[align=center]وردة ماتت[/align]
[align=center] سحب الكرسي مسافة نصف متر أو ما يزيد حتّى يتسنى لكرشه المترهل أن يثوي أمامه ، وجلس ... طفق يتمعن سطح الطاولة التي كانت خضراء قبل أن تصبح بلا لون ... أو على كلّ لون ... وكأنّه يكتشفها لأوّل مرّة : خطوط ورسوم وآثار حروق السجائر ، وحسابات " الدومنة " ، وبقايا من كل شيء : طعام وشاي وقهوة .. غرق في ذلك التأمل الأبله وكأنه غاب عن الوعي .. لم يوقظه من بلاهته سوى خرطوم " النارجيلة " يمتد إليه حتى لامس أرنبة أنفه الأحمر ، متآكل الأطراف ... مسك به كمن ظفر بكنز ... وألقمه فمه المقفر إلا من قاطعتين عاجزتين عن قطع الماء والهواء .. وكأنه طفل يستلم ثدي أمه . حملق في النادل المبتسم بعينين أحمرهما أكثر من بياضهما وسوادهما ، وسحب سحبة غرق بعدها في سعال أيقظ أحياء الحي وأمواته .. وصاح أحدهم : " اسحب موصّل الكهرباء وسيسكت .. " وصاح ثان : " لا لا بل السلف معطب فقط .. سيشتغل " وتعالت أصوات قهقهة ماجنة عابثة يصاحبها ضرب عنيف على الأفخاذ والركب ، وقرقعة الكراسي والطاولات .. ولم يعر جوابا سوى أنّه حك جانب بطنه بخرطوم " النارجيلة " في يسراه ،، ومسك بيمناه مسند الكرسي وطفق يسحب فيسعل فيسحب ...
- ورد يا ورد
انتبه لصوتها ، فانتفضت كلّ خلاياه .. حتى كاد يسقط من فوق الكرسي وقد غطاه جميعا فبدا وكأنه مقرفص في الهواء ...
واقترب النداء " ورد يا ورد " ، فتهللت أساريره ، ورفّ شارباه المبيضان تماما ، إلا من خضال " النارجيلة " ودهن الطعام عند أطراف شعيراتهما .
واقتربت " وردة " تمد له سلة ورد يانع .
" إنها طفلة ، طفلة . بكل ما في الطفولة من سكر وعسل ، جميلة جمال الصباح في الحقول المقمرة ، جميلة جدا إلى حد الرهبة .. شعرها ... يا لشعرها .. انظر إلى ذلك الشلال الثائر ضد كل نظام ...وأظفارها سوداء طويلة .. لكنها جميلة جدا جمال مخالب هرة يانعة .. ثوبها بلا لون ... لكنها إحدى تحف هذه المدينة .. أسنانها صفراء لم تنظف مذ ولدت ولكن ابتسامتها من ضياء الشمس .. قدماها حافيتان .. لكنها فاتنة .. بل مرعبة .. روعة كما تكون الطفلة في مثل سنها .. حلوة لذيذة ... شهية كما الورد الذي تبيعه "
التقط السلة منها وهي تميل برأسها يمنة ويسرة كجرو صغير يتابع توارد اللقيمات على فم سيده ، وأخرج كلّ ما في جيبه ومنحها إياه .
أخذت الدريهمات دون عجب أو شكر ، وركضت ، فناداها بحنان كما ينادي أب ابنته : " وردة " خذي السلة .. سلة الورد .. هي لك ..
- ولكن ...
- خذي حبيبتي ، الرجال في مثل شكلي وسني لا يحتاجون الورد .
وضحك كل من كان حوله كما العادة ليتكرر مشهد العبث والمجون من جديد . ولكن وردة ، وقد تعودت على تلك المشاهد ، اكتفت بأن مدت يدها الحميراء إلى السلة ، وغادرت تنادي : " ورد يا ورد " .
وقفت عند حافة رصيف المقهى ، والشارع الكبير أمامها مكتظ بكل شيء : مارة وسيارات وعربات وحيوانات وعراك وسب وشتم وضحك وصخب ..
فجأة ، وقفت سيارة في منتصف العمر ، فخمة لكن فخامتها معتقة قديمة ،، كاد حديدها يلامس بلاط الشارع رغم عظم عجلاتها .. " دبابة " كما علق أحد زبائن المقهى .. فتح السائق النافذة بيد مرتعشة ونادى " وردة " .. أخذ منها وردة حمراء وضعها خلف أذنه ومدّ لها ورقة نقدية خضراء .. نظرت فيها " وردة " نظرة الخائف منها ومن الرجل، تمهلت بعض الشيء وهي تحاول أن تتذكر أين رأت مثل هذا التمثال العظيم المرسوم على وجه الورقة النقدية ، ربما في تلفاز المقهى .. " ... لم تفرح بها رغم أنها أحست بقيمتها .. وأرادت أن تستدير إلى " صاحب الكرش " في المقهى ،، ولم تكد تفعل حتى ارتجت الدنيا ، واسودّ كلّ شيء .. وانقلبت الأرض كما تقلب إناء به أشياء مختلفة في الهواء .. كل شيء طار .. وكل شيء تحطم .. رؤوس الناس كما سلة الورد .. وإذا صراخ وعويل وركض في كل اتجاه .. هرب من الهرب ولجوء إلى العراء ...
جثا صاحبنا " صاحب الكرش " على ركبتيه وسيارة الإسعاف توقع الصراخ والعويل .. جثا مكان ما انفجرت " وردة " حتى لم يبق منها ما يدل على انفجارها ... كان يبكي بصمت رهيب .. فقط شارباه يرفان كما طير عجز على أن يجتث جسمه من الأرض ..
- ماله ؟ ! ماذا دهاه ؟! كم كان يحبها ؟!!
- يقال إنه يقسم أنها ابنته .. تعرفون أمها ...
- أستغفر الله .. وهل هذا وقته ؟
وقرفص أحدهم بقربه يحاول أن يوقفه .. فنظر إليه وبيده بقايا إحدى ورود " وردة " قائلا : " أتموت وردة ؟ "
- كلنا نموت ..
وسكت كل شيء فيه .. وعجزوا عن رفعه إلا بعد عناء . [/align]
[align=center] سحب الكرسي مسافة نصف متر أو ما يزيد حتّى يتسنى لكرشه المترهل أن يثوي أمامه ، وجلس ... طفق يتمعن سطح الطاولة التي كانت خضراء قبل أن تصبح بلا لون ... أو على كلّ لون ... وكأنّه يكتشفها لأوّل مرّة : خطوط ورسوم وآثار حروق السجائر ، وحسابات " الدومنة " ، وبقايا من كل شيء : طعام وشاي وقهوة .. غرق في ذلك التأمل الأبله وكأنه غاب عن الوعي .. لم يوقظه من بلاهته سوى خرطوم " النارجيلة " يمتد إليه حتى لامس أرنبة أنفه الأحمر ، متآكل الأطراف ... مسك به كمن ظفر بكنز ... وألقمه فمه المقفر إلا من قاطعتين عاجزتين عن قطع الماء والهواء .. وكأنه طفل يستلم ثدي أمه . حملق في النادل المبتسم بعينين أحمرهما أكثر من بياضهما وسوادهما ، وسحب سحبة غرق بعدها في سعال أيقظ أحياء الحي وأمواته .. وصاح أحدهم : " اسحب موصّل الكهرباء وسيسكت .. " وصاح ثان : " لا لا بل السلف معطب فقط .. سيشتغل " وتعالت أصوات قهقهة ماجنة عابثة يصاحبها ضرب عنيف على الأفخاذ والركب ، وقرقعة الكراسي والطاولات .. ولم يعر جوابا سوى أنّه حك جانب بطنه بخرطوم " النارجيلة " في يسراه ،، ومسك بيمناه مسند الكرسي وطفق يسحب فيسعل فيسحب ...
- ورد يا ورد
انتبه لصوتها ، فانتفضت كلّ خلاياه .. حتى كاد يسقط من فوق الكرسي وقد غطاه جميعا فبدا وكأنه مقرفص في الهواء ...
واقترب النداء " ورد يا ورد " ، فتهللت أساريره ، ورفّ شارباه المبيضان تماما ، إلا من خضال " النارجيلة " ودهن الطعام عند أطراف شعيراتهما .
واقتربت " وردة " تمد له سلة ورد يانع .
" إنها طفلة ، طفلة . بكل ما في الطفولة من سكر وعسل ، جميلة جمال الصباح في الحقول المقمرة ، جميلة جدا إلى حد الرهبة .. شعرها ... يا لشعرها .. انظر إلى ذلك الشلال الثائر ضد كل نظام ...وأظفارها سوداء طويلة .. لكنها جميلة جدا جمال مخالب هرة يانعة .. ثوبها بلا لون ... لكنها إحدى تحف هذه المدينة .. أسنانها صفراء لم تنظف مذ ولدت ولكن ابتسامتها من ضياء الشمس .. قدماها حافيتان .. لكنها فاتنة .. بل مرعبة .. روعة كما تكون الطفلة في مثل سنها .. حلوة لذيذة ... شهية كما الورد الذي تبيعه "
التقط السلة منها وهي تميل برأسها يمنة ويسرة كجرو صغير يتابع توارد اللقيمات على فم سيده ، وأخرج كلّ ما في جيبه ومنحها إياه .
أخذت الدريهمات دون عجب أو شكر ، وركضت ، فناداها بحنان كما ينادي أب ابنته : " وردة " خذي السلة .. سلة الورد .. هي لك ..
- ولكن ...
- خذي حبيبتي ، الرجال في مثل شكلي وسني لا يحتاجون الورد .
وضحك كل من كان حوله كما العادة ليتكرر مشهد العبث والمجون من جديد . ولكن وردة ، وقد تعودت على تلك المشاهد ، اكتفت بأن مدت يدها الحميراء إلى السلة ، وغادرت تنادي : " ورد يا ورد " .
وقفت عند حافة رصيف المقهى ، والشارع الكبير أمامها مكتظ بكل شيء : مارة وسيارات وعربات وحيوانات وعراك وسب وشتم وضحك وصخب ..
فجأة ، وقفت سيارة في منتصف العمر ، فخمة لكن فخامتها معتقة قديمة ،، كاد حديدها يلامس بلاط الشارع رغم عظم عجلاتها .. " دبابة " كما علق أحد زبائن المقهى .. فتح السائق النافذة بيد مرتعشة ونادى " وردة " .. أخذ منها وردة حمراء وضعها خلف أذنه ومدّ لها ورقة نقدية خضراء .. نظرت فيها " وردة " نظرة الخائف منها ومن الرجل، تمهلت بعض الشيء وهي تحاول أن تتذكر أين رأت مثل هذا التمثال العظيم المرسوم على وجه الورقة النقدية ، ربما في تلفاز المقهى .. " ... لم تفرح بها رغم أنها أحست بقيمتها .. وأرادت أن تستدير إلى " صاحب الكرش " في المقهى ،، ولم تكد تفعل حتى ارتجت الدنيا ، واسودّ كلّ شيء .. وانقلبت الأرض كما تقلب إناء به أشياء مختلفة في الهواء .. كل شيء طار .. وكل شيء تحطم .. رؤوس الناس كما سلة الورد .. وإذا صراخ وعويل وركض في كل اتجاه .. هرب من الهرب ولجوء إلى العراء ...
جثا صاحبنا " صاحب الكرش " على ركبتيه وسيارة الإسعاف توقع الصراخ والعويل .. جثا مكان ما انفجرت " وردة " حتى لم يبق منها ما يدل على انفجارها ... كان يبكي بصمت رهيب .. فقط شارباه يرفان كما طير عجز على أن يجتث جسمه من الأرض ..
- ماله ؟ ! ماذا دهاه ؟! كم كان يحبها ؟!!
- يقال إنه يقسم أنها ابنته .. تعرفون أمها ...
- أستغفر الله .. وهل هذا وقته ؟
وقرفص أحدهم بقربه يحاول أن يوقفه .. فنظر إليه وبيده بقايا إحدى ورود " وردة " قائلا : " أتموت وردة ؟ "
- كلنا نموت ..
وسكت كل شيء فيه .. وعجزوا عن رفعه إلا بعد عناء . [/align]
تعليق