وكأنما توقف كل شيء..اتسعت عيناه.. تجمدت يداه قابضة على نقود لا يدري كم أخذ.. وكم أعطى..
عض على حركة الوقت.. التفت إلى الخلف.. التهمت عيناه الطاولة والمكان..
طأطأ رأسه ثم عاد ينظر إلى النادل بخجل متصنعا ابتسامة.. لكنها حائرة.. ناوله ثمن فنجاني قهوة وسار مشيرا بيده:
لك.. ولي نكهة منها..
شكرا لك رددها عدة مرات.. لكنني لم أسمع لغير طيف كان
شكرا لله.. ورفع يديه ووجهه إلى السماء فدغدغه الرذاذ اللطيف المتساقط بهدوء وحنان.. ظل هكذا برهة يحرك رأسه ويبتسم للسماء والمطر كطفل عابث بريء.. حتى اغتسل من تعبه وقلقه.. وغربته..
سار بهدوء وبطء التحف حيرة يتوقف معها بين خطوة وأخرى للنظر يمنة ويسرة.. وخلفه حتى وصل البوابة المفتوحة على الشارع، وما زالت نظراته معلقة هناك تبحث عنها.. أين ذهبت؟.. كيف اختفت؟.. رائعة كانت تشع نورا وبهاءا!..كأنها حور عين.. لا بد أنها كانت على عجلة من أمرها فأنا أعرف ظروفها المقلقة
جيد أنها استطاعت المجيء..
السرور الذي حط في قلبه.. نتج عنه نشوة طارت به إلى باب بيته دون أن يشعر
تذكر محاضرات جامعته فقرر النوم من أجل الاِستيقاظ باكرا.. مع منبه لا يمقته.. استلقى فترة غير بسيطة على سرير الأمل وأحلام اليقظة تراوده فيسرح معها ما شاء.. ثم يعود يستجلب النوم يصارعه على كافة الأوضاع؛ تارة على شقه الأيمن أو الأيسر.. وتارة على ظهره أو وجهه.. وفي كل مرة يقع النوم صريعا لتفكيره الشارد فيستسلم ويمضي في سبيله.. قرر النهوض للدراسة استغلالا للوقت فيما يفيد.. ولكنه قبل أن ينهض شعر بجسده يطير عن السرير.. سمع ضجة.. فتح عينيه نظر.. فاذا هو مستلق على الأرض بجانب السرير.. حاول النهوض
ااااااااخ.. ركبتي.. تؤلمني.. لماذا؟!.. لا أذكر أني ارتطمت بشيء.. يبقى جالسا مكانه
يعتدل في جلسته.. يتكيء بظهره على سريره.. ينظر إلى النافذة وقد عبرت منها إلى الغرفة خيوط القمر بحيوية وبهاء -رغم شجرة الكرز المزهرة- محدثة إضاءات وظلالا شاعرية و انعكاسات هنا وهناك أضفت روحانية وسكينة على نفسه.. فجلس يتأمل ويأمل..
القمر والشجر.. كم هو خلاب!!..
وحرك رأسه برضا وامتنان ونظراته ملتصقة بالخيوط والظلال
نعم.. والسَحَرُ هو السِحْرُ الأزلي..
التفت مستغربا فإذا هي جالسة على السرير كملكة على عرشها
كيف؟.. متى؟.. هل؟.. وقد بدأ خافقه يضطرب
أجابت بصوت رقيق رقراق: كم هو منهك هذا الليل بعمق ظلام لا يعرف الدفء.. وأعرف أنني في النوم رائعة السهر.. أحتاج التحدث إليك...
وأنا أيضا.. أطرافي باهتة تبحث عن بريق همساتك عن الوردة بين الأمواج الجدباء طوال السنين.. كدت أغرق.. عدة مرات .. استوطن اليأس الشديد خلايا عقلي وقلبي.. فكانت حياتي كلها معزوفة مملة روتينية واحدة ؛ حزن وعذاب.. ولكن عندما ظهر نورك.. تبدد الليل.. وعلمت أن لي مشاعر وأحاسيس.. كانت بذرة تحت الأرض.. فأزهرت..
قالها وقد استدار نحوها بعيون استيقظت برشاقة الحب
المطر لا تبحث عنه أبدا يأتي هكذا.. ربما تأخر أو تقدم.. وقد لا يأتي ..لكن بدفء ما.. شيئا فشيئا يأتي.. في أي وقت.. بدون توقيت آه لو تعلم كم يأخذني ضجر يقلد الصمت قاحلة ترتدي صخب الرمال.. قالت بصوت منكسر وقد وضعت كفها على كتفه..
تناولها بحنان.. ضمها لصدره.. وقد اتجه بكليته نحوها جالسا على طرف السرير بجنبها:
ضيائي لهذا المساء مكسور، وأرضي تائهة بأفلاك مظلمة كنت أظن أني تذوقته في فترة المراهقة .. لكني لا أذكر أني شعرت هكذا..أبدا
النضوج له دور ولاعب أساسي في الوجدان.. وهذا ترف طال مكوثه بلحظ يطعم الحلم قمرا .... هل يكتمل!!..
مغروسة فيَّ منذ الأزل.. لن أسمح للخريف أن يلمس ورقة واحدة منها..
أرسل يده تداعب برفق خصلات شعرها وتربت على كتفها..
بينما تعامدت النظرات تلهب المسافة بينها بلهفة الشوق
سأحضر لك الوقت.. كل الوقت صاغرا .. تلاشي الفراغ تحت أقدامك..
ما هذا القلب! خلية عسل يداعب قيثارة الورد،لست أعرف لماذا يسرق البرق ألواني كلما رسمت حدائقي..
همست في نفسها: كأني أتدثر بالزهر..
أود أن أقترب من البريق.. أعطنيه واستلقي براحة فوق غيومي .. لن أستبدله بكل الكنوز.. فقد أغرقني النور..
كأنك تغير الكلمات قبل أن تغادر رصيف شفتي .. تحرك حرفا ساكنا بمسحة شفافة الظل..
دنا منها حتى لم تتبق مسافة تعبرها الهمسات
بدآ يشعران بحرارة أنفاسهما التي تختصر المسافة بينهما شيئا فشيئا
الخيال كما السماء بمساء رائع النجوم.. أهذا اعتراف الموج لشاطئ المرجان؟؟ رغم أنها تعرف الجواب مسبقا إلا إنها قالتها وأمسكت بيده تبحث عن هدوء لرعشة عصفت بها..
دعي الفجر يخطو أولى خطواته نحوي..خطوة واحدة..
أتابع الأمس كي أقترب من اليوم
تراقصت أغصان الكرز تشاغب خيوط القمر..
وتغزل ظلالها مع نسيم الصباح
انظري..!! الفراش و الأزهار والنهر لك.. الشاطئ والموج.. الغرق و الأرض ..
محبط.. يائس كل شيء بلا مطرك..
هل استعرت من الهواء أنفاسا قادمة من زمن بقرب غابات سكنت بسمة الضوء؟؟!!
كيف لا وقد استيقظ نومي في صباحك..!
هي مسحة موج يعرفها ويلمحها كل بحار..كيف يتسع النبض لإحساسك
تائه قبلك تعلق بردائك.. من له غيرك؟!..
تحترق الثواني بجنون أنفاس ناعمة في أروقة الأمنيات..
الاحتراق يكاد يقتلع النخيل المشتعل شوقا للمكوث في جنتك..
كلامك قصيد يلعق رضاب القمر
سأستغني عن ما تبقى من أجل ثانية يرتعش ظلها بقربك
باتجاهك تبحر أشرعة تذيب ثلجا سابحا في دم النار
شطآني تنتشي وتفيض بالحياة لوصول مركب الضوء
عواصف داخلية تجتاح كأسك..!!
ليس بيدي، فالبراكين تصهر الجبال تؤجج الأعاصير سأرتشف.. أروي عطشي ..أسقي شجرة قلبي.. طفل وجد ما لا يتركه لغيره..
أكلما أتقلص تتمدد أنت؟؟..
فوق الغيوم وأتمنى أن أقطف من وجه المساء ترياقا، عندها لا أستطيع الوصف.. هذا لي وحدي
قالها وقد استقالت المسافة من بين الشفاه..
تطاير الدخان من جوانب السرير..
مصطفى الصالح
03\07\2010
الجزء الأول لمن فاته
تعليق