قصة قصيرة
ـــــــــــــــــــــــ
عذراً أيها القلب الحنون علي خريبط الخليفه a.kalefa@yahoo.com
حين يكون الموت ملاذا آمنا, نستسلم له راغبين غير صاغرين, لنهرب من كل شيء يحيط بنا, الغربة في الوطن والفقر الذي أصبح جلباب يلبسنا ونلبسه!
ووجوه شبحيه لبست أقنعتها لتخفي حقيقتها
ولكن ما يجعلني اعتصر ألم وأتوجع .. هناك بين كل تلك الغصات
من هو ينتظرك ..!
لا يشبه كل شيء في تعلقه وفي صبره وحرقته .. قلب يفيض حبا وعطفا ساهرا ليله مناجيا سماه بنجومها وأقمارها والشهب الساقطة, كرسالة غوث لمستغيث
كانت تلك آخر الكلمات أرسلها مع ريح هوجاء ... إلى قلبها ....
في بيت من الصفيح عند بقعة منسية ... يمر من قربها نهر حفر لصد الفيضان
الآتي عند ازدياد منسوب نهر دجلة .. وأخيرا أصبح لتصريف المياه الثقيلة للمدينة
يسكن هناك مع عائلته التي ترزح تحت خط الفقر
لم يتجاوز العمر الثلاثة عشر .. ينظر إلى وجه أمه البائس, رسمت السنين عليه آثار تجاعيد السنة بكماء لترثي جمالها الغابر .. وصدرها وأردافها المتهدلة
كطير أنهكه العطش .
وهي تقلب وجهها في السماء. تفرك أصابعها دون هدي يدلها لتوفر لقمة عيش
ليومهم هذا .. تطيل النظر محدقة بأطفالها وهم ملتحفين بعضهم البعض
وسط صليل ليلة شتوية قارسة .. لا يستر أجسادهم النحيلة سوى قطع قماش بالية
مزقته سنين عوز لا ترحم .. تفطر قلبه لمنظر أمه وأنتظر الفجر أن يتنفس
حزم الأمر .. وهم في الخروج .. وقفت بوجهه
- إلى أين يا فلذة الكبد والروح ..قال
- البحث عن عمل .. قالت
- الدروب خطرة والموت يحفها من كل صوب . وعودك طري
- أطرق رأسه محدقا في الأرض دون أن يرد ..قالت له بقلبها الباكي
- هل ستعود !
- لا يمنعني عنك إلا القدر المحتوم ..
أصابتها الكلمة بذعر وفزع وقالت بجهالة الفطرة
- هل تستطيع أن تغافله وتأتي ، قل له هناك في الأرض المنسية
قلب أم ينتظر على الدروب . ويتفطر من لوعة الوجد والفراق
أجابها متبسما ، بثغره الذابل وهو يلقي عليها بنظرات عينيه الغائرتين اللتين يحيطهما السواد .. لا عليك يا أرق الناس وأعزهم ...سأخبره انك في الانتظار
.. كانت أمه تترقبه يكبر ويفرد طوله ويكون له شأن لتتباهى به
غادرها حاملاً كيس من القماش ليجمع فيه علب الكوكاكولا الفارغة الملقاة في الشوارع , يبيعها .. ويطعم الأفواه الجائعة ويرد لهثت أمه في حيرتها
تطويه الشوارع والأزقة ... يلوذ هنا وهناك عند سماع أزيز الرصاص
الشوارع خالية من أهلها .. لا يرى سوى أشباح أجساد مذعورة وأخرى تترصد فريستها
رآهم قادمين .. تقربوا منه أكثر ... أحاطوا به من كل ألجهات
ينظر إلى عيونهم تقدح شراً تطفح به وجوههم المتيبسة
قال أحدهم
- أهذه غنيمتنا اليوم .. بدأ يدور حوله كذئب استفرد شاة...وهو يتمتم
- جسد نحيل شاحب الوجه ، يلبسُ أسمال ٍ . لا يبدو عليه أستبدلها مذ سنوات, قاطعه أخر وقال ..
- لا يهم ما تقول إن ما يعنينا هي الروح التي نسلبها ؟
كانت الشمس تتسحب إلى الأفق البعيد وأمهُ واقفة على عتبة الباب تنظر إلى الشوارع والطرق التي غاب أثره فيها . عقدت ذراعيها فوق صدرها .
دقات قلبها تتلاشى كلما الشمس انحدرت نحو المغيب وهي ترمق السماء وتردد
- يا راد يوسف إلى يعقوب ، رد لي ولدي .. فلذة كبدي ، عمري الباقي وزهرة حياتي
صاح أحدهم هيا ما ذا تنتظرون أريحوه!
تلقفوه بأياد قاسية يسحلونه على أسفلت الشارع ... مستسلماً لهم بكل وداعة الطفولة والبراءة ..وجسده الغض تطوى بأيديهم كعود ريحان طري قد دنى قطافه
يسمع ترديد كلمات ذابحهُ حين وضع نصل سكينه على رقبته لقطع الود جين
الله أكبر .... الله أكبر ..... الله أكبر
رمق السماء بنظرةٍ ، وتحركت شفتاهُ باسمةٍ لتهمس فوضت الأمر إليكَ
فصلوا رأسهُ عن جسده وما زالت قطرات من حر القيض تعلو جبينه
وعيونه سابحة صوب الطرق البعيدة ...هناك حيث القلب الحاني .. حيث نظرات الانتظار
فأرسل كلماته عبر الريح الصفراء
- أماه.. أيتها القلب الحنون عذراً لم أستطع أغافل القدر المحتوم
ـــــــــــــــــــــــ
عذراً أيها القلب الحنون علي خريبط الخليفه a.kalefa@yahoo.com
حين يكون الموت ملاذا آمنا, نستسلم له راغبين غير صاغرين, لنهرب من كل شيء يحيط بنا, الغربة في الوطن والفقر الذي أصبح جلباب يلبسنا ونلبسه!
ووجوه شبحيه لبست أقنعتها لتخفي حقيقتها
ولكن ما يجعلني اعتصر ألم وأتوجع .. هناك بين كل تلك الغصات
من هو ينتظرك ..!
لا يشبه كل شيء في تعلقه وفي صبره وحرقته .. قلب يفيض حبا وعطفا ساهرا ليله مناجيا سماه بنجومها وأقمارها والشهب الساقطة, كرسالة غوث لمستغيث
كانت تلك آخر الكلمات أرسلها مع ريح هوجاء ... إلى قلبها ....
في بيت من الصفيح عند بقعة منسية ... يمر من قربها نهر حفر لصد الفيضان
الآتي عند ازدياد منسوب نهر دجلة .. وأخيرا أصبح لتصريف المياه الثقيلة للمدينة
يسكن هناك مع عائلته التي ترزح تحت خط الفقر
لم يتجاوز العمر الثلاثة عشر .. ينظر إلى وجه أمه البائس, رسمت السنين عليه آثار تجاعيد السنة بكماء لترثي جمالها الغابر .. وصدرها وأردافها المتهدلة
كطير أنهكه العطش .
وهي تقلب وجهها في السماء. تفرك أصابعها دون هدي يدلها لتوفر لقمة عيش
ليومهم هذا .. تطيل النظر محدقة بأطفالها وهم ملتحفين بعضهم البعض
وسط صليل ليلة شتوية قارسة .. لا يستر أجسادهم النحيلة سوى قطع قماش بالية
مزقته سنين عوز لا ترحم .. تفطر قلبه لمنظر أمه وأنتظر الفجر أن يتنفس
حزم الأمر .. وهم في الخروج .. وقفت بوجهه
- إلى أين يا فلذة الكبد والروح ..قال
- البحث عن عمل .. قالت
- الدروب خطرة والموت يحفها من كل صوب . وعودك طري
- أطرق رأسه محدقا في الأرض دون أن يرد ..قالت له بقلبها الباكي
- هل ستعود !
- لا يمنعني عنك إلا القدر المحتوم ..
أصابتها الكلمة بذعر وفزع وقالت بجهالة الفطرة
- هل تستطيع أن تغافله وتأتي ، قل له هناك في الأرض المنسية
قلب أم ينتظر على الدروب . ويتفطر من لوعة الوجد والفراق
أجابها متبسما ، بثغره الذابل وهو يلقي عليها بنظرات عينيه الغائرتين اللتين يحيطهما السواد .. لا عليك يا أرق الناس وأعزهم ...سأخبره انك في الانتظار
.. كانت أمه تترقبه يكبر ويفرد طوله ويكون له شأن لتتباهى به
غادرها حاملاً كيس من القماش ليجمع فيه علب الكوكاكولا الفارغة الملقاة في الشوارع , يبيعها .. ويطعم الأفواه الجائعة ويرد لهثت أمه في حيرتها
تطويه الشوارع والأزقة ... يلوذ هنا وهناك عند سماع أزيز الرصاص
الشوارع خالية من أهلها .. لا يرى سوى أشباح أجساد مذعورة وأخرى تترصد فريستها
رآهم قادمين .. تقربوا منه أكثر ... أحاطوا به من كل ألجهات
ينظر إلى عيونهم تقدح شراً تطفح به وجوههم المتيبسة
قال أحدهم
- أهذه غنيمتنا اليوم .. بدأ يدور حوله كذئب استفرد شاة...وهو يتمتم
- جسد نحيل شاحب الوجه ، يلبسُ أسمال ٍ . لا يبدو عليه أستبدلها مذ سنوات, قاطعه أخر وقال ..
- لا يهم ما تقول إن ما يعنينا هي الروح التي نسلبها ؟
كانت الشمس تتسحب إلى الأفق البعيد وأمهُ واقفة على عتبة الباب تنظر إلى الشوارع والطرق التي غاب أثره فيها . عقدت ذراعيها فوق صدرها .
دقات قلبها تتلاشى كلما الشمس انحدرت نحو المغيب وهي ترمق السماء وتردد
- يا راد يوسف إلى يعقوب ، رد لي ولدي .. فلذة كبدي ، عمري الباقي وزهرة حياتي
صاح أحدهم هيا ما ذا تنتظرون أريحوه!
تلقفوه بأياد قاسية يسحلونه على أسفلت الشارع ... مستسلماً لهم بكل وداعة الطفولة والبراءة ..وجسده الغض تطوى بأيديهم كعود ريحان طري قد دنى قطافه
يسمع ترديد كلمات ذابحهُ حين وضع نصل سكينه على رقبته لقطع الود جين
الله أكبر .... الله أكبر ..... الله أكبر
رمق السماء بنظرةٍ ، وتحركت شفتاهُ باسمةٍ لتهمس فوضت الأمر إليكَ
فصلوا رأسهُ عن جسده وما زالت قطرات من حر القيض تعلو جبينه
وعيونه سابحة صوب الطرق البعيدة ...هناك حيث القلب الحاني .. حيث نظرات الانتظار
فأرسل كلماته عبر الريح الصفراء
- أماه.. أيتها القلب الحنون عذراً لم أستطع أغافل القدر المحتوم
تعليق