الهم الوطنى والموروث الدينى
فى ديوان (لا أريد) لعاطف الجندى
عبده الزرّاع
(لا أريد) عنوان الديوان الرابع الصادر فى سلسلة كتاب الإتحاد للشاعر عاطف الجندى، الذى ينتمى للجيل الألفينى، فقد صدر ديوانه الأول (بلا عينيك لن أبحر) عام 2002 عن قصور الثقافة.
فبداية من عنوان الديوان بإعتباره أول عتبات النص، تتجلى ذات الشاعر المتمثلة فى الأنا، ف(لا أريد) هنا بمعنى أنا لا أريد، فعندما تقع عين القارىء علي العنوان لابد وأن يتساءل عن نوع الإرادة التى يرفضها الشاعر، أو التى ينفيها عن نفسه، وبالرجوع إلى القصيدة التى تحمل عنوان الديوان، يجيب الشاعر فى نهايتها على هذا التساءل، قائلا :
أنا لا أريد
شيئا سوى
عينيك يا
حبى الأكيد
نلحظ من القراءة الأولى للديوان أن الشاعر ينتمى إلى المدرسة الرومانسية التى تعلى من قيمة الذاتية، والمشاعر الإنسانية المتفجرة، التى تتجلى فى صور شتى مثل: الحب، والفرح، والحزن، والفراق، والألم.. وغيرها من المشاعر التى تنتشر عبر قصائد الديوان.
(1)
عند الولوج إلى قصائد الديوان، نلحظ عدة سمات أساسية تتميز بها تجربة الجندى، أولى هذه السمات، هو :
- التدفق الشعرى:
يمتلك الشاعر شاعرية متفجرة، تدل على مقدرته الفذة على صوّغ أفكاره وروءاه بسهولة ويسر، ودون معاناه، هذه السمة تؤكد إمتلاكه أيضا لأدواته الفنية التى يطوعها بجدارة لخدمة قصيدته، علاوة على رصيده الثقافى والمعرفى المتنوّع والثرى.. هذا التدفق يظهر جليا فى معظم قصائد الديوان، فيقول فى قصيدة (أشواق الجازورينا) على سبيل المثال:
شف الترابُ
عن التراب الحرّ
فإرتبكت دموعى
لم يكن إلاى وحدى
والطريقُ إلى القرى
سفرُُُ ونافلةُ وفرضُ
فى صلاة الروح
أو ذكرى نبى
هذى مآذنك البعيدةُ
فى سماء القلب شامخةُ
وهذى الأرض تعرف من أكون ..إلخ.
ثانى هذه السمات، هو:
-التدوير:
استخدم الشاعر عبر قصائد ديوانه خاصية التدوير، فلا تخلو قصيدة منه، وهذه السمة مرتبطة بالتدفق الشعرى والشعورى لدى الشاعر، فلولا هذا التدفق ما جاءت القصائد مدورة، وهذا يدل أيضا على طول نفسه الشعرى، الذى يبدأ من أول كلمة فى القصيدة إلى آخر كلمة، وعندما نقرأ القصيدة لا نشعر بأى وقفات، وكأنها كتبت دفقة واحدة.. فيقول فى قصيدة (قمر سعودى) على سبيل المثال:
قمرُ
يغازل مرصدى
والأفقُ تعلوه ابتسامة
والنفسُ تشدو
فى مدار الحسنٍِ
ترسمُ دهشتى..
والقلبُ ترجوه الإقامةٌ
قمرُ حجازى الهوى
فى وقعه
بلقيس تخطو
فى ممالك حسنها
من نيل مصر إلى تهامة
ثالث هذه السمات، هى:
-القافية:
حرص الشاعر على إيراد قافية واحدة تتكرر فى كل مقطع من مقاطع القصيدة، وكأنه يكتب وعينيه على القافية طوال الوقت، ويبدو أنه لم يستطع - حتى الآن - أن يتخلص كلية من إيقاع القصيدة العمودية وسطوته عليه، حيث سيطر على كل قصائد الديوان التى تقترب جميعها من القصيدة العمودية، ليس فى شكل كتابتها، ولكن فى إيقاعها القوى الحاضرفى كل القصائد، فنجده فى قصيدة (أشواق الجازورينا) يحرص على إيراد قافية (الياء المشددة) فى نهاية كل مقطع من مقاطع القصيدة.. فيقول:
وأراك تجرى
عندما انتفض الصراخُ
ونّوحت
أمى علىّ
يابسمة العمر الذى
قد ضنّ
بالبسمات لىّ
يا أيها الولدُ الذى
عشق الجمال
وكأنه
يا أيها الحلم القصىّ
لم يتوقف استخدام الشاعر للقوافى عند هذا الحد بل استخدم أيضا تقنية (القافية المدببة) فى بعض قصائد الديوان، وهذه السمة واضحة فى أشعار أمل دنقل بشكل ميّز أشعاره عن غيره من الشعراء أبناء جيله .. تتجلى هذه السمة واضحة فى أشعار الجندى فى قصيدة (القمر السعودى).. يقول:
قمرُ
يغادر أنجمى
وعليه تنتحبُ السحابة
من علم الأطيار لحن بكائها
وأشار للناى
التزاوج بالربابة
أنا مثل دورىُّ
يخاصمه المدى
تلقى به ريحُ التجنى للكآبة..إلخ.
لاحظ كلمات ( السحابة/ الربابة/ الكآبة) التى تتكررت فى مقطع واحد من مقاطع القصيدة، كما تتجلى هذه السمة عند أمل دنقل فى قصيدة ( كلمات سبارتاكوس الأخيرة)، التى يقول فيها:
المجدُ للشيطان معبود الرياح
من قال لا
فى وجه من قالوا نعم
من علم الإنسان
تمزيق العدم
من قال لا
فلم يمت
وظل روحا أبدية العدم
لاحظ أيضا تكرار كلمات (نعم/ العدم/ العدم ) داخل المقطع الواحد فى القصيدة.
(2)
الشاعر الحقيقى دائما ما يحمل هموم العالم فوق كتفيه، تؤرقه وتقد مضجعه، بما أنه الشاعر النبى المبصر لآلام وأوجاع الآخرين، وديوان (لا أريد) لعاطف الجندى يحمل الكثير من الهم الوطنى بين طياته، خاصة القضية الفلسطينية، التى تؤرق كل مبدعى الأمة العربية، ففى قصيدة (قتلناك) يستهلها الشاعربالحديث عن (غزة) موضحا أن العرب أضاعوها، وفرطوا فيها بإنصرافهم عن الدفاع عنها، ورغم هذا التفريط يطالبونها بالصفح.. هنا يتساءل الشاعر، فهل تصفح عنهم؟!
يقول :
لمثلك"يا غزتى" سوف يجثو
الزمانُ انكساراً
ويبكى
على ركبتيك الهوى والخليلا
ويهفو لصفح
فهل تصفحين
عن العرب يوما؟!
ولإحساس العرب يالتقصير تجاه هذه القضية وإهمالها، تراهم يبكون فى سرهم على ضياعها.. يقول الشاعر:
ونبكيك فى سرنا
دمعتين
ويملأنا الزهو أنا عمينا
وفى قصيدة (القسم العربى) نرى أن الشاعر يحلم بأن يظل على قيد الحياة حتى تتحرر القدس ويعود صوته يملأنا من جديد، وغزة تكتسى بالفرح مرة أخرى.. يقول:
ولى حلمُ
يخايلنى بأن نحيا
وصوت القدس يملأنا..
وغزة تكتسى فرحا
بثوب الأمن ترسمنا
على العينين حرًّاساً
لجورية
وفى قصيدة (الصقر المهاجر) ينادى الشاعر على "الحلم" بأنه ذلك الحلم المثابر.. يقول:
يا أيها الحلم المثابر
زيتونةُُ عيناك
والقدس الذى
صلى ببؤبؤ ناظريكَ
وأنتفى محراب طهركَ
عاشقاً
صوت المآذن
والكنائس لم يزل
يرتاح فى أنغام طائر
أما فى قصيدة (إلى وجه عربى) يدعو فيها الشاعرلعدم اليأس، بل يدعوه أن يترك البنادق لتكون هى الوسيلة للتحرر من الإحتلال، وهنا يقصد أيضا فلسطين الحبيبة.. فيقول فى مطلع القصيدة:
لا تبتئس
ودع البنادق للتحررتفترس
وتراود الوطن الذى
-فى حزنه –
دوماً يثور على المشانق والحرس ..إلخ.
(3)
استفاد الشاعرمن التراث الدينى (القرآنى) وقصص الأنبياء، إذ أعاد توظيف قصة سيدنا يوسف عليه السلام، بما يخدم مضمون قصيدته، ويتضح هذا جليا فى قصيدة (سيناريو جديد لقصة قديمة)، وهنا استخدم كلمة السيناريو، وهى كلمة سينمائية معناها إعادة صياغة القصة بشكل يصلح لتقديمها من خلال السينما أو التليفزيون أو الإذاعة.. فيقول:
يا أخوتى
قد كنتُ هذا الاشتهاءَ
وكانت إمرأة العزيز
تراود الصبح الندى
وترتجى نبض العواطف، تشتهى
تلك النهايات السعيدة باللقاء
الآن تبدأ من جديد
وكلنا نعرف قصة سيدنا يوسف وما حدث بينه وبين إمرأة العزيز كما ذكرها القرآن الكريم.
يقول الشاعر فى موضع آخر فى القصيدة:
لا مصر تلبس تاجها
أما العزيز أراه
فى سوق النخاسة
مثل جاريةُ تباع
وفى موضع آخر يقول:
وأظلُ أبحث عن فضاء يمامة
أغتالها
وأغلّق الشرفات للقنص الجموح
ولسوف ترضى
أو أقد قميصها
من كل زاوية تلوح
ويقول أيضا:
وفرّ دموعك إننى
فى مصر لا أجد الدواء
ولا قميص الُبرء عاد
هو الرجاء
قد مزقته يد المعارك
والشتاءُ ولا معى
يوماً صواعُ الملك
أو كنت قديساً يداوى المتعبين.. إلخ.
وفى قصيدة (بطل من ورق) يعود مرة أخرى ويوظف قصة سيدنا يوسف .. فيقول:
تحاول أن تستميل القلوب
وتعلن أنك رؤيا ليوسف
والجب يشهد
أن إدعاءَك محضٌ افتراء
وأنك
-فى الوقت –
نابٌٌ مرق
(4)
بقى أن نشير إلى أن الديوان به أصداء لأصوات شعرية لشعراء كبار أمثال: محمود درويش، نزار قبانى، أمل دنقل وآخرون.
ويبدو أن الشاعرمفتون بهؤلاء الشعراء فتسللت مفرداتهم وعوالمهم وصورهم الشعرية إلى قصائده دون أن يدرى، وسوف ندلل على بعض النماذج القريبة جدا من روح وبصمات هؤلاء الشعراء.
ففى قصيدة (القسم العربى) تأثر فيها الشاعر بمحمود درويش، فى أحد قصائده من ديوان (أوراق الزيتون).
يقول عاطف الجندى:
أنا المدعو بالعربى
واسمى (عاطف الجندى)
أتلو من شغاف القلب أبياتى
على مهد الأسى القومى
يقول درويش:
سجل أنا عربى
أنا أسم بلا لقب
صبور كل ما فيها
يعيش بفورة الغضب
يقول الجندى فى موضع آخر فى القصيدة:
وعنوانى:
مقاومةُ
لجيش الغاضب المحتل
أوردتى
فلا وجل لنا يبدو
ولا صمت وتوريةَّ
ويقول درويش:
وعنوانى:
أنا من قرية عزلاء منسية
شوارعها بلا أسماء
وكل رجالها.. فى الحقل والمحجر
فهل تغضب
وفى قصيدة (قتلناك) يقول الجندى:
قتلناك
يا غزة الأوفياء
ويقول نزار قبانى فى قصيدة (ظلك أخضر) التى كتبها فى رثاء الرئيس الراحل جمال عبد الناصر:
قتلناك
يا آخر الأنبياء
هذه نماذج قليلة من كثير، ناهيك عن قاموس الشاعر المتأثر بمفردات الشاعر محمود درويش إلى حد كبير، كل هذا لا يعيب الشاعر ولا يقلل من شأن ديوانه الذى نراه ديوانا جيدا، وإن كنا نأمل فى أن يتخلص فى دواوينه القادمة، من تلك الأصوات التى تدخله ليصبح له صوته الخاص والمتفرد، وهو قادر على ذلك لأنه شاعر يمتلك موهبة كبيرة.