الخلاص / عائده محمد نادر
وفاء
لم يكد يدلف البيت متخفيا, حتى تناهت أصوات القادمين لسمعها, وطرقعة الأسلحة, تدوي حولها, تقرع أجراس الخطر, فبان الهلع, على قسمات وجهها الحزين:
- إهرب قصي, سيقتلونك, أسرع
أمسك يدها, يسحبها
- معي وفاء, لنهرب معا, سيقطعونك بدلا عني, سيعذبونك, حتى الموت.
- لن يفعلوا, سأشاغلهم, فقط أسرع قبل أن يقتحموا الباب.
حمل سلاحه, قفز بخفة للبيت المجاور, وهي تتابعه بعينين ملؤهما الخوف, تتمتم أدعية الحفظ والحرز.
أغلقت باب البيت الخلفي, ونفضت عن ثوبها الأسود, بقايا تراب علق به , تجاهد لاهثة, لملمة شتات روحها.
تعالت أصوات المهتاجين خارجا, واهتز الباب تحت ثقل الأكتاف المتدافعة, ثم انخلعت ضلفتيه, ليتدفق الرجال كومة واحدة, يحيطون بها!!
تلفتت محتارة بين الوجوه المكفهرة, زائغة العينين, مستغربة, هذا الحقد الدفين, الذي يطفح من المآقي, دب الخوف بداخلها, أفواج نملية, تزحف عليها حتى قمة رأسها, وفوهات البنادق مصوبة نحوها, زمجر أغلظهم:
- أين عشيقك, أيتها الفاجرة؟!!
ابتلعت ريقها الناشف:
- ابتلعته الأزقة!!
لم تستطع التقاط أنفاسها, والضربات تنهال على رأسها, صدرها, وجهها, حتى تهالكت, وصوت أجش يجز عقلها, ويتلمس جسدها بيديه, قبل أن تهوي, مغميا عليها.
- لن ندعك تنسين هذا اليوم, أبدا!!
بين الوهم والحقيقة, استفاقت, تغشو عيناها ضبابية مغبرة, تتفحص وجه والدتها, بعض الجيران, وسياط الحيرة تلسع كيانها, بدت لها الوجوه, مشوهة, وتلك العجوز تمسح وجهها بطرف ثوبها, تتمتم بأيات قرآنية على رأسها, وتنفخ على جبينها.
كان الوقت, غروبا, اختلط لونه بلون رؤياها, وضبابيتها!!
حين همست العجوز في أذنها قبل أن تنصرف:
- السدرة, لن تصيبها اللعنة بنيتي, تشبثي بالجذر, لا تدعي السوس ينخرك, إنخريه!!
وتتحاشى النظر لعيني قصي, تنشطر روحه, وهو يسألها سر الشحوب الذي يعلو وجهها, سر هذا الحياء منه, بعد أن مرت أسابيع طويلة, تنشج أمها مفجوعة:
- صخرت الحرب بعض القلوب, فأحالتها جلمودا, ماكان يجب أن أذهب ذاك اليوم, للمقبرة, قبرني الله , بقيت بومة, تنعب فوق قبور الموتى.
يتنهد, يزفر الأنفاس حارة, يتفرس وجهها الشاحب, يقبض على جمرالندم:
- الذنب ذنبي, خالتي, لأني هربت, جاءوا من أجلي, ظفرت بثلاثة منهم, وفاء, بالله عليك لا تبتئسي, لن تمر الحادثة هكذا, ثقي بي, أقسم بالله لن تمر.
تنفلت من بينهما, هاربة, تنتبذ الركن في غرفتها, تنتحب بصمت المقهورين, تلطم على وجهها, تفرك يديها ببعضهما, حتى ينسلخ الجلد عنهما.
وتنتظر الليل أن تغفو والدتها, تدور بين أرجاء المنزل, تضرب بطنها, تقفز من أعلى السلم, تدخل المطبخ, تحمل جرار الغاز إلى أعلى, تنقطع أنفاسها, فتفترش الأرض, تلهث, مكفهرة الوجه, تكتم صيحة قهر, تعض شفتها السفلى تدميها, وما فتأ الجرح ينز قهرا وغيظا, تكتمه بين ظلوعها, فتحس بالنار تشب في قلبها, حتى خالته, تفحم!!
ذوى جسدها, وذبلت وجنتيها, وانطفأ ذاك الوهج, من عينيها, وهي تنوء بذكريات, يوم تراقصت فيه الشياطين مرحة, تقهقه على نواح صوتها المتوسل, رحمة بها, ورأفة, ما زادتهم إلا رغبة في نهشها.
أيقنت أنها لن تطيق الأمر, لو لم تستأصل, هذا الورم المستفحل من بطنها!! وهو يكبر, كمارد داخلها, تحسه وحشا, يلتهم أحشائها!!
تطاردها الكوابيس, حين تفغو, وجوه مشوهة, وأياد بأظفار طويلة, تقتطع من لحمها, وتأكله نيئا!!
تقفز جزعة, تتلفت حولها مرتعشة, وتهيم على وجهها, تبكي نشيجا موجعا.
تدور في المطبخ, عدة دورات, تشحذ أفكارها, وهمهمة العجوز تطرق بعكازها جمجمتها؛ إنخريه!! إنخريه!!
همهمت:
- سأنخره
استلت سيخ حياكة, دخلت الحمام!!
باعدت بين ساقيها, تولج السيخ ببطيء!!
أحست بالوجع, بالخوف, همت أن تتراجع, لكن طوفان الألم داهمها, لم يعطها فرصة.
دست بالسيخ أعمق
كادت أن تنفلت من فمها صرخة مدوية, والألم سكاكين تمزق بطنها, كممت فمها بيدها بقوة, والتقلصات تزداد ضراوة تعتصر أحشاءها, حتى تقطعت أنفاسها, وانصب العرق البارد على جبينها
ابتهلت لله تدعوه ملهوفة
- أعني إلهي, خلصني من بلوتي
أسندت ظهرها للحائط, سحبت أنفاسا عميقة, وكتمتها, دفعت بأناة, تذكرت حين أجهضت جنينها يوم استشهد زوجها, زمت شفتيها لئلا تنفلت الآهة من فمها, وصوت العجوز يرن بأذنيها:
- السدرة لن تصيبها اللعنة بنيتي , إنخريه.
- سأنخره, لأطوي صفحة الضيم, أمحوها, وأدفن السر, في قعر أنفاق المجارير.
كر عليها الوجع, يصب حممه الهمجية, صهرها
شحب وجهها, وازرقت شفتيها, واصطكت أسنانها, فكزت عليها, وهي تضغط على بطنها, بكلتا يديها, اغترفتها موجة قوية من الطلق, تدفق الدم سريعا, انزلقت معه كتلة دموية متخثرة, أحدثت ارتطاما, مكتوما!
أحست برعشة صقيعية تعتريها, فارتجف جسمها الواهن.
انفرجت أساريرها, منهكة تتنفس الصعداء, وكتلة الدم تنزلق في البالوعة.
شعرت بروح العجوز ترافقها, تمسح بحنو جبينها, بيدها المعروقة, وتبسمل ممتنة لله.
افترشت أرضية الحمام, فتحت صنبور المياه على أقصاه, تركته يصب فوق رأسها, وتتلو مع المؤذن أذان الفجر.
--------------------------------------
- إهرب قصي, سيقتلونك, أسرع
أمسك يدها, يسحبها
- معي وفاء, لنهرب معا, سيقطعونك بدلا عني, سيعذبونك, حتى الموت.
- لن يفعلوا, سأشاغلهم, فقط أسرع قبل أن يقتحموا الباب.
حمل سلاحه, قفز بخفة للبيت المجاور, وهي تتابعه بعينين ملؤهما الخوف, تتمتم أدعية الحفظ والحرز.
أغلقت باب البيت الخلفي, ونفضت عن ثوبها الأسود, بقايا تراب علق به , تجاهد لاهثة, لملمة شتات روحها.
تعالت أصوات المهتاجين خارجا, واهتز الباب تحت ثقل الأكتاف المتدافعة, ثم انخلعت ضلفتيه, ليتدفق الرجال كومة واحدة, يحيطون بها!!
تلفتت محتارة بين الوجوه المكفهرة, زائغة العينين, مستغربة, هذا الحقد الدفين, الذي يطفح من المآقي, دب الخوف بداخلها, أفواج نملية, تزحف عليها حتى قمة رأسها, وفوهات البنادق مصوبة نحوها, زمجر أغلظهم:
- أين عشيقك, أيتها الفاجرة؟!!
ابتلعت ريقها الناشف:
- ابتلعته الأزقة!!
لم تستطع التقاط أنفاسها, والضربات تنهال على رأسها, صدرها, وجهها, حتى تهالكت, وصوت أجش يجز عقلها, ويتلمس جسدها بيديه, قبل أن تهوي, مغميا عليها.
- لن ندعك تنسين هذا اليوم, أبدا!!
بين الوهم والحقيقة, استفاقت, تغشو عيناها ضبابية مغبرة, تتفحص وجه والدتها, بعض الجيران, وسياط الحيرة تلسع كيانها, بدت لها الوجوه, مشوهة, وتلك العجوز تمسح وجهها بطرف ثوبها, تتمتم بأيات قرآنية على رأسها, وتنفخ على جبينها.
كان الوقت, غروبا, اختلط لونه بلون رؤياها, وضبابيتها!!
حين همست العجوز في أذنها قبل أن تنصرف:
- السدرة, لن تصيبها اللعنة بنيتي, تشبثي بالجذر, لا تدعي السوس ينخرك, إنخريه!!
وتتحاشى النظر لعيني قصي, تنشطر روحه, وهو يسألها سر الشحوب الذي يعلو وجهها, سر هذا الحياء منه, بعد أن مرت أسابيع طويلة, تنشج أمها مفجوعة:
- صخرت الحرب بعض القلوب, فأحالتها جلمودا, ماكان يجب أن أذهب ذاك اليوم, للمقبرة, قبرني الله , بقيت بومة, تنعب فوق قبور الموتى.
يتنهد, يزفر الأنفاس حارة, يتفرس وجهها الشاحب, يقبض على جمرالندم:
- الذنب ذنبي, خالتي, لأني هربت, جاءوا من أجلي, ظفرت بثلاثة منهم, وفاء, بالله عليك لا تبتئسي, لن تمر الحادثة هكذا, ثقي بي, أقسم بالله لن تمر.
تنفلت من بينهما, هاربة, تنتبذ الركن في غرفتها, تنتحب بصمت المقهورين, تلطم على وجهها, تفرك يديها ببعضهما, حتى ينسلخ الجلد عنهما.
وتنتظر الليل أن تغفو والدتها, تدور بين أرجاء المنزل, تضرب بطنها, تقفز من أعلى السلم, تدخل المطبخ, تحمل جرار الغاز إلى أعلى, تنقطع أنفاسها, فتفترش الأرض, تلهث, مكفهرة الوجه, تكتم صيحة قهر, تعض شفتها السفلى تدميها, وما فتأ الجرح ينز قهرا وغيظا, تكتمه بين ظلوعها, فتحس بالنار تشب في قلبها, حتى خالته, تفحم!!
ذوى جسدها, وذبلت وجنتيها, وانطفأ ذاك الوهج, من عينيها, وهي تنوء بذكريات, يوم تراقصت فيه الشياطين مرحة, تقهقه على نواح صوتها المتوسل, رحمة بها, ورأفة, ما زادتهم إلا رغبة في نهشها.
أيقنت أنها لن تطيق الأمر, لو لم تستأصل, هذا الورم المستفحل من بطنها!! وهو يكبر, كمارد داخلها, تحسه وحشا, يلتهم أحشائها!!
تطاردها الكوابيس, حين تفغو, وجوه مشوهة, وأياد بأظفار طويلة, تقتطع من لحمها, وتأكله نيئا!!
تقفز جزعة, تتلفت حولها مرتعشة, وتهيم على وجهها, تبكي نشيجا موجعا.
تدور في المطبخ, عدة دورات, تشحذ أفكارها, وهمهمة العجوز تطرق بعكازها جمجمتها؛ إنخريه!! إنخريه!!
همهمت:
- سأنخره
استلت سيخ حياكة, دخلت الحمام!!
باعدت بين ساقيها, تولج السيخ ببطيء!!
أحست بالوجع, بالخوف, همت أن تتراجع, لكن طوفان الألم داهمها, لم يعطها فرصة.
دست بالسيخ أعمق
كادت أن تنفلت من فمها صرخة مدوية, والألم سكاكين تمزق بطنها, كممت فمها بيدها بقوة, والتقلصات تزداد ضراوة تعتصر أحشاءها, حتى تقطعت أنفاسها, وانصب العرق البارد على جبينها
ابتهلت لله تدعوه ملهوفة
- أعني إلهي, خلصني من بلوتي
أسندت ظهرها للحائط, سحبت أنفاسا عميقة, وكتمتها, دفعت بأناة, تذكرت حين أجهضت جنينها يوم استشهد زوجها, زمت شفتيها لئلا تنفلت الآهة من فمها, وصوت العجوز يرن بأذنيها:
- السدرة لن تصيبها اللعنة بنيتي , إنخريه.
- سأنخره, لأطوي صفحة الضيم, أمحوها, وأدفن السر, في قعر أنفاق المجارير.
كر عليها الوجع, يصب حممه الهمجية, صهرها
شحب وجهها, وازرقت شفتيها, واصطكت أسنانها, فكزت عليها, وهي تضغط على بطنها, بكلتا يديها, اغترفتها موجة قوية من الطلق, تدفق الدم سريعا, انزلقت معه كتلة دموية متخثرة, أحدثت ارتطاما, مكتوما!
أحست برعشة صقيعية تعتريها, فارتجف جسمها الواهن.
انفرجت أساريرها, منهكة تتنفس الصعداء, وكتلة الدم تنزلق في البالوعة.
شعرت بروح العجوز ترافقها, تمسح بحنو جبينها, بيدها المعروقة, وتبسمل ممتنة لله.
افترشت أرضية الحمام, فتحت صنبور المياه على أقصاه, تركته يصب فوق رأسها, وتتلو مع المؤذن أذان الفجر.
--------------------------------------
يحكى أن الليوث يعيشون جماعات تتألف من أسد ذكر ( الحامي والراعي ) وعدة إناث يقمن بمهام الصيد والإنجاب والرعاية وعندما يبلغ الأشبال الذكور يطردون من القبيلة ليذهبوا ويؤسسون قبيلتهم الخاصة
و قد يجدون ذكرا هرما يتحدونه وييستولون على زعامة أسرته ويطردونه ..
ولكن المدهش أن الأسد الفتي حالما يتسلم زمام السلطة على قطيع ما يقوم بقتل الأشبال الصغار على مرأى من أمهاتهم وهي إشارة إلى انتهاء عهد الزعيم السابق المهزوم ومحو لآثاره بإبادة ذريته ..!
تلك هي قصة الانتقام الوحشي الذي يصل إلى ذرية الجاني ليدفع الثمن .. ولقد عرف التاريخ البشري الكثير من الأحداث المشابهة ولعل أشهرها في التاريخ الحديث .. إبادة العائلة القيصرية الروسية على يد الحكام الجدد البلاشفة ..
لقد سجل التاريخ الإنساني الكثير من حالات النيل من الحلقة الأضعف انتقاما من الأقوى الذي لا يمكن النيل منه .. وذلك في استغلال بشع للسلطة التي تساهم الظروف في منحها لشخص ما في لحظة ما .. على حساب شخص أو أشخاص آخرين يدينون له فيغتنم الفرصة ليفتك بهم ويبتزهم ..
وهذا مازال يحدث كل لحظة في شتى أصقاع الأرض ..
وهذا ما يفتح الباب للحديث عن حدود السلطة وحقوق الحاكم و جميع المحكومين الواقعين تحت سلطته ( الزائلة تبعا للظروف ) وللتكلم بشكل واسع في مفهوم السلطة لا بد أن نجد في النهاية التعريف البسيط وهو : علاقة مفروضة بين حاكم ومحكوم
ومن هذا التعريف البسيط يمكن أن نفهم طبيعة العلاقة ( المفروضة ) والتي تشي بقوة الحاكم أمام ضعف المحكوم .. ولقد سادت هذه القاعدة منذ فجر التاريخ وما زالت تسود حتى الآن ..
فالقوي هو الذي يتقدم ويحمل السلطة ويحكم الضعيف .. ولهذا خاض الأشداء منذ فجر التاريخ المغامرات الكبرى لإزاحة الأضعف عن رأس السلطة وتولي إخضاع الضعفاء وحكمهم .. ثم توالى الأمر وتراتب بهرمية منظمة جعلت الشخص ينتمي إما إلى فئة الحاكمين أو إلى فئة المحكومين وفق قوانين جامدة وصارمة تتيح للحاكم سلطة ثابدة ومدعومة بقوة الشرعية القانونية لممارسة السلطة .. ونتكلم هنا عن السلطة بالمفهوم العام الواسع .. حيث الشرطي مثلا يحكم المخالفين باسم القانون وكثيرا ما يسيء استخدام سلطته ويبتز وينتهك القانون .. وكذلك المدرس الذي يحكم التلاميذ .. قد يسيء استخدام سلطته فيبتز وينتهك القانون .. بل إن الأباء الذين يحكمون أبناءهم قد يسيؤون استخدام سلطتهم فيبتزون وينتهكون القانون وهكذا ....
بعد كل ما سبق يمكن أن نفهم حالة التدوير الحيوية المستمرة وفق قانون الاصطفاء الطبيعي والذي يضمن البقاء للأقوى ولا بد من أن نشير إلى أن هذا الاختلاف بين قوي وضعيف هو المسؤول عن التطور باستمرار الصراع الحيوي على وجه الأرض .. و قد خلق ترتيبا هرميا ناظما للحياة يقف على رأسه الأكثر قوة إلى أن يتسلل الضعف إليه فيسقطه الأقوى الجديد .. وتبقى الهرمية في تسلسل يضع الكثير من السلطات يحملها الكثير من الحاكمين ضد محكومين .. في حين قد يقوم بعض العتاة والمجرمين بفرض سلطتهم وقوانينهم للوصول إلى المزيد من المحكومين ( الفرائس ) وافتراسهم ..
و قد يجدون ذكرا هرما يتحدونه وييستولون على زعامة أسرته ويطردونه ..
ولكن المدهش أن الأسد الفتي حالما يتسلم زمام السلطة على قطيع ما يقوم بقتل الأشبال الصغار على مرأى من أمهاتهم وهي إشارة إلى انتهاء عهد الزعيم السابق المهزوم ومحو لآثاره بإبادة ذريته ..!
تلك هي قصة الانتقام الوحشي الذي يصل إلى ذرية الجاني ليدفع الثمن .. ولقد عرف التاريخ البشري الكثير من الأحداث المشابهة ولعل أشهرها في التاريخ الحديث .. إبادة العائلة القيصرية الروسية على يد الحكام الجدد البلاشفة ..
لقد سجل التاريخ الإنساني الكثير من حالات النيل من الحلقة الأضعف انتقاما من الأقوى الذي لا يمكن النيل منه .. وذلك في استغلال بشع للسلطة التي تساهم الظروف في منحها لشخص ما في لحظة ما .. على حساب شخص أو أشخاص آخرين يدينون له فيغتنم الفرصة ليفتك بهم ويبتزهم ..
وهذا مازال يحدث كل لحظة في شتى أصقاع الأرض ..
وهذا ما يفتح الباب للحديث عن حدود السلطة وحقوق الحاكم و جميع المحكومين الواقعين تحت سلطته ( الزائلة تبعا للظروف ) وللتكلم بشكل واسع في مفهوم السلطة لا بد أن نجد في النهاية التعريف البسيط وهو : علاقة مفروضة بين حاكم ومحكوم
ومن هذا التعريف البسيط يمكن أن نفهم طبيعة العلاقة ( المفروضة ) والتي تشي بقوة الحاكم أمام ضعف المحكوم .. ولقد سادت هذه القاعدة منذ فجر التاريخ وما زالت تسود حتى الآن ..
فالقوي هو الذي يتقدم ويحمل السلطة ويحكم الضعيف .. ولهذا خاض الأشداء منذ فجر التاريخ المغامرات الكبرى لإزاحة الأضعف عن رأس السلطة وتولي إخضاع الضعفاء وحكمهم .. ثم توالى الأمر وتراتب بهرمية منظمة جعلت الشخص ينتمي إما إلى فئة الحاكمين أو إلى فئة المحكومين وفق قوانين جامدة وصارمة تتيح للحاكم سلطة ثابدة ومدعومة بقوة الشرعية القانونية لممارسة السلطة .. ونتكلم هنا عن السلطة بالمفهوم العام الواسع .. حيث الشرطي مثلا يحكم المخالفين باسم القانون وكثيرا ما يسيء استخدام سلطته ويبتز وينتهك القانون .. وكذلك المدرس الذي يحكم التلاميذ .. قد يسيء استخدام سلطته فيبتز وينتهك القانون .. بل إن الأباء الذين يحكمون أبناءهم قد يسيؤون استخدام سلطتهم فيبتزون وينتهكون القانون وهكذا ....
بعد كل ما سبق يمكن أن نفهم حالة التدوير الحيوية المستمرة وفق قانون الاصطفاء الطبيعي والذي يضمن البقاء للأقوى ولا بد من أن نشير إلى أن هذا الاختلاف بين قوي وضعيف هو المسؤول عن التطور باستمرار الصراع الحيوي على وجه الأرض .. و قد خلق ترتيبا هرميا ناظما للحياة يقف على رأسه الأكثر قوة إلى أن يتسلل الضعف إليه فيسقطه الأقوى الجديد .. وتبقى الهرمية في تسلسل يضع الكثير من السلطات يحملها الكثير من الحاكمين ضد محكومين .. في حين قد يقوم بعض العتاة والمجرمين بفرض سلطتهم وقوانينهم للوصول إلى المزيد من المحكومين ( الفرائس ) وافتراسهم ..
بعد هذه المقدمة يمكن أن نتابع مع الكاتبة حالة من الشذوذ والعتو البشري في تسجيل بارع لانتهاك القوي حمى الضعيف وافتراسه ..
ويمكننا أن نسجل في هذا الحدث :
ويمكننا أن نسجل في هذا الحدث :
1- كان هناك القوي ( مجموعة مسلحة ) تبحث عن - ضعيف - فرد ( مسلح )
2- وبتشجيع ومساندة من الأكثر ضعفا ( المرأة - الحلقة الأضعف ) تمكن الضعيف من الإفلات من محاولة اصطياده
3- ولكن هذا النجاح في هرب الضعيف من المصيدة جعل الأكثر ضعفا ( المرأة - الحلقة الأضعف ) في مواجهة الأكثر قوة المتسلط .. وهذا وضع يغري بالاصطياد والفتك ..
4- انتقاما من الضعيف الذي هرب من الشرك افتُرِس الأكثر ضعفا ( المرأة ) بشكل عنيف وبشع بعد الضرب و الإهانة ثم .. الاغتصاب الوحشي .. الذي تعمد المغتصبون أن يترك آثارا قد لا تزول ( الحمل ) ..
2- وبتشجيع ومساندة من الأكثر ضعفا ( المرأة - الحلقة الأضعف ) تمكن الضعيف من الإفلات من محاولة اصطياده
3- ولكن هذا النجاح في هرب الضعيف من المصيدة جعل الأكثر ضعفا ( المرأة - الحلقة الأضعف ) في مواجهة الأكثر قوة المتسلط .. وهذا وضع يغري بالاصطياد والفتك ..
4- انتقاما من الضعيف الذي هرب من الشرك افتُرِس الأكثر ضعفا ( المرأة ) بشكل عنيف وبشع بعد الضرب و الإهانة ثم .. الاغتصاب الوحشي .. الذي تعمد المغتصبون أن يترك آثارا قد لا تزول ( الحمل ) ..
هذه كانت وقائع الحدث الأول وقد تلاه موقفان ذات صلة ..
أولا موقف الضعيف الناجي :
وقد سجل ندما على هربه وتعاطفا شديدا مع الضحية ( الأكثر ضعفا ) ولكن هذا الموقف لم يصل إلى مستوى إزالة الحاجز الذي انتصب بينه وبينها بعد حادث الافتراس الذي أصابها .. ولم يعنِ تهديده بالانتقام لها شيئا أمام مأساتها التي ابتدأت بافتراس تنمو آثاره يوما بعد يوم
وقد سجل ندما على هربه وتعاطفا شديدا مع الضحية ( الأكثر ضعفا ) ولكن هذا الموقف لم يصل إلى مستوى إزالة الحاجز الذي انتصب بينه وبينها بعد حادث الافتراس الذي أصابها .. ولم يعنِ تهديده بالانتقام لها شيئا أمام مأساتها التي ابتدأت بافتراس تنمو آثاره يوما بعد يوم
ثانيا موقف الأم العجوز :
كائن من فصيلة الأكثر ضعفا و لكنه مُطالِبٌ بسلطة وسيادة وانتقام ..
إنها تمثل شبح المارد المسمى الموروث من أصالة وأخلاقيات وعرف حملته أجيال قد يمكن له أن يكون أساسا لثورة الكائنات الأكثر ضعفا بعد أن خلقت حادثة الافتراس الأولى تقابلا جديدا بين ضعيف وقوي ..
كائن من فصيلة الأكثر ضعفا و لكنه مُطالِبٌ بسلطة وسيادة وانتقام ..
إنها تمثل شبح المارد المسمى الموروث من أصالة وأخلاقيات وعرف حملته أجيال قد يمكن له أن يكون أساسا لثورة الكائنات الأكثر ضعفا بعد أن خلقت حادثة الافتراس الأولى تقابلا جديدا بين ضعيف وقوي ..
لقد رأت العجوز هذا التقابل الجديد الذي نشأ بين الأكثر ضعفا سابقا والقوي اليوم ( المرأة ) وبين الجنين ( الحلقة الأضعف ) والذي يمثل آثرا ينتمي لمفترِس الأمس .. وقد بدأت تلح في طلب الانتقام ..
وربما نستطيع أن نلمس الكثير من العناوين والدوافع لهذا الافتراس الجديد ..
1- سترا للفضيحة بمحو حَبَل غير شرعي ..
2- حفظا لكرامة العائلة وشرفها وليس فقط الضحية ..
3- انهاء لعثرة قد تقف في طريق مستقبلٍ قد يجمع الضحية والعاشق ( الضعيف ) الهارب
4- انتقاما من هؤلاء المفترسين فهذا الجنين ( ينتمي لهم ) وهم زرعوه ليكون أثرا طويل الأجل يدل على إنتهاكهم حرمتها ..
5- اتقاء لما سيترتب على ثمرة الافتراس ( السوسة ) التي زرعها المفترس لتتآكل حياة الضحية وتحتمل وزرا لا تطيق حمله ..
2- حفظا لكرامة العائلة وشرفها وليس فقط الضحية ..
3- انهاء لعثرة قد تقف في طريق مستقبلٍ قد يجمع الضحية والعاشق ( الضعيف ) الهارب
4- انتقاما من هؤلاء المفترسين فهذا الجنين ( ينتمي لهم ) وهم زرعوه ليكون أثرا طويل الأجل يدل على إنتهاكهم حرمتها ..
5- اتقاء لما سيترتب على ثمرة الافتراس ( السوسة ) التي زرعها المفترس لتتآكل حياة الضحية وتحتمل وزرا لا تطيق حمله ..
ثم بدأت مراسم الحدث الثاني ..
وهنا كانت عملية الافتراس لا تخلو من الألم المبرح والمعاناة للمفترس ( المرأة ) رغم نجاحه ورغم سقوط الضحية ( الجنين ) ..
وكان قرار الافتراس في منتهى الصعوبة .. ومحاولة الافتراس أكثر صعوبة وأشد ألما ..
وكان قرار الافتراس في منتهى الصعوبة .. ومحاولة الافتراس أكثر صعوبة وأشد ألما ..
ويمكننا أن نسجل ..
1- حالة المهانة والانهيار والذبول الناتجة عن حالة الافتراس الأولى
2- حالة التضاؤل أمام الحبيب الهارب وأمام الناس بسبب ثقل آثار الانتهاك وآلامه عليها وشعورها بالحاجة لمحو آثار العدوان وغسل شرفها ..
3- محاولة الهرب غير الناجحة والإخفاء والاختفاء في مواجهة الجميع .. كانت العيون تراقب ضعفها وانهيارها و وتحاصرها بحالة الشفقة لهول المصيبة ( السوسة ) التي تحملها ..
كل هذا جعل من الافتراس الثاني أمرا شبه محتم ..
2- حالة التضاؤل أمام الحبيب الهارب وأمام الناس بسبب ثقل آثار الانتهاك وآلامه عليها وشعورها بالحاجة لمحو آثار العدوان وغسل شرفها ..
3- محاولة الهرب غير الناجحة والإخفاء والاختفاء في مواجهة الجميع .. كانت العيون تراقب ضعفها وانهيارها و وتحاصرها بحالة الشفقة لهول المصيبة ( السوسة ) التي تحملها ..
كل هذا جعل من الافتراس الثاني أمرا شبه محتم ..
ولكن شتان بين المفترِسَين .. !!
.....
.....
لا شك أن القصة تعالج جرحا كبيرا يعانيه الوطن الذي يرزح تحت وطأة الاحتلال .. ويرتسم فوق جلد المواطن آثاراً شديدة العنف والقسوة والألم .. وكان للمرأة القسم الأوفر من هذا الجرح .. ومن هذه المعاناة المهولة .. التي خرجت فيها كل الإيديولوجيات والعقائد والنزعات القومية والعرقية من عقالها لتشارك في ذبح الوطن الجريح ..
ولكن ثمة أمل .. فالوطن وبأبنائه المقهورين .. مازال قادرا على النهوض حتى ولو بالتقطيع من لحم أبنائه .. لإزالة آثار المرض .. والتعافي .. والإصرار على الانتصار ..
ولكن ثمة أمل .. فالوطن وبأبنائه المقهورين .. مازال قادرا على النهوض حتى ولو بالتقطيع من لحم أبنائه .. لإزالة آثار المرض .. والتعافي .. والإصرار على الانتصار ..
الأستاذة عائدة محمد نادر
الخلاص كان عنوانا جد موفق يمثل إسقاطا حيا على ما يمكن أن يُشفي جراح الوطن ..
فلا بد من إجهاض كل ما حبلت به هذه المرحلة من فساد تحت وطأة الاحتلال البغيض ..
فلا بد من إجهاض كل ما حبلت به هذه المرحلة من فساد تحت وطأة الاحتلال البغيض ..
تعليق