العريس والمزهرية...
"عانس"، والقطار الأخير على وشك الإنطلاق.. مع أنها فتاة جميلة، باستثناء
أنفها الطويل بعض الشيء، وشعرها الذي لم تشرق في خصله الشمس أبدا ... "
أنفها الطويل بعض الشيء، وشعرها الذي لم تشرق في خصله الشمس أبدا ... "
كانت "مريم" حديث "صباحات" نساء الحارة، يحتسين ما تبقى من روحها مع القهوة المرّة، واحدة تبكي لحالها، وأخرى تتباهى بابنتيها اللتين دخلتا عالم الزواج من مدّة، مع أن ابنتها الكبيرة تصبح وتمسي على كدمات تلطخ عينيها باللون الأزرق وروحها بالدمّ، وزوج الأخرى معروف لدى الحيّ، بأنّه المصدر الرئيسي لكل "سيجارة حشيش" يحملها شاب، إلا أنّ "العريس رحمة ولو كان فحمة"...!!
الركوة تلوى الأخرى، والغاز اكتفى احتراقا من القهوة المنسكبة عليه،.. والحديث عن مريم المسكينة لا ينتهي ...
"أمّ العادل" التي تجيد التبصير، وجدت طريقا من النور في فنجان "أمّ مريم" وقبل أن تنهي كلامها دخلت "أمّ سعد"، التي تحمل السعد دائما في كلامها وجسدها المتين كالرجال، تطلب "البشارة": يا أمّ مريم، هاتي البشارة، هاتي البشارة، وافرشي السجّاد الأحمر مساء الغدّ، لأن العريس قادم .. قادم يا أمّ مريم "..
لحظات وتعلو الزغاريد في المنزل.. تأرّق نوم مريم المصطنع، فتفزّ من فراشها؛ لتمسع الحديث عن أصل العريس وفصله ...
لا تدري لما انتفضت روحها بهذه السرعة، فهي المتعلّمة الواعية، التي لا تعير اهتماما لهذه التراهات، ولكن من ناحية أخرى، إن كان هذا العريس سيخلّصها من العنوسة، ومن دعوات الجارات لها ليلا نهارا، وتأسّفهن عليها، فهيا يا علبة المساحيق، أتى دورك ....
"أمّ سمير" الخياطة نذرت أن يكون فستان الفرح عليها، وبعثت ببناتها ليساعدن "مريم" على اختيار فستان أنيق "يطيّر عقل العريس وأمّه" ..
الليل الطويل، أتى بخطاه المتباطئة، يختال على جسر أحلام الفتاة..
الجسر الذي ألقت منه كلّ الكوابيس، وكل العيون التي كانت تحدّق بها ليلا ونهارا ...
"و جاء العريس بلباسه الأنيق، صافحها بباقة ورد، ثمّ دعاها إلى جولة في زورق يبحر مع البجع؛ حيث الوشوشات لا لغة لها، فقط إيماءات ، وحدها المصابيح المتقدة على وجنتيها تفهمها .."
وعندما أسدل ستار العين، تحول الزورق إلى مركب من ورق يشبهها، يحمل ملامحها البائسة، و البجعات تقهقه بصوت عالٍ، كلما سألتها عن مكان العريس ...."
"يا له من كابوس، الحمد لله أن الفجر أيقظني منه .."
صباح جميل، لأول مرة ترتشف أشعّته مع المرآة التي لطالما كانت مركونة في الزاوية..
الحديث طويل، هذه المرّة ، إشتركت فيه كل المساحيق، وأدوات الزينة ...
ومع إنهاء أمّها والجيران، "تعزيل المنزل"، أنهت تجميل نفسها، ولم تبق سوى بعض اللمسات الأخيرة، العين الزرقاء لتحميها من العين، وبعض التحف التي جلبتها الجارات من منازلها؛ وذلك لإغاظة أمّ العريس ...
وفعلا تمّ ترتيب كلّ شيء، وكأن رئيس الجمهورية سيصل بنفسه ...
حضرت الساعة السادسة بجلالة قدرها بعد طول انتظار، لكن العريس تأخر، نصف ساعة، والتساؤلات في الأذهان تدور: "هل سيأتي؟ هل غيّر رأيه؟ إلى أن دقّ جرس المنزل على وتر قلب الفتاة ...
جاء أخيرا فارس الأحلام، ببدلته المكويّة، وربطة العنق التي تخطف الأنفاس، وباقة ورد صغيرة، حملها مجبرا لتكتمل لوحة الشاب الأنيق..
دخلت العروس بصينية القهوة، وربما كانت القهوة هي المنتظرة أكثر من الفتاة، خاصة أنّ أوّل ملاحظة أبدتها "أمّ العريس" هي عن الفناجين التي رأت منها الكثير، والتي لا تشبه طقمها الفاخر الذي لا يوجد منه ثنان في السوق ..
جلست الفتاة ترتعش أقدامها، ونظراتها التي تحاول أن تنظر خلسة للعريس ...
كانت نظرات العريس وأمّه على اتصال دائم، وعندما هّزت رأسها نحو الأعلى، استأذنا الخروج ..
خرجا من باب المتحف، تاركين الورود "لتلك المزهرية" بعد أن ملآها بالدموع ...
ذهبا وما همّهما إن تحطّمت المزهرية على عتبة المنزل أم لا .. العتبة التى لا يمكن أن تنسى كلمات الأمّ : "هيّا لنرى الفتاة الأخرى ..." أو بالأحرى المزهرية الأخرى ...
15/7/2010
تعليق