الألباب جمع لُب و " لُب كل شيء خالصة وخياره ، ولُب الرجل : هو ما جعل في قلبه من العقل ، واللُب : العقل ، ويجمع على الباب ، والبُب ، وألُب " ([2]1 ) ومعنى الآية الكريمة ، التي تحمل العنوان الفرعي اى " إنما يتعظ بوعظ الله أولو العقول " ( 2[3] ) والاتعاظ يأتي من التدبر، والتدبر يأتي عن طريق التفكير ، والتفكير يعتمد في أساسه على الذاكرة، وقد يكون لهذا السبب تم ربط التذكر بأصحاب العقول في هذه الآية الكريمة .
فالذاكرة هي أهم مكون من مكونات القدرة العقلية ( الذكاء ) ، وعملية التذكر هي أم الذكاء ومخه ؛ فهي التي يعتمد عليها الفهم ، " والفهم ببساطة هو عملية ، نستخدم أشياء متنوعة، نحتفظ بها في الذاكرة، بشكل يمكننا من تفسير بيانات التجربة الجديدة " ( 3[4] ) ، وبدون ذاكرة جيدة ، لا يوجد ذكاء جيد ، وكلما ذادت قوة الذاكرة ، كلما ذادت حدت ذكاء الفرد ، والذاكرة هي السر الأول في قوة ذكاء الفرد ونجاحه في حياته ، " فالذاكرة الجيدة تعد علامة على ارتفاع مستوى الذكاء " ( 4[5] ) ؛ فالذاكرة كحافظة النقود أو البنك ، ولكن بدلا من أن يحتفظ فيها الفرد بالنقود أو الفلوس ، يحتفظ فيها بكل ما يدخل إليها عن طريق الرؤية أو السمع أو الشم أو اللمس .
ويقسم العلماء الذاكرة إلى أنواع هي :-
1 – الذاكرة السمعية ، وهى التي يحتفظ فيها الفرد ، بكل الأصوات التي سمعها ويميز بينها ؛ فعندما يكون الفرد قد خزن في ذاكرته صوت الشاعر ( محمد دنور )( 1[6]
) ثم يسمعه في أحدى قنوات الراديو ، فسيعرف على الفور أن الذي يتحدث هو محمد دنور وليس هاني شاكر .
2 – الذاكرة البصرية : ؛ وهى الذاكرة التي يتم فيها تخزين ، وتسجيل كل ما تراه العين ، من مناظر وأشخاص وأشكال وأفلام واغانى ، ومواقف , .... الخ ؛ فعندما نشاهد التلفزيون ، وتظهر لنا مباراة ، يلعب فيها فريق يرتدى زيا" ابيض له خطان على الفانلة ، فسنعرف أن هذا الفريق هو نادى الزمالك، لأننا خزنا سابقا" عن طريق العين ، أن هذا الزى هو زى فريق نادى الزمالك .
والسمع والبصر هما أهم حاستين تعتمد عليهما الذاكرة ، والسمع أهم من البصر ، والذاكرة السمعية أهم من الذاكرة البصرية ، وقد يكون لهذا السبب عندما يرد ذكر السمع والبصر في القرآن الكريم متلازمين ، يرد ذكر السمع أولا ؛ مثل قوله تعالى " ولو شاء الله لذهب بسمعهم وإبصارهم أن الله على كل شيء قدير " ( 1 [7]) وفى محيطنا الاجتماعي ، لوح حصرنا المصابين بضعف السمع ،والمصابين بضعف البصر، لو جدنا أن المصابين بضعف البصر أكثر من المصابين بضعف السمع ، وحتى في تقدم العمر و كبر السن ، وظهور أمراض الشيخوخة ، فإنها أول ما تظهر، تظهر على البصر في كثير من الناس قبل السمع، و في هذا دليل على أهمية السمع عن البصر.
3 - ذاكرة اللمس : وهى تكاد أن تكون منعدمة بالنسبة للتلفزيون ، ولولا انه يشترك معها الخيال عند مشاهدة التلفزيون لقلنا إنها منعدمة تماما" ؛ فنحن الآن يمكننا أن نلمس الملابس التي نرتديها ، ونتعرف على ملمس القماش الذي صنعت منه ، ونوعيته ، عن طريق اللمس؛ إذا كان من الصوف ، أو القطن ، أو الحرير ، أو الكتان .... ، ولكن عندما نشاهد في التلفزيون الفنان ( احمد ادم )، لن نستطيع لمس الملابس التي يرتديها فنتعرف على نوعية القماش التي صنعت منه ، لكنه يمكننا استخدام خيالنا ، فنتخيل أننا لمسناه ، وانه من الحرير الطبيعي ......!!!
4- الذاكرة الشمية : وهى الذاكرة التي تحتفظ برائحة الروائح ؛ وهى كذاكرة اللمس تكاد تكون منعدمة في التعامل مع الصورة المرئية المتحركة ، لولا ان الخيال والذاكرة عامة ، يتدخلان لاستكمالها ؛ فعندما نشاهد فى التلفزيون المطربة ( ص ) وهى تطرب المشاهدين ، فلا يمكننا أن نشم رائحة عطرها ، ولكننا نستطيع أن نتخيل أنها تستخدم عطر ( أبو فجله الاصلى ) ، ويمكننا أن نستدعى عن طريق الذاكرة الشمية رائحته .
والذاكرة بصفة عامة ، في تكوينها المادي ، تتكون من عدد ضخم من الخلايا ، ولكن معظم الناس لا يستخدم غير واحد في المائة فقط من هذا العدد الضخم من الخلايا طوال حياته ، وخلايا الذاكرة في المخ ، يمكنها تخزين ملايين الملايين من الصور ، والأشكال ، والمناظر ، والمواقف ، والأصوات ، والرموز ، والكتب ، والروائح ، وملمس الأشياء و ......الخ . وكلما زاد استخدام الفرد لذاكرته ، بطريقة جيدة ، كلما زاد أدائها بفعالية ،وقوة أكثر . ومما توصل إليه العلم بالنسبة للذاكرة ، أن كل ما يصل إليها وتلتقطه ، يبقى مخزون فيها طوال حياة الفرد ، ولا يخرج منها .
ولا ينسى الفرد اى شيء يدخل ذاكرته على الإطلاق ، وإنما النسيان يتم نتيجة للطبيعة البشرية ؛ بسبب كثرة وتراكم التخزين في الذاكرة ؛ مثل أن نضع شيئا" في غرفة ثم نضع شيئا" أخر فوقه ، فلا يظهر ، ولكن عندما نحتاج إليه ، فنبحث عنه أسفل الشيء الذي وضعناه فوقه فنجده . وهذه هي الطريقة التي يستخدمها أطباء النفس عند المعالجة ؛ حيث أنهم يستطيعون أن يجعلوا المريض النفسي يتذكر أشياء وأمورا"، ومواقف ، كان يعتقد الفرد انه نسيها تماما" ؛ كأن يجعلونه يتذكر أمورا" حدثت معه فى مرحلة الطفولة ، أو مواقف مضى عليها أكثر من عشرين أو حتى أربعين عاما" ، فلاشيء يدخل الذاكرة ويخرج منها أبدا ....!!!
ولكن علينا أن نفرق ونميز بين أمرين وهما : النسيان الطبيعي ، وضعف الذاكرة المرضى المعاب ؛ فالنسيان الطبيعي ، هو من طباع البشر والناس ، ويحدث نتيجة تراكم الإحداث والمواقف ....وغيرها التي يمر الفرد بها ؛ كان ينسى ماذا فعل في يوم 21 يناير منذ عشر سنوات ؛ فهذا أمر طبيعي ، وليس عيبا أو مرضا" في الذاكرة ، ولكن ضعف الذاكرة المرضى المعاب هو أن ينسى الفرد شيئا" هاما" بالنسبة له ، حدث له ، أو فعله ، ويريد أن يتذكره فيما بعد لسبب ما أو .......الخ ، تعرض له منذ فترة قصيرة ؛ مثل أن يذاكر طالب معاملات التحويل للوحدات الأساسية في الفيزياء ، أو الرياضيات ، وهو يذاكرهم من اجل الامتحان
وعندما يأتي الامتحان ينسى هذا الطالب كم يساوى ............
لمن يرغب فى استكمال الموضوع عليه الرجوع الى كتاب ( الذكاء والتلفزيون ) للمفكر والاديب / فؤاد سلطان e- [عذراً، حذفت الإدارة البريد الألكتروني]
* - سورة الزمر الآية ( 9 )
1 – معجم لسان العرب . لابن منظور .دار المعارف . 1979 ص 3979
2 – تفسير النسفى . الإمام عبد الله بن احمد النسفى المجلد الثالث . دار العلم بيروت الطبعة الأولى 1979 . ص 1502
3- خدعة التكنولوجيا ص 193
4- المخ البشرى . مدخل إلى دراسة السيكولوجيا والسلوك. تأليف كريستين تمبل . ترجمة عاطف احمد . سلسلة عالم المعرفة الكويتية . المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب . الكويت 2002ص 113
5 - محمد دنور : احد شعراء جمهورية مصر العربية بمحافظة سوهاج
1 – سورة البقرة . الآية . رقم ( 20 )
تعليق