[align=justify]
لا أعرف أحداً ، فهذا أول يوم في مدرستي المتوسطة الجديدة ، رحلنا من حينا القديم لنستقر في بيتنا الجديد ، ودعت أصدقائي وأساتذتي ، وبقيت صورهم عالقة في ذاكرتي ، أنا في هذه المدرسة أشعر بالوحدة والوحشة ، أعلن الجرس بداية الفسحة الأولى ، في فصلي طالب في مثل سني ، ثلاث عشرة سنه ، قصير وبدين ، وله رأس دائري ، وأنف طويل بشكل لافت منذ أن رآني وهو ينظر إلي شزراً ، دونما سبب ، تجاهلت نظراته الاستفزازية ومضيت في طريقي إلى مقصف المدرسة ، وقفت في الطابور كالمؤدبين من الطلاب ( لست منهم ، فقط .. أحاول أن العب الدور ) ، أقبل ذلك الحقير وتجاوزني ، ثم وقف أمامي ، ضايقني فعلاً ، فطرقت منكبه بأدب وقلت :
- أنا ماسك سرا ..
التفت إلي بلامبالاة ، ثم قال :
- كل تبن
نسيت نفسي ، لم أنتبه إلا وطلاب المدرسة يجرونني عنه بعيداً ، وهو يهدد ويتوعد وأنفه يقطر دماً ، أخذونا إلى وكيل المدرسة فمسنا بشيء من العذاب ، ثم عدنا إلى الفصل ، وهو لا يزال يزمجر ويتوعدني بعد نهاية اليوم الدراسي ، لم أكترث لوعيد هذا القزم المغرور ، الذي لقنته درساً قبل قليل .
دخلنا الفصل وبعد أن استويت على مقعدي ، مال إلي الطالب الذي بجواري وقال هامساً :
- ضربت عبادي ! يا ويلك
التفت إليه وقلت :
- ويلي من ويش ؟ هذا ملقوف ونال جزاه .
اتسعت عيناه وقال بتهويل :
- نص المدرسة إخوانه وعيال عمه .. ما احد يكلمه بالمدرسة كلها .
آها .. لذلك كان يتعمد إغاظتي ، الآن بدأ الفار ( يلعب في عبي ) ، وبدأت أسترجع تهديداته وزمجرته التي لم أكن القي لها بالاً ، أتذكرها فيغزو الخوف قلبي . الموعد قريب والدقائق تسرع بنا إليه ، ماذا أنا فاعل مع هؤلاء القوم ؟ كيف ستسير الأمور ، من هم هؤلاء وماهية أشكالهم ؟ رجعت لنفسي وقلت :
- ماذا سيفعلون بي ؟ ومن هم حتى أخافهم هذا الخوف ؟
جرس الحصة الرابعة يرن ، فيخرج الأستاذ الذي لم أكن أسمعه ، معظم طلاب الفصل يتوافدون إلي رغم تحذيرات العريف لهم بضرورة التزام الهدوء ، كلهم تقريباً يكررون المعزوفة المخيفة ( يا ويلك ويا سواد ليلك ) ، بعض المخلصين إقترح أن أخرج من المدرسة قبل الموعد ، ولو عن طريق قفز حائط المدرسة .
أثناء الفسحة الثانية تحدث معي كثيرون - لا أعرفهم - لكنهم يذكرونني بسوء صنيعي وكيف لي أن أجروء على بطل المدرسة ، كنت أدافع عن وجهة نظري ، وأرفع عزيمتي ، لكنني استسلمت أخيراً لأبواق الدعاية ، تلك الأبواق التي كانت تفت في عزيمتي ، وتجهزني لأذهب إلى مصيري وأنا فاقد لأدنى رغبه في المقاومة .
خرجت من باب المدرسة وأنا مستسلم لقدري ، زاهداً في كرامتي ، أريد أن يقتص مني ذلك الحقير ، ويدعني أذهب إلى سبيلي ، استقبلني رجل في العشرين من عمره ، فأمسك بيدي ووضعهما خلف ظهري ، ووقف عبادي أمامي مشمراً ، لينتقم مني ، أحسست أن الزمان توقف وأنا أنتظر مصيري ، لكن الولد لم يتقدم .. على رغم أنني كنت شبه غائب عن الوعي إلا أن همهمات الطلاب طرقت أذني :
- الوكيل .. الوكيل
اُطلقت يداي ، وتفرقت الجماهير ، لكنني منهك الإرادة ، وخائر القوى ، نظر الوكيل إلى عيني ، وقال بأسى :
- ليش مستسلم ؟ الرجال لا يستسلمون .
ومن هنا ، إذا أردت الحصول على شيء ، فلتسبقك الدعاية إليه ، دع أبواقك تعزف باللحن الذي يقود إلى هدفك . النتيجة الرائعة التي تنتظرك عندما تستخدم الدعاية ، هي أنك ستحصل على ما تريد بجهد أقل ، ذلك أن الدعاية مهدت لك الطريق إلى هدفك .
[/align]
لا أعرف أحداً ، فهذا أول يوم في مدرستي المتوسطة الجديدة ، رحلنا من حينا القديم لنستقر في بيتنا الجديد ، ودعت أصدقائي وأساتذتي ، وبقيت صورهم عالقة في ذاكرتي ، أنا في هذه المدرسة أشعر بالوحدة والوحشة ، أعلن الجرس بداية الفسحة الأولى ، في فصلي طالب في مثل سني ، ثلاث عشرة سنه ، قصير وبدين ، وله رأس دائري ، وأنف طويل بشكل لافت منذ أن رآني وهو ينظر إلي شزراً ، دونما سبب ، تجاهلت نظراته الاستفزازية ومضيت في طريقي إلى مقصف المدرسة ، وقفت في الطابور كالمؤدبين من الطلاب ( لست منهم ، فقط .. أحاول أن العب الدور ) ، أقبل ذلك الحقير وتجاوزني ، ثم وقف أمامي ، ضايقني فعلاً ، فطرقت منكبه بأدب وقلت :
- أنا ماسك سرا ..
التفت إلي بلامبالاة ، ثم قال :
- كل تبن
نسيت نفسي ، لم أنتبه إلا وطلاب المدرسة يجرونني عنه بعيداً ، وهو يهدد ويتوعد وأنفه يقطر دماً ، أخذونا إلى وكيل المدرسة فمسنا بشيء من العذاب ، ثم عدنا إلى الفصل ، وهو لا يزال يزمجر ويتوعدني بعد نهاية اليوم الدراسي ، لم أكترث لوعيد هذا القزم المغرور ، الذي لقنته درساً قبل قليل .
دخلنا الفصل وبعد أن استويت على مقعدي ، مال إلي الطالب الذي بجواري وقال هامساً :
- ضربت عبادي ! يا ويلك
التفت إليه وقلت :
- ويلي من ويش ؟ هذا ملقوف ونال جزاه .
اتسعت عيناه وقال بتهويل :
- نص المدرسة إخوانه وعيال عمه .. ما احد يكلمه بالمدرسة كلها .
آها .. لذلك كان يتعمد إغاظتي ، الآن بدأ الفار ( يلعب في عبي ) ، وبدأت أسترجع تهديداته وزمجرته التي لم أكن القي لها بالاً ، أتذكرها فيغزو الخوف قلبي . الموعد قريب والدقائق تسرع بنا إليه ، ماذا أنا فاعل مع هؤلاء القوم ؟ كيف ستسير الأمور ، من هم هؤلاء وماهية أشكالهم ؟ رجعت لنفسي وقلت :
- ماذا سيفعلون بي ؟ ومن هم حتى أخافهم هذا الخوف ؟
جرس الحصة الرابعة يرن ، فيخرج الأستاذ الذي لم أكن أسمعه ، معظم طلاب الفصل يتوافدون إلي رغم تحذيرات العريف لهم بضرورة التزام الهدوء ، كلهم تقريباً يكررون المعزوفة المخيفة ( يا ويلك ويا سواد ليلك ) ، بعض المخلصين إقترح أن أخرج من المدرسة قبل الموعد ، ولو عن طريق قفز حائط المدرسة .
أثناء الفسحة الثانية تحدث معي كثيرون - لا أعرفهم - لكنهم يذكرونني بسوء صنيعي وكيف لي أن أجروء على بطل المدرسة ، كنت أدافع عن وجهة نظري ، وأرفع عزيمتي ، لكنني استسلمت أخيراً لأبواق الدعاية ، تلك الأبواق التي كانت تفت في عزيمتي ، وتجهزني لأذهب إلى مصيري وأنا فاقد لأدنى رغبه في المقاومة .
خرجت من باب المدرسة وأنا مستسلم لقدري ، زاهداً في كرامتي ، أريد أن يقتص مني ذلك الحقير ، ويدعني أذهب إلى سبيلي ، استقبلني رجل في العشرين من عمره ، فأمسك بيدي ووضعهما خلف ظهري ، ووقف عبادي أمامي مشمراً ، لينتقم مني ، أحسست أن الزمان توقف وأنا أنتظر مصيري ، لكن الولد لم يتقدم .. على رغم أنني كنت شبه غائب عن الوعي إلا أن همهمات الطلاب طرقت أذني :
- الوكيل .. الوكيل
اُطلقت يداي ، وتفرقت الجماهير ، لكنني منهك الإرادة ، وخائر القوى ، نظر الوكيل إلى عيني ، وقال بأسى :
- ليش مستسلم ؟ الرجال لا يستسلمون .
ومن هنا ، إذا أردت الحصول على شيء ، فلتسبقك الدعاية إليه ، دع أبواقك تعزف باللحن الذي يقود إلى هدفك . النتيجة الرائعة التي تنتظرك عندما تستخدم الدعاية ، هي أنك ستحصل على ما تريد بجهد أقل ، ذلك أن الدعاية مهدت لك الطريق إلى هدفك .
[/align]
تعليق