حرية الرأي والنقد في الإسلام

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • الدكتور عادل عامر
    • 09-07-2010
    • 4

    حرية الرأي والنقد في الإسلام

    حرية الرأي والنقد في الإسلام
    الدكتور عادل عامر
    من القضايا المثارة بشدة في عالمنا العربي حاليًا، قضية حرية الإعلام، والصحافة على وجه الخصوص، بعدما رأى المواطن العربي الفارق كبيرًا ومهولاً بين سقف الحرية المنخفض والمتلاشي تقريبًا الذي فرضته عليه الأنظمة العربية من خلال صحافتها وأجهزة إعلامها عقودًا طويلة، وبين ما رآه من حرية ومهنية وكفاءة وخدمة إعلامية متميزة (نموذج قناة الجزيرة ومن سار على نهجها). وبعد الحراك السياسي والثقافي والاجتماعي الذي أحدثته القنوات الفضائية الجادة في الشارع العربي، ارتعدت فرائص أنظمتنا السياسية، وأخذت تبحث عن العراقيل والعقبات التي يمكن فرضها على الإعلام والصحافة لعرقلة الإعلام الحر والناجح.
    وهكذا، فإن النظم العربية، بشكل عام، متربصة دائمًا بالصحافة والصحافيين وبأقلام أهل الفكر بصورة عامة وليس الصحافيين فقط. وعلى سبيل المثال ففي عام 1995 أقر مجلس الشعب المصري، في جلسة بليل مظلم وبأقلية حاضرة لا تمثل النسبة المقررة قانونًا لصحة الجلسة، القانون رقم 93 والذي تم فيه تغليظ العقوبة وتنويعها في جرائم النشر أيًا كان فاعلها أيضًا والذي أطلق عليه قانون "اغتيال الصحافة". وبما أن الصحافيين هم الأغلبية الذين ينشرون ويكشفون الفساد الإداري وفساد الوزراء وتجاوزات أهل الحكم فقد كانوا هم المقصودين، ووقف الصحافيون موقفًا مشرفًا في وجه هذا القانون المشبوه، حتى أسقطوه. وقد جرت العادة في التشريعات الإعلامية المصرية على أن الأصل في قضايا النشر هو ألا تكون هناك عقوبة أساسًا، فقط تلتزم جهة النشر بنشر رد من تعرضت له (بمقال أو تحقيق أو أي شكل من أشكال النشر) ويتم نشر الرد مهما كان مكذبًا لما كتب، ومهما كان قاسيًا على من كتب؛ لأن الحكم في النهاية يجب أن يكون للرأي العام الذي من حقه أن يعرف الحقائق كاملة بغير مداراة. وكان الأصل في قضايا النشر قبل تعديلات قانون "93" لسنة 1995 أن العقوبة فيها هي غرامة لا تزيد على 500 جنيه إذا كان النشر قد تضمن قذفًا في حق موظف عام، أو 50 جنيهًاً إذا كان في حق غير الموظف العام، وهذه كانت كافية جدًا؛ لأن القصد من العقوبة أساسًا هو تقرير المسئولية الجنائية التي يترتب عليها مسئولية مدنية، وعندها يحق لمن وقعت في حقه إحدى جرائم النشر أن يحصل علي تعويض يجبر الضرر الأدبي أو المادي الذي لحق به بسبب النشر غير الصحيح أو غير الصادق، وبالتأكيد لم يكن في حبس الصحافي أو رئيس التحرير أو مالك الجريدة أو مصدر المادة الصحفية أي نوع من أنواع التعويض لمن أصابه ضرر من النشر غير الصحيح.
    لكن في نفس الوقت، تعددت نصوص مواد قانون العقوبات التي تجرم بعض الأفعال التي تتم عن طريق النشر أو الصحافة منها على سبيل المثال: جريمة نشر الأخبار الكاذبة وجريمة ترويج الإشاعات، وجريمة الترويج لتغيير مبادئ الدستور الأساسية، أو النظم الأساسية للهيئة الاجتماعية أو لتسويد طبقة اجتماعية على غيرها من الطبقات، أو للقضاء على طبقة اجتماعية، أو لقلب نظم الدولة الأساسية الاجتماعية أو الاقتصادية، أو لهدم أي نظام من النظم الأساسية للهيئة الاجتماعية.
    وكذلك جريمة حيازة صور تسيء إلى سمعه البلاد، وجريمة إهانة رئيس الجمهورية، والعيب في حق ملك أو رئيس دولة أجنبية، و العيب في حق ممثلي الدول الأجنبية المعتمدين في مصر، وإهانة مجلس الشعب أو الشورى أو الهيئات النظامية أو الجيش أو المحاكم أو السلطات أو المصالح الحكومية وسب موظف عام بسبب أداء الوظيفة، وكذلك نشر أخبار أو إشاعات كاذبة بسوء قصد من شأنها تكدير السلم العام وإثارة الفزع بين الناس.
    وهذه الجرائم هي الجرائم التي نص عليها قانون العقوبات المصري بالإضافة إلى قوانين أخرى تشمل جرائم أخرى، فنجد قيودًا على حرية الصحافة قررها قانون تنظيم الصحافة.
    والنقد المباح هو إبداء الرأي في أمر أو عمل دون المساس بشخص صاحب الأمر أو العمل بغية التشهير به أو الحط من كرامته.
    وحق النقد يستند أساسًا على نص دستوري هام أرسى هذا النص قاعدة من قواعد الحريات وهي حرية الكلمة والتعبير والقول وهو نص المادة 47 من الدستور والتي تقضى بأن، [حرية الرأي مكفولة، ولكل إنسان التعبير عن رأيه ونشره بالقول أو الكتابة أو التصوير أو غير ذلك من وسائل التعبير في حدود القانون، والنقد الذاتي والنقد البناء ضمان لسلامة البناء الوطني].
    حدود استخدام حق النقد فالنقد حق للأفراد يستعمله من يشاء بدون مسئولية مادام قد عمل في الحدود التي رسمها القانون، والنقد هو تعليق على تصرف وقع فعلاً أو حكم على واقعة مسلمة. فالنقد المباح ليس إلا إبداء الرأي في أمر أو عمل دون المساس بشخص أو صاحب هذا العمل أو الأمر، بغية التشهير به أو الحط من كرامته. إلا أن القانون أباح الإسناد العلني لما يعد قذفًا، وذلك في أحوال بذاتها هي تلك التي يقتضيها الطعن في أعمال الموظفين العموميين أو المكلفين بالخدمة العامة أو ذوي الصفة النيابية العامة باعتبار أن هذه الأعمال من الشئون العامة التي لا يجوز أن يكون الاهتمام بالاستقامة في أدائها والالتزام بضوابطها ومتطلباتها وفقُا للقانون مقصورًا على فئة من المواطنين دون أخرى، بما مؤداه أن يكون انتقاد جوانبها السلبية وتعرية نواحي التقصير فيها وبيان أوجه مخالفة القانون في مجال ممارستها، حقًا لكل مواطن وفاء بالمصلحة العامة التي يقتضيها النهوض بالمرافق العامة وأداء المسئولية العامة على الوجه الأكمل. فإذا كان انتقاد القائم من هؤلاء بالعمل العام منطويًا على إسناد واقعة أو وقائع بذاتها علانية إليه من شأنها ـ لو صحت ـ عقابه أو احتقاره، وكان هذا الإسناد بحسن نية، واقعًا في مجال الوظيفة العامة أو النيابة أو الخدمة العامة ملتزمًا إطارها، اعتبر ذلك قذفا مباحًا قانونًا عملاً بنص الفقرة الثانية من المادة 302 من قانون العقوبات. وهي في كل حال لا تعدو أن تكون تطبيقًا لقاعدة عامة في مجال استعمال الحق، إذ يعتبر هذا الاستعمال دومًا سببًا للإباحة، كلما كان الغرض منه تحقيق المصلحة الاجتماعية التي شرع الحق من أجلها. والفرق بين النقد العام والسب واضح، فالنقد تحدثنا عنه، أما السب: فهو خدش شرف شخصي وعده عمدًا - بأي وجه من الوجوه دون أن ينطوي ذلك على إسناد واقعه معينة إليه، وقد جاء تعريف السب وبيان عقوبته في المادة 306 من قانون العقوبات التي تنص على: "كل سب لا يشمل على إسناد واقعة، بل يتضمن بأي وجه من الوجوه خدشًا للشرف والاعتبار، يعاقب عليه في الأحوال المبينة بالمادة 171 بالحبس مده لا تجاوز سنة وبغرامة لا تزيد على مائتي جنية أو بإحدى هاتين العقوبتين".
    موقف الشريعة
    وإذا كان هذا هو موقف القانون الوضعي من حق النقد العام، وكذلك موقفه من جريمتي القذف والسب، فإن الشريعة الإسلامية قد حثت على حرية الرأي والتعبير؛ فقد قال تعالى: {وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ }[البقرة:104] وقال تعالى: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} [آل عمران: 110] وقال تعالى: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ} [التوبة: 71]. كما أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قال: (لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليبسط الله عليكم شراركم ثم يدعو خياركم فلا يستجاب لهم)، وقال أيضًا: (من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان). ومما يروى عن الخليفة الراشد عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ قوله: "أطيعوني ما أطعت الله ورسوله فيكم فإن وجدتم فيّ اعوجاجًا فقوموني، فقام رجل فقال: والله يا عمر لو وجدنا فيك اعوجاجًا لقومناك بسيوفنا، فقال رضي الله عنه: الحمد لله الذي أوجد في أمة محمد من يقوم اعوجاج عمر بحد السيف، والحمد لله أن في الأمة ثباتاً". والشريعة الإسلامية تعتبر النقد البناء مصلحة للمجتمع إذ إن الناقد عندما يتعرض لواقعة معينة معلقا عليها ومفندًا جوانبها بالرأي فيها وتجريحها أن كان هناك مجالاً لهذا بالحق حتى يستطيع الجمهور أن يتفهم حقيقة الواقعة وصحتها ومثالبها وكشف ما قد يعتريها من انحراف أو فساد وهنا تتحقق مصلحة المجتمع التي هي فوق مصلحة الفرد الذي قد يصيبه الضرر من جراء هذا النقد. والشريعة الإسلامية تتسامح بشكل كبير مع الذين يشتغلون بالتحليلات السياسية وانتقاد الحكام أو المسئولين أو الوزراء في شئون تتعلق بعملهم، فإذا شاب هذا النقد عبارات قد يراها البعض شائنة من باب أن الوزير أو المسئول ضعيف، أو أنه وزير للأغنياء فقط ورجال الأعمال، أو أنه يتعجل بيع الشركات الناجحة، أو أنه مسئول عن أرواح الضحايا أو أن وزارته فاسدة أو يجب إقالته .. هذا كله تعتبره الشريعة نقدًا عامًا مباحًا، وقد تأثر بها في هذا الصدد القانون الوضعي وأخذ منها. فالشريعة تعتبر أن النقد الذي لحق بالمسئول، إذا كان متعلقًا بأعمال وزارته ولم يلحق بشخصه إلا بالقدر الذي يمس عمله وكان الغرض من النقد حتى ولو كان لاذعًا أو به شطط أو حتى عبارات شائنة، طالما أن الغرض منه إبراز وتوضيح هذه التصرفات للجمهور وبشكل يستطيع أن يفهمها ويدرك أبعادها وحقيقتها فلا عقاب، ويترك الأمر لسلطة القاضي التقديرية من ظروف وملابسات الدعوى. والشريعة متفقة مع القانون في أنه لإباحة النقد لا بد من توافر شروط أربعه وهي أن يكون النقد مستندًا على واقعة ثابتة ومعلومة، وأن تكون الواقعة ما يهم الجمهور، وأن يكون النقد متعلقًا بالواقعة وحدودها، وتوافر حسن النية. يبقى أن الشريعة جعلت عقوبة السب، متى ثبتت، هي العقوبة التعزيرية التي يحددها القاضي، حسب ظروف الحالة وملابساتها. أما عقوبة القذف، وهي ثمانون جلدة، فإنها لا يتم إقرارها إلا بعد التحري الدقيق، والتأكد من إسناد تهمة غير حقيقية لإنسان بريء، مع توافر سوء النية والقصد.



  • د. م. عبد الحميد مظهر
    ملّاح
    • 11-10-2008
    • 2318

    #2
    بسم الله الرحمن الرحيم

    الأخ الكريم د. عادل عمر

    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

    أهلاً و مرحباً بك فى ملتقى الحوار الفكري.

    الملتقى الفكرى ملتقى حوارى ، فما هى المحاور التى تحب أن يدور حولها النقاش لموضوع حضرتك؟

    وللاستئناس بمعايير النشر بالصالون الرجاء قراءة..

    ضوابط النشر في الصالون الأدبي
    http://www.almolltaqa.com/vb/showthread.php?t=58405


    و تحياتى

    تعليق

    • حسين ليشوري
      طويلب علم، مستشار أدبي.
      • 06-12-2008
      • 8016

      #3
      القلم و الملك ! (قصة قصيرة) !

      الأستاذ الدكتور عادل عامر : تحية طيبة، السلام عليكم ورحمة الله تعالى و بركاته.
      ومرحبا بك أخي الكريم في بيتك "ملتقى الأدباء و المبدعين العرب" و مع إخوانك.
      جهد مشكور لك أخي الكريم، بارك الله فيك.
      يقال إن الصحافة هي السلطة الرابعة بعد السلطات الثلاث الأخرى : التشريعية و التنفيذية و القضائية، هكذا يقال عادة، لكن الصحافة في الوطن العربي عموما هي السلطة الراكعة !!! كما وصفها أحد الإخوة الظرفاء !
      و لعل في حياة الصحابة الكرام، رضي الله عنهم أجمعين، الأنموذج الصحيح لحرية التعبير و ممارستها الفعلية في حياة النبي، صلى الله عليه وسلم، و بعدها في الخلافة الراشدة، ثم ظهر الاستبداد الشمولي في كل ميدان و منه حرية التعبير خصوصا ! إن الإسلام يمنح حرية التعبير مساحة كبيرة و يوفر لها الوسائل و يضمن له الحماية حتى يتنفس الناس بأمان في كل زمان و مكان، لكن الاستبداد السياسي و التعصب العقدي و الضعف الفكري قلصت كلها مساحة حرية التعبير على المسلمين أولا و على غيرهم ثانيا، و قد ورث الحكام العرب الاستبداد السياسي و كمموا الأفواه الشريفة و جففوا الأقلام النزيهة خوفا من الحق و الحقيقة !
      أتوقف هنا الآن حتى يتكرم الله علي بالمزيد، و أقترح عليك قراءة القصة التالية:
      القلم و الملك ! (قصة قصيرة)
      تحيتي و تقديري.
      حُسين.
      sigpic
      (رسم نور الدين محساس)
      (رسّام بجريدة المساء الجزائرية 1988)

      "القلم المعاند"
      (قلمي هذا أم هو ألمي ؟)
      "رجوت قلمي أن يكتب فأبى، مُصِرًّا، إلاَّ عِنادا
      و بالرَّفض قابل رجائي و في الصَّمت تمــادى"

      تعليق

      • الدكتور عادل عامر
        • 09-07-2010
        • 4

        #4
        إن حرية التعبير تمثل فى ذاتها قيمة عليا لا تنفصل الديمقراطية عنها ، وإنما تؤسس الدول على ضوئها مجتمعاتها صوناً لتفاعل مواطنيها معها ، بما يكفل تطوير بنيانها وتعميق حرياتها ، وإن جاز القول بأن لحرية التعبير أهدافها التى يتصدرها بناء دائرة للحوار العام لا تنحصر آفاقها ولا أدواتها ، تدنى الحقائق إليها فلا يكون التعبير عن الآراء حائلاً دون مقابلتها ببعض وتقييمها ، ولا مناهضتها لآراء قبلها آخرون ، مؤدياً إلى تهميشها ، ولا تلقيها عن غيرها مانعاً من ترويجها أو مقصوراً على بعض جوانبها ، ولا تدفقها من مصادر تزدريها مستوجباً إعاقتها أو تقييدها . كذلك فإن إنمائها للشخصية الفردية وضمان تحقيقها لذاتها ، إنما يدعم إسهامها فى أشكال من الحياة تتعدد ملامحها بما يكفل حيويتها وترابطها ، فلا يكون تنظيمها مقتضياً إلا اقل القيود التى تفرضها الضرورة . إن حرية التعبير ــ وكلما كان نبضها فاعلاً وتأثيرها عريضاً ــ هى الطريق لبناء نظم ديمقراطية تتعدد معها مراكز إتخاذ القرار ، تتسم بتسامحها مع خصومه
        ا ، ومسئوليتها قبل مواطنيها ، وبرفضها لكل قيد يخل بمصداقيتها ، وإستجابتها بالإقناع لإرادة التغيير ، وطرحها من خلال الحوار لبدائل يفاضلون بينها لاختيار أصلحها ، أيا كان مضمونها . ما تقدم مؤداه ، أن الآراء على إختلافها لا يجوز إجهاضها ، ولا مصادرة أدواتها ، أو فصلها عن غاياتها ، ولو كان الآخرون لا يرضون بها ، أو يناهضونها ، أو يرونها منافية لقيم محدودة أهميتها يروجونها ، أو يحيطون ذيوعها بمخاطر يدعونها ، ولا يكن لها من وضوحها وواقعها ، ما يبرر القول بوجودها . إن المشرع وكلما تدخل بلا ضرورة ، لتقييد عرض آراء بذواتها بقصد طمسها أو التجهيل بها بالنظر إلى مضمونها Content-based abridgments ، كان ذلك إصماتاً مفروضاً بقوة القانون فى شأن موضوع محدد إنتقاه المشرع إنحيازاً ، مائلاً بالقيم التى تحتضنها حرية التعبير عن متطلباتها التى تكفل تدفق الآراء وإنسيابها بغض النظر عن مصدرها أو محتواها ، ودون ما إعتداد بمن يتلقونها أو يطرحونها ، وبمراعاة أن الحق فى الحوار العام ، يفترض تساويها فى مجال عرضها وتسويقها . إن إكراه البعض على القبول بآراء يعارضونها أو تبنيها ، لا يقل سوءاً عن منعهم من التعبير عن آراء يؤمنون بها أو يدعون إليها ، وهو ما يعنى أن الحمل على إعتناق بعض الآراء ، أو إقماع غيرها ، سوءتان تناقضان مفهوم حوار يقوم على عرض الأفكار وتبادلها والاقناع بها . كذلك فإن موضوعية الحوار ــ وعلى الأخص كلما كان بناء ــ شرطها شفافية العناصر التى يدور الجدل حولها ، بما يحول دون حجبها أو تشويهها أو تزييفها . وتعلق مفهوم الحوار بالقبول بآراء أو برفضها بعد موازنتها ببعض ، وعلى ضوء حقائقها وحكم العقل بشأنها ، مؤداه أن كل أقوال يكون بها الحوار منتفياً ، كتلك التى تحرض على إستعمال القوة إستثارة لنوازع العدوان عند من يتلقونها ، وإضراراً بالآخرين ، لا يجوز أن تتخذ من حرية التعبير سنداً ، تقديراً بأن مفهوم عرض الآراء والأفكار من أجل تقييمها ــ على ضوء صحتها أو بهتانها ــ منحسر عنها ، فضلاً عن إقترانها بمضار لا يجوز القبول بها .

        تعليق

        • محمد جابري
          أديب وكاتب
          • 30-10-2008
          • 1915

          #5
          المشاركة الأصلية بواسطة الدكتور عادل عامر مشاهدة المشاركة
          حرية الرأي والنقد في الإسلام
          الدكتور عادل عامر
          من القضايا المثارة بشدة في عالمنا العربي حاليًا، قضية حرية الإعلام، والصحافة على وجه الخصوص، بعدما رأى المواطن العربي الفارق كبيرًا ومهولاً بين سقف الحرية المنخفض والمتلاشي تقريبًا الذي فرضته عليه الأنظمة العربية من خلال صحافتها وأجهزة إعلامها عقودًا طويلة، وبين ما رآه من حرية ومهنية وكفاءة وخدمة إعلامية متميزة (نموذج قناة الجزيرة ومن سار على نهجها). وبعد الحراك السياسي والثقافي والاجتماعي الذي أحدثته القنوات الفضائية الجادة في الشارع العربي، ارتعدت فرائص أنظمتنا السياسية، وأخذت تبحث عن العراقيل والعقبات التي يمكن فرضها على الإعلام والصحافة لعرقلة الإعلام الحر والناجح.
          وهكذا، فإن النظم العربية، بشكل عام، متربصة دائمًا بالصحافة والصحافيين وبأقلام أهل الفكر بصورة عامة وليس الصحافيين فقط. وعلى سبيل المثال ففي عام 1995 أقر مجلس الشعب المصري، في جلسة بليل مظلم وبأقلية حاضرة لا تمثل النسبة المقررة قانونًا لصحة الجلسة، القانون رقم 93 والذي تم فيه تغليظ العقوبة وتنويعها في جرائم النشر أيًا كان فاعلها أيضًا والذي أطلق عليه قانون "اغتيال الصحافة". وبما أن الصحافيين هم الأغلبية الذين ينشرون ويكشفون الفساد الإداري وفساد الوزراء وتجاوزات أهل الحكم فقد كانوا هم المقصودين، ووقف الصحافيون موقفًا مشرفًا في وجه هذا القانون المشبوه، حتى أسقطوه. وقد جرت العادة في التشريعات الإعلامية المصرية على أن الأصل في قضايا النشر هو ألا تكون هناك عقوبة أساسًا، فقط تلتزم جهة النشر بنشر رد من تعرضت له (بمقال أو تحقيق أو أي شكل من أشكال النشر) ويتم نشر الرد مهما كان مكذبًا لما كتب، ومهما كان قاسيًا على من كتب؛ لأن الحكم في النهاية يجب أن يكون للرأي العام الذي من حقه أن يعرف الحقائق كاملة بغير مداراة. وكان الأصل في قضايا النشر قبل تعديلات قانون "93" لسنة 1995 أن العقوبة فيها هي غرامة لا تزيد على 500 جنيه إذا كان النشر قد تضمن قذفًا في حق موظف عام، أو 50 جنيهًاً إذا كان في حق غير الموظف العام، وهذه كانت كافية جدًا؛ لأن القصد من العقوبة أساسًا هو تقرير المسئولية الجنائية التي يترتب عليها مسئولية مدنية، وعندها يحق لمن وقعت في حقه إحدى جرائم النشر أن يحصل علي تعويض يجبر الضرر الأدبي أو المادي الذي لحق به بسبب النشر غير الصحيح أو غير الصادق، وبالتأكيد لم يكن في حبس الصحافي أو رئيس التحرير أو مالك الجريدة أو مصدر المادة الصحفية أي نوع من أنواع التعويض لمن أصابه ضرر من النشر غير الصحيح.
          لكن في نفس الوقت، تعددت نصوص مواد قانون العقوبات التي تجرم بعض الأفعال التي تتم عن طريق النشر أو الصحافة منها على سبيل المثال: جريمة نشر الأخبار الكاذبة وجريمة ترويج الإشاعات، وجريمة الترويج لتغيير مبادئ الدستور الأساسية، أو النظم الأساسية للهيئة الاجتماعية أو لتسويد طبقة اجتماعية على غيرها من الطبقات، أو للقضاء على طبقة اجتماعية، أو لقلب نظم الدولة الأساسية الاجتماعية أو الاقتصادية، أو لهدم أي نظام من النظم الأساسية للهيئة الاجتماعية.
          وكذلك جريمة حيازة صور تسيء إلى سمعه البلاد، وجريمة إهانة رئيس الجمهورية، والعيب في حق ملك أو رئيس دولة أجنبية، و العيب في حق ممثلي الدول الأجنبية المعتمدين في مصر، وإهانة مجلس الشعب أو الشورى أو الهيئات النظامية أو الجيش أو المحاكم أو السلطات أو المصالح الحكومية وسب موظف عام بسبب أداء الوظيفة، وكذلك نشر أخبار أو إشاعات كاذبة بسوء قصد من شأنها تكدير السلم العام وإثارة الفزع بين الناس.
          وهذه الجرائم هي الجرائم التي نص عليها قانون العقوبات المصري بالإضافة إلى قوانين أخرى تشمل جرائم أخرى، فنجد قيودًا على حرية الصحافة قررها قانون تنظيم الصحافة.
          والنقد المباح هو إبداء الرأي في أمر أو عمل دون المساس بشخص صاحب الأمر أو العمل بغية التشهير به أو الحط من كرامته.
          وحق النقد يستند أساسًا على نص دستوري هام أرسى هذا النص قاعدة من قواعد الحريات وهي حرية الكلمة والتعبير والقول وهو نص المادة 47 من الدستور والتي تقضى بأن، [حرية الرأي مكفولة، ولكل إنسان التعبير عن رأيه ونشره بالقول أو الكتابة أو التصوير أو غير ذلك من وسائل التعبير في حدود القانون، والنقد الذاتي والنقد البناء ضمان لسلامة البناء الوطني].
          حدود استخدام حق النقد فالنقد حق للأفراد يستعمله من يشاء بدون مسئولية مادام قد عمل في الحدود التي رسمها القانون، والنقد هو تعليق على تصرف وقع فعلاً أو حكم على واقعة مسلمة. فالنقد المباح ليس إلا إبداء الرأي في أمر أو عمل دون المساس بشخص أو صاحب هذا العمل أو الأمر، بغية التشهير به أو الحط من كرامته. إلا أن القانون أباح الإسناد العلني لما يعد قذفًا، وذلك في أحوال بذاتها هي تلك التي يقتضيها الطعن في أعمال الموظفين العموميين أو المكلفين بالخدمة العامة أو ذوي الصفة النيابية العامة باعتبار أن هذه الأعمال من الشئون العامة التي لا يجوز أن يكون الاهتمام بالاستقامة في أدائها والالتزام بضوابطها ومتطلباتها وفقُا للقانون مقصورًا على فئة من المواطنين دون أخرى، بما مؤداه أن يكون انتقاد جوانبها السلبية وتعرية نواحي التقصير فيها وبيان أوجه مخالفة القانون في مجال ممارستها، حقًا لكل مواطن وفاء بالمصلحة العامة التي يقتضيها النهوض بالمرافق العامة وأداء المسئولية العامة على الوجه الأكمل. فإذا كان انتقاد القائم من هؤلاء بالعمل العام منطويًا على إسناد واقعة أو وقائع بذاتها علانية إليه من شأنها ـ لو صحت ـ عقابه أو احتقاره، وكان هذا الإسناد بحسن نية، واقعًا في مجال الوظيفة العامة أو النيابة أو الخدمة العامة ملتزمًا إطارها، اعتبر ذلك قذفا مباحًا قانونًا عملاً بنص الفقرة الثانية من المادة 302 من قانون العقوبات. وهي في كل حال لا تعدو أن تكون تطبيقًا لقاعدة عامة في مجال استعمال الحق، إذ يعتبر هذا الاستعمال دومًا سببًا للإباحة، كلما كان الغرض منه تحقيق المصلحة الاجتماعية التي شرع الحق من أجلها. والفرق بين النقد العام والسب واضح، فالنقد تحدثنا عنه، أما السب: فهو خدش شرف شخصي وعده عمدًا - بأي وجه من الوجوه دون أن ينطوي ذلك على إسناد واقعه معينة إليه، وقد جاء تعريف السب وبيان عقوبته في المادة 306 من قانون العقوبات التي تنص على: "كل سب لا يشمل على إسناد واقعة، بل يتضمن بأي وجه من الوجوه خدشًا للشرف والاعتبار، يعاقب عليه في الأحوال المبينة بالمادة 171 بالحبس مده لا تجاوز سنة وبغرامة لا تزيد على مائتي جنية أو بإحدى هاتين العقوبتين".
          موقف الشريعة
          وإذا كان هذا هو موقف القانون الوضعي من حق النقد العام، وكذلك موقفه من جريمتي القذف والسب، فإن الشريعة الإسلامية قد حثت على حرية الرأي والتعبير؛ فقد قال تعالى: {وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ }[البقرة:104] وقال تعالى: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} [آل عمران: 110] وقال تعالى: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ} [التوبة: 71]. كما أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قال: (لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليبسط الله عليكم شراركم ثم يدعو خياركم فلا يستجاب لهم)، وقال أيضًا: (من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان). ومما يروى عن الخليفة الراشد عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ قوله: "أطيعوني ما أطعت الله ورسوله فيكم فإن وجدتم فيّ اعوجاجًا فقوموني، فقام رجل فقال: والله يا عمر لو وجدنا فيك اعوجاجًا لقومناك بسيوفنا، فقال رضي الله عنه: الحمد لله الذي أوجد في أمة محمد من يقوم اعوجاج عمر بحد السيف، والحمد لله أن في الأمة ثباتاً". والشريعة الإسلامية تعتبر النقد البناء مصلحة للمجتمع إذ إن الناقد عندما يتعرض لواقعة معينة معلقا عليها ومفندًا جوانبها بالرأي فيها وتجريحها أن كان هناك مجالاً لهذا بالحق حتى يستطيع الجمهور أن يتفهم حقيقة الواقعة وصحتها ومثالبها وكشف ما قد يعتريها من انحراف أو فساد وهنا تتحقق مصلحة المجتمع التي هي فوق مصلحة الفرد الذي قد يصيبه الضرر من جراء هذا النقد. والشريعة الإسلامية تتسامح بشكل كبير مع الذين يشتغلون بالتحليلات السياسية وانتقاد الحكام أو المسئولين أو الوزراء في شئون تتعلق بعملهم، فإذا شاب هذا النقد عبارات قد يراها البعض شائنة من باب أن الوزير أو المسئول ضعيف، أو أنه وزير للأغنياء فقط ورجال الأعمال، أو أنه يتعجل بيع الشركات الناجحة، أو أنه مسئول عن أرواح الضحايا أو أن وزارته فاسدة أو يجب إقالته .. هذا كله تعتبره الشريعة نقدًا عامًا مباحًا، وقد تأثر بها في هذا الصدد القانون الوضعي وأخذ منها. فالشريعة تعتبر أن النقد الذي لحق بالمسئول، إذا كان متعلقًا بأعمال وزارته ولم يلحق بشخصه إلا بالقدر الذي يمس عمله وكان الغرض من النقد حتى ولو كان لاذعًا أو به شطط أو حتى عبارات شائنة، طالما أن الغرض منه إبراز وتوضيح هذه التصرفات للجمهور وبشكل يستطيع أن يفهمها ويدرك أبعادها وحقيقتها فلا عقاب، ويترك الأمر لسلطة القاضي التقديرية من ظروف وملابسات الدعوى. والشريعة متفقة مع القانون في أنه لإباحة النقد لا بد من توافر شروط أربعه وهي أن يكون النقد مستندًا على واقعة ثابتة ومعلومة، وأن تكون الواقعة ما يهم الجمهور، وأن يكون النقد متعلقًا بالواقعة وحدودها، وتوافر حسن النية. يبقى أن الشريعة جعلت عقوبة السب، متى ثبتت، هي العقوبة التعزيرية التي يحددها القاضي، حسب ظروف الحالة وملابساتها. أما عقوبة القذف، وهي ثمانون جلدة، فإنها لا يتم إقرارها إلا بعد التحري الدقيق، والتأكد من إسناد تهمة غير حقيقية لإنسان بريء، مع توافر سوء النية والقصد.


          الأستاذ الدكتور عادل عامر؛

          الحق ينتزع ولا ينتظر المرء أن يتسلمه فوق طبق من ذهب، هدية من طغاة العصر.

          الإعلام المرئي ذهب بشعبية الحكام، وكشف ثغرات كثيرا ما تستر عنها الإعلام الرسمي.

          أما الإعلام الحر -إن صح التعبير-، فهو لا زال يحبو، والمؤامرات تحاك ضده من كل زاوية،، وما الدعاوي اليهودية ضد الجزيرة مطالبة بملايير الدولارات إلا الصيد في المياه العفنة ضد قناة كان لوقع إعلامها العربي أو الإنجليزي أثر بالغ في تعرية ألاعيب اليهود...

          وساحة الوغى لا تعرف مكانا بعينه، إنها الحروب المفتوحة، على كل واجهة.

          وليس من سبيل أيسر لإتمام نعمة الله على العبد من الصدع بالحق وعدم خشية الظالمين، واقرأ قوله تعالى:

          {لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمْ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي وَلأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ }البقرة150

          فهل يخرج المسلم من صمت يسمه برتبة "شيطان أخرس" إلى الجهر بالحق لينال رتبة درجة "سيد الشهداء" عند ربه؟

          فهل من همة عالية، تقفز للأمام وتستعد للتضحيات الجسام، لكسر القيود، وفك الأصر، واختراق الحدود، ورفع الحجر؟
          http://www.mhammed-jabri.net/

          تعليق

          يعمل...
          X