أربعة زائد واحد؟؟ لا يمكن!!
اشرأبت أعناق التلاميذ صوب سقف القسم متظاهرين بالتذكر والتدبر، لاستحضار جواب عن سؤال معلمهم،في حين كان أغلبهم في حقيقة الأمر يجاهد تدقيقا ليميز بين قنابله الورقية اللاصقة في الأعلى،من قنابل الجيلالي الكثيرة.
التفت المعلم صوبهم مرة ثانية بعدما عدل التاريخ المدون على السبورة قائلا:
-هه..!هل من مجيب؟
استعذبت الأنوف أنفتها صوب السماء، وماجت العقول بألف ذكرى ،وألف حيلة، وألف طريفة وظريفة،واستغل الجيلالي لحظة تدار أخيرة ليرسل آخر صواريخه الورقية صوب سقف الفصل المفكك البناء.
-جيد..خمس دقائق أخرى للتفكير!!!وانهمك في تسطير جداول ودوائر لم يعلم بها أي من مؤلفي الكتب والمراجع المدرسية ،على كثرتهم .
أصابع عديدة امتدت لتلمس الرؤوس،والجباه، والآذان، والشفاه والذقون.متصنعة لحظات من الاستحظار والاستظهار الشفهي الكاذب،والواقع أن الجميع سافر بمخيلته صوب الأشجار، وأعشاش وأوكار الطيو روالحيوانات، وجداول الأنهار، والملاعب، والسهوب، والدهاليز، وموائد الطعام ومشاريع العاب الزوال والمساء...
عاد المعلم ليلتفت نحوهم بطريقة رياضية توحي بالخبرة والرشاقة والمراس.
-هيا...الجواب لا يستدعي كل هذا الوقت!فلتكن أمامكم خمس دقائق أخيرة!!
تحولت أجواء التدبر والتمعن إلى ما يشبه طنين النحل بعدما مل الجميع تمثيل دور المتأمل.فانقشعت ملامحهم عن حقيقتها،واسترسلوا في إصدار هدير يوحي للمقبل من بعيد أن هذا القسم إما سيقلع نحو الأعالي وإما سينفجر..امتد هرجهم ولغطهم المفرط إلى أطرافهم فبدا واضحا لكل متأمل خلسة أن أمرا خطيرا سيحدث بهذا الفصل إن هو ترك على هذه الحال..
وبنفس الالتفاتة التي توحي بالخبرة التف المعلم حول نفسه نصف التفافة وكرر سؤاله:
-من كسر مصابيح الفصل الأربعة؟أريد الجواب في الحال اعترافا قبل أن أنتزعه استنطاقا..
أطرق رأسه جاعلا إياه يهتز كسلك نابض منتظرا السراب.ابتسم خلسة ابتسامة ماكرة حاول أن يقلد بها أبطال ومخبري الأفلام متغاضيا عن تلميذين يتراشقان ببصاقهما جاعلين من مسطرتيهما منجنيقات قاذفة.أسنذ ثقل خده ورأسه على راحة يمناه مستندا على حافة مكتب قسمه براحة يسراه.انتصرت عليه قهقهة مباغثة اهتزت لها قلوب الصغار،وارتعد على إثرها شحم وزغيبات توحيمة الجيلالي الشهيرة.تأمل مصابيح الفصل الأربعة المحطمة ،أمعن النظر في المصباح الخامس المضاء وتمتم هامسا:
“أربع مصابيح بثمن خمس دراهم للمصباح،يعني مبلغا إجماليا قدرة عشرون درهما وتعود الحياة والنور للفصل.وها أنذا كالتيس الاخرق أستهلك من وقتهم عشرون دقيقة..الله يسامح علينا وخلاص..وهي غير عشرين دقيقة..!!“تذكرأن الدولة بإمكاناتها الراهنة،وتوجهها الحداثي الحالي،وتحالفاتها السياسية والاقتصادية،وقروضها اللامتناهية،وانضمامها لمشروع الشرق الأوسط الكبير،والاتحاد من أجل المتوسط،واتحاد دول المغرب العربي،وحضيها مؤخرا بالوضع المتقدم مع دول الاتحاد الأوربي لم تستطع بعد أن تنير أروقة وممرات ملحقات وزاراتها وإداراتها فبالأحرى أن تنير أقساما نابتة فوق الجبال كالفطر المسموم.ولم تتمكن إلى حدود تاريخ يومه المدون من وضع البلاد على السكة السليمة منذ أكثر من خمس عقود.فكم تمثل عشرين دقيقة في الساعة المعطلة للعقود الخمس ؟
اجتذبته حركية الجيلالي المفرطة،انتابته شكوك حول إمكانية كونه المتهم الرئيس.فقصده بسؤال استفزازي استخفافي بسيط وهوالتلميذ الألمعي النبيه:
-الجيلالي..أربعة زائد واحد كم يساوي..؟
وجاء رد الجيلالي مباغثا وسريعا: لا يمكن!!
امتعض المعلم من ردة فعله وكرر عليه السؤال منفعلا:
-أربعة زائد واحد ..كم يساوي أيها الضبع؟
-لا يمكن أيها الأستاذ..!!
- أخرج إذن أيها الخنزير المعتوه،ولا تعد إلى حين أن تتعلم عمليات الجمع ..
اعتدل الجيلالي واقفا،مسح على شعره الخفيف وعبث قليلا بزغيبات توحيمته الفحمية الشحمية، انشغل لفترة بإعادة تثبيت طرف حزام سرواله في فتحة توجد تحت عظم خصره الأيمن،واستغرب الجميع من منظر الحزام الجلدي المتلاشي وهو يلتف لفتين ونصف حول خاصرة الجيلالي الضامرة ،ويتوفر منه بعد كل ذلك جزء تدلى من وراء مؤخرته.
تأبط بحرص محفظته التي تبرعت عليه بها إحدى الجمعيات الخيرية المشبوهة وسوقت صورته وإياها على كل النشرات التلفزية ،وملاحق الصحف الاجتماعية، ومنتديات التسول الإلكترونية.غادر الفصل الذي يفتقد لكل نوافذه مخمنا:“أنا الجيلالي من ينوء كاهله بحمل أوجاع سبتة ومليلية،وبغداد وغزة وسربرنيتشا ،أسأل في آخر أيام تعليمي الابتدائي عن مجموع أربعة وواحد! يا سبحان الله..ربما لو بادرني بالسؤال معكوسا وسألني عن خمسة ناقص واحد لكان جوابي بديهيا ومنطقيا.
أعلم أنه لم يكن عادلا عندما طردني من فصله.بل ولم يكن له أصلا أي حق في طردي.غير أنني أعذره ما دام لا يستخدم حاسة سمعه معنا،ولا يجيد الإنصات لهمومنا ورغباتنا..أعذره مادام لا يعلم أن مسجد الدوار- والذي لم يسبق أن ارتاده يوما-يؤذن لأربع صلوات جماعية لا غير ويتجاهل فقهاؤه الآذان لفريضة الصبح ورغيبة الفجر..أعذره مادام يبدع فقط في استخدام وسطاه لإهانتنا والانتقاص من قدرنا..أعذره مادام لا يعي أننا ننتمي لقارة يرفض الكبار انتشالها من براثين الفقر والقهر والجهل والاستبداد والتطاحن العرقي ويمعنون في امتهان كرامة مواطنيها وتلامذتها بالتجويع والتحقيروالتفقير...
ابتعد الجيلالي عن الهضبة التي أقيمت عليها فرعيته المعزولة،تراءت له صورة ماعزاته الخمس اللواتي تنتظرن عودته يوميا بثغاء فرح.وتذكر كيف دأب على تسميتهن وتربيتهن منذ كان راعيا دون أجرة،إلى أن صار راعيا تتهافت عليه الدواوير،ويتنافس على خدماته وخبراته أرباب الضيعات والمراعي خلال عطله المدرسية الطويلة.وهاهو اللحظة يعتقد أنه سيصير راعيا متفرغا بعدما فصله مدرسه من المدرسة بجملة خرقاء طائشة..
استحضر حزينا ناكصا عدة عمله الشهيرة،نايه الأصفر،مقلاعه الأحمر،إبريق شايه الأسود،سلة مؤنته القصبية وجلبابه الصوفي المرقع..وخمن متحسرا كون عدته بات يلزمها شيء من التطوير والتجديد لتساير تخصصه المهني الجديد ..
للجيلالي في ملكه الخاص خمس ماعزات،أسماهن تيمنا بالألوان والأفلام والفصول.
حميرة،القرعية،بوقصيصة،الحويجبة وإيزميرالدا..
حميرة، تعشق الكلأ الجاف،وشطب الخروب،وأوراق تمار التين والزيتون.وتعلن بشكل فاضح ميلها لطعام وسلوك البشرالمتحضر.تعرضت مرارا لنهش كلاب الحراسة ولدغات الزواحف الأليفة..
إيزميرالدا تحب البرسيم الأخضر اليانع، وكل طعم لاذع..بل وتمكنت من تطوير مهاراتها البافلوفية حتى باتت تجاري وتحاكي سلوك بني البشر من أجل نيل قضمة خبز بالفلفل الحار.أجمع الكل على فساد أخلاقها وتحررها الحيواني المشين..
الحويجبة لا تتردد في إعلان ميلها المرضي لقشور كل الخضراوات والفواكه. وقد اكتشف الجيلالي منذ ولادتها شدة إدمانها على طعم الخبز الفاسد المخلوط بزيت القلي المحروق.بل إنه كان يباغتها مرارا وهي تلتهم الثرى والجبص، وتعبث في المياه العكرة.وتحشر أنفها في أبعد وأصغر شقوق الحيطان...
بوقصيصة حاول الجيلالي إرغامها على الصوم لسنوات خلت، حتى يفتخر بقدها وقوامها ويشارك بها في مسابقة الماعز السنوية..غير أنها كانت متخصصة في إضحاك ساكنة الدوار وترجمة مقالب جحا إلى اللغة الحيوانية ..
القرعية،لم يضبط الجيلالي ولهها الغذائي،اعتقدها لاحمة يوم فاجأها وهي تعبث بفأر ميت.غير أنه اقتنع بعد طول مراقبة أنها لا تحب الثغاء والأكل عند حضور الغرباء... وتداول أطفال الدوار مؤخرا إشاعة مصادقتها للذئاب والنسور.
لايزال الجيلالي يذكر يوم أداع“البراح“عبر مكبر صوت مئذنة مسجد الصلوات الأربع ،عن نبأ اختفاء إيزميرالدا معشوقة الدوار.ولا زال يتذكر بأسى شديد كيف ضبطوا فقيه الدوار المزواج وهو يهم بذبح إيزميرالدا عند عتبة باب مومس الدوار طمعا في تطييب خاطرها، وإرضائها وإقناعها لجعلها زوجة عرفية خامسة له في السر..
نفض الجيلالي عن ذاكرته صوت ثغاء ماعزته الحزين، وجرم الفقيه اللص، وعاد أدراجه صوب الفصل مستحضرا بغضب كبير سؤاله معلمه المستفز..
اعترضه المعلم عند مدخل الباب مكشرا عن أنيابه وعصيه الحقيقية.غير أن الجيلالي بادره محاذرا لاهتا:
-لم أعد لأتراجع عن جوابي.جئت لأعترف لك أنني أنا من كسر مصابيح الفصل الأربعة..نعم أنا..فمصباح واحد يكفي مادامت مصابيحك الأخلاقية والمعرفية معطلة هي الأخرى...ولعلمك فالعبرة ليست بكهرباء الفصل ..إنما العبرة بكهرباء إيمانك وإخلاصك وتسامحك.
وقبل أن يمنح لمعلمه فرصة الإمساك به أو الرد عليه أو انتهاك كل بنود الميثاق الدولي لحقوق الطفل فر متراجعا وهو يصرخ:أربعة زائد واحد لا يمكن..لا يمكن..لا يمكن..لا يووووووووومكيييييييين ...
اشرأبت أعناق التلاميذ صوب سقف القسم متظاهرين بالتذكر والتدبر، لاستحضار جواب عن سؤال معلمهم،في حين كان أغلبهم في حقيقة الأمر يجاهد تدقيقا ليميز بين قنابله الورقية اللاصقة في الأعلى،من قنابل الجيلالي الكثيرة.
التفت المعلم صوبهم مرة ثانية بعدما عدل التاريخ المدون على السبورة قائلا:
-هه..!هل من مجيب؟
استعذبت الأنوف أنفتها صوب السماء، وماجت العقول بألف ذكرى ،وألف حيلة، وألف طريفة وظريفة،واستغل الجيلالي لحظة تدار أخيرة ليرسل آخر صواريخه الورقية صوب سقف الفصل المفكك البناء.
-جيد..خمس دقائق أخرى للتفكير!!!وانهمك في تسطير جداول ودوائر لم يعلم بها أي من مؤلفي الكتب والمراجع المدرسية ،على كثرتهم .
أصابع عديدة امتدت لتلمس الرؤوس،والجباه، والآذان، والشفاه والذقون.متصنعة لحظات من الاستحظار والاستظهار الشفهي الكاذب،والواقع أن الجميع سافر بمخيلته صوب الأشجار، وأعشاش وأوكار الطيو روالحيوانات، وجداول الأنهار، والملاعب، والسهوب، والدهاليز، وموائد الطعام ومشاريع العاب الزوال والمساء...
عاد المعلم ليلتفت نحوهم بطريقة رياضية توحي بالخبرة والرشاقة والمراس.
-هيا...الجواب لا يستدعي كل هذا الوقت!فلتكن أمامكم خمس دقائق أخيرة!!
تحولت أجواء التدبر والتمعن إلى ما يشبه طنين النحل بعدما مل الجميع تمثيل دور المتأمل.فانقشعت ملامحهم عن حقيقتها،واسترسلوا في إصدار هدير يوحي للمقبل من بعيد أن هذا القسم إما سيقلع نحو الأعالي وإما سينفجر..امتد هرجهم ولغطهم المفرط إلى أطرافهم فبدا واضحا لكل متأمل خلسة أن أمرا خطيرا سيحدث بهذا الفصل إن هو ترك على هذه الحال..
وبنفس الالتفاتة التي توحي بالخبرة التف المعلم حول نفسه نصف التفافة وكرر سؤاله:
-من كسر مصابيح الفصل الأربعة؟أريد الجواب في الحال اعترافا قبل أن أنتزعه استنطاقا..
أطرق رأسه جاعلا إياه يهتز كسلك نابض منتظرا السراب.ابتسم خلسة ابتسامة ماكرة حاول أن يقلد بها أبطال ومخبري الأفلام متغاضيا عن تلميذين يتراشقان ببصاقهما جاعلين من مسطرتيهما منجنيقات قاذفة.أسنذ ثقل خده ورأسه على راحة يمناه مستندا على حافة مكتب قسمه براحة يسراه.انتصرت عليه قهقهة مباغثة اهتزت لها قلوب الصغار،وارتعد على إثرها شحم وزغيبات توحيمة الجيلالي الشهيرة.تأمل مصابيح الفصل الأربعة المحطمة ،أمعن النظر في المصباح الخامس المضاء وتمتم هامسا:
“أربع مصابيح بثمن خمس دراهم للمصباح،يعني مبلغا إجماليا قدرة عشرون درهما وتعود الحياة والنور للفصل.وها أنذا كالتيس الاخرق أستهلك من وقتهم عشرون دقيقة..الله يسامح علينا وخلاص..وهي غير عشرين دقيقة..!!“تذكرأن الدولة بإمكاناتها الراهنة،وتوجهها الحداثي الحالي،وتحالفاتها السياسية والاقتصادية،وقروضها اللامتناهية،وانضمامها لمشروع الشرق الأوسط الكبير،والاتحاد من أجل المتوسط،واتحاد دول المغرب العربي،وحضيها مؤخرا بالوضع المتقدم مع دول الاتحاد الأوربي لم تستطع بعد أن تنير أروقة وممرات ملحقات وزاراتها وإداراتها فبالأحرى أن تنير أقساما نابتة فوق الجبال كالفطر المسموم.ولم تتمكن إلى حدود تاريخ يومه المدون من وضع البلاد على السكة السليمة منذ أكثر من خمس عقود.فكم تمثل عشرين دقيقة في الساعة المعطلة للعقود الخمس ؟
اجتذبته حركية الجيلالي المفرطة،انتابته شكوك حول إمكانية كونه المتهم الرئيس.فقصده بسؤال استفزازي استخفافي بسيط وهوالتلميذ الألمعي النبيه:
-الجيلالي..أربعة زائد واحد كم يساوي..؟
وجاء رد الجيلالي مباغثا وسريعا: لا يمكن!!
امتعض المعلم من ردة فعله وكرر عليه السؤال منفعلا:
-أربعة زائد واحد ..كم يساوي أيها الضبع؟
-لا يمكن أيها الأستاذ..!!
- أخرج إذن أيها الخنزير المعتوه،ولا تعد إلى حين أن تتعلم عمليات الجمع ..
اعتدل الجيلالي واقفا،مسح على شعره الخفيف وعبث قليلا بزغيبات توحيمته الفحمية الشحمية، انشغل لفترة بإعادة تثبيت طرف حزام سرواله في فتحة توجد تحت عظم خصره الأيمن،واستغرب الجميع من منظر الحزام الجلدي المتلاشي وهو يلتف لفتين ونصف حول خاصرة الجيلالي الضامرة ،ويتوفر منه بعد كل ذلك جزء تدلى من وراء مؤخرته.
تأبط بحرص محفظته التي تبرعت عليه بها إحدى الجمعيات الخيرية المشبوهة وسوقت صورته وإياها على كل النشرات التلفزية ،وملاحق الصحف الاجتماعية، ومنتديات التسول الإلكترونية.غادر الفصل الذي يفتقد لكل نوافذه مخمنا:“أنا الجيلالي من ينوء كاهله بحمل أوجاع سبتة ومليلية،وبغداد وغزة وسربرنيتشا ،أسأل في آخر أيام تعليمي الابتدائي عن مجموع أربعة وواحد! يا سبحان الله..ربما لو بادرني بالسؤال معكوسا وسألني عن خمسة ناقص واحد لكان جوابي بديهيا ومنطقيا.
أعلم أنه لم يكن عادلا عندما طردني من فصله.بل ولم يكن له أصلا أي حق في طردي.غير أنني أعذره ما دام لا يستخدم حاسة سمعه معنا،ولا يجيد الإنصات لهمومنا ورغباتنا..أعذره مادام لا يعلم أن مسجد الدوار- والذي لم يسبق أن ارتاده يوما-يؤذن لأربع صلوات جماعية لا غير ويتجاهل فقهاؤه الآذان لفريضة الصبح ورغيبة الفجر..أعذره مادام يبدع فقط في استخدام وسطاه لإهانتنا والانتقاص من قدرنا..أعذره مادام لا يعي أننا ننتمي لقارة يرفض الكبار انتشالها من براثين الفقر والقهر والجهل والاستبداد والتطاحن العرقي ويمعنون في امتهان كرامة مواطنيها وتلامذتها بالتجويع والتحقيروالتفقير...
ابتعد الجيلالي عن الهضبة التي أقيمت عليها فرعيته المعزولة،تراءت له صورة ماعزاته الخمس اللواتي تنتظرن عودته يوميا بثغاء فرح.وتذكر كيف دأب على تسميتهن وتربيتهن منذ كان راعيا دون أجرة،إلى أن صار راعيا تتهافت عليه الدواوير،ويتنافس على خدماته وخبراته أرباب الضيعات والمراعي خلال عطله المدرسية الطويلة.وهاهو اللحظة يعتقد أنه سيصير راعيا متفرغا بعدما فصله مدرسه من المدرسة بجملة خرقاء طائشة..
استحضر حزينا ناكصا عدة عمله الشهيرة،نايه الأصفر،مقلاعه الأحمر،إبريق شايه الأسود،سلة مؤنته القصبية وجلبابه الصوفي المرقع..وخمن متحسرا كون عدته بات يلزمها شيء من التطوير والتجديد لتساير تخصصه المهني الجديد ..
للجيلالي في ملكه الخاص خمس ماعزات،أسماهن تيمنا بالألوان والأفلام والفصول.
حميرة،القرعية،بوقصيصة،الحويجبة وإيزميرالدا..
حميرة، تعشق الكلأ الجاف،وشطب الخروب،وأوراق تمار التين والزيتون.وتعلن بشكل فاضح ميلها لطعام وسلوك البشرالمتحضر.تعرضت مرارا لنهش كلاب الحراسة ولدغات الزواحف الأليفة..
إيزميرالدا تحب البرسيم الأخضر اليانع، وكل طعم لاذع..بل وتمكنت من تطوير مهاراتها البافلوفية حتى باتت تجاري وتحاكي سلوك بني البشر من أجل نيل قضمة خبز بالفلفل الحار.أجمع الكل على فساد أخلاقها وتحررها الحيواني المشين..
الحويجبة لا تتردد في إعلان ميلها المرضي لقشور كل الخضراوات والفواكه. وقد اكتشف الجيلالي منذ ولادتها شدة إدمانها على طعم الخبز الفاسد المخلوط بزيت القلي المحروق.بل إنه كان يباغتها مرارا وهي تلتهم الثرى والجبص، وتعبث في المياه العكرة.وتحشر أنفها في أبعد وأصغر شقوق الحيطان...
بوقصيصة حاول الجيلالي إرغامها على الصوم لسنوات خلت، حتى يفتخر بقدها وقوامها ويشارك بها في مسابقة الماعز السنوية..غير أنها كانت متخصصة في إضحاك ساكنة الدوار وترجمة مقالب جحا إلى اللغة الحيوانية ..
القرعية،لم يضبط الجيلالي ولهها الغذائي،اعتقدها لاحمة يوم فاجأها وهي تعبث بفأر ميت.غير أنه اقتنع بعد طول مراقبة أنها لا تحب الثغاء والأكل عند حضور الغرباء... وتداول أطفال الدوار مؤخرا إشاعة مصادقتها للذئاب والنسور.
لايزال الجيلالي يذكر يوم أداع“البراح“عبر مكبر صوت مئذنة مسجد الصلوات الأربع ،عن نبأ اختفاء إيزميرالدا معشوقة الدوار.ولا زال يتذكر بأسى شديد كيف ضبطوا فقيه الدوار المزواج وهو يهم بذبح إيزميرالدا عند عتبة باب مومس الدوار طمعا في تطييب خاطرها، وإرضائها وإقناعها لجعلها زوجة عرفية خامسة له في السر..
نفض الجيلالي عن ذاكرته صوت ثغاء ماعزته الحزين، وجرم الفقيه اللص، وعاد أدراجه صوب الفصل مستحضرا بغضب كبير سؤاله معلمه المستفز..
اعترضه المعلم عند مدخل الباب مكشرا عن أنيابه وعصيه الحقيقية.غير أن الجيلالي بادره محاذرا لاهتا:
-لم أعد لأتراجع عن جوابي.جئت لأعترف لك أنني أنا من كسر مصابيح الفصل الأربعة..نعم أنا..فمصباح واحد يكفي مادامت مصابيحك الأخلاقية والمعرفية معطلة هي الأخرى...ولعلمك فالعبرة ليست بكهرباء الفصل ..إنما العبرة بكهرباء إيمانك وإخلاصك وتسامحك.
وقبل أن يمنح لمعلمه فرصة الإمساك به أو الرد عليه أو انتهاك كل بنود الميثاق الدولي لحقوق الطفل فر متراجعا وهو يصرخ:أربعة زائد واحد لا يمكن..لا يمكن..لا يمكن..لا يووووووووومكيييييييين ...
تعليق