الصحفي الجريء
قصدالمواطن المنكوب ركن الصحفي الجريء في المقهى، وبعد السلام، والجلوس، والتعارف،وتبادل عبارات لا معنى لها، على الرغم من لزومها في مناسبات كهذه، حين يلتقي شخصانلأول مرة، كالسؤال عن الصحة، وأحوال الطقس، ونسبة الأمطار النازلة، وتهريب المازوت،وحوادث السير، وآخر الإشاعات بخصوص زيادة الرواتب، وأسعار العقارات.. وبعد وصولفنجاني قهوة، دون سكر، إلى الطاولة، بطلب من الصحفي الجريء، وإشعال سجائر الحمراءالطويلة، التي لم تنطفئ، طوال الجلسة، دار بينهما الحوار التالي:
المواطن المنكوب: عندي موضوع تحقيق صحفي ساخن لا يجرؤ على إجرائهونشره أحد غيرك، مثلما فهمت، من بعض معارفكم، الذين يتحدثون عن تخصصكم بإجراءالتحقيقات الصحفية الجريئة التي لا تترك ستراً مغطى على الفاسدين، من مرتكبيالجرائم بحق البلد والناس..
الصحفي الجريء: استغفر الله العظيم يا أخي المواطن.. أنا لا أقومإلا بجزء يسير من واجبي.. أصلاً لا معنى للصحافة إذا لم تقف إلى جانب الناسالمظلومين.. لكن ما قلت لي إيش موضوع التحقيق؟
المواطن: يا سيدي الكريم، حصل خطأ طبي قبل أسبوع، أدى إلى وفاةإنسان.. مريض قلب، في حاجة لعمل جراحي بسيط " فتاق " خدروه تخديراً شاملاً، بدلاً منالتخدير الموضعي، فانقطع نفسه بعد العملية، ومات.. إنه أبي يا أستاذ..
الصحفي: يا لطيف، ويا ستار! كل شيء يمكن السكوت عنه باستثناء اللعببحيوات الناس.. سأجري لك تحقيقاً يخرب البيوت.. مثل هذه القصة لو جرت أحداثها فيبلد مثل السويد، لأغلقوا المستشفى الذي أجريت فيه العملية، وسحبوا الشهادة منالطبيب الذي أجراها، ودفعوا تعويضاً لأهل المتوفى يكفي لشراء خمسة بيوت في مكان راق.. على كلحال البقية بحياتك، قل لي في أي مستشفى جرت العملية حتى نبدأ فوراً، فأنا منذ زمنطويل عاقد العزم على البدء بإجراء سلسلة تحقيقات صحفية عن مشافينا التي تحولت إلىمسالخ، والعياذ بالله.. وها قد أخرجنا من حقيبتنا قلماً وورقة..
المواطن: في مستشفى العافية لصاحبه الدكتور عبد الشافي..
الصحفي: غير معقول!! إن ما أعرفه هو أن العمل الطبي يجري بشكل جيدفي هذا المستشفى..
المواطن: يجري بشكل جيد، أو سيء.. المهم أن الخطأ قد وقع في هذاالمستشفى بالذات، وأن أبي قد مات..
الصحفي: يا أخي في أحسن بلدان العالم يوجد نسبة فشل في الأعمالالجراحية، طبعاً ترتفع هذه النسبة، وتنخفض، حسب تطور الطب في هذا البلد أو ذاك.. لهذا حين يخرج الطبيب من غرفة العلميات، ويقول لأهل المريض: إن العملية قد نجحت.. أونحن عملنا ما علينا، والباقي على الله.. ويتركهم، ويمضي، ليلاقي المريض مصيرهالمحتوم..
المواطن: أنا أعتقد أن خطأ كهذا لا يمكن أن يحصل في أي بلد من بلدانالعالم، مهما كان الطب فيه متخلفاً..
الصحفي: قد تكون محقاً يا أخي المواطن، لكن بصراحة أنا غير قادرعلى إجراء تحقيق كهذا، فالدكتور عبد الشافي قريبي، والظفر لا يطلع من اللحم..
المواطن: طيب اترك لنا سيرة المستشفى جانباً، واترك لنا سيرةالدكتور صاحبه، واكتب لنا عن الطبيب الجراح، الذي أجرى العملية، وتسبب بالوفاة..
الصحفي: على رأسي، ثم عيني.. لو قلت لي مثل هذا الكلام منذ البدايةكان اختلف الكلام.. أعطني اسم هذا الطبيب الجراح، لأخرب لك بيته، وبيت كل طبيب مثلهأجرى عملاً جراحياً، عفّس فيه، وتسبب بوفاة مريضه..
المواطن: أنا لا أعرفه شخصياً، لكن أعتقد أن اسمه عبد القادرالجزار...
الصحفي: ماذا تقول أنت؟! اسمه عبد القادر الجزار!! ألا تعلم أن هذاالرجل من الجراحين المهمين بالبلد، كان متفوقاً في دراسته، وانتسب لكلية الطب بفضلدرجاته المرتفعة.. أعني أنه لم يكن من المظليين، أو من جماعة دورات الصاعقة، وسواهممن جماعة الشبيبة والذاهبين إلى الجامعات بفضل القبول الاستثنائي، ناهيك عن أنه تخصص في أفضلجامعات الغرب ومستشفياته؟
المواطن: أنا لا أعرف إن كان متفوقاً في دراسته، أم لا.. المهم أنهأجرى العملية لأبي، وأن أبي قد أعطاك عمره...
الصحفي: طيب ألا تعرف أنت أن هذا الطبيب شريكي بلعب الطرنيبوجاري بالبناية، والله تعالى جلّ اسمه، أوصانا بسابع جار؟
المواطن: ومن أين لي أن أعرف يا أستاذ؟ أنا رجل درويش، على قدّ حالي،من الشغل إلى البيت، ومن البيت إلى الشغل، لا أعرف من الناس سوى بعض جيراني،وأقاربي، وزملائي بالعمل..
الصحفي: أنا آسف يا أخي المواطن عن إجراء تحقيق صحفي كهذا، وإذا كانعندك غير هذا الموضوع، فأنا جاهز لشغله ونشره على الفور..
المواطن: طيب أنا عندي اقتراح..
الصحفي: تفضل.. أنا تحت أمرك..
المواطن: لا يأمر عليك ظالم.. اترك لنا سيرة المستشفى جانباً، وسيرةصاحبها قريبك، وسيرة الطبيب الجراح جارك، وشريكك بلعب الطرنيب، واكتب لنا عن الطبيبالمخدر، الذي ساهم، بشكل فعّال، بالوفاة..
الصحفي: الآن دخلنا في الجد، فالطبيب المخدر هو المسؤول الأولوالأخير عن حصول هذه الكارثة، فلو كان جلس بجانب مريضه بعد إجراء العملية، وراقبتنفسه، لما جرى ما جرى.. أعطني اسمه الآن، وأنا سأسلخ لك جلده عن عظمه، وأربي بهكافة أطباء التخدير في البلد.. وها نحن قد أمسكنا بالقلم، وتوكلنا على الله..
المواطن: اسمه عبد الحي من ضيعة المركونة...
الصحفي: اسمه عبد الحي! ومن ضيعة المركونة أيضاً!! كأنك لا تعرف أنيمن ضيعة المركونة؟! أو أنك لا تعرف أن هذا الطبيب، بالذات، صديقي الروح بالروح؟! إنه رفيق الصبا يا رجل، كان مقعدنا واحداً في المدرسة في المراحل الثلاث: الابتدائية والإعدادية والثانوية..
المواطن: أنا آسف يا أستاذ.. لو كنت أعرف مثل هذه المعلومات ما كنتجئت أبحث عنك..
الصحفي: على كل حال حصل لنا الشرف بمعرفتك، وخيرها بغيرها، فالأياملما تنته بعد..
المواطن: كيلا نرجع من المولد بلا حمص، أيش رأيك تكتب لنا عنالممرضات العاملات في المستشفى؟ مؤكد أن لاسترخائهن في مراقبة المريض، بعد خروجه منغرفة العمليات، ووفاته بعد لحظات، علاقة بما جرى..
الصحفي: الله أكبر!! أنا صرت أشك الآن بأن أحداً ما قد دفعك علي،لأتورط في مشاكل أنا في غنى عنها.. أتريد مني أن أكتب عن الممرضات يا مواطن؟! وهلفقدت عقلي لأكتب عن ملائكة الرحمة؟! ثم إن حبيبة القلب تعمل ممرضة، والآن عندي موعدمعها.. خاطرك...
المواطن: مع السلامة..
نهضالصحفي الجريء، وخرج على عجل إلى موعده، بعد أن أعاد القلم إلى جيب قميصه، والورقةالتي بقيت ناصعة إلى حقيبته.. ونهض المواطن المنكوب أيضاً، دفع ثمن أربعة فناجينقهوة دون سكر، وكأسي شاي سكر زيادة، كانت قد وصلت تباعاً إلى الطاولة، بناء على طلبالصحفي الجريء، وخرج يبحث عن صحفي جريء آخر، لا تربطه علاقة بالمستشفيات، وأصحابها،ولا بالأطباء، والممرضات، بعد أن اكتشف أن قداحته، أم الخمس ليرات، وأن علبةسجائره، الحمراء الطويلة، التي اشتراها حين دخل المقهى، ودخنا منها طوال الجلسة، قداختفتا عن الطاولة..
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ـ هذه القصة من مجموعة " الخائب " الصادرة عن اتحاد الكتاب العرب 2006
المواطن المنكوب: عندي موضوع تحقيق صحفي ساخن لا يجرؤ على إجرائهونشره أحد غيرك، مثلما فهمت، من بعض معارفكم، الذين يتحدثون عن تخصصكم بإجراءالتحقيقات الصحفية الجريئة التي لا تترك ستراً مغطى على الفاسدين، من مرتكبيالجرائم بحق البلد والناس..
الصحفي الجريء: استغفر الله العظيم يا أخي المواطن.. أنا لا أقومإلا بجزء يسير من واجبي.. أصلاً لا معنى للصحافة إذا لم تقف إلى جانب الناسالمظلومين.. لكن ما قلت لي إيش موضوع التحقيق؟
المواطن: يا سيدي الكريم، حصل خطأ طبي قبل أسبوع، أدى إلى وفاةإنسان.. مريض قلب، في حاجة لعمل جراحي بسيط " فتاق " خدروه تخديراً شاملاً، بدلاً منالتخدير الموضعي، فانقطع نفسه بعد العملية، ومات.. إنه أبي يا أستاذ..
الصحفي: يا لطيف، ويا ستار! كل شيء يمكن السكوت عنه باستثناء اللعببحيوات الناس.. سأجري لك تحقيقاً يخرب البيوت.. مثل هذه القصة لو جرت أحداثها فيبلد مثل السويد، لأغلقوا المستشفى الذي أجريت فيه العملية، وسحبوا الشهادة منالطبيب الذي أجراها، ودفعوا تعويضاً لأهل المتوفى يكفي لشراء خمسة بيوت في مكان راق.. على كلحال البقية بحياتك، قل لي في أي مستشفى جرت العملية حتى نبدأ فوراً، فأنا منذ زمنطويل عاقد العزم على البدء بإجراء سلسلة تحقيقات صحفية عن مشافينا التي تحولت إلىمسالخ، والعياذ بالله.. وها قد أخرجنا من حقيبتنا قلماً وورقة..
المواطن: في مستشفى العافية لصاحبه الدكتور عبد الشافي..
الصحفي: غير معقول!! إن ما أعرفه هو أن العمل الطبي يجري بشكل جيدفي هذا المستشفى..
المواطن: يجري بشكل جيد، أو سيء.. المهم أن الخطأ قد وقع في هذاالمستشفى بالذات، وأن أبي قد مات..
الصحفي: يا أخي في أحسن بلدان العالم يوجد نسبة فشل في الأعمالالجراحية، طبعاً ترتفع هذه النسبة، وتنخفض، حسب تطور الطب في هذا البلد أو ذاك.. لهذا حين يخرج الطبيب من غرفة العلميات، ويقول لأهل المريض: إن العملية قد نجحت.. أونحن عملنا ما علينا، والباقي على الله.. ويتركهم، ويمضي، ليلاقي المريض مصيرهالمحتوم..
المواطن: أنا أعتقد أن خطأ كهذا لا يمكن أن يحصل في أي بلد من بلدانالعالم، مهما كان الطب فيه متخلفاً..
الصحفي: قد تكون محقاً يا أخي المواطن، لكن بصراحة أنا غير قادرعلى إجراء تحقيق كهذا، فالدكتور عبد الشافي قريبي، والظفر لا يطلع من اللحم..
المواطن: طيب اترك لنا سيرة المستشفى جانباً، واترك لنا سيرةالدكتور صاحبه، واكتب لنا عن الطبيب الجراح، الذي أجرى العملية، وتسبب بالوفاة..
الصحفي: على رأسي، ثم عيني.. لو قلت لي مثل هذا الكلام منذ البدايةكان اختلف الكلام.. أعطني اسم هذا الطبيب الجراح، لأخرب لك بيته، وبيت كل طبيب مثلهأجرى عملاً جراحياً، عفّس فيه، وتسبب بوفاة مريضه..
المواطن: أنا لا أعرفه شخصياً، لكن أعتقد أن اسمه عبد القادرالجزار...
الصحفي: ماذا تقول أنت؟! اسمه عبد القادر الجزار!! ألا تعلم أن هذاالرجل من الجراحين المهمين بالبلد، كان متفوقاً في دراسته، وانتسب لكلية الطب بفضلدرجاته المرتفعة.. أعني أنه لم يكن من المظليين، أو من جماعة دورات الصاعقة، وسواهممن جماعة الشبيبة والذاهبين إلى الجامعات بفضل القبول الاستثنائي، ناهيك عن أنه تخصص في أفضلجامعات الغرب ومستشفياته؟
المواطن: أنا لا أعرف إن كان متفوقاً في دراسته، أم لا.. المهم أنهأجرى العملية لأبي، وأن أبي قد أعطاك عمره...
الصحفي: طيب ألا تعرف أنت أن هذا الطبيب شريكي بلعب الطرنيبوجاري بالبناية، والله تعالى جلّ اسمه، أوصانا بسابع جار؟
المواطن: ومن أين لي أن أعرف يا أستاذ؟ أنا رجل درويش، على قدّ حالي،من الشغل إلى البيت، ومن البيت إلى الشغل، لا أعرف من الناس سوى بعض جيراني،وأقاربي، وزملائي بالعمل..
الصحفي: أنا آسف يا أخي المواطن عن إجراء تحقيق صحفي كهذا، وإذا كانعندك غير هذا الموضوع، فأنا جاهز لشغله ونشره على الفور..
المواطن: طيب أنا عندي اقتراح..
الصحفي: تفضل.. أنا تحت أمرك..
المواطن: لا يأمر عليك ظالم.. اترك لنا سيرة المستشفى جانباً، وسيرةصاحبها قريبك، وسيرة الطبيب الجراح جارك، وشريكك بلعب الطرنيب، واكتب لنا عن الطبيبالمخدر، الذي ساهم، بشكل فعّال، بالوفاة..
الصحفي: الآن دخلنا في الجد، فالطبيب المخدر هو المسؤول الأولوالأخير عن حصول هذه الكارثة، فلو كان جلس بجانب مريضه بعد إجراء العملية، وراقبتنفسه، لما جرى ما جرى.. أعطني اسمه الآن، وأنا سأسلخ لك جلده عن عظمه، وأربي بهكافة أطباء التخدير في البلد.. وها نحن قد أمسكنا بالقلم، وتوكلنا على الله..
المواطن: اسمه عبد الحي من ضيعة المركونة...
الصحفي: اسمه عبد الحي! ومن ضيعة المركونة أيضاً!! كأنك لا تعرف أنيمن ضيعة المركونة؟! أو أنك لا تعرف أن هذا الطبيب، بالذات، صديقي الروح بالروح؟! إنه رفيق الصبا يا رجل، كان مقعدنا واحداً في المدرسة في المراحل الثلاث: الابتدائية والإعدادية والثانوية..
المواطن: أنا آسف يا أستاذ.. لو كنت أعرف مثل هذه المعلومات ما كنتجئت أبحث عنك..
الصحفي: على كل حال حصل لنا الشرف بمعرفتك، وخيرها بغيرها، فالأياملما تنته بعد..
المواطن: كيلا نرجع من المولد بلا حمص، أيش رأيك تكتب لنا عنالممرضات العاملات في المستشفى؟ مؤكد أن لاسترخائهن في مراقبة المريض، بعد خروجه منغرفة العمليات، ووفاته بعد لحظات، علاقة بما جرى..
الصحفي: الله أكبر!! أنا صرت أشك الآن بأن أحداً ما قد دفعك علي،لأتورط في مشاكل أنا في غنى عنها.. أتريد مني أن أكتب عن الممرضات يا مواطن؟! وهلفقدت عقلي لأكتب عن ملائكة الرحمة؟! ثم إن حبيبة القلب تعمل ممرضة، والآن عندي موعدمعها.. خاطرك...
المواطن: مع السلامة..
نهضالصحفي الجريء، وخرج على عجل إلى موعده، بعد أن أعاد القلم إلى جيب قميصه، والورقةالتي بقيت ناصعة إلى حقيبته.. ونهض المواطن المنكوب أيضاً، دفع ثمن أربعة فناجينقهوة دون سكر، وكأسي شاي سكر زيادة، كانت قد وصلت تباعاً إلى الطاولة، بناء على طلبالصحفي الجريء، وخرج يبحث عن صحفي جريء آخر، لا تربطه علاقة بالمستشفيات، وأصحابها،ولا بالأطباء، والممرضات، بعد أن اكتشف أن قداحته، أم الخمس ليرات، وأن علبةسجائره، الحمراء الطويلة، التي اشتراها حين دخل المقهى، ودخنا منها طوال الجلسة، قداختفتا عن الطاولة..
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ـ هذه القصة من مجموعة " الخائب " الصادرة عن اتحاد الكتاب العرب 2006
تعليق