القصة الذهبية ( الغياب ) عن شهر يوليو 2010 للرائع خليف محفوظ

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • خليف محفوظ
    أديب ومفكر
    • 10-05-2009
    • 88

    القصة الذهبية ( الغياب ) عن شهر يوليو 2010 للرائع خليف محفوظ

    الغياب
    خليف محفوظ


    قالت الحيزبون إنه عبر القرية كشعاع أومض في الظلمة ، توضأ بدموع العذارى و صلى الفرح ليلة شتاء . لم تستغرق صلاته إلا مقدار ما يهمس الفتى لفتاته ثم اختفى .


    تحدث عنه أهل القرية مختلف الحديث :
    قيل ولي صالح شوهد على الساحل يسبح لله و السمك في البحر يرد عليه بلسان فصيح .
    وقيل ساحر شوهد يضع يده على خشبة فوق دكة حانوت فتورق و تزهر .
    و قيل معتوه سمع يخطب في صبية تحلقوا حوله يحثهم على أن يطيروا و يمسكوا بالشمس و النجوم .


    أياما ثم مات الحديث و انشغل رجال القرية بحياتهم . عادوا يغرقون في العادة و الصخب ، في التجمع مساء بساحة المسجد ، في صلاة المغرب بلا وضوء ، فإذا ركعوا صفروا و نطح بعضهم بعضا . حتى إذا علا الصفير و ألغى الإمام الصلاة و حمل حذاءه بيمناه أحاطوا به و ضحكوا بعيون بليدة و قالوا : صل لربك إنما نحن مازحون.


    و ظل الدرك يقظا يمد خيوطه للكشف عن الغريب الغامض المختفي .

    أما عذارى القرية فكن وحدهن اللاتي يذكرنه في صمت ، فإذا جن الليل وقفن باكيات خلف قضبان النوافذ يتطلعن إلى الدروب المنحدرة من الجبل الملتوية مع الجداول صوب البحر .


    قالت الحيزبون : لا يذهب البكاء بأبصاركن ، ساعة توضأ بدموعكن تحت الزيتونة أشار إلى رحيله الطويل ، لكنه لا محالة راجع يتزوج إحداكن تنجب له قمرا ينير ظلمة البلد .


    و كانت تأخذهن كل جمعة - إذا صلى الرجال خلف الإمام و صفروا و تناطحوا - تأخذهن إلى الزيتونة يتحلقن حول جفنة كبيرة و ينحن . تتجمع الدموع في الجفنة قطرة قطرة ، لعله راجع ثانية فيتوضأ .


    و كانت " زهرة " أكثر العذارى بكاء ، هي الوحيدة منهن التي كلمته .
    - ماذا أسر لك يا زهرة ؟
    تسألها العذارى و يلححن .

    و تتكتم زهرة ، تتكتم كما أسرت لأمها أول مرة حين أربكها فيضان شلال الخصوبة فتلمست حدائق ربيعها و عانقت ضفائرها الطويلة . و حين ينام الناس يشتعل حنينها المبهم فتوقد شمعة و تتهيأ ،فإذا تراقص النور على الجسد البهي و انسكبت الظلال بين انحناءاته نثرت ليل شعرها و جثت تصلي صلاة الغائب .


    لم يكن رجال القرية على علم بشأن العذارى . قالت الحيزبون : لو علم الرجال ما نصنع كل جمعة لذبحونا جميعا .


    لكن رجال القرية كانوا في شغل بالإمام . قالوا : ندخله الدائرة ، سيمكو مثلنا في الصلاة ، سيمكو رويدا رويدا ... هه هه هه هه ... و كان ضحكهم فراغا مجلجلا .


    حين أحس الإمام أنه سيدخل الدائرة قليلا قليلا انتحر .

    قالت الحيزبون إنه شنق نفسه في شجرة الدموع ، و إنهم أخذوا جثته فجرا و اجتثوا الزيتونة ، و إن اللعنة قد حلت .
    وقضت اليوم كله تلطخ جدران القرية بالحناء تستمطر الرحمة بالأطفال و العذارى .


    و لم تعد تخرج بالعذارى للبكاء ، لكن " زهرة " ظلت تركب حلمها ، جسدها المتوثب ، عطر أنوثتها العميق . و إذا التهب الجسد المتوهج و نام الرجال فعلا شخيرهم و قد تكوروا و دسوا أيديهم بين أفخاذهم انسلت من مخدعها و انتصبت تحت الشلال المتفجر من قلب الجبل ، يغمرها الماء مداعبا فيضانها ، يتوثب الجسد ممتلئا بالنشوة ، يرقص على إيقاع الشلال . و يعانق ذراعاها البيضاوان الفرح البعيد ، يتسلل الماء بين نهديها ، يتجمع بين كفيها ، يتسرب خلال أصابعها و ينحدر صوب البحر.


    و شكل أهل القرية إماما جديدا صلى معهم بلا وضوء ، و إذا صفروا عوى و رقص ، فيضحكون و يضحكون ، حتى إذا انقطع فيهم النفس مالوا على بعضهم ضربا بالأكف و أغرقوا من جديد في ضحك نحاسي .

    لم يهتد الدرك إلى أي خيط يربطهم بالغامض المختفي و الإمام المنتحر . و أعياهم الأمر فقرروا استجواب الحيزبون .لكن هذه الأخيرة قيل ذهب عقلها ، فقد أبصرها أهل القرية و قد حلقت شعرها و خلعت حذاءها و مشت صوب الغابة في صمت و انجذاب ، ولم يظهر لها بعدها أثر .


    سكبت آخر الدمعات و انحدرت مع الشلال صوب البحر .
    على رمل الشاطئ الرمادي الداكن كانت منثورة مثل وردة مبعثرة . كان الموج قد غسلها فألصق خصلات شعرها الناعم بوجهها العذب .


    هناك اجتمع أهل القرية يتمزق الرمل الكالح تحت أقدامهم ، تكفهر عيونهم بظلام السنين القادم من سحيق الزمن و لسان حالهم يفح : " كيف تتجرأ العاهر فتخرج عن العادة فتفرش نفسها على الشاطئ و تموت ؟؟؟"

    لفوا في المكان و داروا ، ثم قرروا حمل الجثة في أسرع وقت قبل أن يتدخل الدرك . أما والد " زهرة " فقد أنذر ألا يخرج للناس حولا كاملا خجلا و عارا .

    و عاد رجال القرية من الوادي مسرعين ، وقد ظنوا أنهم أخفوا أمر زهرة ، وما كادوا يبلغون القرية حتى صك أسماعهم زغاريد العذارى من كل النوافذ . لقد افتضح أمرهم إذ أحرقوا جثمان زهرة و ذروا رمادها في النهر .

    و أرعد كل أب ليؤدبن ابنته .


    0ّّ000000000000


    و دقت رأسي ثالثة على الجدار : اعترف الآن ، خير لك أن تعترف .

    لا ، لست أنا ...
    أنا أخذت تعييني من وزارة التربية و جئت رأسا إلى هنا متعهدا ألا أخوض في شيء .

    جئت هاربا من كل الجهات ، من طفولتي ، من ضياعي ، من كارل ماركس و لينين ، من الاتحاد العام للشبيبة الجزائرية و حملات التطوع الشتوي و الصيفي ، من الطاهر وطار و العشق و الموت في الزمن الحراشي ، من وجودية سارتر و عبثية كامي ، من صخرة سيزيف ، من الإخوان المسلمين و حسن البنا ، من السيد قطب و جاهلية القرن العشرين ، من سجني البرواقية و سركاجي حيث عصرونا خليطا إخوانا على شيوعيين على أمازيغ ، أخضر على أحمر على أصفر ، هاربا من نفسي و أجدادي ، من البوليس السري يحصي علي أنفاسي .

    حين دخلت البلدة أول مرة استقبلني الذباب و رائحة الأنوثة المحنطة . تجمع حولي الأطفال ثم توزعوا مثل النمل . أنا الآخر كنت أتوزع في الأزقة .
    كان ظلي يلهث يجوب معي مداخل البلدة و مخارجها ، هذه الفاتنة المنحوتة بإزميل الزمن اتخذت الجبل متكأ و مدت ساقيها يغسلهما البحر بالرذاذ و الزبد .توقفت أمام شلالها فأخذني اندفاعه و محاولته أن يقول . استحممت و صليت بقلبي للذين لم يولدوا بعد ، و سمعت ظلي يئن منسحقا تحت عجلات الشمس المنسحبة خلف البحر ، و قادني الغروب إلى بوابة المسجد حيث وجدت القوم يزمزمون و الإمام يقلب عينيه في حيرة ، ثم دفعني السأم إلى غرفتي .

    عندما أشرق النهار كان حديث الناس عن غريب دخل القرية و اختفى . و تساءلت معهم من يكون ؟ و خمنت ، قد يكون غودو ، زادشت ، حمدان قرمط ، المهدي المنتظر ، أبا ذر الغفاري ... ثم مات الحديث في قلبي مثلهم ، و عاودني القرف . رأيت الجموع في السوق تثرثر ضد الجفاف و الزمن ، يتكبكبون ، يلفون في موضعهم و ينفخون .

    في تلك الليلة حاصرني الأرق ، رفضني السرير فعاندته ، تكورت و دفنت رأسي تحت المخدة ، أسدلت ستائر قلبي فتصدعت جدران روحي . أوحشني صراخ قلبي في العتمة ، و استحال السرير آلة استنطاق وحشية فأسلمت رجلي للطريق البحري المصطخب . هناك كان ظلي يصرخ في : سئمت من تيهك ، من دروبك ، أين الطريق ؟ متى الخلاص ؟ أين المنقذ الذي تزعم ؟؟؟؟؟؟

    في الزيتونة أبصرت الرجل يقترب، في يده حبل من قنب ، شد طرفه بأقصى الشجرة ، ثم نزل غصنا أدنى، شكل مشنقة ، خلع الحذاء و تمتم : " و النجم إذا هوى " ثم انزلق و تدلى قاب قوسين أو أدنى .

    و أشرق النهار فتحدث الصبيان عن الإمام المنتحر ، عن جثته المخبأة ، عن الزيتونة المقتلعة . و كان القوم يتكبكبون في الساحة و يلفون و قد أنذروا اليوم للصمت .

    في الساعة الصفرمن ليلة البارحة صليت للإمام المنتحر ، ثم لفظني المأوى فاحتضنني الطريق البحري المرذرذ و أسلمني للشلال في قلب الجبل .

    من النبع إلى المصب تبددت كآبة العالم ، تأرجح القمر قريبا فشع الماء حقلا من ذهب ، و غمرني شذى الخوخ و العنب ، و نسيم الليل المضمخ بالبراءة و التعب ، و ناداني السر فلبيت النداء ، خلعت من قدمي الحذاء ، رشنا البحر بالرذاذ و الزبد ، غطانا الموج و انحسر ، وقع حضورنا نجمتان و قمر ، وتلمست المعالم فكنا واحدا ، واحدا لا ينكسر .

    في الصباح قيل إنهم وجدوها على الشاطئ ميتة ، ولم أصدق النبأ ، وزججتم بي في هذه الغرفة و قلتم أنت قاتل الإمام في الشجرة و مغتصب زهرة ثم قاتلها في البحر ، ثم قلتم اعترف .
    و ها أنا قد قلت .


    قهقه فيما يشبه ضحكاتهم النحاسية ثم قدم إلي التقرير و قد فرخ أسئلة .رأيت كلماتي مذبوحة بخط دقيق فأطبقت شفتي ، و كانوا يعدون آلة الاستنطاق ...
    التعديل الأخير تم بواسطة خليف محفوظ; الساعة 30-06-2010, 18:25.
  • محمد فطومي
    رئيس ملتقى فرعي
    • 05-06-2010
    • 2433

    #2
    الأستاذ الأديب خليف محفوظ
    يضيق بي التّعبير و لا أجد ما أقول ،عدا أنّ "الغياب" ليست قصّة قصيرة؛إنّها قصّة كبيرة ،كُتبت بقلم كبير.
    ألف شكر أستاذ على الإرهاق الّلذيذ.
    مدوّنة

    فلكُ القصّة القصيرة

    تعليق

    • عائده محمد نادر
      عضو الملتقى
      • 18-10-2008
      • 12843

      #3
      خليف محفوظ
      أيها الأديب الرائع
      من أين جئتني بهذه الزهرة التي غابت
      ابتلعتها موجة لم تكن تريد سوى غسل جثمانها
      أغابت أم غيبت
      موجعة خليف
      وهذا السر الذي أودعته بين طيات صدرها عن الغريب
      سيأخذون منه الإعتراف شاء أم أبى
      وسيحضرون الأعذار ويدمغونه بها
      أنهرب من أقدارنا لنجدها تنتظرنا
      رائعة بعد غيبتك
      كم أحببت أن يكونا نجمتين وقمخر.. تعبير مدهش
      أسعدني وجودك أديبنا الغالي
      كن بخير دوما
      ودي الأكيد ومحبتي لك

      عين؛ وأنف؛ وصوت؛
      عين؛ وأنف؛ وصوت عرفني امرأة سريعة العطب! أكاد لا أميز الأسود من الأبيض حين أغضب، أفقد صوابي ولا أعود أتذكر حتى إنسانيتي.. هكذا عودتني أيامي. أعب كؤوسا مترعة من الهم، أتجرعها شئت أم أبيت فهذي حياتي، مذ عرفت طريق الليل أسيره وحيدة بين وجوه غريبة عني، وأياد تدفع لتدلف باب غرفتي الموارب تتلمس جسدي الذي لم أعد أملكه، تشتري مني
      الشمس شمسي والعراق عراقي ..ماغير الدخلاء من أخلاقي .. الشمس شمسي والعراق عراق

      تعليق

      • أمل ابراهيم
        أديبة
        • 12-12-2009
        • 867

        #4
        المشاركة الأصلية بواسطة خليف محفوظ مشاهدة المشاركة
        الغياب
        خليف محفوظ


        قالت الحيزبون إنه عبر القرية كشعاع أومض في الظلمة ، توضأ بدموع العذارى و صلى الفرح ليلة شتاء . لم تستغرق صلاته إلا مقدار ما يهمس الفتى لفتاته ثم اختفى .


        تحدث عنه أهل القرية مختلف الحديث :
        قيل ولي صالح شوهد على الساحل يسبح لله و السمك في البحر يرد عليه بلسان فصيح .
        وقيل ساحر شوهد يضع يده على خشبة فوق دكة حانوت فتورق و تزهر .
        و قيل معتوه سمع يخطب في صبية تحلقوا حوله يحثهم على أن يطيروا و يمسكوا بالشمس و النجوم .


        أياما ثم مات الحديث و انشغل رجال القرية بحياتهم . عادوا يغرقون في العادة و الصخب ، في التجمع مساء بساحة المسجد ، في صلاة المغرب بلا وضوء ، فإذا ركعوا صفروا و نطح بعضهم بعضا . حتى إذا علا الصفير و ألغى الإمام الصلاة و حمل حذاءه بيمناه أحاطوا به و ضحكوا بعيون بليدة و قالوا : صل لربك إنما نحن مازحون.


        و ظل الدرك يقظا يمد خيوطه للكشف عن الغريب الغامض المختفي .

        أما عذارى القرية فكن وحدهن اللاتي يذكرنه في صمت ، فإذا جن الليل وقفن باكيات خلف قضبان النوافذ يتطلعن إلى الدروب المنحدرة من الجبل الملتوية مع الجداول صوب البحر .


        قالت الحيزبون : لا يذهب البكاء بأبصاركن ، ساعة توضأ بدموعكن تحت الزيتونة أشار إلى رحيله الطويل ، لكنه لا محالة راجع يتزوج إحداكن تنجب له قمرا ينير ظلمة البلد .


        و كانت تأخذهن كل جمعة - إذا صلى الرجال خلف الإمام و صفروا و تناطحوا - تأخذهن إلى الزيتونة يتحلقن حول جفنة كبيرة و ينحن . تتجمع الدموع في الجفنة قطرة قطرة ، لعله راجع ثانية فيتوضأ .


        و كانت " زهرة " أكثر العذارى بكاء ، هي الوحيدة منهن التي كلمته .
        - ماذا أسر لك يا زهرة ؟
        تسألها العذارى و يلححن .

        و تتكتم زهرة ، تتكتم كما أسرت لأمها أول مرة حين أربكها فيضان شلال الخصوبة فتلمست حدائق ربيعها و عانقت ضفائرها الطويلة . و حين ينام الناس يشتعل حنينها المبهم فتوقد شمعة و تتهيأ ،فإذا تراقص النور على الجسد البهي و انسكبت الظلال بين انحناءاته نثرت ليل شعرها و جثت تصلي صلاة الغائب .


        لم يكن رجال القرية على علم بشأن العذارى . قالت الحيزبون : لو علم الرجال ما نصنع كل جمعة لذبحونا جميعا .


        لكن رجال القرية كانوا في شغل بالإمام . قالوا : ندخله الدائرة ، سيمكو مثلنا في الصلاة ، سيمكو رويدا رويدا ... هه هه هه هه ... و كان ضحكهم فراغا مجلجلا .


        حين أحس الإمام أنه سيدخل الدائرة قليلا قليلا انتحر .

        قالت الحيزبون إنه شنق نفسه في شجرة الدموع ، و إنهم أخذوا جثته فجرا و اجتثوا الزيتونة ، و إن اللعنة قد حلت .
        وقضت اليوم كله تلطخ جدران القرية بالحناء تستمطر الرحمة بالأطفال و العذارى .


        و لم تعد تخرج بالعذارى للبكاء ، لكن " زهرة " ظلت تركب حلمها ، جسدها المتوثب ، عطر أنوثتها العميق . و إذا التهب الجسد المتوهج و نام الرجال فعلا شخيرهم و قد تكوروا و دسوا أيديهم بين أفخاذهم انسلت من مخدعها و انتصبت تحت الشلال المتفجر من قلب الجبل ، يغمرها الماء مداعبا فيضانها ، يتوثب الجسد ممتلئا بالنشوة ، يرقص على إيقاع الشلال . و يعانق ذراعاها البيضاوان الفرح البعيد ، يتسلل الماء بين نهديها ، يتجمع بين كفيها ، يتسرب خلال أصابعها و ينحدر صوب البحر.


        و شكل أهل القرية إماما جديدا صلى معهم بلا وضوء ، و إذا صفروا عوى و رقص ، فيضحكون و يضحكون ، حتى إذا انقطع فيهم النفس مالوا على بعضهم ضربا بالأكف و أغرقوا من جديد في ضحك نحاسي .

        لم يهتد الدرك إلى أي خيط يربطهم بالغامض المختفي و الإمام المنتحر . و أعياهم الأمر فقرروا استجواب الحيزبون .لكن هذه الأخيرة قيل ذهب عقلها ، فقد أبصرها أهل القرية و قد حلقت شعرها و خلعت حذاءها و مشت صوب الغابة في صمت و انجذاب ، ولم يظهر لها بعدها أثر .


        سكبت آخر الدمعات و انحدرت مع الشلال صوب البحر .
        على رمل الشاطئ الرمادي الداكن كانت منثورة مثل وردة مبعثرة . كان الموج قد غسلها فألصق خصلات شعرها الناعم بوجهها العذب .


        هناك اجتمع أهل القرية يتمزق الرمل الكالح تحت أقدامهم ، تكفهر عيونهم بظلام السنين القادم من سحيق الزمن و لسان حالهم يفح : " كيف تتجرأ العاهر فتخرج عن العادة فتفرش نفسها على الشاطئ و تموت ؟؟؟"

        لفوا في المكان و داروا ، ثم قرروا حمل الجثة في أسرع وقت قبل أن يتدخل الدرك . أما والد " زهرة " فقد أنذر ألا يخرج للناس حولا كاملا خجلا و عارا .

        و عاد رجال القرية من الوادي مسرعين ، وقد ظنوا أنهم أخفوا أمر زهرة ، وما كادوا يبلغون القرية حتى صك أسماعهم زغاريد العذارى من كل النوافذ . لقد افتضح أمرهم إذ أحرقوا جثمان زهرة و ذروا رمادها في النهر .

        و أرعد كل أب ليؤدبن ابنته .


        0ّّ000000000000


        و دقت رأسي ثالثة على الجدار : اعترف الآن ، خير لك أن تعترف .

        لا ، لست أنا ...
        أنا أخذت تعييني من وزارة التربية و جئت رأسا إلى هنا متعهدا ألا أخوض في شيء .

        جئت هاربا من كل الجهات ، من طفولتي ، من ضياعي ، من كارل ماركس و لينين ، من الاتحاد العام للشبيبة الجزائرية و حملات التطوع الشتوي و الصيفي ، من الطاهر وطار و العشق و الموت في الزمن الحراشي ، من وجودية سارتر و عبثية كامي ، من صخرة سيزيف ، من الإخوان المسلمين و حسن البنا ، من السيد قطب و جاهلية القرن العشرين ، من سجني البرواقية و سركاجي حيث عصرونا خليطا إخوانا على شيوعيين على أمازيغ ، أخضر على أحمر على أصفر ، هاربا من نفسي و أجدادي ، من البوليس السري يحصي علي أنفاسي .

        حين دخلت البلدة أول مرة استقبلني الذباب و رائحة الأنوثة المحنطة . تجمع حولي الأطفال ثم توزعوا مثل النمل . أنا الآخر كنت أتوزع في الأزقة .
        كان ظلي يلهث يجوب معي مداخل البلدة و مخارجها ، هذه الفاتنة المنحوتة بإزميل الزمن اتخذت الجبل متكأ و مدت ساقيها يغسلهما البحر بالرذاذ و الزبد .توقفت أمام شلالها فأخذني اندفاعه و محاولته أن يقول . استحممت و صليت بقلبي للذين لم يولدوا بعد ، و سمعت ظلي يئن منسحقا تحت عجلات الشمس المنسحبة خلف البحر ، و قادني الغروب إلى بوابة المسجد حيث وجدت القوم يزمزمون و الإمام يقلب عينيه في حيرة ، ثم دفعني السأم إلى غرفتي .

        عندما أشرق النهار كان حديث الناس عن غريب دخل القرية و اختفى . و تساءلت معهم من يكون ؟ و خمنت ، قد يكون غودو ، زادشت ، حمدان قرمط ، المهدي المنتظر ، أبا ذر الغفاري ... ثم مات الحديث في قلبي مثلهم ، و عاودني القرف . رأيت الجموع في السوق تثرثر ضد الجفاف و الزمن ، يتكبكبون ، يلفون في موضعهم و ينفخون .

        في تلك الليلة حاصرني الأرق ، رفضني السرير فعاندته ، تكورت و دفنت رأسي تحت المخدة ، أسدلت ستائر قلبي فتصدعت جدران روحي . أوحشني صراخ قلبي في العتمة ، و استحال السرير آلة استنطاق وحشية فأسلمت رجلي للطريق البحري المصطخب . هناك كان ظلي يصرخ في : سئمت من تيهك ، من دروبك ، أين الطريق ؟ متى الخلاص ؟ أين المنقذ الذي تزعم ؟؟؟؟؟؟

        في الزيتونة أبصرت الرجل يقترب، في يده حبل من قنب ، شد طرفه بأقصى الشجرة ، ثم نزل غصنا أدنى، شكل مشنقة ، خلع الحذاء و تمتم : " و النجم إذا هوى " ثم انزلق و تدلى قاب قوسين أو أدنى .

        و أشرق النهار فتحدث الصبيان عن الإمام المنتحر ، عن جثته المخبأة ، عن الزيتونة المقتلعة . و كان القوم يتكبكبون في الساحة و يلفون و قد أنذروا اليوم للصمت .

        في الساعة الصفرمن ليلة البارحة صليت للإمام المنتحر ، ثم لفظني المأوى فاحتضنني الطريق البحري المرذرذ و أسلمني للشلال في قلب الجبل .

        من النبع إلى المصب تبددت كآبة العالم ، تأرجح القمر قريبا فشع الماء حقلا من ذهب ، و غمرني شذى الخوخ و العنب ، و نسيم الليل المضمخ بالبراءة و التعب ، و ناداني السر فلبيت النداء ، خلعت من قدمي الحذاء ، رشنا البحر بالرذاذ و الزبد ، غطانا الموج و انحسر ، وقع حضورنا نجمتان و قمر ، وتلمست المعالم فكنا واحدا ، واحدا لا ينكسر .

        في الصباح قيل إنهم وجدوها على الشاطئ ميتة ، ولم أصدق النبأ ، وزججتم بي في هذه الغرفة و قلتم أنت قاتل الإمام في الشجرة و مغتصب زهرة ثم قاتلها في البحر ، ثم قلتم اعترف .
        و ها أنا قد قلت .


        قهقه فيما يشبه ضحكاتهم النحاسية ثم قدم إلي التقرير و قد فرخ أسئلة .رأيت كلماتي مذبوحة بخط دقيق فأطبقت شفتي ، و كانوا يعدون آلة الاستنطاق ...
        الاديب الرائع خليف محفوظ
        اسعدت مسأء
        قرأت ما كتبت وأدهشتني القصة والزهرة وشيء غريب الذي تطرقته يااديبنا الفاضل اسعدني المرور تحية طيبه
        درت حول العالم كله.. فلم أجد أحلى من تراب وطني

        تعليق

        • ربيع عقب الباب
          مستشار أدبي
          طائر النورس
          • 29-07-2008
          • 25792

          #5
          من قال أنها قصة قصيرة خليف المدهش ؟
          من يستطيع أن يطلق عليها ولو كان أنت ؟
          هذه ملحمة شعرية الروح و الجسد و العالم
          أتت هنا لترينا طعم الجمال الذى تضخه فينا
          و تستدعى غيرتنا بها ، لنقول أن ما نكتب هراء ،
          و علينا أن نجدد أدواتنا ، و أن نتعلم .. من جديد !

          هذه الرواية الملحمية القصيرة التى حفلت بالغرائب و السحري
          لا يمكن أن تحيط بما تحمل قراءة واحدة عابرة ، لا يمكن بأية حال
          خاصة أنك لم تجعل الأمر محلقا فى السحاب ، يعانق الندى
          و لكنك نزلت به أرضا حيث الاكتناز ، يقع ما بين العائد من غيابه
          و بين الإمام .. و الإمام المصطنع !!

          لي وقفة مع هذه القطعة المبدعة و المدهشة لأتعلم من لغتك
          و ما أقمت من عالم جدير باهتمامنا ، و انشغالنا ، و اشتغالنا به !!

          هنيئا لك بهذه الرائعة أخي الكبير خليف محفوظ
          و أنت تتجاوز فيها الكثير من عالمك الذي تعودناه
          و إن تلمسنا فيه بذورا حية للابداع المدهش !!

          محبتي أخي الكبير
          و لي عودة لو أذنت لي !!
          sigpic

          تعليق

          • آسيا رحاحليه
            أديب وكاتب
            • 08-09-2009
            • 7182

            #6
            نصٌ مدهش..فكرةً و لغةً و بناءً .
            أسجّل إعجابي.
            تحيّتي.
            يظن الناس بي خيرا و إنّي
            لشرّ الناس إن لم تعف عنّي

            تعليق

            • خليف محفوظ
              أديب ومفكر
              • 10-05-2009
              • 88

              #7
              المشاركة الأصلية بواسطة محمد فطومي مشاهدة المشاركة
              الأستاذ الأديب خليف محفوظ
              يضيق بي التّعبير و لا أجد ما أقول ،عدا أنّ "الغياب" ليست قصّة قصيرة؛إنّها قصّة كبيرة ،كُتبت بقلم كبير.
              ألف شكر أستاذ على الإرهاق الّلذيذ.
              الأستاذ محمد فطومي تحية طيبة

              شكرا لك على القراءة و على هذا الحضور الجميل
              شهادة أعتز بها
              لك مودتي و تقديري .

              تعليق

              • خليف محفوظ
                أديب ومفكر
                • 10-05-2009
                • 88

                #8
                المشاركة الأصلية بواسطة عائده محمد نادر مشاهدة المشاركة
                خليف محفوظ
                أيها الأديب الرائع
                من أين جئتني بهذه الزهرة التي غابت
                ابتلعتها موجة لم تكن تريد سوى غسل جثمانها
                أغابت أم غيبت
                موجعة خليف
                وهذا السر الذي أودعته بين طيات صدرها عن الغريب
                سيأخذون منه الإعتراف شاء أم أبى
                وسيحضرون الأعذار ويدمغونه بها
                أنهرب من أقدارنا لنجدها تنتظرنا
                رائعة بعد غيبتك
                كم أحببت أن يكونا نجمتين وقمخر.. تعبير مدهش
                أسعدني وجودك أديبنا الغالي
                كن بخير دوما
                ودي الأكيد ومحبتي لك

                عين؛ وأنف؛ وصوت؛
                http://www.almolltaqa.com/vb/showthread.php?t=57245
                المبدعة القديرة عايدة محمد نادر سلاما جميلا

                أسعدني تعقيبك الحافل بالحس الأدبي الرفيع و الحس الإنساني النبيل

                لك عميق مودتي و عظيم احترامي

                تعليق

                • إيمان الدرع
                  نائب ملتقى القصة
                  • 09-02-2010
                  • 3576

                  #9
                  الأستاذ الفاضل:خليف محفوظ : صباحك مبارك:
                  في نصّك ..أسرارٌ كثيرة قيلت ..ولكنها ماتت مع أصحابها
                  و أودعت في : الماء،والنار،والهواء..
                  الماء الذي غيّب النجمتين والقمر..
                  النار التي أحرقت زهرة ، فأصاب رمادها كلّ العذارى
                  والهواء الذي أفسد حياة البشر
                  حيث يقتلون الحبّ في القلب
                  حتى الصلاة يلجمون توقّدها في لحظة التحام الّروح بالسماء
                  كلّ النهايات كانت متاحة للغياب..
                  إلاّ هذا الساكن الغريب الذي هزّ القلوب بعمقٍ فعرّى مكنوناتها..
                  هذا المقيم بقوّة لن تزول..
                  حتى وإن غادر، حتى وإن غاب..
                  نصّ فيه كلّ الإبداع أخي الغالي خليف ..
                  يرخص أمامه كلّ الذهب..
                  دُمتَ... بسعادةٍ تحياتي..

                  تعيش وتسلم يا ااااااوطني ...يا حبّ فاق كلّ الحدود

                  تعليق

                  • خليف محفوظ
                    أديب ومفكر
                    • 10-05-2009
                    • 88

                    #10
                    المشاركة الأصلية بواسطة أمل ابراهيم مشاهدة المشاركة
                    الاديب الرائع خليف محفوظ
                    اسعدت مسأء
                    قرأت ما كتبت وأدهشتني القصة والزهرة وشيء غريب الذي تطرقته يااديبنا الفاضل اسعدني المرور تحية طيبه
                    عظيم امتناني الأستاذة أمل ابراهيم لكرم حضورك ، طيب تعقيبك .

                    تقبلي تحيتي و تقديري

                    تعليق

                    • خليف محفوظ
                      أديب ومفكر
                      • 10-05-2009
                      • 88

                      #11
                      المشاركة الأصلية بواسطة ربيع عقب الباب مشاهدة المشاركة
                      من قال أنها قصة قصيرة خليف المدهش ؟
                      من يستطيع أن يطلق عليها ولو كان أنت ؟
                      هذه ملحمة شعرية الروح و الجسد و العالم
                      أتت هنا لترينا طعم الجمال الذى تضخه فينا
                      و تستدعى غيرتنا بها ، لنقول أن ما نكتب هراء ،
                      و علينا أن نجدد أدواتنا ، و أن نتعلم .. من جديد !

                      هذه الرواية الملحمية القصيرة التى حفلت بالغرائب و السحري
                      لا يمكن أن تحيط بما تحمل قراءة واحدة عابرة ، لا يمكن بأية حال
                      خاصة أنك لم تجعل الأمر محلقا فى السحاب ، يعانق الندى
                      و لكنك نزلت به أرضا حيث الاكتناز ، يقع ما بين العائد من غيابه
                      و بين الإمام .. و الإمام المصطنع !!

                      لي وقفة مع هذه القطعة المبدعة و المدهشة لأتعلم من لغتك
                      و ما أقمت من عالم جدير باهتمامنا ، و انشغالنا ، و اشتغالنا به !!

                      هنيئا لك بهذه الرائعة أخي الكبير خليف محفوظ
                      و أنت تتجاوز فيها الكثير من عالمك الذي تعودناه
                      و إن تلمسنا فيه بذورا حية للابداع المدهش !!

                      محبتي أخي الكبير
                      و لي عودة لو أذنت لي !!
                      الأستاذ الكبير ربيع عبد الرحمن حضورك علامة مميزة تنشدها النصوص .

                      شكرا جزيلا على هذه الشهادة التي دمغت بها نصي

                      و أستغفر الله العظيم ، إنما منك نتعلم أيها المبدع الأصيل

                      تقبل عميق مودتي و عظيم احترامي و تقديري

                      تعليق

                      • خليف محفوظ
                        أديب ومفكر
                        • 10-05-2009
                        • 88

                        #12
                        المشاركة الأصلية بواسطة آسيا رحاحليه مشاهدة المشاركة
                        نصٌ مدهش..فكرةً و لغةً و بناءً .
                        أسجّل إعجابي.
                        تحيّتي.
                        الأستاذة آسيا رحاحلية سرني حضورك ، و ما أدليت به من انطباع حول نص " الغياب " لا غبت عن هذا الحضور الجميل .
                        تقبلي تحيتي و تقديري.

                        تعليق

                        • خليف محفوظ
                          أديب ومفكر
                          • 10-05-2009
                          • 88

                          #13
                          المشاركة الأصلية بواسطة إيمان الدرع مشاهدة المشاركة
                          الأستاذ الفاضل:خليف محفوظ : صباحك مبارك:
                          في نصّك ..أسرارٌ كثيرة قيلت ..ولكنها ماتت مع أصحابها
                          و أودعت في : الماء،والنار،والهواء..
                          الماء الذي غيّب النجمتين والقمر..
                          النار التي أحرقت زهرة ، فأصاب رمادها كلّ العذارى
                          والهواء الذي أفسد حياة البشر
                          حيث يقتلون الحبّ في القلب
                          حتى الصلاة يلجمون توقّدها في لحظة التحام الّروح بالسماء
                          كلّ النهايات كانت متاحة للغياب..
                          إلاّ هذا الساكن الغريب الذي هزّ القلوب بعمقٍ فعرّى مكنوناتها..
                          هذا المقيم بقوّة لن تزول..
                          حتى وإن غادر، حتى وإن غاب..
                          نصّ فيه كلّ الإبداع أخي الغالي خليف ..
                          يرخص أمامه كلّ الذهب..
                          دُمتَ... بسعادةٍ تحياتي..
                          إيمان الدرع أيتها القاصة المبدعة غمرني حضورك بالمسرة
                          قراءتك المفصلية منحت نصي صفاء و شفافية
                          فتحية لهذا الذوق الرفيع .

                          تقبلي مودتي و احترامي

                          تعليق

                          • ربيع عقب الباب
                            مستشار أدبي
                            طائر النورس
                            • 29-07-2008
                            • 25792

                            #14
                            يظل للجمال رحيق وبهاء
                            يجتذب أمثالي من المهوسين بالفن الجميل
                            كل سطر هنا حمل جديدا ،
                            وجزء ا من عالم !!


                            محبتي

                            لا تبتعد خليف .. كن معنا نتجمل بك
                            sigpic

                            تعليق

                            • ناريمان الشريف
                              مشرف قسم أدب الفنون
                              • 11-12-2008
                              • 3454

                              #15
                              قصة تستحق القراءة والوقوف عليها ملياً
                              أدهشتني لغتك
                              أهنئك أخي الكريم



                              .... ناريمان
                              sigpic

                              الشـــهد في عنــب الخليــــل


                              الحجر المتدحرج لا تنمو عليه الطحالب !!

                              تعليق

                              يعمل...
                              X