توهّجت بأقصى قوّتها ،غمرت الربوع بأشعة حارقة ومركّزة ،غيرت وجه الحياة في الواحة ،
المدينة الصغيرة جدا أو لنقل القرية الكبيرة جدا بدت مبانيها وأزقتها كأنها من نحاس أحمر لامع ،حتى النخلات السامقة أحنت هاماتها لهذا الزوال اللاهب ،وهي تقاومه في صمت مذهل... المحطة فارغة بشكل مثير من روادها..
كل المسافرين في القطار، غادروا مقاعدهم إلا ّ أنا،دعتهم روائح الأفراخ المشوية وعبق النعناع المتصاعد من الكؤوس والأباريق...غادروا كلهم ألاّ أنا..بقيت أرقب حركاتهم من النافذة ،وهم تحت السقيفة يأكلون ..يشربون ..يمتصون سجائرهم بنشوة..يدردشون ...تذكرت آخر وجبة أكلتها قبل عشرين ساعة خلت ،تملكني الفزع.
الموقف أثار رجّة في أحشائي ،هاج الجوع بحدة في معدتي.
أمعائي فارغة تماما كما جيوبي..عصف بي الغضب والقلق...لكنني لجمت الأمر لآخر مرة..حاولت أن أسمو بجوعي إلى مراتب الصوم،أمنّي نفسي بأحضان أمي التي غبت عنها شهورا طويلة..هي مجرد ثلاث ساعات وأكون على كثب من حكمة الوالد ورباطة جأشه..ارتمت في داخلي صور لأخواتي الثلاث مريم وزينب وحبيبة..يفرحن لوصولي ولبعض هداياي..تخيلت مريم تبحث في حقيبتي عن الهاتف المحمول الذي وعدت به،فار الدّم في عروقي..ألقيت نظري خلف النافذة ،كانوا لازالوا يستلذون المشروبات الباردة،ويلتهمون إلأّ أنا ..يستعدون لفترة أخرى من السفر على رمال حارقة في قطار فارغ...
فكرت أن أنسى الصور التي استفزّت مشاعري وجرجرت كبريائي ،أن أنسى هذا كله وأنفرد وحدي في المقصورة ،فقط علي أن أحكم إغلاق بابها ،
وضعت ثلاث مقاعد متهرئة على هيئة سرير.. حاصرت الباب بالباقي ،كان القطار يستجمع أنفاسه ..ظننت حين تعالى صفيره وأخذ يلوي عجلاته على الأرض أنني سيد هذه المقصورة بلا منازع ،طرقات قلقة على الباب حرمتني المتعة بهذا الإحساس ،سحبت المقاعد إلى الخلف فتحت الباب ،اقتحمه بكتفين عريضتين،رمى لي تحية صارمة لا تنتظر ردّا:
- الســـــلام ..
طريقته في إلقائها بنت بيننا جدارا من صمت وريبة،
سحب كرسيا نحو النافذة ،جلس في مرمى نظراتي.. أنا مستلقي على ظهري،تأملت وجهه الذي اختفى تحت شعر كثيف ،غزا الشيب أطرافه،يبدو أنه في الخمسين من العمر أو يزيد قليلا،نظراته حادة تبث رسائل غير مطمئنة ،أحسسته ثقيلا ،سحبت جريدة قديمة على وجهه.. اختفى وجهه تماما لم يعد يظهر منه إلا ّيدان مشعرتان ..غليظتان، تأملتهما.. وهو يزيل ورق الألمونيوم على ثلاث أفراخ مشوية..محشوة ببطاطس مقلية ومرق طماطم وحبات زيتون ،جنبه رغيف خبز في لون الذهب ،فجأة أخذت يداه معا تصعدان محملتين لتعودا على عجل فارغتين..عبثت روائح أكلته بأمعائي ومزاجي.. أزلت الجريدة، تصادمت نظراتنا ،رمقني..دفن نظراته بخبث بين بقايا الأفراخ ،صدّ عنه نظراتي الجائعة..وبخبث أيضا ركّزت نظراتي عليه،كانت كل أقاليم وجهه تتحرك..يلوك.. يطحن بسرعة رهيبة،يمضغ وأنا يمضغني الجوع والغضب ...
حين انتهى، لم يعد أمامه إلا بقايا عظام استعصت على أسنانه...مسح يديه ولحيته ،لف الكل في نفس الورق ولم ينتبه إلى سلة القمامة عند المدخل.. رماه من النافذة،ولسانه يحمد الله ويشكره..
حين عاد إلي من النافذة وقد انتهت حالة الاستنفار التي فرضها...عاد بوجه يقطر طيبوبة وانشراحا ،عاد مختلفا بالكامل،
كرّر التحية وأتمّها ،اكتفيت بتحريك رأسي ردّا عليه..نظر إلى ساعته ،قال بلغة آمرة:
- لقد حلّ وقت صلاة العصر..هل أنت على وضوء؟؟
استفزّني السؤال ، لم أرد... تجاهلته تماما،لكنه لم يفهم أو لا يريد أن يفعل، كرّر سؤاله بلهجة صارمة وهو يحرك رجلي:
- هل الأخ تصلي الخمس في اليوم؟؟؟؟
فجرني السؤال وبحنق صرخت في وجهه :
ـ أنا ؟
أنــــــــــــــــــا..أتبوّل على كينونتي خمس مرات في اليوم…يكفيك؟؟؟
اهتزّت شعيرات وجهه بصراخي …استعاذ بالله ..ولّى وجهه نحو النافذة ومضى يزرع الصحاري الملتهبة بنظرات حاقدة..
وضعت الجريدة على وجهي ثانية ،
وغفوت في أمان حتى محطة الديرة..
العربي الثابت
المدينة الصغيرة جدا أو لنقل القرية الكبيرة جدا بدت مبانيها وأزقتها كأنها من نحاس أحمر لامع ،حتى النخلات السامقة أحنت هاماتها لهذا الزوال اللاهب ،وهي تقاومه في صمت مذهل... المحطة فارغة بشكل مثير من روادها..
كل المسافرين في القطار، غادروا مقاعدهم إلا ّ أنا،دعتهم روائح الأفراخ المشوية وعبق النعناع المتصاعد من الكؤوس والأباريق...غادروا كلهم ألاّ أنا..بقيت أرقب حركاتهم من النافذة ،وهم تحت السقيفة يأكلون ..يشربون ..يمتصون سجائرهم بنشوة..يدردشون ...تذكرت آخر وجبة أكلتها قبل عشرين ساعة خلت ،تملكني الفزع.
الموقف أثار رجّة في أحشائي ،هاج الجوع بحدة في معدتي.
أمعائي فارغة تماما كما جيوبي..عصف بي الغضب والقلق...لكنني لجمت الأمر لآخر مرة..حاولت أن أسمو بجوعي إلى مراتب الصوم،أمنّي نفسي بأحضان أمي التي غبت عنها شهورا طويلة..هي مجرد ثلاث ساعات وأكون على كثب من حكمة الوالد ورباطة جأشه..ارتمت في داخلي صور لأخواتي الثلاث مريم وزينب وحبيبة..يفرحن لوصولي ولبعض هداياي..تخيلت مريم تبحث في حقيبتي عن الهاتف المحمول الذي وعدت به،فار الدّم في عروقي..ألقيت نظري خلف النافذة ،كانوا لازالوا يستلذون المشروبات الباردة،ويلتهمون إلأّ أنا ..يستعدون لفترة أخرى من السفر على رمال حارقة في قطار فارغ...
فكرت أن أنسى الصور التي استفزّت مشاعري وجرجرت كبريائي ،أن أنسى هذا كله وأنفرد وحدي في المقصورة ،فقط علي أن أحكم إغلاق بابها ،
وضعت ثلاث مقاعد متهرئة على هيئة سرير.. حاصرت الباب بالباقي ،كان القطار يستجمع أنفاسه ..ظننت حين تعالى صفيره وأخذ يلوي عجلاته على الأرض أنني سيد هذه المقصورة بلا منازع ،طرقات قلقة على الباب حرمتني المتعة بهذا الإحساس ،سحبت المقاعد إلى الخلف فتحت الباب ،اقتحمه بكتفين عريضتين،رمى لي تحية صارمة لا تنتظر ردّا:
- الســـــلام ..
طريقته في إلقائها بنت بيننا جدارا من صمت وريبة،
سحب كرسيا نحو النافذة ،جلس في مرمى نظراتي.. أنا مستلقي على ظهري،تأملت وجهه الذي اختفى تحت شعر كثيف ،غزا الشيب أطرافه،يبدو أنه في الخمسين من العمر أو يزيد قليلا،نظراته حادة تبث رسائل غير مطمئنة ،أحسسته ثقيلا ،سحبت جريدة قديمة على وجهه.. اختفى وجهه تماما لم يعد يظهر منه إلا ّيدان مشعرتان ..غليظتان، تأملتهما.. وهو يزيل ورق الألمونيوم على ثلاث أفراخ مشوية..محشوة ببطاطس مقلية ومرق طماطم وحبات زيتون ،جنبه رغيف خبز في لون الذهب ،فجأة أخذت يداه معا تصعدان محملتين لتعودا على عجل فارغتين..عبثت روائح أكلته بأمعائي ومزاجي.. أزلت الجريدة، تصادمت نظراتنا ،رمقني..دفن نظراته بخبث بين بقايا الأفراخ ،صدّ عنه نظراتي الجائعة..وبخبث أيضا ركّزت نظراتي عليه،كانت كل أقاليم وجهه تتحرك..يلوك.. يطحن بسرعة رهيبة،يمضغ وأنا يمضغني الجوع والغضب ...
حين انتهى، لم يعد أمامه إلا بقايا عظام استعصت على أسنانه...مسح يديه ولحيته ،لف الكل في نفس الورق ولم ينتبه إلى سلة القمامة عند المدخل.. رماه من النافذة،ولسانه يحمد الله ويشكره..
حين عاد إلي من النافذة وقد انتهت حالة الاستنفار التي فرضها...عاد بوجه يقطر طيبوبة وانشراحا ،عاد مختلفا بالكامل،
كرّر التحية وأتمّها ،اكتفيت بتحريك رأسي ردّا عليه..نظر إلى ساعته ،قال بلغة آمرة:
- لقد حلّ وقت صلاة العصر..هل أنت على وضوء؟؟
استفزّني السؤال ، لم أرد... تجاهلته تماما،لكنه لم يفهم أو لا يريد أن يفعل، كرّر سؤاله بلهجة صارمة وهو يحرك رجلي:
- هل الأخ تصلي الخمس في اليوم؟؟؟؟
فجرني السؤال وبحنق صرخت في وجهه :
ـ أنا ؟
أنــــــــــــــــــا..أتبوّل على كينونتي خمس مرات في اليوم…يكفيك؟؟؟
اهتزّت شعيرات وجهه بصراخي …استعاذ بالله ..ولّى وجهه نحو النافذة ومضى يزرع الصحاري الملتهبة بنظرات حاقدة..
وضعت الجريدة على وجهي ثانية ،
وغفوت في أمان حتى محطة الديرة..
العربي الثابت
تعليق