحمة بالأطفال و العذارى .
و لم تعد تخرج بالعذارى للبكاء ، لكن " زهرة " ظلت تركب حلمها ، جسدها المتوثب ، عطر أنوثتها العميق . و إذا التهب الجسد المتوهج و نام الرجال فعلا شخيرهم و قد تكوروا و دسوا أيديهم بين أفخاذهم انسلت من مخدعها و انتصبت تحت الشلال المتفجر من قلب الجبل ، يغمرها الماء مداعبا فيضانها ، يتوثب الجسد ممتلئا بالنشوة ، يرقص على إيقاع الشلال . و يعانق ذراعاها البيضاوان الفرح البعيد ، يتسلل الماء بين نهديها ، يتجمع بين كفيها ، يتسرب خلال أصابعها و ينحدر صوب البحر.
و شكل أهل القرية إماما جديدا صلى معهم بلا وضوء ، و إذا صفروا عوى و رقص ، فيضحكون و يضحكون ، حتى إذا انقطع فيهم النفس مالوا على بعضهم ضربا بالأكف و أغرقوا من جديد في ضحك نحاسي .
لم يهتد الدرك إلى أي خيط يربطهم بالغامض المختفي و الإمام المنتحر . و أعياهم الأمر فقرروا استجواب الحيزبون .لكن هذه الأخيرة قيل ذهب عقلها ، فقد أبصرها أهل القرية و قد حلقت شعرها و خلعت حذاءها و مشت صوب الغابة في صمت و انجذاب ، ولم يظهر لها بعدها أثر .
سكبت آخر الدمعات و انحدرت مع الشلال صوب البحر .
على رمل الشاطئ الرمادي الداكن كانت منثورة مثل وردة مبعثرة . كان الموج قد غسلها فألصق خصلات شعرها الناعم بوجهها العذب .
هناك اجتمع أهل القرية يتمزق الرمل الكالح تحت أقدامهم ، تكفهر عيونهم بظلام السنين القادم من سحيق الزمن و لسان حالهم يفح : " كيف تتجرأ العاهر فتخرج عن العادة فتفرش نفسها على الشاطئ و تموت ؟؟؟"
لفوا في المكان و داروا ، ثم قرروا حمل الجثة في أسرع وقت قبل أن يتدخل الدرك . أما والد " زهرة " فقد أنذر ألا يخرج للناس حولا كاملا خجلا و عارا .
و عاد رجال القرية من الوادي مسرعين ، وقد ظنوا أنهم أخفوا أمر زهرة ، وما كادوا يبلغون القرية حتى صك أسماعهم زغاريد العذارى من كل النوافذ . لقد افتضح أمرهم إذ أحرقوا جثمان زهرة و ذروا رمادها في النهر .
و أرعد كل أب ليؤدبن ابنته .
0ّّ000000000000
و دقت رأسي ثالثة على الجدار : اعترف الآن ، خير لك أن تعترف .
لا ، لست أنا ...
أنا أخذت تعييني من وزارة التربية و جئت رأسا إلى هنا متعهدا ألا أخوض في شيء .
جئت هاربا من كل الجهات ، من طفولتي ، من ضياعي ، من كارل ماركس و لينين ، من الاتحاد العام للشبيبة الجزائرية و حملات التطوع الشتوي و الصيفي ، من الطاهر وطار و العشق و الموت في الزمن الحراشي ، من وجودية سارتر و عبثية كامي ، من صخرة سيزيف ، من الإخوان المسلمين و حسن البنا ، من السيد قطب و جاهلية القرن العشرين ، من سجني البرواقية و سركاجي حيث عصرونا خليطا إخوانا على شيوعيين على أمازيغ ، أخضر على أحمر على أصفر ، هاربا من نفسي و أجدادي ، من البوليس السري يحصي علي أنفاسي .
حين دخلت البلدة أول مرة استقبلني الذباب و رائحة الأنوثة المحنطة . تجمع حولي الأطفال ثم توزعوا مثل النمل . أنا الآخر كنت أتوزع في الأزقة .
كان ظلي يلهث يجوب معي مداخل البلدة و مخارجها ، هذه الفاتنة المنحوتة بإزميل الزمن اتخذت الجبل متكأ و مدت ساقيها يغسلهما البحر بالرذاذ و الزبد .توقفت أمام شلالها فأخذني اندفاعه و محاولته أن يقول . استحممت و صليت بقلبي للذين لم يولدوا بعد ، و سمعت ظلي يئن منسحقا تحت عجلات الشمس المنسحبة خلف البحر ، و قادني الغروب إلى بوابة المسجد حيث وجدت القوم يزمزمون و الإمام يقلب عينيه في حيرة ، ثم دفعني السأم إلى غرفتي .
عندما أشرق النهار كان حديث الناس عن غريب دخل القرية و اختفى . و تساءلت معهم من يكون ؟ و خمنت ، قد يكون غودو ، زادشت ، حمدان قرمط ، المهدي المنتظر ، أبا ذر الغفاري ... ثم مات الحديث في قلبي مثلهم ، و عاودني القرف . رأيت الجموع في السوق تثرثر ضد الجفاف و الزمن ، يتكبكبون ، يلفون في موضعهم و ينفخون .
في تلك الليلة حاصرني الأرق ، رفضني السرير فعاندته ، تكورت و دفنت رأسي تحت المخدة ، أسدلت ستائر قلبي فتصدعت جدران روحي . أوحشني صراخ قلبي في العتمة ، و استحال السرير آلة استنطاق وحشية فأسلمت رجلي للطريق البحري المصطخب . هناك كان ظلي يصرخ في : سئمت من تيهك ، من دروبك ، أين الطريق ؟ متى الخلاص ؟ أين المنقذ الذي تزعم ؟؟؟؟؟؟
في الزيتونة أبصرت الرجل يقترب، في يده حبل من قنب ، شد طرفه بأقصى الشجرة ، ثم نزل غصنا أدنى، شكل مشنقة ، خلع الحذاء و تمتم : " و النجم إذا هوى " ثم انزلق و تدلى قاب قوسين أو أدنى .
و أشرق النهار فتحدث الصبيان عن الإمام المنتحر ، عن جثته المخبأة ، عن الزيتونة المقتلعة . و كان القوم يتكبكبون في الساحة و يلفون و قد أنذروا اليوم للصمت .
في الساعة الصفرمن ليلة البارحة صليت للإمام المنتحر ، ثم لفظني المأوى فاحتضنني الطريق البحري المرذرذ و أسلمني للشلال في قلب الجبل .
من النبع إلى المصب تبددت كآبة العالم ، تأرجح القمر قريبا فشع الماء حقلا من ذهب ، و غمرني شذى الخوخ و العنب ، و نسيم الليل المضمخ بالبراءة و التعب ، و ناداني السر فلبيت النداء ، خلعت من قدمي الحذاء ، رشنا البحر بالرذاذ و الزبد ، غطانا الموج و انحسر ، وقع حضورنا نجمتان و قمر ، وتلمست المعالم فكنا واحدا ، واحدا لا ينكسر .
في الصباح قيل إنهم وجدوها على الشاطئ ميتة ، ولم أصدق النبأ ، وزججتم بي في هذه الغرفة و قلتم أنت قاتل الإمام في الشجرة و مغتصب زهرة ثم قاتلها في البحر ، ثم قلتم اعترف .
و ها أنا قد قلت .
قهقه فيما يشبه ضحكاتهم النحاسية ثم قدم إلي التقرير و قد فرخ أسئلة .رأيت كلماتي مذبوحة بخط دقيق فأطبقت شفتي ، و كانوا يعدون آلة الاستنطاق ...
خليف محفوظ
قالت الحيزبون إنه عبر القرية كشعاع أومض في الظلمة ، توضأ بدموع العذارى و صلى الفرح ليلة شتاء . لم تستغرق صلاته إلا مقدار ما يهمس الفتى لفتاته ثم اختفى .
تحدث عنه أهل القرية مختلف الحديث :
قيل ولي صالح شوهد على الساحل يسبح لله و السمك في البحر يرد عليه بلسان فصيح .
وقيل ساحر شوهد يضع يده على خشبة فوق دكة حانوت فتورق و تزهر .
و قيل معتوه سمع يخطب في صبية تحلقوا حوله يحثهم على أن يطيروا و يمسكوا بالشمس و النجوم .
أياما ثم مات الحديث و انشغل رجال القرية بحياتهم . عادوا يغرقون في العادة و الصخب ، في التجمع مساء بساحة المسجد ، في صلاة المغرب بلا وضوء ، فإذا ركعوا صفروا و نطح بعضهم بعضا . حتى إذا علا الصفير و ألغى الإمام الصلاة و حمل حذاءه بيمناه أحاطوا به و ضحكوا بعيون بليدة و قالوا : صل لربك إنما نحن مازحون.
و ظل الدرك يقظا يمد خيوطه للكشف عن الغريب الغامض المختفي .
أما عذارى القرية فكن وحدهن اللاتي يذكرنه في صمت ، فإذا جن الليل وقفن باكيات خلف قضبان النوافذ يتطلعن إلى الدروب المنحدرة من الجبل الملتوية مع الجداول صوب البحر .
قالت الحيزبون : لا يذهب البكاء بأبصاركن ، ساعة توضأ بدموعكن تحت الزيتونة أشار إلى رحيله الطويل ، لكنه لا محالة راجع يتزوج إحداكن تنجب له قمرا ينير ظلمة البلد .
و كانت تأخذهن كل جمعة - إذا صلى الرجال خلف الإمام و صفروا و تناطحوا - تأخذهن إلى الزيتونة يتحلقن حول جفنة كبيرة و ينحن . تتجمع الدموع في الجفنة قطرة قطرة ، لعله راجع ثانية فيتوضأ .
و كانت " زهرة " أكثر العذارى بكاء ، هي الوحيدة منهن التي كلمته .
- ماذا أسر لك يا زهرة ؟
تسألها العذارى و يلححن .
و تتكتم زهرة ، تتكتم كما أسرت لأمها أول مرة حين أربكها فيضان شلال الخصوبة فتلمست حدائق ربيعها و عانقت ضفائرها الطويلة . و حين ينام الناس يشتعل حنينها المبهم فتوقد شمعة و تتهيأ ،فإذا تراقص النور على الجسد البهي و انسكبت الظلال بين انحناءاته نثرت ليل شعرها و جثت تصلي صلاة الغائب .
لم يكن رجال القرية على علم بشأن العذارى . قالت الحيزبون : لو علم الرجال ما نصنع كل جمعة لذبحونا جميعا .
لكن رجال القرية كانوا في شغل بالإمام . قالوا : ندخله الدائرة ، سيمكو مثلنا في الصلاة ، سيمكو رويدا رويدا ... هه هه هه هه ... و كان ضحكهم فراغا مجلجلا .
حين أحس الإمام أنه سيدخل الدائرة قليلا قليلا انتحر .
قالت الحيزبون إنه شنق نفسه في شجرة الدموع ، و إنهم أخذوا جثته فجرا و اجتثوا الزيتونة ، و إن اللعنة قد حلت .
وقضت اليوم كله تلطخ جدران القرية بالحناء تستمطر الرحمة بالأطفال و العذارى .
و لم تعد تخرج بالعذارى للبكاء ، لكن " زهرة " ظلت تركب حلمها ، جسدها المتوثب ، عطر أنوثتها العميق . و إذا التهب الجسد المتوهج و نام الرجال فعلا شخيرهم و قد تكوروا و دسوا أيديهم بين أفخاذهم انسلت من مخدعها و انتصبت تحت الشلال المتفجر من قلب الجبل ، يغمرها الماء مداعبا فيضانها ، يتوثب الجسد ممتلئا بالنشوة ، يرقص على إيقاع الشلال . و يعانق ذراعاها البيضاوان الفرح البعيد ، يتسلل الماء بين نهديها ، يتجمع بين كفيها ، يتسرب خلال أصابعها و ينحدر صوب البحر.
و شكل أهل القرية إماما جديدا صلى معهم بلا وضوء ، و إذا صفروا عوى و رقص ، فيضحكون و يضحكون ، حتى إذا انقطع فيهم النفس مالوا على بعضهم ضربا بالأكف و أغرقوا من جديد في ضحك نحاسي .
لم يهتد الدرك إلى أي خيط يربطهم بالغامض المختفي و الإمام المنتحر . و أعياهم الأمر فقرروا استجواب الحيزبون .لكن هذه الأخيرة قيل ذهب عقلها ، فقد أبصرها أهل القرية و قد حلقت شعرها و خلعت حذاءها و مشت صوب الغابة في صمت و انجذاب ، ولم يظهر لها بعدها أثر .
سكبت آخر الدمعات و انحدرت مع الشلال صوب البحر .
على رمل الشاطئ الرمادي الداكن كانت منثورة مثل وردة مبعثرة . كان الموج قد غسلها فألصق خصلات شعرها الناعم بوجهها العذب .
هناك اجتمع أهل القرية يتمزق الرمل الكالح تحت أقدامهم ، تكفهر عيونهم بظلام السنين القادم من سحيق الزمن و لسان حالهم يفح : " كيف تتجرأ العاهر فتخرج عن العادة فتفرش نفسها على الشاطئ و تموت ؟؟؟"
لفوا في المكان و داروا ، ثم قرروا حمل الجثة في أسرع وقت قبل أن يتدخل الدرك . أما والد " زهرة " فقد أنذر ألا يخرج للناس حولا كاملا خجلا و عارا .
و عاد رجال القرية من الوادي مسرعين ، وقد ظنوا أنهم أخفوا أمر زهرة ، وما كادوا يبلغون القرية حتى صك أسماعهم زغاريد العذارى من كل النوافذ . لقد افتضح أمرهم إذ أحرقوا جثمان زهرة و ذروا رمادها في النهر .
و أرعد كل أب ليؤدبن ابنته .
0ّّ000000000000
و دقت رأسي ثالثة على الجدار : اعترف الآن ، خير لك أن تعترف .
لا ، لست أنا ...
أنا أخذت تعييني من وزارة التربية و جئت رأسا إلى هنا متعهدا ألا أخوض في شيء .
جئت هاربا من كل الجهات ، من طفولتي ، من ضياعي ، من كارل ماركس و لينين ، من الاتحاد العام للشبيبة الجزائرية و حملات التطوع الشتوي و الصيفي ، من الطاهر وطار و العشق و الموت في الزمن الحراشي ، من وجودية سارتر و عبثية كامي ، من صخرة سيزيف ، من الإخوان المسلمين و حسن البنا ، من السيد قطب و جاهلية القرن العشرين ، من سجني البرواقية و سركاجي حيث عصرونا خليطا إخوانا على شيوعيين على أمازيغ ، أخضر على أحمر على أصفر ، هاربا من نفسي و أجدادي ، من البوليس السري يحصي علي أنفاسي .
حين دخلت البلدة أول مرة استقبلني الذباب و رائحة الأنوثة المحنطة . تجمع حولي الأطفال ثم توزعوا مثل النمل . أنا الآخر كنت أتوزع في الأزقة .
كان ظلي يلهث يجوب معي مداخل البلدة و مخارجها ، هذه الفاتنة المنحوتة بإزميل الزمن اتخذت الجبل متكأ و مدت ساقيها يغسلهما البحر بالرذاذ و الزبد .توقفت أمام شلالها فأخذني اندفاعه و محاولته أن يقول . استحممت و صليت بقلبي للذين لم يولدوا بعد ، و سمعت ظلي يئن منسحقا تحت عجلات الشمس المنسحبة خلف البحر ، و قادني الغروب إلى بوابة المسجد حيث وجدت القوم يزمزمون و الإمام يقلب عينيه في حيرة ، ثم دفعني السأم إلى غرفتي .
عندما أشرق النهار كان حديث الناس عن غريب دخل القرية و اختفى . و تساءلت معهم من يكون ؟ و خمنت ، قد يكون غودو ، زادشت ، حمدان قرمط ، المهدي المنتظر ، أبا ذر الغفاري ... ثم مات الحديث في قلبي مثلهم ، و عاودني القرف . رأيت الجموع في السوق تثرثر ضد الجفاف و الزمن ، يتكبكبون ، يلفون في موضعهم و ينفخون .
في تلك الليلة حاصرني الأرق ، رفضني السرير فعاندته ، تكورت و دفنت رأسي تحت المخدة ، أسدلت ستائر قلبي فتصدعت جدران روحي . أوحشني صراخ قلبي في العتمة ، و استحال السرير آلة استنطاق وحشية فأسلمت رجلي للطريق البحري المصطخب . هناك كان ظلي يصرخ في : سئمت من تيهك ، من دروبك ، أين الطريق ؟ متى الخلاص ؟ أين المنقذ الذي تزعم ؟؟؟؟؟؟
في الزيتونة أبصرت الرجل يقترب، في يده حبل من قنب ، شد طرفه بأقصى الشجرة ، ثم نزل غصنا أدنى، شكل مشنقة ، خلع الحذاء و تمتم : " و النجم إذا هوى " ثم انزلق و تدلى قاب قوسين أو أدنى .
و أشرق النهار فتحدث الصبيان عن الإمام المنتحر ، عن جثته المخبأة ، عن الزيتونة المقتلعة . و كان القوم يتكبكبون في الساحة و يلفون و قد أنذروا اليوم للصمت .
في الساعة الصفرمن ليلة البارحة صليت للإمام المنتحر ، ثم لفظني المأوى فاحتضنني الطريق البحري المرذرذ و أسلمني للشلال في قلب الجبل .
من النبع إلى المصب تبددت كآبة العالم ، تأرجح القمر قريبا فشع الماء حقلا من ذهب ، و غمرني شذى الخوخ و العنب ، و نسيم الليل المضمخ بالبراءة و التعب ، و ناداني السر فلبيت النداء ، خلعت من قدمي الحذاء ، رشنا البحر بالرذاذ و الزبد ، غطانا الموج و انحسر ، وقع حضورنا نجمتان و قمر ، وتلمست المعالم فكنا واحدا ، واحدا لا ينكسر .
في الصباح قيل إنهم وجدوها على الشاطئ ميتة ، ولم أصدق النبأ ، وزججتم بي في هذه الغرفة و قلتم أنت قاتل الإمام في الشجرة و مغتصب زهرة ثم قاتلها في البحر ، ثم قلتم اعترف .
و ها أنا قد قلت .
قهقه فيما يشبه ضحكاتهم النحاسية ثم قدم إلي التقرير و قد فرخ أسئلة .رأيت كلماتي مذبوحة بخط دقيق فأطبقت شفتي ، و كانوا يعدون آلة الاستنطاق ...
تعليق